«إعادة التحريج»... عوائد إيجابية للمجتمعات الأفريقية

تُحسّن مستوى المعيشة بجانب تعزيز التنوع البيولوجي

دراسة تؤكد زيادة النشاط الاقتصادي في المناطق القريبة من مزارع الأشجار بأفريقيا (رويترز)
دراسة تؤكد زيادة النشاط الاقتصادي في المناطق القريبة من مزارع الأشجار بأفريقيا (رويترز)
TT

«إعادة التحريج»... عوائد إيجابية للمجتمعات الأفريقية

دراسة تؤكد زيادة النشاط الاقتصادي في المناطق القريبة من مزارع الأشجار بأفريقيا (رويترز)
دراسة تؤكد زيادة النشاط الاقتصادي في المناطق القريبة من مزارع الأشجار بأفريقيا (رويترز)

شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الاهتمام بمبادرات «إعادة التحريج» بصفتها استراتيجية فعّالة لمواجهة آثار تغيّر المناخ وتحسين سبل معيشة السكان المحليين.

«إعادة التحريج»

تعني «إعادة التحريج»، وفق الأمم المتحدة، استعادة الأراضي التي كانت مغطاة بالغابات من خلال زراعة أشجار جديدة لتعويض الغطاء الحرجي المفقود، بخلاف التشجير الذي يركّز على زراعة أشجار في مناطق لم تكن غابات أصلاً.

وتهدف هذه العملية إلى معالجة تحديات بيئية كبيرة، مثل: التغير المناخي وتآكل التربة، كما تعزّز التنوع البيولوجي، فضلاً عن فوائدها البيئية، مثل تحسين جودة الهواء. وتُسهم «إعادة التحريج» في خلق فرص عمل وتحسين الأمن الغذائي.

ومن أبرز هذه المبادرات «تحدي بون» (Bonn Challenge)، الذي أُطلق عام 2011 بوصفه حملة عالمية، تهدف إلى إعادة تأهيل 350 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة والغابات بحلول عام 2030.

وتشمل هذه المبادرة أساليب متعددة؛ مثل: الزراعة المكثفة لتكوين غابات جديدة لأغراض بيئية أو إنتاجية، والزراعة المختلطة التي تدمج الأشجار مع المحاصيل، أو تربية الحيوانات لزيادة الإنتاجية، بالإضافة إلى التجدد الطبيعي حيث تترك الطبيعة لاستعادة الغابات ذاتياً دون تدخل بشري.

وفي دراسة أُجريت من قِبل فريق بحث دولي من الدنمارك وكندا والولايات المتحدة، تم تحليل تأثير «إعادة التحريج» في تحسين مستويات المعيشة لدى 18 دولة أفريقية، ونُشرت النتائج في عدد 20 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، من دورية «Communications Earth & Environment».

واعتمدت الدراسة على بيانات أكثر من 200 ألف أسرة بين عامي 2000 و2015. واستخدم الباحثون أساليب إحصائية دقيقة لتحديد العلاقة الإيجابية بين إعادة التحريج وتحسّن مستويات المعيشة.

واستندوا إلى مؤشرات متنوعة لقياس الفقر تشمل التعليم والصحة ومستويات المعيشة؛ حيث أظهرت النتائج أن زراعة الأشجار أسهمت بشكل مباشر في تحسين الدخل وتوفير فرص عمل، بالإضافة إلى آثار اقتصادية غير مباشرة. كما أظهرت أن مناطق زراعة الأشجار كان لها تأثير أكبر من مناطق استعادة الغابات الطبيعية في تخفيف حدة الفقر.

يقول الباحث الرئيس للدراسة في قسم علوم الأرض وإدارة الموارد الطبيعية بجامعة كوبنهاغن، الدكتور باوي دن برابر، إن الدراسة تطرح ثلاث آليات رئيسة قد تُسهم في تقليص الفقر، نتيجة لتوسع مزارع الأشجار أو استعادة الغابات.

وأضاف، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الآليات تتمثّل في توفير الدخل من خلال بيع منتجات الغابات، مثل: المطاط أو زيت النخيل، ما يسمح للأسرة بزيادة مواردها المادية. كما أن زراعة الأشجار قد تؤدي إلى خلق فرص عمل للسكان المحليين، في حين يمكن أن تُسهم مناطق التجديد البيئي في تحسين الظروف البيئية، ما يفيد الأسر المحلية من خلال النباتات والحيوانات التي يمكن بيعها وتوفير دخل إضافي للسكان.

