نشاط الجهاز العصبي الودّي الزائد مع وجود السمنة... من أسباب الإصابة بالسكري

دراسة أميركية جديدة ترجح دوره في حدوث «مقاومة الإنسولين»

نشاط الجهاز العصبي الزائد يلعب دوراً في حدوث الأمراض الأيضية
نشاط الجهاز العصبي الزائد يلعب دوراً في حدوث الأمراض الأيضية
TT

نشاط الجهاز العصبي الودّي الزائد مع وجود السمنة... من أسباب الإصابة بالسكري

نشاط الجهاز العصبي الزائد يلعب دوراً في حدوث الأمراض الأيضية
نشاط الجهاز العصبي الزائد يلعب دوراً في حدوث الأمراض الأيضية

تستكشف دراسة حديثة لباحثين أميركيين العلاقة بين الإفراط في التغذية ونشاط الجهاز العصبي اللاإرادي (الودّي، أو السمبثاوي)، وبين حدوث «مقاومة الإنسولين». وتشير إلى أن النشاط المفرط للجهاز العصبي الودي يلعب دوراً حاسماً في تطور الاضطرابات الأيضية مثل مرض السكري من النوع الثاني.

وقد تكون لهذا الاكتشاف آثار بعيدة المدى في الوقاية والعلاج من مرض السكري من النوع الثاني، مما يستدعي مزيداً من البحث لفهم الآليات المعقدة التي تلعب دوراً في هذه العمليات.

عامل آخر لـ«مقاومة الإنسولين»

وفي حين يُنظر، تقليدياً، إلى «ضعف إشارات الإنسولين» على أنه السبب الرئيسي في حالة «مقاومة الإنسولين»، فإن هذه الدراسة تشير إلى أن «زيادة نشاط الجهاز العصبي الودي» (وهو أحد أقسام الجهاز العصبي اللاإرادي) يمكن أن تكون عاملاً أكثر أهمية، خصوصاً مع وجود السمنة.

لذا؛ فإن ما يحدث، وفق الدراسة، هو أن النظام الغذائي عالي الدهون يطلق دفقات من النواقل العصبية في جميع أنحاء الجسم، مما يسفر عن الانحلال السريع للنسيج الدهني الموجود في الكبد. وهذا بدوره يقود إلى تحرير نسب عالية من الأحماض الدهنية التي يزداد تركيزها في الدم، ويتسبب في مجموعة من الحالات المرضية تتنوع بين الإصابة بداء السكري والفشل الكبدي.

ونشر الباحثون، برئاسة كريستوف بويتنر، من قسم الغدد الصماء والتمثيل الغذائي والتغذية في «كلية روبرت وود جونسون الطبية» بجامعة روتجرز في نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأميركية، دراستهم في مجلة «Cell Metabolism» يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، بعد أن حققوا في التقارير المتضاربة حول نشاط الجهاز العصبي الودي (السمبثاوي) مع وجود السمنة.

وينظم هذا الجهاز العمليات اللاإرادية، فهو يعدّ الجسم للأنشطة المرتبطة بالتوتر وإبطاء العمليات الجسدية الأقل أهمية في حالات الطوارئ، مثل الهضم، ولا تخضع هذه العمليات لسيطرة واعية مباشرة؛ بل تحدث تلقائياً ودون تفكير واع.

فرط التغذية ونشاط الجهاز العصبي الودي

من المعروف أن الإفراط في التغذية يزيد بسرعة من مستويات الـ«نورإبينفرين (NE) norepinephrine» في البلازما، المعروف أيضاً باسم الـ«نورأدرينالين noradrenaline (NA)»، وهو ناقل عصبي وهرمون في الوقت نفسه. وبصفته ناقلاً عصبياً، فهو يساعد في نقل الإشارات العصبية عبر النهايات العصبية، ولأنه هرمون فإنه يطلَق بواسطة الغدد الكظرية التي تقع أعلى كل كلية. وذلك مما يشير إلى فرط نشاط الجهاز العصبي الودي، وغالباً ما تشير الأساليب التي تقيس نشاط الجهاز العصبي الودي بشكل مباشر إلى زيادة نشاطه في حالات السمنة.

