استطلاع «إتش بي»: الذكاء الاصطناعي يعزز الإبداع

يسهّل الأعمال ويضفي المتعة عليها

استطلاع «إتش بي»: الذكاء الاصطناعي يعزز الإبداع
TT

استطلاع «إتش بي»: الذكاء الاصطناعي يعزز الإبداع

استطلاع «إتش بي»: الذكاء الاصطناعي يعزز الإبداع

يبدو أن الأشخاص الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في المكتب لديهم علاقة «أكثر صحية» بعملهم، مقارنة بأولئك الذين لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي على الإطلاق، وفقاً لمسح لشركة «إتش بي» HP للكومبيوترات شمل 15600 من العاملين.

تقرير «إتش بي» الجديد

عاملو المعرفة سعداء مع الذكاء الاصطناعي

وأفادت الشركة في أحدث تقرير لها حول مؤشر علاقة العمل (لدى الموظفين): بأن «العاملين في مجال المعرفة الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي هم أكثر سعادة بعلاقتهم بالعمل بمقدار +11 نقطة من زملائهم الذين لا يستخدمونه»، وهذا يمثل زيادة بنقطة واحدة مقارنة بعام 2023.

ووجدت الدراسة أيضاً أن 90 في المائة من مستخدمي الذكاء الاصطناعي الذين شملهم الاستطلاع يقولون إن هذه الأدوات ساعدتهم في توفير المزيد من الوقت، بينما يقول 85 في المائة إن الأدوات ساعدتهم في تخصيص المزيد من الوقت للمهام المهمة والضرورية.

وأفاد 84 في المائة بأن الذكاء الاصطناعي ساعدهم على أن يكونوا أكثر إبداعاً، بينما قال 83 في المائة إن مثل هذه الخدمات ساعدتهم في إيجاد المتعة في عملهم. وفي الوقت نفسه، ذكر ما يقرب من 68 في المائة من العمال الذين لديهم معرفة بالذكاء الاصطناعي أن الأدوات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ساعدت في فتح فرص جديدة لهم للاستمتاع بعملهم.

مخاوف من التسريح

ووجد تقرير «مؤشر علاقة العمل لعام 2024» 2024 HP Work Relationship Index، الذي جاء حصيلة الدراسة العالمية السنوية الثانية للشركة، أنه بينما يستخدم بعض الموظفين أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين حياتهم المهنية، يشعر الكثيرون بالقلق بشأن الجوانب السلبية لظهور الذكاء الاصطناعي في مكان العمل، بما في ذلك دوره في تسريح العاملين.

ويشير الخبراء إلى أن زيادة الأتمتة وأدوات دعم القرار، ستقلل من أهمية التفاعلات البشرية وحجمها؛ ما يؤدي إلى مخاطر تتمثل في المعاناة من قلة العلاقات الشخصية أو استبدالها بالذكاء الاصطناعي.

توسع استخدام الذكاء الاصطناعي

وأضاف تقرير «إتش بي» أن نحو ثلثي العمال الذين شملهم الاستطلاع أعربوا عن رغبتهم في الحصول على مزيد من الوصول إلى التكنولوجيا المفضلة لديهم في العمل، واختبار: تجارب العمل الشخصية، ومساحات العمل المصممة خصيصاً، وبيئات العمل المرنة.

مهارات أعلى لدى القائدات النساء

ويرغب ما لا يقل عن ثلثي العاملين بمجال المعرفة في الحصول على تجارب عمل مخصصة؛ وقال 87 في المائة منهم إنهم على استعداد للتنازل عن جزء من رواتبهم للحصول عليها.

وارتفع استخدام الذكاء الاصطناعي بين الأفراد الذين هم على دراية بالأدوات إلى 66 في المائة هذا العام، مقارنة بـ38 في المائة العام الماضي، وفقاً للشركة.

وأخيراً، ذكر التقرير أن 44 في المائة فقط من القادة لديهم ثقة في مهاراتهم البشرية؛ بينما تتمتع قائدات الأعمال بثقة أكبر بكثير من القادة الذكور.