ووفقاً لنتائج الدراسة، هناك مؤشرات من بعض البلدان؛ مثل: أوغندا، وبنين، أظهرت زيادة في النشاط الاقتصادي في المناطق القريبة من مزارع الأشجار مقارنة بتلك التي لا تحتوي عليها.

تأثيرات الاستدامة

كما أشارت الدراسة إلى أن برامج التشجير في أفريقيا التي تهدف إلى استعادة أكثر من 120 مليون هكتار من الأراضي عبر مبادرات، مثل: «السور الأخضر العظيم»، و«الأجندة الأفريقية لاستعادة النظم البيئية»، تمثّل جهداً كبيراً لمكافحة الفقر وتدهور البيئة.

وتُسهم نتائج الدراسة، وفق برابر، في النقاش المستمر حول استدامة تأثيرات زراعة الأشجار في التنوع البيولوجي والمجتمعات المحلية، من خلال تسليط الضوء على الفوائد المحتملة لهذه المبادرات عندما يتمّ تنفيذها بشكل مدروس ومتوازن. كما أظهرت أن مبادرات زراعة الأشجار، مثل «تحدي بون»، يمكن أن تؤدي إلى نتائج إيجابية للمجتمعات المحلية، سواء من حيث تحسين مستوى المعيشة أو تعزيز التنوع البيولوجي.

وتوصي الدراسة بأهمية مشاركة المجتمعات المحلية في هذه المبادرات بصفتها شرطاً أساسياً لضمان استدامتها ونجاحها، فالتفاعل المباشر للمجتمعات مع المشروعات البيئية يزيد من تقبلها وفاعليتها، مما يعزّز فرص نجاحها على المدى الطويل.



رؤى علمية رائدة لعلاج العمى الوراثي

رؤى علمية رائدة لعلاج العمى الوراثي
TT

رؤى علمية رائدة لعلاج العمى الوراثي

رؤى علمية رائدة لعلاج العمى الوراثي

لطالما اعتُبرت أمراض تنكّس الشبكية الوراثية، وهي مجموعة من أمراض العين الناتجة عن خلل جيني، من الأسباب الرئيسة لفقدان البصر الشديد لدى البالغين في سنّ العمل. وكان يُنظر إليها بوصفها مثالاً صارخاً على «حتمية الجينات»، إذ ساد الاعتقاد بأن حمل طفرة جينية معيّنة يعني بالضرورة فقدان البصر في مرحلة ما من الحياة. غير أن دراستين علميتين حديثتين تقلبان هذا التصور، وتؤكدان أن الجينات لا تعمل دائماً بهذه البساطة، وأن مصير الإنسان الصحي أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد.

الجينات «الممرِضة» لا تُسبب المرض

• احتمالية الإصابة. في دراسة رائدة نُشرت في مجلة «The American Journal of Human Genetics» في 8 يناير (كانون الثاني) 2026، حلّل باحثون من معهد علم جينوم العين في مستشفى ماساتشوستس للعيون والأذن وكلية الطب بجامعة هارفارد الولايات المتحدة بيانات جينية وسريرية لمئات الآلاف من الأشخاص. وخلصوا إلى أن الجينات التي كان يُعتقد سابقاً أنها تسبب العمى الوراثي بشكل شبه مؤكد لا تؤدي إلى المرض إلا في أقل من 30 في المائة من الحالات.

وتُعد هذه النتيجة مفاجِئة، خصوصاً أن أمراض تنكّس الشبكية تُصنَّف ضمن ما يُعرف بالاضطرابات «المندلية»، أي الأمراض الناتجة عن طفرة في جين واحد. ويقول الدكتور إريك بيرس، مدير المعهد وأحد كبار مؤلفي الدراسة، إن الاعتقاد السائد طوال أكثر من قرن كان أن طفرة واحدة كافية لإحداث المرض، لكن البيانات الجديدة تُظهر أن هذا النموذج يحتاج إلى مراجعة.