وفي المقابل تشير الدراسات التي تركز على مسارات الإشارات الأدرينالية أحياناً إلى انخفاض استجابات الـ«كاتيكولامين (Catecholamines)»، الذي يفسَّر على أنه انخفاض في نشاط الجهاز العصبي الودي. والـ«كاتيكولامين» نواقل عصبية للجهاز العصبي الودي، وتتوسط في رد الفعل بين «المجابهة والهروب» بالمواقف العصيبة. ومن أمثلة الاستجابات الودية، تسارع ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم، وتوسع القصبات الهوائية، واتساع حدقة العين، والتعرق، والرعشة. كما تعدّ الـ«كاتيكولامينات» نواقل عصبية بارزة في مناطق معينة من الدماغ، وعادة ما ترتبط بالمتعة والإثارة والحركة. ومن أبرز الـ«كاتيكولامينات» الطبيعية الدوبامين والأدرينالين.

نتائج دراسات الفئران

واستخدم الباحثون، إضافة إلى الفئران البرية، مجموعة فئران معدّلة وراثياً؛ وذلك لعزل نشاط «الجهاز العصبي الودي المحيطي» عن تأثيرات «الجهاز العصبي المركزي». وسمح هذا النموذج بدراسة نشاط «الجهاز العصبي الودي المحيطي» المعزول دون التأثير على وظائف الـ«نورإبينفرين» المركزية. وغُذّيت الفئران المعدلة ورفاقها من النوع البري إما على نظام غذائي عادي، وإما على نظام غذائي عالي الدهون، لمدد زمنية مختلفة؛ لمحاكاة الإفراط في التغذية على المديين القصير والطويل.

الإفراط في التغذية على المدى القصير

- الفئران البرية: في الدراسة التي تناولت الإفراط في التغذية على المدى القصير، أظهرت الفئران البرية التي تغذت بنظام غذائي عالي الدهون لمدة تراوحت بين 3 و10 أيام، زيادة في دهون الجسم، وضعفاً في تحمل الغلوكوز، وفي حساسية الإنسولين، مقارنة بالفئران التي تغذت على العلف العادي. ورغم مستويات الإنسولين المرتفعة، فإن مستويات الغلوكوز في الدم كانت أعلى خلال الصيام والتغذية، مما يشير إلى حدوث «مقاومة الإنسولين» رغم سلامة «مسارات إشارات الإنسولين».

كذلك أظهرت تلك الفئران مستويات مرتفعة من الـ«نورإبينفرين» في البلازما، مما يدل على زيادة نشاط الجهاز العصبي الودي. كما كان هناك ضعف في قدرة الإنسولين على قمع تنشيط الـ«ليباز lipase (الإنزيمات التي تحفز تحلل الدهون)» الحساس للهرمون في الأنسجة الدهنية البيضاء، مما أدى إلى زيادة تحلل الدهون وارتفاع مستويات الجلسرين في البلازما.

- الفئران المعدلة وراثياً: في المقابل، كانت الفئران المعدلة التي تغذت بنظام غذائي عالي الدهون لمدة تصل إلى 14 يوماً محمية من حالات عدم تحمل الغلوكوز و«مقاومة الإنسولين» التي لوحظت لدى الفئران البرية، فقد حافظت على مستويات الغلوكوز الطبيعية خلال الصيام، وأظهرت تحسناً في اختبارات تحمل الغلوكوز. وهذا يشير إلى أن تقليل نشاط الجهاز العصبي الودي قد يسهم في تحسين الحساسية للإنسولين والوقاية من الآثار السلبية للإفراط في التغذية.

الإفراط في التغذية على المدى الطويل

- الفئران البرية: أظهرت الفئران البرية التي تغذت بنظام غذائي عالي الدهون لمدة 12 أسبوعاً مقاومة للـ«كاتيكولامين»، وكان نشاط الجهاز العصبي الودي مرتفعاً بعد 16 أسبوعاً من التغذية بهذا النظام. وبعد ما بين 10 أسابيع و12 أسبوعاً أظهرت الفئران عدم تحمل الغلوكوز ومستويات مرتفعة من الـ«نورإبينفرين» و«الأدرينالين» والـ«غلوكاجون (glucagon)»، مما يشير إلى زيادة تنشيط الآليات التي تعارض عمل الإنسولين. والـ«غلوكاجون» هرمون ينتَج في البنكرياس.

