علم الوراثة يساعد في علاجات محتملة لمتلازمة تململ الساقين

رصد أكثر من 140 موقعاً جديداً للخطر الجيني المسبب لها

علم الوراثة يساعد في علاجات محتملة لمتلازمة تململ الساقين
TT

علم الوراثة يساعد في علاجات محتملة لمتلازمة تململ الساقين

علم الوراثة يساعد في علاجات محتملة لمتلازمة تململ الساقين

اكتشف العلماء أدلة وراثية لسبب متلازمة تململ الساقين، وهي حالة شائعة بين كبار السن. ويمكن أن يساعد هذا الاكتشاف في رصد الأفراد الأكثر عرضة لخطر الإصابة بهذه الحالة، والإشارة إلى الطرق المحتملة لعلاجها.

«الهلوسة اللمسية»

ويمكن أن تسبب متلازمة تململ الساقين (restless leg syndrome) إحساساً مزعجاً بالزحف في الساقين، أو الشعور بأن الجلد «يزحف» وهو أحد الأعراض الجسدية التي تحدث من دون سبب جسدي. ويسمى هذا العرض أيضاً بالهلوسة اللمسية (tactile hallucination) التي يمكن أن تحدث في حالات إصابات الصحة العقلية أو الأمراض العصبية أو انقطاع الطمث. ويمكن أن تكون أيضاً أحد الآثار الجانبية لبعض الأدوية.

وقام الباحثون بتجميع وتحليل البيانات من 3 دراسات على مستوى الجينوم، قارنت الحامض النووي (دي إن إيه) للمرضى بالأشخاص الأصحاء، للبحث عن الاختلافات الأكثر شيوعاً لدى أولئك الذين يعانون من متلازمة تململ الساقين. ومن خلال الجمع بين البيانات تمكن الفريق من إنشاء مجموعة بيانات قوية، تضم أكثر من مائة ألف مريض، وأكثر من 1.5 مليون عنصر تحكم غير متأثر بالمرض. ووجدوا أدلة وراثية تشير إلى سبب المتلازمة.

متلازمة تململ الساقين

وهي عبارة عن أحد اضطرابات النوم العصبية الذي يرتبط بحركة الساقين في أثناء النوم أو الراحة؛ إذ يشعر المرضى بدافع قاهر لتحريك سيقانهم، بالإضافة إلى أحاسيس مزعجة وغير مريحة في الساقين. وعادة ما تحدث الأعراض عندما لا يكون الشخص نشطاً، وغالباً في المساء أو ليلاً. ويمكن أن تبدأ متلازمة تململ الساقين في أي سن، وعادة ما تتفاقم مع تقدم السن، ويمكنها أن تسبب اضطراب النوم، ما يؤثر في الأنشطة اليومية.

وبينما يعاني منها بعض الأشخاص كل يوم، فقد تحدث أحياناً لدى البعض. ويشير الخبراء إلى أن ما يصل إلى واحد من كل 10 من كبار السن يعاني من الأعراض، وأن نحو 2 إلى 3 في المائة يتأثرون بشدة، ويطلبون المساعدة الطبية؛ لكن لا يُعرف سوى القليل عن أسباب هذه المتلازمة، وهي حالة لا تهدد الحياة. ولكن الحالات الشديدة يمكن أن تعطل النوم أو تسبب الأرق، وتثير القلق والاكتئاب. وغالباً ما يعاني الأشخاص المصابون بمتلازمة تململ الساقين من حالات أخرى، مثل: الاكتئاب أو القلق، واضطرابات القلب والأوعية الدموية، وارتفاع ضغط الدم، والسكري، ولكن السبب لا يزال غير معروف.

