5 نصائح للتخلص من «الأنا» المتضخمة في مؤسسات العمل

التوازن الذاتي مفتاح النجاح المهني الشخصي والجماعي

5 نصائح للتخلص من «الأنا» المتضخمة في مؤسسات العمل
TT

5 نصائح للتخلص من «الأنا» المتضخمة في مؤسسات العمل

5 نصائح للتخلص من «الأنا» المتضخمة في مؤسسات العمل

كتب فرويد في حينه: «الأنا ليست سيدة في بيتها». لقد زعم أن الأنا التي تتحكم في أفكارك وسلوكياتك تتأثر بالهوية (دوافعك الأساسية) وكذلك بـ«الأنا العليا» التي تتكون من قواعد ومعايير المجتمع، كما كتب أتكين تانك (*).

الأنا المتوازنة والأنا المتضخمة

الأنا المتوازنة مفتاح الرفاهية الشخصية. وبالمثل، فإن امتلاك الأنا المتوازنة والقيادة بها، هو مفتاح النجاح المهني والجماعي.

أما الأنا المتضخمة فتخنق الإبداع. يمكن للقادة الذين يعانون من الأنا المتضخمة أن يتسببوا في ضرر لا يمكن إصلاحه للعمال والشركات. ولأنهم أقل استعداداً للتفاعل مع الأفكار المتناقضة، فإنهم يخنقون الإبداع ويتخذون قرارات أقل جودة.

ولأن أنانيتهم ​​تتوق إلى الاهتمام الإيجابي، فهم عرضة للتلاعب. والأسوأ من ذلك، أن سمات القادة الأنانيين غالباً ما تتسرب عبر كل مؤسسة العمل، ما قد يقوض نسيجها ذاته. لهذا السبب، من المهم أن يترك القادة غرورهم عند الباب.

استراتيجيات القيادة

إليك 5 استراتيجيات لإطلاق العنان لإحساسك بأهميتك الذاتية، والقيادة بأنانية أقل.

1- درِّب قدرتك على الاستماع النشط، كما لو كنت تدرِّب واحدة من عضلاتك:

إذا كنت قد ذهبت لحضور جلسة مع معالج من قبل، فأنت على دراية بالاستماع النشط؛ إذ يستمع المعالج الجيد باهتمام، ويفسر عند الاقتضاء، ويسعى جاهداً لفهم ما تقوله. إنه لا يستمع إليك فحسب؛ بل يجعلك تشعر بأنك مسموع. وبذلك، يسمح لأنانيته بالاختفاء.

وعلى غرار تدريبات القوة في صالة الألعاب الرياضية، يمكنك تدريب قدرتك على الاستماع النشط كما لو كانت عضلة.

مكونات أساسية للاستماع النشط

المكونات الأساسية للاستماع النشط هي: الفهم، والاحتفاظ بالمعلومات، والاستجابة. ومن خلال العمل على هذه المهارات يمكنك أن تصبح مستمعاً نشطاً أفضل.

يجب عليك أيضاً أن تتعود على توضيح سوء الفهم في اللحظة نفسها التي تحدث فيها، بسبب اللهجة العامية أو الشروح الفنية مثلاً. اطرح الأسئلة واطلب مزيداً من التفسيرات. وإذا لزم الأمر، اطلب من شخص ما تقسيم المفهوم المطروح للنقاش إلى مصطلحات يفهمها الطفل.

تجنب أي أحداث تشتت الفكر، وحاول أن تكون على دراية بتحيزاتك الخاصة.

وأخيراً، تواصل مع الآخرين، وأعلمهم بأنك فهمت ما قاله أحدهم. إن الاستماع النشط يتطلب جهداً، ولكن مثل رفع الأثقال يصبح الأمر أسهل مع التكرار.

الثناء في العمل

2- قدِّم الثناء بانتظام:

من المحتمل أن تتذكر قائداً حصل على الفضل في كل إنجاز حققه خلال فترة ولايته. هذه هي العلامة الواضحة على القائد الأناني. فهو لا يرسم صورة مشوهة للحقيقة فحسب؛ بل إنه يُضعف أيضاً اندفاعة الموظفين.

يتطلب إبقاء غرورك تحت السيطرة الاعتراف بانتظام بالموظفين ومساهماتهم وإنجازاتهم. وتظهر الأبحاث أن حتى الرموز البسيطة للتقدير لها فوائد كبيرة للموظفين والمؤسسات على حد سواء. وعلى وجه التحديد، يمكن للجوائز الرمزية، مثل بطاقات التهنئة والتقدير العام والشهادات، أن تزيد بشكل كبير من الاندفاع والأداء.

يمكن أن يكون التقدير العام -على عكس المجاملات الخاصة- أكثر فعالية، ويشجع أعضاء الفريق الآخرين. كما يمكن أن يؤدي تقديم الثناء بانتظام وبشكل علني إلى تعزيز الروح المعنوية، وتحفيز أعضاء الفريق، وتعزيز الرفاهية العامة للمنظمة.

المسؤولية والمساءلة الإيجابية

3- تحمل المسؤولية:

وجد الباحثون أن الناس لديهم وجهات نظر مختلفة بشأن المساءلة؛ إذ يرى البعض المساءلة تهديداً، بينما يرى آخرون المساءلة تحدياً جديراً بالاهتمام، وفرصة للنمو والتحسين.

إن القادة الذين يتمكنون من تنمية النوع الثاني من المساءلة سيجنون فوائد كبيرة في تطوير عقلية النمو الشاملة في جميع أنحاء مؤسستهم. وإحدى الطرق لبناء المساءلة الإيجابية داخل فريقك هي أن تحاسب نفسك بوصفك قائداً.