واتسمت الفئران البرية التي أُطعمت بنظام غذائي عالي الدهون بانخفاض التعبير عن الإنزيمات الدهنية في الأنسجة الدهنية البيضاء، وزيادة حجم الخلايا الدهنية، وارتفاع علامات الالتهاب والتليف والشيخوخة.

- الفئران المعدلة وراثياً: حُميت من تطوير «مقاومة الـ(كاتيكولامين)»، فقد كانت لديها مستويات أقل من الـ«نورإبينفرين» في البلازما بعد التغذية بنظام غذائي عالي الدهون. ورغم زيادة الوزن، فإنها حافظت على حساسية الإنسولين، وأظهرت مستويات أقل من الـ«نورإبينفرين» والـ«أدرينالين» والـ«غلوكاجون»، مما يشير إلى نشاط منخفض للجهاز العصبي الودي. وبذلك تكون الفئران المعدلة قد حافظت على تعبير أعلى عن الإنزيمات الدهنية في الأنسجة الدهنية البيضاء، وبقي حجم الخلايا الدهنية أصغر، مع علامات أقل على الالتهاب والتليف.

وهكذا يبدو من هذه الدراسة أن «فرط نشاط الجهاز العصبي الودي» هو المحرك الأساسي لـ«مقاومة الإنسولين» الناجمة عن السمنة، وليس «ضعف إشارات الإنسولين الخلوية» كما كان يُعتقد.


مقالات ذات صلة

ماذا يحدث للجسم عند تناول الفطر بانتظام؟

صحتك يحتوي الفطر على مركبات نشطة حيوياً يُعتقد أنها تسهم في تأثيراته المضادة للالتهاب (بكساباي)

ماذا يحدث للجسم عند تناول الفطر بانتظام؟

يُعد الفطر إضافة غنية بالنكهة إلى الوجبات، كما يحتوي على مجموعة من العناصر الغذائية الأساسية، ويوفر فوائد صحية متعددة، من مكافحة الالتهابات ودعم صحة الأمعاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يساعد المحتوى المرتفع من الماء في الخيار على الحفاظ على ترطيب الجسم (أرشيفية - رويترز)

ماذا يحدث للجسم عند تناول الخيار بانتظام؟

يُعد الخيار من الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية والماء؛ إذ يشكل الماء نحو 96 في المائة من محتواه، كما يحتوي على فيتامينات ومعادن أساسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك جهاز لقياس مستوى السكر بالدم (أرشيفية - إ.ب.أ)

كيف تتفادى ارتفاع سكر الدم المفاجئ بعد الوجبات؟

تشير أبحاث حديثة إلى أن الارتفاعات الكبيرة والمتكررة في مستوى السكر بعد تناول الطعام تؤثر في القلب والأوعية الدموية والكلى والدماغ.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُساعد تنظيم مواعيد الوجبات على تحسين النوم (أ.ب)

5 خطوات تساعدك على النوم بشكل أسرع وفقدان الوزن

اتباع روتين أسبوعي واحد يقلل من السكر قد يُسهم في تحسين جودة النوم، وتعزيز فقدان الوزن الصحي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك تجنب ارتفاع ضغط الدم والسكري والتدخين يقي من الخرف في الكبر (بيكسباي)

تجنب التدخين وارتفاع الضغط والسكري قد يؤخر الخرف 13 عاماً

أظهرت دراسة جديدة أن البالغين في منتصف العمر الذين يتجنبون ارتفاع ضغط الدم والسكري والتدخين، يمكنهم أن يعيشوا ما يقارب 13 عاماً إضافية دون الإصابة بالخرف.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

هل تصبح السعودية مركزاً عالمياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
TT

هل تصبح السعودية مركزاً عالمياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

لسنوات، كان سباق الذكاء الاصطناعي العالمي يُقاس بحجم النماذج وقوة الحوسبة وكميات البيانات والقدرة على تطوير أنظمة أكثر كفاءة. لكن مع انتقال هذه التقنيات من المختبرات إلى المستشفيات والمدارس والمؤسسات الحكومية، ظهر سؤال أكثر تعقيداً: كيف نضمن أن تعمل هذه القوة بصورة آمنة ومسؤولة؟

من هنا، تكتسب موافقة مجلس الوزراء السعودي على النظام الأساس لـ«المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» في الرياض أهمية تتجاوز إنشاء مؤسسة بحثية جديدة. ويعمل المركز تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، بصفته مركزاً من الفئة الثانية، مع دور يمتد إلى البحث وبناء القدرات وتعزيز التعاون، ولا سيما في المنطقة العربية.