المخاطر الجينية

وحددت النتائج التي نشرت في مجلة «نتشر جينتكس» (Nature Genetics) في 5 يونيو (حزيران) 2024 بمشاركة متساوية لكل من باربرا شورميروتشن تشاو، من معهد علم الوراثة البشرية، كلية الطب والصحة جامعة ميونيخ التقنية بألمانيا، وستيفن بيل، من قسم الأورام جامعة كمبريدج بالمملكة المتحدة، أكثر من 140 موقعاً جديداً للخطر الجيني، ليصل العدد الإجمالي إلى 164، بما في ذلك 3 على الكروموسوم «X». وتوفر هذه الزيادة الكبيرة خريطة وراثية أكثر شمولاً للحالة، مما يوفر رؤى مهمة حول مكوناتها الوراثية.

وقد حددت الدراسات السابقة 22 موقع خطر وراثياً -وهي مناطق من الجينوم تحتوي على تغييرات مرتبطة بزيادة خطر الإصابة بالحالة- ولم يجد الباحثون أي اختلافات جينية قوية بين الرجال والنساء، على الرغم من أن الحالة شائعة لدى النساء بمقدار الضعف مقارنة بالرجال، ما يشير إلى أن التفاعل المعقد بين علم الوراثة والبيئة.

التنبؤ وتصنيف المخاطر

يقول الباحثون إنه سيكون من الممكن استخدام المعلومات الأساسية، مثل السن والجنس والعلامات الجينية، لتصنيف الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بمتلازمة تململ الساقين الشديدة بدقة، في 9 حالات من أصل 10.

ولفهم كيفية تأثير المتلازمة على الصحة العامة، استخدم الباحثون تقنية تسمى «العشوائية المندلية» التي تستخدم المعلومات الجينية لفحص العلاقات بين السبب والنتيجة؛ حيث توفر هذه التقنية إطاراً لفهم كيفية انتقال المعلومات الوراثية عبر الأجيال، وكيفية تشكيل أنماط وراثية ملحوظة في الكائنات الحية. وكشفت أن المتلازمة تزيد من خطر الإصابة بمرض السكري. وعلى الرغم من أن مستويات الحديد المنخفضة في الدم يُعتقد أنها تؤدي إلى متلازمة تململ الساقين -لأنها يمكن أن تؤدي إلى انخفاض في الناقل العصبي (الدوبامين)- فإن الباحثين لم يجدوا روابط وراثية قوية لاستقلاب الحديد، ومع ذلك يقولون إنهم لا يستطيعون استبعاده تماماً بوصفه عامل خطر.

مستقبل العلاج والوقاية

> اختلافات جينية: حدد الفريق البحثي اثنين من الاختلافات الجينية التي تتضمن جينات تعرف باسم مستقبلات الغلوتامات 1 و4 (glutamate receptors) التي تعد مهمة لوظيفة الأعصاب والدماغ. ومن المحتمل أن يتم استهدافها بواسطة الأدوية الموجودة، كمضادات الاختلاج، مثل «البيرامبانيل» (perampanel)، و«اللاموترجين» (lamotrigine)، أو استخدامها لتطوير أدوية جديدة. وقد أظهرت التجارب المبكرة بالفعل استجابات إيجابية لهذه الأدوية لدى المرضى الذين يعانون من متلازمة تململ الساقين.

> علاجات موجهة: تمهد الأفكار الجينية المكتسبة من هذه الدراسة الطريق لتحسين استراتيجيات الإدارة والعلاج للمرض؛ إذ إن فهم الأساس الجيني يسمح بتطوير علاجات مستهدفة، وتدابير وقائية محتملة، لتحسين نوعية الحياة للملايين المتضررين من هذه الحالة. وقال المؤلف المشارك الدكتور ستيفن بيل، من خلال فهم الأساس الجيني لمتلازمة تململ الساقين: «نأمل في إيجاد طرق أفضل لإدارتها وعلاجها، مما قد يؤدي إلى تحسين حياة ملايين الأشخاص المتضررين في جميع أنحاء العالم».



هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة
TT

هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة

قد لا يكون الصوت مجرد وسيلة للتعبير، بل نافذة بيولوجية دقيقة تحمل إشارات خفية عن حالة الإنسان الصحية. فاهتزاز الأحبال الصوتية، وتغيّر الإيقاع، وحتى الترددات غير المسموعة للأذن البشرية قد تعكس تغيرات فسيولوجية معقدة داخل الجسم، لا يلاحظها الإنسان، لكنها تترك أثراً يمكن رصده، وتحليله.

