الشرق الأوسط... البقاء في مستقبل أكثر حرارة وجفافاً

معدل درجة الحرارة فيه ارتفع أسرع من «العالمي» بمرتين

الشرق الأوسط... البقاء في مستقبل أكثر حرارة وجفافاً
TT

الشرق الأوسط... البقاء في مستقبل أكثر حرارة وجفافاً

الشرق الأوسط... البقاء في مستقبل أكثر حرارة وجفافاً

كان 2023 العام الأكثر سخونة على الإطلاق، حيث حطم الأرقام القياسية التي يعود تاريخها إلى منتصف خمسينات القرن التاسع عشر، وأدى إلى شعور مزداد بالإلحاح بشأن العمل المناخي. وقد يكون عام 2024 أكثر سخونة، كما يتضح من موجة الحر الشديدة التي شهدتها الولايات المتحدة هذا الأسبوع.

معاناة الشرق الأوسط

وفي الشرق الأوسط؛ الذي يعدّ بالفعل من أعلى المناطق حرارة على وجه الأرض؛ ارتفعت درجات الحرارة بمعدل أسرع مرتين من المتوسط ​​العالمي. وتتسم بلدان هذه المنطقة ببيئاتها القاحلة، وتواجه مجموعة من التحديات والاحتياجات الخاصة بها، مما يستلزم إطاراً متميزاً لتعزيز سياسات وحلول الاستدامة.

لكن سكان الشرق الأوسط ليسوا وحدهم؛ إذ يعيش أكثر من ثلث سكان العالم في بلدان - مثل مناطق شاسعة من غرب آسيا، والأجزاء الشمالية الغربية من شبه القارة الهندية، وأميركا الجنوبية – موجودة ببيئات حارة وقاحلة.

حتى الآن؛ ركزت مناقشات الاستدامة العالمية إلى حد كبير على البلدان الاستوائية والمعتدلة. ويفترض الخبراء عادة أن التركيز الرئيسي يجب أن يكون على الحفاظ على الغابات الخضراء ذات إمدادات المياه الوفيرة، كما رأينا في أماكن مثل البرازيل وإندونيسيا.

استدامة المناطق الحارة

ومع ذلك، فإن البلدان الحارة والجافة (كثير منها غني بالطاقة) لا تملك النظم البيئية نفسها أو الموارد الطبيعية المتماثلة. وغالباً ما يُنظر إليها على أنها قاحلة أو فارغة، لكن الصحارى حية جداً.

وكتب غونزالو كاسترو دي لا ماتا؛ الباحث في منظمة «إرثنا»، وهي مركز غير ربحي لأبحاث السياسات والمناصرة ومقره قطر، يقول: «إننا نعمل على تطوير أطر الاستدامة المصممة خصيصاً للمناخات الحارة والجافة، ويمكن أن توفر مخططاً لمناطق مماثلة حول العالم».

إن إعادة التفكير في معنى التنوع البيولوجي لإنشاء أطر استدامة فعالة وقابلة للتنفيذ للمناطق الحارة والجافة، تتطلب أولاً فهم التحديات والفرص التي تواجهها هذه البيئات الطبيعية.

مشروع «مشيرب» في الدوحة

التنوع البيولوجي والتكيف

لنأخذ التنوع البيولوجي في قطر؛ على سبيل المثال... إن عملنا البحثي في ​​البلدان ذات درجات الحرارة القصوى يدرك أنه على الرغم من الظروف القاسية؛ بما فيها نقص المياه والحرارة الشديدة، فإن النظم البيئية القاحلة قد أنتجت نباتات وحيوانات قادرة على الصمود، التي اضطرت إلى التكيف بطرق فريدة ومبتكرة.

لقد طورت حيوانات الصحراء، مثل المَهَا، قدرة فطرية على الحفاظ على الطاقة والبقاء على قيد الحياة عندما تكون الأرض جافة والغذاء نادراً، ومعظم النباتات في الصحراء لا يحتاج إلى كثير من الماء ليزدهر. وأشجار المانغروف، التي لديها تكيفات خاصة لاستيعاب ثاني أكسيد الكربون الإضافي وإزالة الملح، تكيفت لتحمل الظروف التي قد تقتل معظم النباتات. تعمل هذه الأشجار الساحلية على تثبيت الخط الساحلي، والحفاظ على الشواطئ من التآكل، ويمكن أن تحمي من ارتفاع منسوب مياه البحر. وهي تعمل على تحسين الظروف لتنمية مصايد الأسماك، وتكون قادرة على امتصاص وتخزين ثاني أكسيد الكربون أكثر من معظم النباتات، مما يساعد في مكافحة تغير المناخ.

بناء مدن أكثر مرونة

عندما نفكر في مستقبل مدننا، وما تحتاجه لتحقيق الازدهار بطرق مستدامة، فمن المهم أن نتذكر أن الحضارات عاشت في مناخات حارة وجافة لآلاف السنين وطورت سلوكيات اجتماعية وثقافية فريدة للتكيف مع بيئاتها.

توفر معارف الأسلاف التقليدية مصدراً غنياً للفهم حول العالم الطبيعي الذي تجب الاستفادة منه لتوجيه الأساليب الحديثة نحو الاستدامة. وفي العاصمة القطرية الدوحة، حيث الطلب على الطاقة في البلاد هو الأعلى، يدمج المطورون مبادئ التصميم المستدام التي تنسق الممارسات القديمة والهندسة المعمارية الحديثة لتقليل الحرارة وتقليل البصمة الكربونية للمدينة.