لكن أهمية الخطوة تكمن أيضاً في توقيتها؛ فالعالم ينتقل تدريجياً من السؤال عما تستطيع الخوارزميات فعله إلى السؤال عن الحدود التي ينبغي أن تحكم استخدامها.

حين تصبح أخلاقيات الذكاء الاصطناعي قابلة للقياس

من المبادئ إلى التطبيق

> أخلاقيات قابلة للقياس. في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، تبنت الدول الأعضاء في «يونيسكو» أول إطار معياري عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، واضعةً حقوق الإنسان والكرامة البشرية في قلب العلاقة بين الإنسان والخوارزمية.

لكن التحدي العلمي بدأ بعد ذلك: كيف يمكن تحويل مبدأ أخلاقي إلى شيء يمكن قياسه واختباره؟

فالقول إن نظاماً ما منصف لا يكفي علمياً؛ إذ تجب مقارنة أدائه بين مجموعات مختلفة، وقياس معدلات الخطأ والنتائج الإيجابية والسلبية الكاذبة، والتحقق من تأثير العمر أو الجنس أو الخلفية السكانية في نتائجه. ولهذا؛ طورت «يونيسكو» عام 2023 «منهجية تقييم الجاهزية» (RAM)، التي تضم 195 سؤالاً تغطي خمسة أبعاد: القانون والتنظيم، والمجتمع والثقافة، والعلوم والتعليم، والاقتصاد، والبنية التقنية، والتحتية. وطُبقت المنهجية في أكثر من 75 دولة.

وتكشف النتائج عن حجم الفجوة بين المبدأ والتطبيق. فقد بلغت تغطية الأسئلة المتعلقة بترتيبات الحوكمة نحو 71 في المائة، لكنها انخفضت إلى 48 في المائة في البعد التقني والبنية التحتية، و41 في المائة في الجانب القانوني والتنظيمي. وفي المقابل، حددت 96 في المائة من الدول المشمولة وزارات أو جهات مسؤولة. وهكذا لم يعد السؤال: ما القيم التي نريدها؟ بل كيف نعرف أن الأنظمة تلتزم بها فعلاً؟

منصة عالمية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

> الاختبار الأصعب... في المستشفى. وتصبح الإجابة أكثر إلحاحاً داخل المستشفى، حيث يمكن أن تتحول النتيجة الخاطئة من رقم في دراسة إلى قرار يمس حياة مريض. فقد يحقق نموذج لقراءة الأشعة أداءً مرتفعاً إجمالاً، لكنه يفشل بصورة أكبر لدى فئة سكانية لم تكن ممثلة بما يكفي في بيانات التدريب. كما أن تغيير عتبة الإنذار في نظام للتنبؤ السريري قد يزيد قدرته على اكتشاف الحالات، لكنه قد يرفع أيضاً عدد الإنذارات الكاذبة وما يتبعها من فحوص أو تدخلات غير ضرورية.

وتزداد الحساسية مع النماذج التوليدية؛ فالجواب قد يبدو مقنعاً لغوياً حتى عندما تكون المعلومة الطبية غير دقيقة.

وتظهر المعضلة عندما يختلف الطبيب والنظام. فإذا صنّف برنامج للأشعة آفةً بأنها منخفضة الخطورة، في حين يرى الاختصاصي ما يستدعي مزيداً من الفحص، فلا ينبغي أن يتحول التفوق الحسابي سلطةً تلغي الحكم السريري.

لهذا؛ يجب ألا ينتهي تقييم التقنيات الطبية عند إدخالها إلى المستشفى؛ فقد يتغير أداؤها باختلاف السكان والأجهزة وأنماط المرض. وهنا يصبح السؤال: متى نثق بالنتيجة، ومتى نراجعها، ومتى نتوقف عن استخدام النظام؟

من مواكبة الثورة إلى المشاركة في صياغة مستقبلها

سبتمبر... اختبار للدور الجديد

> لماذا الرياض؟ يأتي اختيار الرياض في بيئة تشهد توسعاً سريعاً في البنية الوطنية للبيانات والتقنيات الذكية ضمن التحول الرقمي الذي تقوده «رؤية السعودية 2030».