ويرجع سبب المبالغة السابقة في تقدير خطر هذه الأمراض إلى أن معظم الدراسات القديمة أُجريت على مرضى وعائلات مصابة بالفعل. هذا الأسلوب رغم أهميته قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ«انحياز الاختيار»، أي التركيز على الحالات الأشد تأثراً، وإهمال الصورة الكاملة لدى عامة السكان.

• متغيرات جينية. ولتجاوز هذا الانحياز استخدم الباحثون قواعد بيانات حيوية ضخمة، مثل برنامج All of Us الأميركي، وبنك المملكة المتحدة الحيوي. ودرسوا 167 متغيراً جينياً في 33 جيناً معروفاً بارتباطه بتنكس الشبكية. ومن بين نحو 318 ألف شخص وُجد 481 يحملون هذه الطفرات، لكن 9 في المائة فقط لديهم تشخيص واضح للمرض، وحتى مع توسيع معايير التشخيص لم تتجاوز النسبة 30 في المائة. وأكدت صور الشبكية من بيانات البنك الحيوي البريطاني هذه النتائج، كما لم تُظهر عوامل مثل العمر، أو الجنس، أو التدخين، أو الوضع الاجتماعي تأثيراً حاسماً. ويشير ذلك إلى أن عوامل أخرى -سواء كانت جينية إضافية، أو بيئية، أو آليات حماية داخل الجسم- تلعب دوراً مهماً في تحديد من يُصاب بالمرض، ومن لا يُصاب.

جينات جديدة وتصورات حديثة

• اكتشاف جينات جديدة لأمراض الشبكية. وفي سياق موازٍ كانت دراسة أخرى نُشرت في مجلة «JAMA Ophthalmology» في 26 سبتمبر (أيلول) 2024 أظهرت مدى اتساع الجوانب التي لا تزال مجهولة في هذا المجال. فقد اكتشف باحثون من المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة بالتعاون مع فرق دولية جيناً جديداً يُدعى UBAP1L باعتباره سبباً لبعض أمراض تنكّس الشبكية.

وشملت الدراسة ستة مرضى غير مرتبطين ظهرت لديهم أشكال مختلفة من ضمور الشبكية، منها ما يؤثر في الرؤية المركزية، أو رؤية الألوان، أو الرؤية الليلية. وبدأت الأعراض في مرحلة البلوغ المبكر، وتفاقمت تدريجياً. ويؤكد الباحثون أن تحديد هذا الجين يفتح الباب لفهم آليات المرض، والعمل على تطوير علاجات مستقبلية.

وينضم هذا الجين إلى قائمة تضم أكثر من 280 جيناً معروفاً حتى الآن بارتباطه بأمراض الشبكية الوراثية. كما تُبرز الدراسة أهمية تمثيل مناطق جغرافية مختلفة في الأبحاث الجينية، إذ جاءت معظم الحالات من جنوب وجنوب شرقي آسيا، وبولينيزيا.

• نحو فهم جديد للإرشاد والعلاج الجيني. وتشير الدراستان معاً إلى تحوّل مهم في فهم العمى الوراثي. فبينما يوسّع اكتشاف جينات جديدة فرص التشخيص الدقيق، يُظهر انخفاض احتمال الإصابة رغم وجود الطفرة أن نتائج الفحوصات الجينية يجب تفسيرها بحذر. وبالنسبة للمرضى فقد يعني ذلك تقليل الخوف المرتبط بحمل طفرات جينية، إذ لم يعد فقدان البصر مصيراً حتمياً. أما للباحثين فهذا الفهم يفتح باباً جديداً للأمل في الوقاية، والعلاج.

ويختم الدكتور بيرس بالقول إن الجينات مهمة، لكنها ليست القصة كاملة، ومع هذا التحوّل في الفهم، قد يصبح العمى الوراثي يوماً ما مرضاً يمكن تجنبه، أو علاجه بدل اعتباره قَدَراً لا مفرّ منه.


الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك

الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك
TT

الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك

الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك

بينما تمنحك قلة من الروابط الوثيقة الرعاية والحماية، يوفر لك المحيط الخارجي من الأصدقاء العابرين، الفرص والتحفيز؛ ومن المرجح أنك لا تقدّر مدى أهمية هؤلاء جميعاً في حياتك.

