مخاطر التنافس الدولي والتجاري لاستعمار الفضاء

للفوز بالثروات على نمط الاستعمار الأوروبي القديم

مخاطر التنافس الدولي والتجاري لاستعمار الفضاء
TT

مخاطر التنافس الدولي والتجاري لاستعمار الفضاء

مخاطر التنافس الدولي والتجاري لاستعمار الفضاء

شهد العقد الماضي توسعاً سريعاً لصناعة الفضاء التجارية.

تنافُس فضائي دولي وتجاري

وبينما تجاهد الدول المتنافسة للحصول على مواقع عسكرية واقتصادية رئيسية خارج الأرض، تتنافس الكيانات العامة والخاصة على مهمات استخراج المعادن من القمر، وعلى زيادة تلوث منطقة متنامية من الحطام الفضائي في مدار الأرض المنخفض.

ممارسات استعمارية أرضية في الفضاء

في ورقة بيضاء عام 2023، حذرت مجموعة من علماء الفلك المعنيين من تكرار «الممارسات الاستعمارية» الأرضية في الفضاء الخارجي. ولكن ما الخطأ في استعمار الفضاء إذا لم يكن هناك أي شيء منذ البداية، أي إن الفضاء منطقة خالية؟

تقول ماري جين روبنشتاين*: «أنا فيلسوفة في العلوم والدين. أكتب عن صناعة الفضاء منذ عدة سنوات. ومع تحول أنظار الوكالات الحكومية والشركات الخاصة نحو النجوم، لاحظت أن عديداً من العوامل دفعت الاستعمار المسيحي الأوروبي بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر إلى الظهور من جديد في أشكال عالية السرعة وعالية التقنية».

استعمار على النمط الأوروبي القديم

وقد يشمل بعض هذه الممارسات الاستعمارية إغلاق الأراضي، واستغلال الموارد البيئية، وتدمير المناظر الطبيعية -باسم المُثُل العليا مثل «القدر والمصير» وإقامة الحضارة، وخلاص البشرية. ويزعم عديد من قادة صناعة الفضاء، مثل رئيس جمعية المريخ روبرت زوبرين، أنه على الرغم من أن الاستعمار على النمط الأوروبي ربما كانت له عواقب غير سارة على الأرض، فإنه السبيل الوحيد للمضي قدماً في الفضاء الخارجي.

وفي الواقع، يُحذِّر زوبرين من أن أي محاولة لإبطاء أو تنظيم صناعة الفضاء قانونياً، من شأنها أن تجعل حدود المريخ غير متاحة للبشرية، مما يتركنا عالقين على أرض مملة ومتدهورة على نحو متزايد.

فضاء خارجي فارغ أم بيئي؟

ويجادل زوبرين ضد المخاوف بشأن الاستعمار في الفضاء، إذ على النقيض من الأرض، فإن الفضاء الخارجي فارغ، كما يزعم. فلماذا ينبغي لأي شخص أن يهتم بحقوق الصخور وبعض الميكروبات الافتراضية؟

ولكن كما اتضح، فلا يتفق الجميع على أن الفضاء الخارجي فارغ. إذ يؤكد علماء الفلك المعنيون، أن التخلي عن نهج الاستعمار من شأنه أن يفيد قطاعات الصناعة الفضائية والجهات الأخرى على حد سواء.

أساطير الشعوب البدائية

هل الفضاء فارغ حقاً؟ أخبر سكان مقاطعة باواكا في شمال أستراليا خبراء صناعة الفضاء أن أسلافهم يوجهون الحياة البشرية من موطنهم في المجرة، وأن هذه العلاقة مهدَّدة بشكل متزايد من شبكات الأقمار الاصطناعية الضخمة التي تدور في مدارات حول الأرض.

على نحو مماثل، يقول شيوخ الإنويت إن أسلافهم يعيشون على الأجرام السماوية، فيما طلبت قيادة الهنود الحمر في نافايو من وكالة «ناسا» عدم إنزال رفات بشرية على القمر. وأصر شيوخ كاناكا على عدم بناء مزيد من التلسكوبات على ماونا كيا، التي يعدها سكان هاواي الأصليون أسلافاً ومقدسة. وتتناقض هذه المواقف الأصلية بشكل صارخ مع إصرار عديد من العاملين في الصناعة على أن الفضاء فارغ وغير حي.

الاتفاق على النهج ضروري

إن مفتاح التوفيق بين هذه المواقف المختلفة إلى حد كبير هو السعي إلى الاتفاق -ليس على المعتقدات أو وجهات النظر العالمية، بل على السلوك، أي النهج.