فالمملكة طورت استراتيجيتها الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، واستثمرت في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية، بالتوازي مع تطوير نماذج عربية مثل «علّام» (ALLaM).

ويمنح تركيز المركز على منطقة الدول العربية مهمته بعداً إضافياً؛ فالأنظمة الذكية لا تعمل في فراغ. واللغة والبيانات والتركيبة السكانية والبيئة الصحية والتعليمية كلها متغيرات يمكن أن تؤثر في النتائج.

فنموذج دُرّب أساساً على بيانات من مجتمعات أخرى قد لا يلتقط الخصائص العربية اللغوية أو السكانية أو السريرية بالدقة نفسها. ولذلك؛ فإن نقل التقنية من بيئة إلى أخرى لا يعني انتقال صلاحيتها تلقائياً معها.

> منتدى عالمي. وسيأتي اختبار مبكر لهذا الدور عندما تستضيف الرياض، من 14 إلى 17 سبتمبر (أيلول) 2026، النسخة الرابعة من «منتدى يونيسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، بالشراكة بين «يونيسكو» والمملكة ممثلة في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) والمركز الدولي. وبعد خمس سنوات من اعتماد توصية 2021، يمكن للنقاش أن ينتقل من صياغة المبادئ إلى مقارنة ما حدث عند تطبيقها في عشرات الدول: ما الذي نجح؟ وأين ظهرت الفجوات؟ وما الذي يمكن نقله بين المجتمعات؟

«المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» يفتح مرحلة جديدة

وبالنسبة إلى المنطقة، تبرز أسئلة أكثر تحديداً: كيف تُختبر النماذج التي تتعامل مع العربية ولهجاتها؟ وهل تمثل مجموعات البيانات سكان المنطقة بما يكفي؟ وكيف تُقيّم الأنظمة الطبية أو التعليمية المطورة في الخارج قبل استخدامها محلياً؟

هنا، قد تكمن القيمة الأبعد للمركز: أن تصبح الرياض منصة لإنتاج بيانات مقارنة وأدوات للاختبار وبناء شبكات بحثية تربط الخبرة العربية بالمعرفة الدولية.

فالاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المؤتمرات أو الوثائق التي تصدر، بل في المعرفة التي يمكن تحويلها ممارسةً.

وعندها قد يتغير السؤال من: هل يستطيع العالم العربي مواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي؟

إلى سؤال أكثر طموحاً: هل يستطيع أن يشارك في كتابة قواعدها؟


«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان
TT

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

لطالما ركزت أبحاث السرطان على الجينات نفسها بصفتها المحرك الرئيس لنشوء الأورام، إلا أن العلماء يدركون اليوم أن تشغيل هذه الجينات أو إيقافها لا يقل أهمية عن الجينات ذاتها. ويقود هذا الدور في التشغيل أجزاء صغيرة من الحمض النووي تُعرف باسم «المعززات الوراثية»، وهي بمثابة «مفاتيح تشغيل» تتحكم في توقيت نشاط الجينات وشدة تعبيرها.

وقد كشفت دراسة جديدة عن أن هذه المفاتيح لا تعمل بصورة منفردة كما كان يُعتقد، بل تتعاون ضمن شبكات ثلاثية الأبعاد معقدة تتصدرها مجموعة محدودة من «المفاتيح الرئيسية» master switches التي تنسق عمل عشرات المفاتيح الأخرى. ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Genome Biology في 23 يوليو (تموز) 2026. وهي توفر فهماً أعمق للكيفية التي ينشأ بها سرطان البروستاتا، كما قد تمهد الطريق لتطوير جيل جديد من العلاجات الجينية الموجهة.

وقال الدكتور سوهن كيونغ ري، أستاذ بيولوجيا السرطان المساعد في كلية كيك للطب بجامعة جنوب كاليفورنيا والباحث الرئيس في الدراسة: أظهرنا للمرة الأولى أن المعززات الوراثية Enhancers تعمل وفق نظام هرمي، فبعضها يؤدي دور المفاتيح الرئيسية التي تنظم نشاط كثير من المعززات والجينات الأخرى، في حين يقتصر دور بعضها الآخر على دعم هذا النشاط.

معززات وراثية

• ما وراء الحمض النووي المهمل. وتعزز هذه النتائج أيضاً الفهم المتزايد لأهمية الحمض النووي غير المشفر الذي يشكل نحو 99 في المائة من الجينوم البشري. فبعد أن كان يُوصف لعقود بأنه «حمض نووي مهمل» أصبح من الواضح أنه يؤدي دوراً محورياً في تنظيم نشاط الجينات.