وفي هذا السياق، بدأ الذكاء الاصطناعي يقترب من الصوت بوصفه «بياناً طبياً» جديداً، حيث تعمل الخوارزميات على تحليل نبرة الكلام بدقة غير مسبوقة، بحثاً عن أنماط دقيقة قد ترتبط بأمراض عصبية، أو تنفسية، أو حتى نفسية، في تحول يفتح باباً مختلفاً تماماً لفهم العلاقة بين الصوت والصحة.

حين يصبح الصوت بصمة صحية للجسد

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في أحدث ما توصلت إليه الأبحاث، أظهرت دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine)، قادها الباحث تشن زيي (Ziyi Chen) من كلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School)، أن تحليل الكلام العفوي يمكن أن يتحول إلى مؤشر رقمي دقيق لتقييم القدرات الإدراكية. وقد نجحت الخوارزميات في ربط خصائص الصوت بوظائف الدماغ، مع قدرة ملحوظة على اكتشاف التدهور المعرفي في مراحله المبكرة.

ويأتي هذا التطور امتداداً لنتائج سابقة، إذ أشارت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) التابعة لمجموعة «نتشر» (Nature)، أعدّها باحثون من جامعة ستانفورد (Stanford University) الأميركية، إلى أن تحليل تسجيلات صوتية قصيرة يمكن أن يكشف مؤشرات على اضطرابات عصبية ونفسية، اعتماداً على أنماط دقيقة في الترددات الصوتية، وسرعة الكلام، والتغيرات في النبرة.

وتكشف هذه النتائج مجتمعة عن تحول نوعي في فهم الصوت البشري؛ إذ لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح أداة تحليل يمكن أن تعكس الحالة العصبية، والوظائف الإدراكية للإنسان.

كيف يمكن للصوت أن يكشف المرض؟

يرتبط الصوت البشري ارتباطاً وثيقاً بالجهاز العصبي الذي يتحكم بدقة في حركة عضلات الحنجرة، ونمط التنفس، وتنسيق اللسان والشفتين أثناء الكلام. وعندما تتأثر هذه الأنظمة نتيجة اضطراب عصبي أو مرض عضوي، تظهر تغيرات دقيقة في خصائص الصوت، غالباً ما تكون خفية، ولا يمكن ملاحظتها بسهولة بالسمع البشري.

غير أن ما لا تلتقطه الأذن تستطيع الخوارزميات تحليله. إذ تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بفحص آلاف السمات الصوتية داخل تسجيل واحد، من ترددات دقيقة إلى اختلافات طفيفة في الإيقاع والتنفس، لتحديد أنماط قد تعكس تغيرات بيولوجية داخل الجسم.

وبذلك يتحول الصوت من مجرد وسيلة للتواصل إلى إشارة فسيولوجية قابلة للتحليل، وتحمل في طياتها معلومات قد تساعد على الكشف المبكر عن اضطرابات صحية قبل أن تظهر أعراضها بوضوح.

حين يتحول الهاتف إلى طبيب صامت

هل يصبح الهاتف أداة تشخيص؟

مع التقدم المتسارع في تقنيات تحليل الصوت، لم يعد هذا التصور مجرد احتمال نظري، بل يقترب تدريجياً من التطبيق العملي. فقد يتحول الهاتف الذكي إلى نقطة مراقبة صحية أولية قادرة على التقاط إشارات صوتية دقيقة خلال المكالمات، أو أثناء قراءة نص بسيط.

وفي هذا السياق، يمكن لتطبيق صحي مدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يحلل صوت المستخدم في الخلفية، ويرصد تغيرات طفيفة في النبرة أو الإيقاع قد لا يلاحظها الشخص نفسه، ثم يرسل تنبيهاً مبكراً بوجود مؤشرات تستدعي المتابعة الطبية.