ولا يحتاج المتحمسون للفضاء العلمانيون إلى الموافقة على أن الفضاء الخارجي مأهول بالسكان أو أنه حي أو مقدس حتى يتمكنوا من التعامل معه بالرعاية والاحترام اللذين تطلبهما المجتمعات الأصلية من قطاع الصناعة الفضائية.

مشروع مسح لوكالة «ناسا» حول الاستكشاف الأخلاقي للفضاء

الحفاظ على الفضاء

قد يتضمن التعامل مع الفضاء الخارجي بعناية الحفاظ على التكوينات الطبيعية الجديرة بالملاحظة، والحد من التعدين، وتقليص تصاريح إطلاق الأقمار الاصطناعية، وإيجاد طريقة لتنظيف الحطام في المدار.

المخاوف البيئية الفضائية

يدرس مجال علم البيئة الفضائية الناشئ العلاقات بين التحف التي أنتجتها البشرية والبيئات الطبيعية في سياقات كل من مدار الأرض، وسطح القمر، والكواكب الأخرى. وبينما يسعى هذا التخصص إلى إثبات ذلك، فإن المدارات والأجسام الكوكبية تظل عبارة عن أنظمة متوازنة بدقة.

- إفساد مدار القمر: ومن دون تنظيم متسق، يمكن للنشاط الفضائي التجاري أن يجعل المدارات غير صالحة للاستخدام ويتسبب في إفساد الغلاف الجوي الشبيه بالفراغ للقمر.

- الحطام الفضائي المتكاثر: وفي الواقع، يمكن للضوء المنعكس عن الحطام الفضائي المتساقط -الأقمار الاصطناعية المعطلة، وقطع المركبات الفضائية، والهواتف المحمولة، والصواميل، والمسامير، وشظايا المعدن والزجاج- أن يمنع علماء الفلك من رؤية النجوم وتصويرها.

تفجيرات لاستخراج المعادن

- استخراج المعادن: يساعد القمر والمريخ والكويكبات العلماء على فهم كيفية تشكل الكواكب والنظام الشمسي، وما الظروف اللازمة للحياة، وكيف قد تبدو الكواكب في المستقبل. وإذا فجرت صناعة الفضاء الأجسام الكوكبية واستخرجت المعادن منها -وكذلك أيضاً تفجيرها نووياً بناءً على اقتراح من إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس»- فقد يفقد العلماء الوصول إلى هذه المعرفة.

- أضرار على الأرض: لقد أحدثت صناعة الفضاء التجارية بالفعل أضراراً بيئية كبيرة على الأرض وما حولها. ولقد أدت اختبارات وإطلاقات الصواريخ المستمرة لشركة «سبيس إكس» إلى تدمير الأراضي الرطبة في بوكا تشيكا بولاية تكساس. كما تسبب انفجار مركبة «سبيس إكس ستارشيب» في أبريل (نيسان) 2023 في إتلاف ما يقدَّر بنحو 385 فداناً من الأراضي والممرات المائية والسلاحف والطيور، ناهيك بالسيارات والمنازل والضرر اللاحق برئات البشر.

ترسب الملوثات في الغلاف الجوي

- تلويث الغلاف الجوي: ويؤدي العدد المتزايد من عمليات الإطلاق الخاصة والعامة التي تنفذها الصناعة، إلى ترسب الكيروسين والكربون والكبريت في الغلاف الجوي العلوي، حيث تظل هذه المواد لفترة أطول مما هي عليه في طبقة الستراتوسفير.

- تغير المناخ: وقد أظهرت الأبحاث أن تراكم هذه المواد يمكن أن يؤدي إلى تفاقم تغير المناخ بشكل كبير. ووفقاً لتقدير واحد، فإن انبعاثات الصواريخ تسخن الغلاف الجوي بسرعة أكبر بنحو 500 مرة من انبعاثات الطيران.

حتى لو لم يصل ماسك إلى المريخ، فإن «سبيس إكس» ومجموعة من الشركات المنافسة لها تخلق حركة مرور عبر الأقمار الاصطناعية في مدار أرضي منخفض يمكن أن تهدد حياة رواد الفضاء وتخاطر بجعل هذه المدارات غير صالحة للاستخدام.

عبودية بشرية جديدة في الفضاء

يحتفل عديد من قادة الصناعة الفضائية بالفضاء بوصفه «العالم الجديد» أو «الحدود النهائية». وكانت الاقتصادات الاستعمارية السابقة المبكرة التي اعتمدت على محاصيل السكر والتبغ وعلى الذهب قد ولَّدت الأرباح لبناء الإمبراطوريات الأوروبية وبناء الولايات المتحدة من خلال الاستعباد والعبودية.