وتقع المعززات الوراثية ضمن هذه المناطق غير المشفرة؛ فهي لا تنتج بروتينات بنفسها وإنما تعمل كمفاتيح تتحكم في تشغيل الجينات المجاورة أو إيقافها تماماً، كما يتحكم مفتاح كهربائي في تشغيل دائرة كاملة.

ويرى الباحثون أن أي خلل في عمل هذه المفاتيح قد يؤدي إلى تنشيط الجينات المحفزة للسرطان، وبالتالي دفع الخلايا إلى النمو والانقسام بصورة غير طبيعية.

• رسم خريطة ثلاثية الأبعاد لشبكات السرطان. ولفهم كيفية عمل هذه المعززات حلل الباحثون 201 مجموعة من البيانات الجينية المستخلصة من أنسجة بروستاتا سليمة وأخرى مصابة بالسرطان. وتمكنوا من تحديد 3216 معززاً وراثياً ينشط بصورة خاصة في خلايا سرطان البروستاتا.

وباستخدام تقنية متطورة لرسم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي بدقة عالية؛ اكتشف الفريق أن هذه المعززات لا تعمل بشكل منفصل، بل ترتبط ببعضها في شبكة ثلاثية الأبعاد معقدة لا توجد في الخلايا الطبيعية.

وتتيح هذه الشبكة للمعززات التعاون فيما بينها؛ ما يعزز نشاطها الجماعي ويؤدي إلى تشغيل عدد كبير من الجينات المسؤولة عن نمو الورم.

• مفاتيح تتحكم بالشبكة بأكملها. ولمعرفة أهمية كل معزز؛ استخدم الباحثون تقنية التحرير الجيني كريسبر CRISPR لحذف المعززات واحداً تلو الآخر ثم راقبوا تأثير ذلك في نشاط الجينات ونمو الخلايا السرطانية.

وأظهرت النتائج أن المعززات ليست جميعها متساوية في الأهمية. فحذف بعض المعززات لم يترك أثراً يُذكر، في حين أدى حذف عدد محدود من «المعززات المركزية» central enhancers إلى انهيار الشبكة بأكملها وانخفاض نشاط معززات أخرى وإيقاف تشغيل كثير من الجينات المحفزة للسرطان، فضلاً عن إبطاء نمو الخلايا السرطانية بشكل ملحوظ.

وتشير هذه النتائج إلى أن تلك المعززات تعمل كمراكز تحكم رئيسية تنسق نشاط شبكة واسعة من المفاتيح الوراثية.

«المعززات الوراثية» تعمل كمفاتيح تشغيل تتحكم في توقيت نشاط الجينات وشدته

هدف جديد لعلاج السرطان

ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يغير طريقة تطوير علاجات السرطان مستقبلاً. فبدلاً من استهداف جين واحد في كل مرة قد يصبح بالإمكان تعديل هذه «المفاتيح الرئيسية» للتحكم في نشاط عشرات الجينات المرتبطة بالسرطان في آن واحد.

ومع ذلك، يؤكد العلماء أن الطريق لا يزال طويلاً قبل تحويل هذه الفكرة علاجاً سريرياً؛ إذ ينبغي أولاً التأكد من أن استهداف المعززات الصحيحة لن يؤدي إلى تأثيرات جانبية غير مرغوبة؛ نظراً إلى دورها الواسع في تنظيم وظائف الخلية.

ويعتقد الباحثون أن المبادئ التي كشفت عنها الدراسة لا تقتصر على سرطان البروستاتا، بل قد تنطبق على أنواع عدّة من السرطان وأمراض أخرى.

ويعمل الفريق حالياً على دراسة دور شبكات المعززات الوراثية في سرطان الثدي، إضافة إلى بحث علاقتها بمقاومة الأورام للعلاجات الحالية.

وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية في ظل النجاح الذي حققه أول علاج معتمد يعتمد على تحرير الجينات وهو دواء Casgevy الذي يستهدف أحد المعززات الوراثية لعلاج فقر الدم المنجلي والثلاسيميا المعتمدة على نقل الدم؛ ما يؤكد أن استهداف هذه المفاتيح الجينية يمكن أن يتحول استراتيجيةً علاجية فعالة.