ولا تكمن أهمية هذا النموذج في دقته التقنية فحسب، بل في قدرته على نقل التشخيص المبكر من العيادة إلى الحياة اليومية، بحيث يصبح الاكتشاف جزءاً من الروتين، ولا يكون حدثاً متأخراً بعد ظهور الأعراض.

لكن هل يمكن الوثوق بالصوت؟

رغم هذا التقدم، يطرح استخدام الصوت كأداة تشخيص تحديات مهمة. فالصوت يتأثر بعوامل متعددة لا ترتبط بالمرض وحده، مثل الحالة النفسية، والبيئة المحيطة، وحتى ثقافة الكلام وطبيعته لدى كل فرد. كما أن الاعتماد المفرط على التحليل الصوتي قد يحمل خطر تفسير الإشارات خارج سياقها السريري.

وهنا لا يكمن التحدي في دقة الخوارزمية فقط، بل في قدرتها على فهم الإنسان في تعقيده الكامل، وهو ما يظل حتى اليوم خارج نطاق أي نموذج حسابي.

ماذا يعني ذلك للطب؟

رغم أن هذه الأبحاث لا تزال في مراحلها المبكرة، فإنها تشير بوضوح إلى اتجاه جديد في الطب يقوم على تحليل الإشارات الحيوية التي ينتجها الجسم بشكل يومي دون تدخل مباشر، في انتقال تدريجي من الفحوصات المتقطعة إلى المراقبة المستمرة.

وفي هذا الإطار قد لا يبقى التشخيص معتمداً فقط على اختبارات تُجرى داخل المختبرات، بل يمتد ليشمل بيانات تُجمع من حياة الإنسان اليومية، مثل صوته، وحركته، ونمط تنفسه، ضمن منظومة تحليل ذكية تعمل في الخلفية.

وقد يأتي وقت يصبح فيه الصوت أحد المؤشرات الحيوية المعتمدة للصحة، إلى جانب تحاليل الدم، والفحوصات التقليدية، وليس بديلاً عنها، بل يكون مكملاً لها، ويضيف بعداً جديداً لفهم الإنسان في مراحله المبكرة.

لكن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الصوت يستطيع كشف المرض...

بل ما إذا كنا مستعدين للإصغاء لما يقوله الجسد قبل أن يصرخ بالألم.


رحلة حول القمر والعودة في 10 أيام

رحلة حول القمر والعودة في 10 أيام
TT

رحلة حول القمر والعودة في 10 أيام

رحلة حول القمر والعودة في 10 أيام

تستعد «ناسا» لإرسال أربعة رواد فضاء -ثلاثة من الولايات المتحدة، وواحد من كندا- في رحلة حول القمر، والعودة دون الهبوط عليه. وهذه هي المرة الأولى التي يسافر فيها أي إنسان إلى هذه المسافة من الأرض منذ رحلة مركبة «أبولو 17» عام 1972، كما كتب ماركو هيرنانديز وكينيث تشانغ(*).

مهمة فضائية نحو القمر

وإذا نجحت مهمة «أرتميس 2»، فقد تتبعها مهمات أخرى لإعادة رواد الفضاء إلى سطح القمر في وقت لاحق من هذا العقد.

وإليكم ما يجب معرفته عن المهمة، ورواد الفضاء المشاركين فيها.

صاروخ الإطلاق ومركبة الرواد

* ما هو صاروخ نظام الإطلاق الفضائي؟

هذا هو صاروخ «ناسا» الجديد الضخم، وهو المكافئ المعاصر لصاروخ «ساتورن 5» الذي استُخدم في رحلات أبولو إلى القمر. يبلغ ارتفاعه 322 قدماً، ويزن 5.75 مليون رطل عند امتلائه بالوقود. وينطلق من مركز كينيدي للفضاء التابع لوكالة «ناسا» في فلوريدا، وهو قادر على إرسال حمولة تزن نحو 60000 رطل (الرطل 453 غراماً تقريباً) إلى القمر.