الأصدقاء ضرورة بيولوجية وعاطفية

«الإنسان كائن اجتماعي»، لقد سمعت هذه العبارة مراراً وتكراراً. ولكن ماذا يعني ذلك على وجه التحديد؟ الأصدقاء المقربون، والمعارف العابرون، وحتى الغرباء الذين يستوقفونك في الشارع؛ هؤلاء ليسوا مجرد كماليات لحياة ممتعة أو مثيرة، وإنما هم ضرورة بيولوجية بقدر ما هم ضرورة عاطفية. وهم، تماماً كالغذاء والحركة، أي الركيزة الأساسية لقدرتك على أداء وظائفك بشكل جيد. يُضفي التفاعل مع الآخرين الحيوية على كل جهاز في جسمك تقريباً؛ فهذه التفاعلات تشكِّل مزاجك ودوافعك، وتؤثِّر في تفكيرك وسلوكك، وتمنحك الرفاهية والصحة، بل وتطيل العمر. ويوثِّق مجال بحثي كامل يُعرف باسم «علم الجينوم الاجتماعي» social genomics كيف تعمل التجارب الاجتماعية على تفعيل الجينات أو إيقافها - سيما تلك المتعلقة بجهاز المناعة - وكيف تحمي حمضك النووي. فمن دون الرفاق، فإنك تذبل حرفياً بكل طريقة يمكن ملاحظتها.

اللقاءات - مسكّنات طبيعية

قبل أن تسترسل في القراءة، توقَّف للحظة لتخطط لوجبتك القادمة. ادعُ شخصاً أو شخصين ممن تعرفهم لمشاركتك الطعام سواء في المنزل، أو في مطعم، أو في حديقة، أو حتى على مكتبك، فإن تناول الطعام مع الأصدقاء - التواجد في صحبتهم المادية والانخراط في نشاط متزامن - يحفز الجهاز الأفيوني في الدماغ لإفراز «بيتا إندورفين». وتعمل هذه المادة كمسكن طبيعي يقلل من الآلام الجسدية والعاطفية، كما تعمل كمادة مسببة للبهجة، حيث تطلق العنان لمستويات «الدومابين» وتغمرك بشعور من الطمأنينة.

وعندما يرتبط «بيتا إندورفين» بصنف محدد من مستقبلات الأفيون، فإنه يخلق - بالمعنى الحرفي - مشاعر الدفء والأمان والسلامة، ويدفعك للرغبة في القرب من الآخرين. لكن أثره يتجاوز ذلك بكثير.

ومن كبح استجابة (ردة الفعل) التوتر إلى توسيع القشرة الجبهية وجميع المادة الرمادية المرتبطة بـ«شبكة الوضع الافتراضي» في الدماغ، وصولاً إلى تحفيز إنتاج «الخلايا القاتلة الطبيعية» في الجهاز المناعي التي تحمي من الفيروسات والسرطان؛ ينطلق «بيتا إندورفين» عبر الجهاز العصبي ملامساً أغلب وظائف الجسم. وهو ما يجعل الرفاق مستعدين لدعمك عندما تنهار، وتقديم المساعدة عندما تحتاجها.

ووفقاً لـ«نظرية الأفيون الدماغي للارتباط الاجتماعي» التي وضعها عالم النفس البريطاني «روبن دنبار»، فإن «بيتا إندورفين» هو المادة التي تضمن استدامة المجتمعات البشرية.

ويرى دنبار أن أدمغة البشر لديها قدرة معرفية محدودة لإدارة عدد معين فقط من العلاقات الاجتماعية، وهو 150 علاقة، والمشهور بـ «رقم دنبار Dunbar number» (وهو رقم قريب بشكل مذهل من متوسط عدد المدعوين لحفلات الزفاف في الولايات المتحدة خلال السنوات العشر الماضية). ويجد دنبار أننا نكون في أفضل حالاتنا عندما تكون خمس من هذه العلاقات هي روابط وثيقة (أقل قليلاً للشخصيات الانطوائية، وأكثر قليلاً للشخصيات المنفتحة).