ورغم أن الدراسة لا تزال في إطار الأبحاث الأساسية، فإنها تقدم واحدة من أوضح الصور حتى الآن عن الكيفية التي تُدار بها شبكة التحكم الوراثية داخل الخلايا. كما تفتح الباب أمام جيل جديد من العلاجات الدقيقة التي قد تستهدف البنية التنظيمية للجينوم بدلاً من التركيز على الجينات منفردة في خطوة قد تغير مستقبل علاج السرطان.


ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة
TT

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

قد تشكل محدودية عمر البطارية عائقاً أمام الاستفادة الكاملة من الطائرات المسيّرة في حالات الاستجابة للكوارث، وفحص البنية التحتية، أو توصيل الإمدادات. وفي هذا السياق، نجح باحثون في الصين في تطوير نظام جديد يتيح نقل الطاقة إلى الطائرة المسيَّرة أثناء تحليقها باستخدام أشعة الليزر. وأكد الباحثون أن هذا الابتكار قد يُسهم في إطالة زمن الطيران بشكل كبير.

مستقبِلات أشعة الليزر

ومن المعلوم أن الكثير من الطائرات المسيَّرة تعتمد حالياً على بطاريات، لا تسمح لها بالبقاء محلقة لأكثر من ساعة في كثير من الحالات، قبل أن تضطر إلى الهبوط لإعادة التزود بالوقود أو الاستعانة ببطارية جديدة. ويفرض ذلك قيوداً صارمة على تنفيذ مهام طويلة، مثل توصيل الطرود لمسافات بعيدة، أو مسح مناطق واسعة، أو تنفيذ عمليات البحث والإنقاذ.

وفي محاولة لتجاوز هذه العقبة، قدّم فريق بحثي من جامعة الطيران المدني الصينية، بمدينة تيانجين، وجامعة تسينغهوا في بكين، مقترحاً لبناء نظام ينقل الطاقة إلى الطائرة في أثناء تحليقها عبر أشعة الليزر. وصمّم الفريق مستقبلاً مبتكراً يعتمد على «البيروفسكايت»، وهي فئة من المواد تُستخدم عادة في الألواح الشمسية. ويتميّز جهاز الاستقبال هذا، البالغة مساحته سنتيمترين مربعين، بخفة وزنه بما يسمح بتركيبه أسفل جناح الطائرة، فضلاً عن كفاءته التي تمكّنه من تشغيل مروحة.

وكتب المؤلف الرئيس للدراسة جيان هوا هان، الأستاذ المشارك في جامعة الطيران المدني الصينية، في رسالة بريد إلكتروني مع مجلة «سبيكتروم» الأميركية: «يشكل نقص سعة البطارية عائقاً عملياً بالغ الخطورة أمام عمليات الطائرات المسيّرة طويلة المدى. وفي ظل هذا النظام الجديد، تُصدر أجهزة الإرسال الأرضية أو المحمولة جواً، أشعة ليزر لتزويد الطائرات المسيَّرة بالطاقة بشكل مستمر في أثناء تحليقها».

إن فكرة نقل الطاقة عبر أشعة الليزر ليست بالأمر الجديد. ويكمن التحدي الأكبر هنا في أنّ تعريض جهاز الاستقبال لكثافة عالية من الضوء، يؤدي إلى ارتفاع سريع في حرارته، مما يقلل من كفاءة التحويل بشدة، وقد يتسبب في تلفه نهاية الأمر. وعليه، سعى الباحثون إلى صياغة مستقبل قادر على تحمّل التشغيل لفترات طويلة، دون فقدان الكفاءة.

واعتمد الفريق البحثي على مركّب «بروميد الرصاص السيزيومي» من عائلة البيروفسكايت، لما يتمتع به من استقرار عالٍ، يجعله مناسباً للعمل في درجات حرارة مرتفعة، وفي ظل تعرّض مستمر للإشعاع. كما أنّ مواد البيروفسكايت عموماً أقل تكلفة وأسهل تصنيعاً، مقارنة بمواد كهروضوئية أخرى، إضافة إلى قدرتها العالية على امتصاص الضوء.