ويُعدّ تصميمه مزيجاً من التقنيات التي طُوّرت في سبعينات القرن الماضي لمكوك الفضاء. وقد أشرفت «ناسا» على تصميم صاروخ نظام الإطلاق الفضائي، وكذلك كبسولة أوريون، واستعانت بشركتي «سبيس إكس» و«بلو أوريجين» التجاريتين، لتوفير مركبات الهبوط القمرية لمهام «أرتميس» المستقبلية.

* ما هي مركبة أوريون الفضائية؟

- مركبة أوريون الفضائية هي التي ستحمل رواد الفضاء إلى القمر، والعودة. وسيعود الجزء العلوي منها -وحدة الطاقم- إلى الأرض، حيث سيهبط في المحيط الهادئ قبالة سان دييغو.

تتكون مركبة أوريون الفضائية من قسمين رئيسين. وخلال المهمة التي تستغرق عشرة أيام سيبقى رواد الفضاء داخل وحدة الطاقم. أما أسفلها فتقع وحدة الخدمة، وهي قطعة أسطوانية الشكل وفرتها وكالة الفضاء الأوروبية، وتضم أنظمة الدفع، والطاقة، ودعم الحياة.

صُممت هذه الكبسولة من قِبل شركة «لوكهيد مارتن»، وأطلق عليها الطاقم اسم «إنتيغريتي» لهذه المهمة، وهي قادرة على استيعاب أربعة رواد فضاء لمهام تصل مدتها إلى 21 يوماً.

يبلغ حجم الكبسولة الداخلي ما يعادل حجم سيارتين صغيرتين تقريباً، وهو حجم غير كافٍ لتوفير أي خصوصية لأفراد الطاقم.

يمكن إزالة مساند القدمين في مقعدي الطيار والقائد لتوفير مساحة أكبر أثناء العمل، والنوم. وفي حال حدوث إشعاع، مثل توهج شمسي، يمكن لرواد الفضاء الاحتماء في خزائن التخزين الموجودة أسفل المقاعد.

أربعة رواد فضاء

وقد تم اختيار أربعة رواد فضاء لهذه المهمة في عام 2023، وهم يتدربون منذ ذلك الحين استعداداً لرحلتهم. سبق لرواد الفضاء الثلاثة التابعين لوكالة «ناسا» -القائد ريد وايزمان، والطيار فيكتور غلوفر، واختصاصية المهمة كريستينا كوتش- أن حلقوا على محطة الفضاء الدولية. ومن المقرر أن يكون غلوفر أول رجل أسود يدور حول القمر، وكوتش أول امرأة سوداء تفعل ذلك. أما اختصاصي المهمة الكندي جيريمي هانسن، فلم يسبق له أن سافر إلى الفضاء. وسيكون هانسن أول شخص من خارج وكالة «ناسا» يقوم بهذه الرحلة.

استكشاف القمر وموارده

* لماذا تعود «ناسا» إلى القمر؟

بعد أن وطأت قدم نيل أرمسترونغ سطح القمر، شعر الكثيرون بأن سباق الفضاء مع الاتحاد السوفياتي (السابق) قد حُسم، وأن مهمات قمرية جديدة لا تستحق التكلفة الباهظة.

وعلى مدى العقود الماضية، ركزت «ناسا» على استكشاف المدار الأرضي المنخفض باستخدام مكوك الفضاء، ومحطة الفضاء الدولية.

وخلال فترة رئاسة ترمب الأولى، أصبحت العودة إلى القمر أولوية بالنسبة لـ«ناسا»، واستمر البرنامج في عهد الرئيس جو بايدن. وتهدف مهمات «أرتميس» إلى استكشاف القمر لأغراض الاكتشاف العلمي، واستخراج موارد منه، مثل الماء المتجمد لاستخدامه في مهمات فضائية لاحقة، والهيليوم-3 لمحطات الطاقة الاندماجية المستقبلية.

برنامج «أرتميس»

* أرتميس 1: أُطلقت المهمة الأولى من برنامج «أرتميس» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، حيث أرسلت كبسولة أوريون غير المأهولة إلى مدار حول القمر. وخلال رحلتها، أطلقت المهمة عدة أقمار اصطناعية صغيرة تُعرف باسم كيوب سات. عادت أوريون إلى الأرض بعد 26 يوماً.