ورغم كل ما توفره من دعم، فإن الصداقات الوثيقة مكلفة في بنائها والحفاظ عليها؛ فهي تتطلب وقتاً، وتفهماً، ومهارات دبلوماسية، وطاقة عاطفية. والرقم «خمسة» هو العدد الذي يمكننا من خلاله الحفاظ على جودة العلاقات في أعلى مستوياتها، والشعور بأكبر قدر من الرضا عن الحياة.

عالم أوسع من المعارف

نحن لا نحيا بالروابط الوثيقة وحدها؛ فالمعارف الذين نلتقي بهم بشكل متكرر أو عرضي دونما تخطيط أو جهد - والذين أطلق عليهم مارك غرانوفيتير، عالم الاجتماع الرائد في جامعة ستانفورد، اسم «الروابط الضعيفة» - هم من يدمجوننا في العالم الأوسع. وهؤلاء يقدمون لنا خدمات لا تستطيع الروابط القوية تقديمها؛ فعلى اعتبارهم جسوراً أو قنوات لدوائر اجتماعية متنوعة، ينقلون إلينا وجهات نظر ومعلومات - ولا سيما أخبار فرص العمل - من غير المرجح أن تتدفق عبر الدوائر الاجتماعية المتداخلة التي نعتاد العيش فيها بانتظام.

وترى إيفا ميرسون ميلغروم، الأستاذة الفخرية في علم الاجتماع بجامعة ستانفورد، أنه لا يوجد سقف لعدد الروابط الضعيفة التي يمكننا امتلاكها، وذلك لكونها خالية من الالتزامات ولا تتطلب صيانة مستمرة؛ وتقول: «كل ما عليك فعله هو حضور مناسبة ما بين الحين والآخر».

وبينما تعمل الروابط القوية على تعزيز الراحة العاطفية والتشابه في التفكير والسلوك، تساهم الروابط الضعيفة في تعزيز التعلم والتحفيز المعرفي. وتقول ميلغروم: «نحن ننكشف على وجهات نظر غير مألوفة، مما يزيد من اللدونة العصبية والمرونة العقلية والتكيف الذهني».

ثم تضيف: «الروابط القوية تأتي محمَّلة بالتوقعات، أما الروابط الضعيفة فتوفر مساحة للتجربة والتغيير والنمو دون تكبُّد تبعات عاطفية أو مواجهة إقصاء اجتماعي. إنها تعزِّز الحرية، والقدرة على اختيار جوهر الذات بدلاً من الخضوع لضغوط المجموعات الاجتماعية المترابطة بإحكام».

يمكن أن تنشأ الروابط الضعيفة من اللقاءات العارضة التي تخلقها النشاطات الروتينية اليومية - أماكن العمل، ومدارس الأطفال، والمؤسسات الدينية أو المدنية - وفي الواقع، فإن عنصر المفاجأة يضاعف الأثر العاطفي لهذه التجارب. كما يمكن العثور عليها عبر الانضمام لمجموعات تشاركنا اهتماماتنا، سواء كانت نوادي الحدائق، أو مجموعات القراءة، أو أي نوع من الدورات التدريبية. وتقول ميلغروم: «تكمن المفارقة في أن الروابط الانتقالية تبدو اختيارية، غير أن غيابها مكلف للغاية».

وتُظهر أبحاثها أن هذا الغياب يكون مكلفاً للنساء بصفة خاصة، وربما الأكثر كلفة للنساء الأكبر سناً اللواتي غالباً ما يفقدن الشعور بالهوية أو الأهمية مع تقدمهن في العمر، حيث يتقلص عالمهن الاجتماعي إلى دائرة عائلية صغيرة.

وتوضح ميلغروم: «تسمح الروابط الضعيفة للأفراد بتوسيع نطاق وصولهم باستمرار إلى المجتمع». وتلاحظ أن النساء يركزن عادة على الروابط القوية - البحث عن صديقات مقربات - بينما «يعرف الرجال كيفية تكوين صلات عبر الروابط غير الرسمية؛ إذ لديهم خبرة أكبر في التواصل مع الآخرين بناء على الاهتمامات المشتركة».

روابط ضعيفة تحافظ على المرونة

بالطبع، كل الروابط لا بد أن تبدأ من مكان ما؛ قد يكون الأمر بسيطاً كقولك: «لقد أعجبني تعليقك، هل نرتشف فنجان قهوة بعد انتهاء الاجتماع؟» أو عند الانضمام لمؤسسات مجتمعية تقدم باقة متنوعة من الأنشطة، من فنون الدفاع عن النفس إلى اليوغا أو الرسم، وغير ذلك الكثير.