ويتكوّن التصميم من طبقة البيروفسكايت فوق قطب كربوني، يعمل على جمع التيار الكهربائي الناتج، بينما توضع أسفلها طبقة حرارية كهربائية تستفيد من الحرارة المهدرة، الناتجة عن تسليط الليزر لتوليد طاقة إضافية. وقد نُشرت تفاصيل هذا الابتكار في دراسة علمية أواخر يوليو (تموز) بدورية Matter & Light («المادة والضوء»).

غير أنّ القطب الكربوني يمتاز كذلك بقدرته العالية على تحويل الفوتونات الواردة إلى حرارة، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المستقبل بسرعة، لتصل إلى نحو 85 درجة مئوية. وهذا الأمر ينعكس سلباً على كفاءته. ولمعالجة هذه المشكلة، أضاف الباحثون قضباناً نانوية دقيقة من «سيلينيد الأنتيمون» إلى القطب الكربوني، يتراوح قطرها بين 50 و80 نانومتراً تقريباً، لحماية طبقة البيروفسكايت. وتمتاز هذه الجسيمات بانخفاض قدرتها على توصيل الحرارية، مما يجعلها تعمل بمثابة حاجز يقلل انتقال الحرارة، وفي الوقت نفسه تُحسّن من تدفّق التيار الكهربائي من طبقة البيروفسكايت إلى القطب.

اختبار «أرضي» ناجح

ولاختبار جهاز الاستقبال، أطلق الفريق شعاع ليزر أخضر بقدرة 5 واط على المنطقة النشطة في المستقبل، البالغ مساحتها 12 مليمتراً مربعاً، مع نفخ الهواء فوق سطحه لمحاكاة تدفق الهواء في أثناء التحليق، الأمر الذي يعزز كفاءة الطبقة الكهروحرارية. وأفاد الباحثون بكفاءة تحويل طاقة تقارب 39 في المائة، ما يكفي لتشغيل مروحة قطرها 6.7 سنتيمتر بسرعة 7820 دورة في الدقيقة.

وسعياً نحو مزيد من التطوير، حاول الفريق دمج جهاز الاستقبال في نموذج ثابت لطائرة مسيَّرة ذات جناح ثابت. ولتعزيز كفاءته، أنشأوا قنوات هوائية في جناح الطائرة لتوجيه الهواء فوق الطبقة الكهروحرارية، مما يُسهم في تبريدها. وعندما سلطوا شعاع الليزر الأخضر على جهاز الاستقبال، ولّد طاقة كافية لتشغيل مروحة مثبتة على الجناح بسرعة تتراوح بين 1200 و1450 دورة في الدقيقة لمدة نحو دقيقة.

ولم يختبر الباحثون الجهاز على طائرة مسيَّرة. وأقر هان بأنّ الاعتماد فقط على نتائج المحاكاة الأرضية يُعدّ أحد قيود الدراسة. وقال: «قد يتساءل الباحثون عمّا إذا كان بالإمكان الحفاظ على الأداء المختبري المتميز في الظروف الخارجية، بما في ذلك هبوب الرياح الطبيعية، وتغيّر درجات الحرارة، وتداخل ضوء الشمس، والاهتزازات والتذبذبات الطبيعية للطائرات المسيّرة».

وأقر هان كذلك بأنّ استهداف مركبة متحركة بشعاع ليزر عالي الطاقة بشكل آمن وفعَّال سينطوي على تحدٍ هندسي معقد، موضحاً أنه: «تُمثّل سلامة الليزر الشاغل الأبرز، ويقصد به كيفية منع أشعة الليزر من التداخل مع الطائرات الأخرى وتعريض حياة الكائنات الحية الأرضية للخطر».

ويركّز فريقه في الوقت الحاضر بشكل أساسي على تطوير جهاز الاستقبال. إلا أنه أشار إلى أن مجموعات أخرى تعمل على تقنيات استهداف الشعاع، بالإضافة إلى طرق لتفعيل إيقاف الليزر في غضون أجزاء من الثانية في حال عبور أي شيء مسار شعاع الليزر، عن غير قصد. كما يواصل فريقه العمل على المرحلة التالية من المشروع التي ستتضمن اختبارات طيران على طائرة مسيَّرة خفيفة الوزن. وقال: «هدفنا الواضح تحقيق طيران المسيرة باستخدام الليزر، إذ إنه حتى التحليق لفترة قصيرة يمثل نقلة نوعية من مرحلة اختبارات إثبات المفهوم إلى التحقق الفعلي من الطيران».