* أرتميس 2: تهدف مهمة هذا العام إلى اختبار أنظمة دعم الحياة والأنظمة الحيوية الأخرى على متن مركبة أوريون. إذ وبعد انفصالها عن المرحلة العليا للصاروخ، يخطط الطاقم لاختبار قدرة أوريون على تنفيذ مناورات الالتحام للرحلات المستقبلية. وفي حال حدوث أي مشكلات خطيرة أثناء وجود أوريون في مدار الأرض، سيقوم مديرو المهمة بإعادة رواد الفضاء إلى الأرض.

بمجرد أن تتجه المركبة الفضائية نحو القمر، ستسلك ما يُعرف بمسار «العودة الحرة»: حيث ستُعيد جاذبية القمر الكبسولة مباشرةً إلى الأرض دون الحاجة إلى تشغيل المحركات. وهذا يعني أن كبسولة أوريون يُمكنها العودة إلى الأرض حتى في حال حدوث عطل في نظام الدفع.

أثناء تحليق أوريون بالقرب من الجانب البعيد للقمر، سيُجري رواد الفضاء عمليات رصد لسطح القمر، بما في ذلك أجزاء لم ترها عين بشرية من قبل. (وتجدر الإشارة هنا إلى أن توقيت مهمات أبولو قد تمّ بحيث يكون الجانب القريب من القمر، حيث هبط رواد الفضاء، في ضوء النهار، بينما يكون الجانب البعيد في ظلام دامس).

وعندما يكون القمر بين المركبة الفضائية الجديدة والأرض، ستنقطع الاتصالات مع رواد الفضاء لمدة تتراوح بين 30 و50 دقيقة.

مهمات مستقبلية

* مهمات «أرتميس» المستقبلية: في فبراير (شباط)، عدّلت «ناسا» خططها لما سيحدث بعد «أرتميس 2». كان من المفترض أن تكون «أرتميس 3» الحدث المحوري، حيث ستهبط برواد فضاء بالقرب من القطب الجنوبي للقمر بحلول نهاية عام 2028.

وبدلاً من ذلك، أُعيدت جدولة إطلاقها في منتصف عام 2027، وستبقى في مدار حول الأرض كرحلة تجريبية للتدرب على الالتقاء بإحدى أو كلتا مركبتي الهبوط القمريتين اللتين تُطوّرهما شركتا «سبيس إكس» و«بلو أوريجين».

إذا سارت الأمور على ما يرام، فقد يُمهد ذلك الطريق لمحاولتي هبوط «أرتميس 4» و«أرتميس 5» في عام 2028.

وسيُحقق ذلك هدف الرئيس دونالد ترمب بإعادة رواد فضاء «ناسا» إلى القمر قبل نهاية ولايته الثانية.

تكلفة المشروع

على مدى العقدين الماضيين، أنفقت «ناسا» أكثر من 50 مليار دولار على تطوير وبناء نظام إطلاق الفضاء، وكبسولة أوريون، والأنظمة الأرضية المصاحبة اللازمة لإطلاقهما.

لا توجد تكلفة محددة لبرنامج «أرتميس 2» وحده، على الرغم من أن تقريراً صادراً عن المفتش العام لـ«ناسا» في عام 2021 ذكر أن تكلفة كل عملية إطلاق لنظام إطلاق الفضاء وكبسولة أوريون تبلغ نحو 4.1 مليار دولار.

* خدمة «نيويورك تايمز»


«كريسبر» داخل الجسم: حقنة بسيطة قد تحل محل أعقد علاجات السرطان

صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان
صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان
TT

«كريسبر» داخل الجسم: حقنة بسيطة قد تحل محل أعقد علاجات السرطان

صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان
صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان

فنجح باحثون في تحقيق اختراق علمي لافت، حيث تمكنوا من هندسة خلايا مناعية مقاومة للسرطان مباشرة داخل أجسام فئران حية، ما يمهد الطريق لعلاج بسيط قد يُعطى عبر حقنة واحدة، ويغني عن الحاجة إلى العلاج الكيميائي السام.