وتؤكد ميلغروم أن الانخراط في هذه الأنشطة يتيح لك التعرف على الناس كجزء من سعيك وراء اهتماماتك، وهي عادة طريقة خالية من التوتر للقاء أشخاص جدد؛ إذ يصبح النشاط نفسه هو محور التركيز، فلا تضطر للقلق بشأن بدء المحادثة أو توجيهها.

إن الروابط الضعيفة ضرورية وقيِّمة في حد ذاتها؛ فهي تساعد في الحفاظ على مرونتنا وجاذبيتنا طوال الحياة. وتريد ميلغروم منك أن تتخيل شبكتك الاجتماعية كـ«خريطة مترو الأنفاق»: «إذا كانت كل خطوطك تمر عبر المحطات القليلة نفسها (أصدقاؤك الخمسة المقربون)، فأنت فعَّال ولكنك هش. أما الصمود والاستقلالية والشجاعة الاجتماعية، فتأتي من إضافة خطوط جديدة تصل إلى أجزاء مختلفة تماماً من المدينة». والسر المكشوف للجميع هو أن الروابط الضعيفة قد تكون أسرع طريق للوصول إلى الروابط القوية.

قيمة الصداقات القوية

إن «التقدير» الذي توفره الصداقات عالية الجودة يفعل أكثر من مجرد إشعارك بالرضا؛ إنه يجعلك قوياً جسدياً وصلباً عاطفياً.

لقد كشفت أطول دراسة مستمرة حول التنمية البشرية، والتي دخلت عامها الثامن والثمانين وتتابع أحفاد المشاركين الـ 724 الأصليين، أن أهم مؤشر للسعادة وطول العمر هو امتلاك علاقات عالية الجودة. ولا يعني ذلك مجرد وجود أصدقاء، بل وجود «النوع الصحيح» من الأصدقاء.

نحن بحاجة إلى أصدقاء حقيقيين. الأصدقاء الحقيقيون هم أولئك الذين يوفرون الرفقة: فنحن نستمتع بقضاء الوقت معهم، وهم يدعموننا عاطفياً. إنهم متاحون دائماً، ويمكننا الوثوق بهم بما يكفي لمشاركة أمورنا الشخصية.

ميزة أخرى أساسية للأصدقاء الحقيقيين هي «التقدير». إنهم يشجعوننا ويؤكدون إحساسنا بذواتنا وثقتنا بأنفسنا.

وفقاً لعالمة النفس الشهيرة «مارشا لينهان»، فإن التقدير يعني توصيل رسالة لشخص ما مفادها أن «استجاباته منطقية ومفهومة ضمن سياق حياته أو وضعه الحالي». وتجادل لينهان، المعروفة بدراساتها حول اضطراب الشخصية الحدية، بأن تجارب الطفولة المبكرة التي تفتقر إلى التقدير قد تكمن في جوهر هذا الاضطراب، وبصفة أعم، فإن نقص التقدير في مرحلة الطفولة يجعل الأشخاص غير قادرين على تنظيم مشاعرهم في مرحلة البلوغ.

وتقدِّم الدراسات المؤيدة (لها الجانب) أدلة إضافية على ذلك. ففي إحدى الدراسات، أثر نقص التقدير العاطفي من الأم سلباً على الوعي العاطفي للطفل في سن الرابعة. فنحن نصل إلى فهم مشاعرنا، وحتى أنفسنا، من خلال تلقي تأكيدات من الآخرين بأن «من الطبيعي أن نشعر بهذه الطريقة».