مقالات ذات صلة

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

يوميات الشرق غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بقوانين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة السورية المعتزلة نورمان أسعد (إنستغرام)

الذكاء الاصطناعي يوقظ الحنين إلى نورمان أسعد... نجمة «يوميات جميل وهناء» المعتزلة

صورة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تحوّل اسم نورمان أسعد إلى «ترند». فأين أصبحت الممثلة السورية المعتزلة التي كانت نجمة الشاشة في التسعينات؟

كريستين حبيب (بيروت)
تكنولوجيا أطلقت «مايكروسوفت» 3 نماذج «MAI» جديدة تشمل تحويل الصوت إلى نص وتوليد الصوت وإنشاء الصور (مايكروسوفت)

3 نماذج ذكاء اصطناعي جديدة من «مايكروسوفت» للصوت والصورة والنص

«مايكروسوفت» تطلق نماذج «MAI » للصوت والصورة والنص؛ لتعزيز التطبيقات متعددة الوسائط مع تركيز على الأداء والتكلفة والتكامل داخل «فاوندري».

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أطلقت «غوغل» نموذج «Gemma 4» بترخيص مفتوح يتيح الاستخدام والتعديل والنشر دون قيود كبيرة (رويترز)

«Gemma 4» من «غوغل»: ذكاء اصطناعي مفتوح يعمل على الأجهزة الشخصية

«غوغل» تطلق «Gemma 4» كنموذج مفتوح يعمل محلياً... ما يعزز الخصوصية ويقلل الاعتماد على السحابة ويدعم قدرات متقدمة للمطورين.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد نائب رئيس مجلس إدارة «مايكروسوفت» ورئيسها براد سميث ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايشي قبل اجتماع في طوكيو (أ.ب)

«مايكروسوفت» تستثمر 10 مليارات دولار في اليابان لتعزيز الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني

أعلنت «مايكروسوفت» يوم الجمعة عن خطة لاستثمار 1.6 تريليون ين (10 مليارات دولار) في اليابان خلال الفترة من 2026 إلى 2029 لتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

رواد «أرتيميس 2» يحطمون الرقم القياسي لأبعد مسافة يقطعها بشر في الفضاء

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)
TT

رواد «أرتيميس 2» يحطمون الرقم القياسي لأبعد مسافة يقطعها بشر في الفضاء

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)

اجتاز رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس 2»، الاثنين، أبعد نقطة وصل إليها رواد «أبولو» عن الأرض عام 1970، ويستعدون لتمضية ساعات في التحليق فوق مناطق غير مكتشفة من القمر وجانبه المخفي.

وحُطِّم الرقم القياسي البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً الذي حققته مهمة «أبولو 13»، وبات من المتوقع أن يجتاز رواد الفضاء الأميركيون كريستينا كوك وفيكتور غلوفر وريد وايزمان، والكندي جيريمي هانسن، مسافة تزيد عن 406 آلاف كيلومتر من الأرض خلال تحليقهم حول القمر.

وقالت مديرة اتصالات الطاقم جيني غيبسونز للرواد الأربعة من مركز التحكم التابع لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا) في هيوستن بولاية تكساس: «الغرفة ملأى اليوم بفرحة (استكشاف) القمر، وأظن أنكم تشعرون بذلك أيضاً».

وأوضحت كريستينا كوك، المستكشفة المخضرمة التي تصنع التاريخ كأول امرأة تحلق على سطح القمر، أن رواد الفضاء كانوا «ملتصقين بالنوافذ»، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم أن الرواد الأربعة لن يهبطوا على سطح القمر، فإن الرحلة تشكل حدثاً تاريخياً، إذ لم يسبق لأي من مهمات أبولو (1968-1972) أن ضمّت ضمن طواقمها نساء، أو رواد فضاء سوداً، أو رواد فضاء من غير الأميركيين.

وقال جيم لوفيل، الرائد في مهمتي أبولو 8 و13، للرواد في رسالة سجّلها قبل أشهر قليلة من وفاته عام 2025: «هذا يوم تاريخي».

وأضاف: «أهلاً بكم في مقرّي السابق»، معرباً عن فخره بتسليم الراية إليهم. وقدّم لهم نصيحة، قائلاً: «أعلم أنكم ستكونون مشغولين للغاية، لكن لا تنسوا الاستمتاع بالمنظر».

وعرض قائد المهمة، الأميركي ريد وايزمان خلال البث، شعار مهمة «أبولو 8» الذي حمله طاقم «أرتيميس» على متن المركبة.

وفي تاريخ استكشاف الفضاء، لم يغامر أي رائد فضاء روسي أو صيني بالتوغل إلى ما بعد 400 كيلومتر من الأرض، وهي المسافة إلى المحطات المدارية حول الأرض. وحدها المركبات الفضائية التي عادت لرصد القمر هي التي فعلت ذلك.