لذا سيتعين على قادة صناعة الفضاء أن يفكروا في الشكل الذي ستبدو عليه ترتيبات العمل عندما يرسلون العمال لإدارة فنادقهم وبناء مخابئهم في الفضاء وتسهيل تعدين الكويكبات. إذ بعد كل شيء، سيعتمد عمال الفضاء على أصحاب العمل ليس فقط للحصول على الراتب والرعاية الصحية، ولكن أيضاً للحصول على الطعام والماء والهواء والنقل إلى الأرض.

معاهدة مضادة لاستعمار الفضاء

في عام 1967، وقَّعت مجموعة من الدول بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد السوفياتي على معاهدة الفضاء الخارجي. أعلنت هذه المعاهدة، من بين أمور أخرى، أنه لا يمكن لأي دولة امتلاك جسم كوكبي أو جزء منه. تم التفاوض على معاهدة الفضاء الخارجي وتوقيعها في أعقاب حربين عالميتين، وكانت نتاجاً للصراع في أوروبا في القرن العشرين.

إذا كان الاستعمار على الأرض قد بلغ ذروته بهاتين الحربين، فإن الدول التي وقَّعت على معاهدة الفضاء الخارجي كانت تقول فعلياً: «دعونا لا نتقاتل من أجل الأراضي والموارد مرة أخرى. دعونا نتعامل مع الفضاء الخارجي بشكل مختلف».

في هذه المرحلة، أصبحت معاهدة الفضاء الخارجي عتيقة وغير قابلة للتنفيذ تقريباً. ولكن أي تشريع مستقبلي سيكون من الأفضل أن يحتفظ بروح المناهضة للاستعمار في المعاهدة الأصلية.

لذا ومن منظور السياسة، إذن، لا يهم ما إذا كان الفضاء مأهولاً بالفعل أو ما إذا كانت الصخور لها حقوق، لأن منع الاستعمار في الفضاء الخارجي لا يتطلب من صناعة الفضاء الاتفاق على هذه الأسئلة الميتافيزيقية.

بدلاً من ذلك، سيطلب من المشاركين عبر الصناعة وخارجها الاتفاق على مجموعة مشتركة من المعايير لرعاية الكواكب ومداراتها -سواء كانت دوافعهم علمية أو بيئية أو إنسانية أو دينية.

* عميدة العلوم الاجتماعية وأستاذة الدراسات الدينية والعلمية والتكنولوجية في جامعة «ويسليان»، مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».

حقائق

500

مرة أكثر تسخن انبعاثات الصواريخ الغلاف الجوي بسرعة أكبر مقارنةً بانبعاثات الطائرات

قد يتضمن التعامل مع الفضاء الخارجي بعناية الحفاظ على التكوينات الطبيعية الجديرة بالملاحظة، والحد من التعدين، وتقليص تصاريح إطلاق الأقمار الاصطناعية، وإيجاد طريقة لتنظيف الحطام في المدار.

ماري جين روبنشتاين


مقالات ذات صلة

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

علوم عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

أعلنت شركة «سبيس بايونير» الصينية المتخصصة في تطوير الصواريخ، الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل.

«الشرق الأوسط» (بكين)
علوم يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك بقايا شديدة الكثافة، لكن بعضها قد يكون قوياً لدرجة أنه لا يترك أي شيء مطلقاً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تحليل إخباري رواد الفضاء الأربعة في مهمة «أرتميس ‌2» (ناسا)

تحليل إخباري القمر مختبراً... كيف يشكّل «أرتميس» بروفة «ناسا» لرحلات المريخ؟

برنامج «أرتميس» يستخدم القمر لاختبار التقنيات والتحمل البشري واللوجيستيات تمهيداً لبعثات المريخ واستكشاف الفضاء العميق بشكل مستدام.

نسيم رمضان (لندن)
الولايات المتحدة​ تُظهر هذه الصورة المأخوذة من فيديو قدمته وكالة ناسا الأرض (يسارا) من مركبة أوريون الفضائية أثناء تشغيل محركاتها متجهةً نحو القمر (أ.ب)

طاقم «أرتميس 2» يختبر كاميراته من المدار قبل الانطلاق نحو القمر

اختتم رواد فضاء مهمة «أرتميس 2» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية يومهم الأول في الفضاء باختبار الكاميرات التي سيستخدمونها لتصوير القمر.

«الشرق الأوسط» (أورلاندو)
تكنولوجيا صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)

ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

مهمة «أرتميس 2» تختبر أنظمة دعم الحياة، والملاحة، والطاقة لإتاحة رحلات بشرية مستدامة إلى الفضاء العميق تمهيداً للمريخ.

نسيم رمضان (لندن)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