قوة التقدير العاطفي

من خلال الإشارة إلى الأمان وتهدئة الجهاز العصبي، يسهم التقدير في شفائنا وجعلنا أقوى. وفي تجربة عملية، كان الأشخاص الذين طُلب منهم حمل دلو ممتد الذراعين أكثر قدرة على الاستمرار في المهمة عندما تلقوا «تقديراً» من مساعد البحث (مثل قوله: «إنه أمر مؤلم، أليس كذلك؟») بدلاً من تلقي «التجاهل» (مثل قوله: «لم أشعر بأي شيء كهذا عندما قمتُ بذلك»). بالنسبة لمن تلقوا التقدير، كانت المهمة أقل استنزافاً لحالتهم المزاجية. ووجدت دراسة أخرى أنه عندما حصل الأشخاص على التقدير بعد مشاركة مشاعرهم حول استبعادهم من لعبة ما، أبلغوا عن تقدير أعلى للذات، وانخفاض في العدوانية والمزاج السلبي.

إن غياب التقدير (التجاهل العاطفي) يؤذينا جسدياً وعقلياً. ففي إحدى الدراسات، أكمل المشاركون اختباراً رياضياً شبه مستحيل في المختبر، ثم تشاركوا بمشاعرهم مع الباحث. واستجاب الباحث بعبارة مؤيدة («كثير من الناس قالوا إنهم شعروا بذلك») أو بعبارة غير مؤيدة («لست متأكداً لماذا تشعر بالتوتر»). وشعر الأشخاص الذين لم يتلقوا تقديراً بسوء أكبر، وارتفع لديهم معدل ضربات القلب. كما شعروا بأمان أقل أثناء التفاعل وكانوا أقل انخراطاً - حيث انخفض التواصل البصري، وزاد العبوس، وقلّت الابتسامة.

كيف تمارس التقدير؟ يتضمن التقدير عبارات مثل:

- من الطبيعي أن تشعر بهذه الطريقة.

- أعتقد أن مشاعرك مبررة في هذا الموقف.

- وجهة نظرك مفهومة.

- أنا أتفهم ما تقوله.

وعندما ترغب في التعبير عن عدم الاتفاق، يمكنك القول: «أفهم لماذا ترى الأمر على هذا النحو. إليك ما أود إضافته بناء على رؤيتي للموقف».

عندما يُقدر الأصدقاء مشاعرنا، فإنهم يُظهرون لنا أنه يمكننا قبول عواطفنا. وهذا التقدير العاطفي يُخفف من التفاعلية العصبية. وتُظهر دراسات التصوير العصبي أن الاعتراف بمشاعرنا يحد من تنشيط «اللوزة الدماغية - amygdala»، وهي مركز المعالجة العاطفية في الدماغ، وهي مجموعة الخلايا التي تشير إلى وجود تهديد وتشغل استجابة «الكر والفر».

ومن خلال تهدئة استجابة اللوزة الدماغية للمدخلات السلبية، يؤدي الاعتراف بالمشاعر وتقديرها أيضاً إلى تنشيط قشرة ما قبل الجبهية البطنية الجانبية اليمنى، وهي منطقة الدماغ التي تنظم الاستجابات العاطفية وتهدئ الضيق. وبذلك نصبح أكثر سيطرة على أنفسنا.

* مجلة «سيكولوجي توداي»

ـ خدمات «تريبيون ميديا» * مجلة «سيكولوجي توداي»،

خدمات «تريبيون ميديا».


أقمشة مطلية بالألماس تُحافظ على برودة الجسم في الأجواء الحارة

أقمشة مطلية بالألماس تُحافظ على برودة الجسم في الأجواء الحارة
TT

أقمشة مطلية بالألماس تُحافظ على برودة الجسم في الأجواء الحارة

أقمشة مطلية بالألماس تُحافظ على برودة الجسم في الأجواء الحارة

في الأيام الحارة، تحبس معظم الملابس الحرارة. لكن الأقمشة المطلية بجزيئات الألماس النانوية -وهي جسيمات ماسية ​​متناهية الصغر- يمكنها بدلاً من ذلك إطلاق الحرارة، الأمر الذي يُساعد على تقليل استهلاك أجهزة التكييف للطاقة الكهربائية.

جسيمات الألماس النانوية

تتميز جسيمات الألماس النانوية، التي يقل امتداد كل منها عن جزء من ألف من عرض شعرة الإنسان، بالبنية البلورية الكربونية نفسها للألماس الأكبر حجماً. وهذه البنية تجعلها فعالة للغاية في نقل الحرارة.

كما أنها لا تحتاج إلى أن تكون مثالية الشكل؛ لذا يمكن تصنيعها من نفايات الكربون مثل البلاستيك، وبذلك تقل تكلفة تصنيعها نسبياً.