انطلاق مهمة «أرتيميس 2» إلى مدار القمر من «مركز كينيدي الفضائي» في فلوريدا بالولايات المتحدة (أ.ب)

وتستمر فترة رصد القمر قرابة سبع ساعات، بدءا من الساعة 18:45 بتوقيت غرينتش، بحيث سيملأ القمر نافذة مركبة «أوريون» الفضائية.

وسيبدو القمر لهم بحجم «كرة سلة على طرف اليد»، وفق ما صرّح نواه بيترو، رئيس مختبر الجيولوجيا الكوكبية التابع لوكالة «ناسا».

«قشعريرة»

تدرب أفراد الطاقم الأربعة لأكثر من عامين على التعرف على التكوينات الجيولوجية ووصفها بدقة للعلماء على الأرض، ولا سيما درجات اللون البني والبيج للتربة.

وتناوب الرواد على وصف المنظر الكامل للقمر أمامهم، الاثنين.

وقالت كوك: «هناك شيء لم أره في السابق في الصور، لكن يمكن ملاحظته بشكل كبير هنا: كل هذه الفوهات الحديثة شديدة السطوع».

وأضافت: «إنها في الواقع تشبه عاكس ضوء مثقوباً بثقوب صغيرة يمر الضوء من خلالها. وهي شديدة السطوع مقارنة ببقية أنحاء القمر».

وإلى جانبها، أعرب غلوفر عن دهشته، قائلاً: «أتمنى لو كان لدي المزيد من الوقت لأجلس هنا وأصف ما أراه».

من جهته، أفاد هانسن برؤية ظلال خضراء وبنّية على سطح القمر.

وقد تساعد كل هذه الملاحظات العلماء على فهم جيولوجيا القمر وتاريخه بشكل أفضل.

ويُبث الحدث مباشرة على منصات متعددة مثل «نتفليكس» و«يوتيوب»، باستثناء 40 دقيقة ستقطع خلالها الاتصالات بسبب حجب القمر.

كانت كيلسي يونغ، كبيرة علماء المهمة، وعدت في مؤتمر صحافي عُقد نهاية الأسبوع الفائت، بأن «سماع هذا الطاقم وهو يصف سطح القمر سيُثير فيكم القشعريرة».

وبينما سبقهم رواد فضاء أبولو إلى هذا الإنجاز، قبل أكثر من 50 عاماً، فإن معظمنا «لم يكن قد وُلد بعد، لذا ستكون هذه تجربة فريدة من نوعها بالنسبة الينا»، بحسب ما قال ديريك بوزاسي، أستاذ علم الفلك والفيزياء الفلكية في جامعة شيكاغو.

بعثة «أرتيميس 2» في طريقها إلى القمر (ناسا - أ.ف.ب)

الشروق والغروب

سيحلق رواد الفضاء خلف القمر ليكتشفوا جانبه البعيد الذي لا يُرى أبداً من الأرض.

ومن المرجح أن يروا «مناطق من هذا الجانب البعيد لم يتمكن أي من رواد فضاء أبولو من رصدها»، وفق ما صرح جايكوب بليتشر، رئيس قسم استكشاف العلوم في «ناسا»، معرباً عن حماسته الشديدة لهذا الاحتمال.

ورصد الطاقم لمحة من حوض أورينتال، وهو فوهة بركانية عملاقة تُلقّب بـ«الوادي الكبير للقمر» ولم تُشاهد بكاملها حتى الآن إلا عبر مركبات فضائية.

وقال هانسن: «الأمر يشبه تماماً التدريب، ولكن في ثلاثة أبعاد، وهذا مذهل حقاً!».

وفي وقت لاحق الاثنين، قرر الرواد إطلاق اسم كارول تايلور وايزمان، الزوجة الراحلة لقائد المهمة، على فوهة قمرية.

وأعلن هانسن خلال بث مباشر: «هناك معلم في بقعة رائعة على سطح القمر (...) في نقاط معينة خلال عبور القمر، ستتمكنون من رؤيته من الأرض». وتابع: «إنها بقعة صافية على سطح القمر، ونود أن نسميها كارول».

وستُمكّنهم رحلتهم القمرية أيضاً من مشاهدة كسوف الشمس، حيث تختفي الشمس خلف القمر، وشروق الأرض وغروبها خلف القمر.