اعترف بأخطائك وخطواتك الخاطئة وأهدافك المفقودة في المنتديات العامة. على سبيل المثال: في النشرة الإخبارية، أو اجتماعات الموظفين المتكررة.

شارك الإخفاقات واجعلها فرصاً للتأمل والنمو؛ إذ إن عدم ممارسة ما تبشر به يمكن أن يضر باندفاعات الموظفين. وعندما يطلب القادة من الموظفين القيام بشيء ما ويقومون هم أنفسهم بشيء آخر، يلحظ الموظفون التوقعات غير المتطابقة، ويعدونها نوعاً من التهديد، ما يقلل اندفاعاتهم.

إن تعزيز المساءلة على كل مستوى من مستويات مؤسستك سيبقي غرور كبار المسؤولين التنفيذيين تحت السيطرة، ويعزز دوافع الموظفين.

حضور وتواصل

4- الحد من مقاطعة العمل والحضور مع العاملين:

الحضور مع الموظفين لا يقتصر على الحضور الجسدي فقط؛ بل يعني منحهم كامل انتباهك، بما في ذلك الحد من مقاطعة أعمالهم، إضافة إلى الوجود بينهم.

إن الحضور مع الآخرين يمكن أن يكون بمثابة قوة أساسية، ويمكن أن يعزز بيئة عمل أكثر تعاطفاً وتعاوناً.

إننا نأخذ هذه الاستراتيجية على محمل الجد في شركتي، فعلى سبيل المثال، لدينا أيام عرض أسبوعية تقدم فيها فرقنا أحدث أعمالها، وأي أفكار تدور في أذهان أفرادها. نتطلع جميعاً إلى هذه الأيام؛ لأنها توفر الفرصة للموظفين للتعبير عن أنفسهم.

وحتى الموظفون الأكثر تحفظاً يشاركون، وهم يعلمون أن أصواتهم ستكون مسموعة. ولا يمكن أن تنجح أيام العرض إلا إذا اتفقنا جميعاً، من القادة إلى الموظفين الجدد، على تقليل الاضطرابات، والوجود، والمشاركة الكاملة.

إهمال أفكار القادة واحتضان أفكار الآخرين

5- احتضن الأفكار حتى وإن لم تكن من أفكارك الخاصة:

قد يكون تعديل غرورك تحدياً؛ لكنه أيضاً علامة على الحكمة. كما ذكر الكاتب ف. سكوت فيتزجيرالد ذات مرة: «إن اختبار الذكاء من الدرجة الأولى هو القدرة على الاحتفاظ بفكرتين متعارضتين في الوقت نفسه، مع الاحتفاظ بالقدرة على العمل».

إحدى الطرق التي يمكن للقادة من خلالها التمسك بأفكار متعارضة مختلفة، هي إهمال أفكارهم أحياناً، والالتزام بأفكار الآخرين.

لقد علمتني قيادة شركتي خلال ما يقرب من عقدين من الزمان، أن من الأفضل الاهتمام بوجهة نظر شخص آخر، حتى لو كانت مختلفة عن وجهة نظري، وحتى لو كنت أختلف معها بقوة.

في هذه الحالة يستفيد الموظفون من مشاعر الثقة، بينما أطور أنا المرونة العقلية من خلال تبني رأي يختلف عن رأيي. وحتى لو فشلت الفكرة، فإن تجربة التعلم تفيد جميع المعنيين.

(*) الرئيس التنفيذي لشركة «جيتفورم»، مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات معززا الكفاءة والابتكار، لكن تحديات البيانات والتكلفة تعيق التوسع رغم زيادة الاستثمارات الكبيرة.

نسيم رمضان (لندن)
العالم الملياردير إيلون ماسك (رويترز-أرشيفية)

قائمة «فوربس»: إيلون ماسك أثرى أثرياء العالم بلا منازع

تصدّر رجل الأعمال إيلون ماسك، قائمة «فوربس» لأغنى أثرياء العالم متقدماً بأشواط على غيره من أصحاب المليارات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الأمير فهد بن منصور بن ناصر رئيس الوفد السعودي يتحدث خلال كلمة أمام القمة (واس)

السعودية تشارك في قمة الشركات الناشئة لـ«مجموعة الـ20»

تشارك السعودية في قمة الشركات الناشئة لمجموعة العشرين بمدينة جوهانسبرغ الجنوب أفريقية، بحضور جهات حكومية وخاصة وغير ربحية معنية بريادة الأعمال.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
يوميات الشرق إيلون ماسك... يعيش في بيت صغير وينفق الكثير على السيارات والطائرات الخاصة (رويترز – يوتيوب – شركة «غلف ستريم») p-circle 01:33

إيلون والتريليون... على ماذا ينفق ماسك ثروته الخيالية؟

قبل أيام احتفل إيلون ماسك بلقب «تريليونير» راقصاً مع الروبوتات على المسرح. فكيف ينفق أغنى شخص في العالم ثروته الطائلة؟

كريستين حبيب (بيروت)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمنح ميريام أديلسون «وسام الحرية» الرئاسي في البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن يوم 16 نوفمبر 2018 (رويترز) p-circle 02:35

شجعت ترمب للاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان... ماذا نعرف عن ميريام أديلسون؟

توجّه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بالحديث والشكر للمليارديرة الإسرائيلية - الأميركية، ميريام أديلسون، خلال خطابه أمام الكنيست يوم الاثنين. فمن تكون أديلسون؟

شادي عبد الساتر (بيروت)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.