تقنية «كريسبر» المتقدمة

وفي تفاصيل هذا الإنجاز استخدم العلماء تقنية «كريسبر» المتقدمة (الخاصة بالتحرير، والقصّ الجيني) لتحويل حقنة تقليدية إلى أداة علاجية متطورة قادرة على إعادة برمجة الجهاز المناعي داخل الجسم نفسه. ووفقاً لدراسة نُشرت في 18 مارس (آذار) 2026 في دورية «نتشر» Nature فإن هذه الطريقة قد تتجاوز التحديات الحالية المرتبطة بالعلاجات المناعية، مثل التكلفة العالية، وتعقيد الإجراءات، وطول مدة العلاج.

شكل تصويري لخلايا مناعية (باللون الأخضر) تحيط بورم سرطاني (الأزرق)

علاج مناعي مختبري معروف للسرطان

وتركز الدراسة على فئة ناشئة من علاجات السرطان تعرف باسم «علاجات الخلايا التائية ذات المستقبلات الخيمرية» (CAR T - cell). ويعتبر هذا العلاج حالياً إنجازاً طبياً مذهلاً، لكنه يواجه عقبة لوجيستية كبيرة. فآلية عمله تعتمد على استخلاص الخلايا المناعية للمريض (الخلايا التائية)، ثم هندستها وراثياً في مختبر متخصص لتصبح قادرة على قتل الخلايا السرطانية، وأخيراً إعادة حقنها في جسم المريض.

ورغم أن هذه العملية حققت النجاح بحدوث تراجع ملحوظ في الأورام لبعض المرضى المصابين بسرطانات الدم، مثل اللوكيميا، واللمفوما، فإنها تحمل عيوباً كبيرة، إذ تتجاوز تكلفة العلاج مئات الآلاف من الدولارات، وتتطلب أسابيع من الانتظار، وتجبر المرضى على الخضوع لعلاج كيميائي سام مسبقاً للقضاء على جهازهم المناعي الحالي، لإفساح المجال للخلايا الهندسية الجديدة.

هندسة حيوية داخل الجسم

وبهدف بناء جيش داخل الجسم بطريقة أكثر أماناً، طالما حلم العلماء بتبسيط هذه العملية عن طريق هندسة الخلايا التائية مباشرة داخل المريض، وهو مفهوم يعرف باسم الهندسة الحيوية داخل الجسم In vivo engineering -، وهي تقنية علمية تعني تعديل الخلايا أو الجينات مباشرة داخل جسم الكائن الحي بدلاً من إخراج الخلايا، وتعديلها في المختبر، ثم إعادتها.

حقنة تتحول إلى مصنع إنتاج خلايا مناعية

وإذا نجح هذا النهج، فقد تحول حقنة بسيطة نظرياً جسم المريض نفسه إلى مصنع لإنتاج خلايا مقاومة للسرطان، مما يلغي الحاجة إلى العمل المختبري المكلف، والعلاجات المسبقة القاسية.

لكن هذا الحلم كان يحمل في طياته كابوساً محتملاً: إذ ماذا لو قامت أدوات التعديل الجيني بتغيير خلايا خاطئة عن طريق الخطأ؟ أو أدخلت الجين المقاوم للسرطان في مكان خاطئ داخل الجينوم مما قد يؤدي إلى ظهور أورام جديدة؟

انطلق الدكتور جاستن إيكيم، عالم المناعة في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو الولايات المتحدة الأميركية، والمؤلف الرئيس للدراسة، لحل هذه المعضلة الأمنية. فقد بنى فريقه نظاماً يحمل «طبقات متعددة من الأمان» multiple layers of safety لضمان تحول الخلايا التائية فقط، ووضع التعديل الجيني في مكان آمن ومضبوط داخل جينوم الخلية.