ويُذكّر هذا بصورة «شروق الأرض» الشهيرة التي أحدثت ثورة في نظرتنا للعالم عام 1968 خلال مهمة «أبولو 8».

وإذا سارت هذه المهمة وتلك التي تليها العام المقبل على ما يُرام، تُخطّط «ناسا» لإنزال رواد فضاء على سطح القمر عام 2028.


التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري
TT

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

تمكن فريق من الباحثين لأول مرة من تحديد مجموعة محددة من الجينات التي تنشط في أثناء التواصل اللحظي بين خلايا الدماغ، الأمر الذي يتيح فرصة غير مسبوقة لفهم الآليات الجزيئية التي تقف وراء الأفكار والمشاعر والسلوك البشري.

وتمثل هذه النتائج التي نُشرت في 19 فبراير (شباط) الماضي في دورية Molecular Psychiatryقفزة نوعية كبرى، فحتى وقت قريب كان العلماء الذين يدرسون وظائف الدماغ من منظور جيني يعتمدون بشكل أساسي على فحص الأنسجة بعد الوفاة. وهو ما يشبه النظر إلى دماغ صامت لمحاولة فهم كيفية عمله عندما يكون حياً. أما النهج الجديد الذي ابتكرته الفرق البحثية في كلية «إيكان للطب» في ماونت سايناي بنيويورك، فقد مكّن العلماء من مشاهدة هذه العملية وهي تجري في الزمن الحقيقي.

ويوضح قائد الدراسة الدكتور ألكسندر تشارني، أستاذ الطب النفسي وعلم الأعصاب والعلوم الجينية في كلية إيكان للطب نيويورك، أهمية هذا التحول قائلاً: «لعقود من الزمن كان فهمنا للتعبير الجيني في الدماغ البشري محصوراً في الدراسات التي تجرى على الأنسجة بعد الوفاة. أما هذا العمل فيتيح لنا الآن فحص البنية الجزيئية للتواصل العصبي وهو يحدث داخل أفراد أحياء، مما يقربنا خطوة كبيرة من ربط الجينات مباشرة بوظائف الدماغ في الوقت الفعلي».

جسر بين عالمين منفصلين

وركزت الدراسة على عملية «النقل العصبي» (Neurotransmission)، وهي تلك الإشارات الكهربائية والكيميائية التي تنتقل بين الخلايا العصبية، وتشكل الأساس لكل فكرة وذكرى وحركة يقوم بها الإنسان. ولالتقاط هذه العملية الدقيقة دمج الفريق البحثي بين تقنيتين متطورتين.

حلل الباحثون أنماط التعبير الجيني في منطقة «قشرة الفص الجبهي» Prefrontal Cortex لأكثر من مائة مريض كانوا يخضعون لعمليات جراحية عصبية. وبالتزامن مع ذلك جمعوا قياسات مباشرة للإشارات العصبية من أدمغة هؤلاء المرضى في أثناء وعيهم الكامل. ومن خلال دمج البيانات الجزيئية مع التسجيلات الفسيولوجية الحية تمكن الفريق من تحديد مجموعة متجانسة من الجينات يرتفع وينخفض نشاطها بتناغم مع انطلاق الإشارات العصبية.

ويؤكد الدكتور برايان كوبيل، مدير مركز التعديل العصبي في كلية إيكان للطب نيويورك والمشارك بالدراسة، الأهمية الكبيرة للجمع بين هذين التخصصين العلميين، قائلاً: «من خلال الجمع بين التسجيلات داخل الجمجمة والتحليل الجزيئي نقوم ببناء جسر بين عالمين كانا يُدرسان تقليدياً بشكل منفصل. هذا النهج يقدم لنا صورة أوضح عن كيفية عمل الدوائر العصبية على المستويين الكهربائي والجيني معاً، مما يحمل آثاراً عميقة على تطوير أساليب التعديل العصبي والعلاجات الدقيقة».

إطار لفهم الأمراض العقلية

كما أكدت الدراسة أن هذا «البرنامج النسخي» Transcriptional Program المكتشف حديثاً ليس مجرد ظاهرة عشوائية بل هو نمط يتكرر عبر مجموعات مختلفة من المرضى، ويتوافق مع المسارات البيولوجية المعروفة المرتبطة بالإشارات العصبية الاستثارية والوظائف التشابكية بين الخلايا العصبية.