نسيج مطلي بالألماس

يقول شادي هوشيار، أستاذ الهندسة في جامعة «RMIT» الأسترالية، الذي طوّر فريقه نسيجاً مطلياً بالألماس النانوي في مركز ابتكار المواد والأزياء المستقبلية بالجامعة: «نظراً لخصائص الكربون الحرارية الاستثنائية، فإنه قادر على امتصاص الطاقة والحرارة بسرعة، وإطلاقها بسرعة عبر هذا النظام».

ويُستخدم الألماس بالفعل في الإلكترونيات للمساعدة في تبريد أجزاء مثل رقائق الكمبيوتر؛ لذا أدرك الباحثون إمكانية تطبيق الفكرة نفسها في الملابس.

امتصاص حرارة الجسم

يقول هوشيار: «قررنا إضافة الألماس النانوي إلى المنسوجات. فعند ملامسته الجلد، يمتص الحرارة بسرعة من الجسم، ثم يُطلقها. وهو مفيد بشكل خاص في المناطق التي ترتفع حرارتها مثل البدن».

ويضيف: «يتمتع الألماس النانوي بقدرة عالية على امتصاص الحرارة، لذا يمكنه سحب الحرارة من الجسم لساعات طويلة». ويشير إلى أنه على الرغم من إمكانية استخدامه في أي نوع من الملابس، فإنه قد يكون مفيداً أيضاً في معدات الحماية الشخصية لرجال الإطفاء.

خفض درجة الحرارة

يمكن للملابس المصنوعة من هذا النسيج أن تخفض درجة حرارة الجسم بمقدار 4 إلى 5 درجات فهرنهايت (2 إلى 3 درجات مئوية)، وهو ما يكفي لتقليل الحاجة إلى تشغيل مكيف الهواء بأقصى طاقته للشعور بالراحة في الحر الشديد. كما يمكن للستائر المصنوعة من نسيج مطلي بجزيئات نانوية من الألماس أن تحافظ على برودة المنازل؛ ويمكن أيضاً دمج هذه الجزيئات في طلاء المنازل.

لإضافة هذه المادة إلى النسيج، يستخدم العلماء مادة رابطة مستدامة، يقول هوشيار إنها قادرة على تثبيت جسيمات الألماس النانوية بإحكام لمدة 50 دورة غسيل على الأقل. ويعمل الفريق حالياً على تطوير طريقة لطلاء الخيوط بطبقة من هذه المادة في مرحلة مبكرة من عملية التصنيع.

تصنيع جسيمات الألماس

ويمكن تصنيع جزيئات الألماس النانوية من نفايات الكربون، بما في ذلك النفايات البلاستيكية، عن طريق تعريض الكربون لضغط ودرجة حرارة عاليتين في مفاعل، ما يؤدي إلى إعادة ترتيب الذرات في بنية ماسية. ومن خلال تعديل العملية، يمكن منح المادة خصائص أخرى، بما في ذلك القدرة على امتصاص الرطوبة أو إطلاقها.

مواد آمنة

ويقول هوشيار: «هناك احتمال أن يحل هذا محل المركبات الكيميائية الأبدية. ولذا وعلى عكس الطلاءات الكيميائية الأبدية المستخدمة في صناعة سترات المطر وغيرها من الملابس المقاومة للماء، فإن جسيمات الألماس النانوية غير سامة وآمنة بيئياً».

إعادة تصميم الملابس

مع ازدياد احتمالات ظهور موجات الحر الشديدة نتيجة تغير المناخ، يبحث باحثون آخرون عن طرق جديدة لإعادة تصميم الملابس للحفاظ على برودة الجسم. استخدم مهندسون في جامعة ماساتشوستس أمهيرست حديثاً كربونات الكالسيوم -وهي مادة طباشيرية منخفضة التكلفة- لطلاء أقمشة انخفضت درجة حرارتها عدة درجات في الاختبارات. ويجري باحثون آخرون تجارب على مواد مثل أسلاك الفضة النانوية وأكسيد الزنك.

ويبحث فريق هوشيار الآن عن تمويل لتحويل هذا البحث إلى شركة ناشئة.

* مجلة «فاست كومباني».