إرسالية ذات مرحلتين

يشبه حل الفريق خدمة توصيل متطورة مزودة بنظام أمان مزدوج. إذ استخدم الباحثون نوعين مختلفين من الناقلات لحمل الشحنة الجينية. المجموعة الأولى حملت أدوات التعديل الجيني «كريسبر» التي تعمل كمقصات جزيئية، بينما حملت الأخرى المخطط الجيني للبروتين المقاوم للسرطان (CAR).

ولكي تتحول الخلية التائية إلى قاتلة للسرطان كان عليها تسلم كلتا هاتين الإرساليتين. ويقلل هذا النظام المزدوج بشكل كبير من خطر تعديل أنواع أخرى من الخلايا عن طريق الخطأ.

اختبارات ناجحة

وعندما اختبر الباحثون نظامهم على فئران تم زرع أورام سرطانية بشرية فيها كانت النتائج مذهلة. في الفئران المصابة باللوكيميا، والمايلوما المتعددة، أو الورم النخاعي المتعدد multiple myeloma (هو نوع من سرطان الدم يصيب خلايا البلازما) تم القضاء على السرطان تماماً. والأكثر إثارة للدهشة أن العلاج نجح في مكافحة الساركوما sarcoma (وهو ورم صلب ونادر من السرطان يتطور في الأنسجة الضامة، مثل العظام، والغضاريف، والدهون، والعضلات، والأوعية الدموية). وكانت علاجات الخلايا التائية قد عانت تاريخياً من صعوبة في علاج الأورام الصلبة، ما يجعل هذا الإنجاز واعداً بشكل خاص.

من الخيال العلمي إلى الأمل السريري

يتذكر الدكتور إيكيم أنه عندما تصور هذه الفكرة لأول مرة في عام 2017 «بدت وكأنها خيال علمي». والآن بعد ثماني سنوات فقط تتقدم التكنولوجيا بسرعة نحو التجارب على البشر. فقد شارك في تأسيس شركة تكنولوجيا حيوية لاختبار هذا النهج على القرود، مع آمال في إطلاق تجارب سريرية على البشر بحلول نهاية عام 2027.

وإذا نجحت هذه المساعي فستكون الآثار عميقة، إذ سيكون علاج الخلايا التائية داخل الجسم الحي أرخص بكثير في التصنيع، لأنه سيكون عبارة عن حقنة موحدة «جاهزة للاستخدام» بدلاً من منتج مخصص لكل مريض. والأهم من ذلك أنه سيجنب المرضى العلاج الكيميائي السام المطلوب حالياً، ما قد يجعل هذا العلاج المنقذ للحياة في متناول أولئك الذين هم في حالة صحية سيئة للغاية بحيث لا تسمح لهم بتحمل بروتوكولات العلاج الحالية.

أسئلة باقية دون إجابة

ورغم الحماسة التي أثارتها النتائج يدعو الخبراء إلى التفاؤل الحذر. فقد أشارت الدكتورة راشيل بيريت عالمة المناعة في معهد مالاغان للأبحاث الطبية في ويلينغتون نيوزيلندا غير المشاركة بالدراسة، إلى أنه رغم أن نتيجة الساركوما «واعدة بشكل خاص»، فإنه لا يزال من غير الواضح كم من الوقت تدوم تأثيرات العلاج. بالإضافة إلى ذلك وحتى مع وجود طبقات الأمان الإضافية، فإن هناك خطراً من أن كميات صغيرة من أدوات «كريسبر» قد تقوم عن غير قصد بتعديل خلايا في أعضاء أخرى مثل الكبد.

ومع ذلك تمثل هذه الدراسة نقلة نوعية في المفاهيم السائدة. فهي تثبت أن أعقد علاج خلوي في الطب الحديث قد يصبح يوماً ما بسيطاً كحقنة واحدة. فمن خلال تحويل جسم المريض نفسه إلى مختبر يقترب الباحثون خطوة من مستقبل قد تصبح فيه مكافحة السرطان بسيطة، مثل تلقي أي لقاح.