أما الآثار المترتبة على هذا الاكتشاف فستكون واسعة النطاق؛ فاضطراب عملية النقل العصبي هو السمة الأساسية المشتركة في جميع الاضطرابات النفسية والعصبية الكبرى تقريباً، بما في ذلك الاكتئاب والفصام والصرع ومرض ألزهايمر. ومن خلال تحديد الجينات التي تدعم التواصل العصبي السليم أصبح لدى العلماء الآن هدف أكثر وضوحاً لفهم مواطن الخلل في الأمراض المختلفة.

ويشير الدكتور إغناسيو سايز، أستاذ علم الأعصاب وجراحة المخ والأعصاب في كلية إيكان للطب وأحد المشاركين بالدراسة، إلى أن هذه الدراسة تُحدث نقلة نوعية أيضاً في طريقة تفسير البيانات الجينية المعقدة، قائلاً: «تكمن قوة هذه الدراسة في قدرتها على دمج بيانات النسخ الجيني واسعة النطاق مع قياسات مباشرة لنشاط الدماغ. كما إن تحديد برنامج نسخي منسق يرتبط بالنقل العصبي يوفر لنا إطاراً جديداً لفهم كيفية تأثير الاختلافات الجينية على وظائف الدماغ وقابليته للإصابة بالأمراض».

مشهد حيّ لا خرائط ساكنةتقليدياً، اعتمد العلماء على الدراسات الجينية لتحديد عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض النفسية؛ أي تحديد الجينات التي قد تكون معطلة. لكن معرفة الجين المعطل لا تكفي وحدها لتفسير كيفية اختلال عمل الدوائر العصبية في الزمن الحقيقي. ويأتي هذا البحث الجديد ليشكل جسراً يربط بين المخاطر الجينية والنشاط الفعلي للدماغ.

ومن خلال تحديد الشكل «الصحي» للأنماط الجينية في أثناء عملية التواصل الدماغي النشط يمكن للباحثين الآن فهم الاضطرابات الجزيئية التي تحدث في الأمراض النفسية بشكل أفضل. وقد يؤدي هذا في النهاية إلى تطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة تعتمد على الآليات البيولوجية للمرض بدلاً من الأعراض فقط، بالإضافة إلى علاجات دقيقة مصممة لتصحيح أخطاء جينية محددة في مسارات الإشارات العصبية.

وفي المحصلة يحول هذا البحث دراسة الدماغ البشري من تمرين تشريحي ساكن إلى استكشاف ديناميكي للكائن الحي. فمن خلال التقاط اللحظة التي يتشكل فيها الفكر على المستوى الجيني يضع العلماء الأسس اللازمة للجيل المقبل من الرعاية النفسية والعصبية.


ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
TT

ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)

قبل نحو 6 عقود، أحدث عالم الوراثة الأميركي نورمان بورلاوغ، الملقب بـ«أبو الثورة الخضراء»، تحولاً جذرياً في تاريخ البشرية؛ فمن خلال تطوير أصناف قمح قصيرة القامة وعالية الإنتاجية، ساهم في إنقاذ أكثر من مليار إنسان من براثن المجاعة، وهو إنجاز تُوّج بنيله جائزة نوبل للسلام عام 1970. ومع ذلك، لم يخلُ هذا النجاح من ضريبة بيئية باهظة؛ إذ اعتمدت الزراعة بشكل مفرط على الأسمدة الكيميائية، والمبيدات الحشرية لتعويض ضعف المناعة الطبيعية للنباتات، ما أدى إلى تدهور بيئي ملموس.

وتمتلك النباتات، تماماً كالبشر، جهازاً مناعياً ذكياً؛ فبمجرد تعرضها لتهديد من آفة، أو مرض، تستنفر دفاعاتها الطبيعية. لكن هذه الحماية لها ثمن، إذ يتوقف نمو النبات، وتتراجع إنتاجيته عند تفعيل نظامه المناعي، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً في المحاصيل الغذائية، وعلى رأسها القمح.

الباحثون اكتشفوا طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض (جامعة ولاية كولورادو)

«الدماغ الكيميائي» للنبات

وفي ابتكار علمي وُصف بأنه «الثورة الخضراء الصديقة للبيئة»، نجح باحثون من جامعة ولاية كولورادو في اكتشاف طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض.

ويأمل الفريق في تطبيق هذا الاكتشاف على محاصيل حيوية مثل القمح، والذرة، وفول الصويا، ما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاج العالمي، وتقليل الاعتماد على المبيدات الحشرية، ونُشرت النتائج في عدد 23 فبراير (شباط) 2026 من دورية (Current Biology).

وتتعامل النباتات مع الظروف المحيطة عبر ما يسميه الفريق بـ«الدماغ الكيميائي»، وهو منظومة من الهرمونات النباتية المتخصصة. وعند تعرض النبات للإجهاد، تنخفض مستويات هرمونات «السيتوكينين» المسؤولة عن انقسام الخلايا. ومن خلال فهم هذه التفاعلات الهرمونية، استطاع العلماء استعادة مستويات «السيتوكينين» في النباتات ذات المناعة المفرطة، ما أعاد تنشيط النمو دون إضعاف الدفاعات، بل وجعل النباتات أكثر مقاومة للأمراض.

وحسب الدراسة، تتميز هذه الطريقة بكونها أسرع وأسهل من الأساليب التقليدية التي تتطلب رسم خرائط جينية كاملة؛ إذ يشبهها الفريق بوصفة طبية تعالج خللاً كيميائياً محدداً. ومن خلال التلاعب الجيني بالاستجابة الهرمونية في نبات «رشاد الصخر» (Arabidopsis thaliana)، تمكن العلماء من تحقيق المعادلة الصعبة، وهي حصانة قوية ضد الآفات، وإنتاجية عالية في آنٍ واحد.

وجاءت النتائج لافتة؛ إذ حصل الباحثون على نباتات تقاوم الأمراض بشراسة، وفي الوقت نفسه تنمو بمعدلات طبيعية، أو أعلى، من دون أي خسائر في المحصول.

الباحثون اختبروا الطريقة الجديدة على النبات وحققت نتائج ملموسة (جامعة ولاية كولورادو)

تعزيز المقاومة والإنتاجية

واعتبرت الدكتورة كريستينا أرغيسو، الأستاذة المشاركة في قسم البيولوجيا الزراعية بجامعة ولاية كولورادو والباحثة الرئيسة في الدراسة، أن هذا الإنجاز يمكن أن يشكل طفرة تضاهي «الثورة الخضراء» التي حدثت قبل 60 عاماً، فيما يتعلق بتحقيق الأمن الغذائي، مشيرة إلى أن أثر هذا الإنجاز سيتضح مع تطبيقه على المحاصيل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «نجح فريقنا في تحديد جينات نباتية ترفع مستوى الإنتاجية، وهو مسار يشبه ما حققه نورمان بورلاوغ قبل عقود، ورغم أن الجينات التي استخدمناها تختلف عن تلك التي اعتمد عليها بورلاوغ، فإن الدراستين تشتركان في استهداف الجينات المتحكمة في التخليق الحيوي للهرمونات النباتية (Phytohormones)، وهي جزيئات صغيرة ينتجها النبات طبيعياً للتحكم في نموه».

وأشارت أرغيسو إلى أن وجه الابتكار في دراسة الفريق لا يقتصر على زيادة الإنتاجية، بل يشمل أيضاً تعزيز مقاومة النباتات لأمراض متعددة، ما يفتح الباب أمام زيادة المحاصيل، مع تقليل الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الكيماوية في آنٍ واحد.

وأُجريت الدراسة بداية على نبات «رشاد الصخر»، وهو من عائلة الصليبيات مثل الملفوف، ورغم أن هذا النبات لا يتمتع بقيمة غذائية كبيرة، فإنه يُعد أساساً للأبحاث البيولوجية والوراثية، لبساطة تركيبه الجيني، وقصر دورة حياته التي لا تتجاوز ستة أسابيع، ما يسمح للعلماء بمراقبة نتائج تجاربهم وتعديلاتهم الجينية بسرعة.

وعن إمكان تطبيق النتائج على نباتات أخرى، أوضحت أرغيسو أن الفريق يعمل حالياً، بالتعاون مع عدة برامج لتربية النباتات، على نقل هذه الطفرات الجينية إلى أنواع مختلفة من المحاصيل، بهدف تعميم الفائدة على القطاع الزراعي حول العالم، مع توقعات بأن يكون لها تأثير طويل الأمد في الزراعة العالمية. وأكدت أن الفوائد البيئية الكبرى لهذا الابتكار تكمن في خفض استخدام المبيدات الحشرية بشكل ملحوظ، بفضل مستوى المقاومة العالي للأمراض الذي أظهرته النباتات المُهندسة في التجارب.