ملقف الهواء من العصر العباسي

توظيف معارف الأسلاف

مشيرب؛ قلب الدوحة، من الأمثلة على ذلك؛ إذ إنها منطقة مدينة تاريخية جرى تجديدها على مدى 12 عاماً، وتتميز بعناصر معمارية تقليدية، مثل «الملقف»، وهو حاجز مرتفع يستخدم لإيجاد تهوية متقاطعة وتبريد سلبي، والمشربيات (الشبكات الزخرفية) التي توفر الظل والخصوصية، مما أدى إلى خفض استهلاك الطاقة بنسبة 30 في المائة. ويعني وجود نظام متطور لجمع النفايات أن معظم نفايات المنطقة يعاد تدويرها واستخدامها،

ريّ الأفلاج في عٌمان

كما تعمل أنظمة الري على تقليل استخدام المياه. وقد أيد المهندسون المعماريون المنطقة بوصفها مخططاً للتجديد الحضري المستدام.

وفي عمان، يعمل نظام ري الأفلاج القديم منذ أكثر من 2000 عام. تقسم المياه بين المستخدمين من خلال مجموعة معقدة من القنوات التي تجري صيانتها بشكل جماعي، مما يجعل إدارة المياه أكثر عدالة وفاعلية، فساعدها ذلك في الحصول على الاعتراف بها موقعاً من مواقع «التراث العالمي لليونيسكو». وفي أحد مواقع الري، وهو فلج الجيلة، تُستخدم المياه للأغراض الزراعية والمدنية؛ إذ توفر المياه من هذه المواقع ما بين 30 و50 في المائة من إجمالي المياه المستخدمة في عمان اليوم.

من الواضح أن المدن في المناطق الحارة والقاحلة تواجه تحديات مختلفة تماماً عن تلك الموجودة في مناخات أكثر اعتدالاً. ومع ذلك، على مر التاريخ، تكيفت هذه المدن وابتكرت لتزدهر، على الرغم من الظروف القاسية.

إن أطر الاستدامة التي نعمل عليها لا تأخذ في الحسبان درجات الحرارة القصوى والبيئات الجافة فحسب؛ بل إنها مصممة لتشمل الحلول القديمة والحديثة التي يمكن أن تفيد مدن اليوم.

هناك بالفعل طرق لتعزيز الاستدامة في المناخات الأكثر حرارة وجفافاً، على الرغم من التحديات، خصوصاً عندما يكون ذلك بالشراكة مع مجموعات أصحاب المصلحة الأساسيين؛ بمن فيهم الخبراء الفنيون والأكاديميون والحكومات والمنظمات غير الحكومية والشركات والمجتمع المدني.

شبكة المدن القاحلة

تتطلع «إرثنا» إلى إنشاء شبكة المدن القاحلة التي ستجمع خبراء في المدن ذات البيئات الحارة والقاحلة، ونحن نقود حالياً تقييماً عالمياً للاستدامة مع التركيز على 6 مدن قاحلة: الدوحة، ومسقط، وجايبور، ومراكش، وغرينادا، وليما. وكما هي الحال مع إنشاء منصب «كبير مسؤولي الحرارة» في الولايات المتحدة، فسنشارك أفضل الممارسات ونطور حلولاً عملية قائمة على السياسات لمعالجة تأثير تغير المناخ في مناطقنا. للمناخات الحارة والجافة دور كبير في الحد من الآثار الضارة لتغير المناخ، بغض النظر عن موقعها. تحتوي هذه المنطقة مخزوناً غنياً من المعرفة التقليدية والابتكارات المستقبلية لرسم مسار نحو مستقبل أكثر استدامة.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

ثلث سكان العالم تعرضوا لمستويات مرتفعة من تلوث الأوزون في 2026

العالم عامل بمطعم وجبات سريعة يحاول تبريد شخص برشّ الماء على رأسه خلال موجة حر شديدة بطوكيو 22 يوليو 2026 (رويترز)

ثلث سكان العالم تعرضوا لمستويات مرتفعة من تلوث الأوزون في 2026

تعرَّض نحو ثلث سكان العالم لمستويات مرتفعة للغاية من تلوث الهواء بالأوزون خلال عام 2026، نتيجة موجات الحر وحرائق الغابات والانبعاثات الناجمة عن الأنشطة البشرية.

«الشرق الأوسط»
صحتك تعزيز جهازك المناعي يقلل من خطر الإصابة بالإنفلونزا خلال موسم الشتاء (بيكساباي)

كيف تقوّي مناعتك مع بداية موسم الإنفلونزا كل عام؟

يستعرض التقرير قائمة بالنصائح والاستراتيجيات لتعزيز جهازك المناعي وتقليل خطر الإصابة بالإنفلونز خلال موسم الشتاء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق في اتساع السهول... عين لا تغفل عن القطيع (أ.ف.ب)

تطبيق يسبق الخطر ويُنقذ أغنام منغوليا من الهلاك

تتأثّر منغوليا، بمساحتها الشاسعة وكثافتها السكانية المنخفضة، على نحو غير متناسب بالتغيّرات المناخية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)

مرصد عالمي: آلاف نازحي الصومال قد يواجهون الجوع بنهاية العام

يواجه ملايين الصوماليين انعداماً حاداً للأمن الغذائي، وسط مخاوف من مجاعة بين نازحي بيدوة، مع تفاقم الجفاف والصراع ونقص المساعدات.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)

ابدأوا بأنفسكم... قبل أن تبدأوا استخدام الذكاء الاصطناعي

ابدأوا بأنفسكم... قبل أن تبدأوا استخدام الذكاء الاصطناعي
TT

ابدأوا بأنفسكم... قبل أن تبدأوا استخدام الذكاء الاصطناعي

ابدأوا بأنفسكم... قبل أن تبدأوا استخدام الذكاء الاصطناعي

هناك فجوة بين الجنسين في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي. ووفقاً لبحث نشرته كلية هارفارد للأعمال، فإن النساء يتبنّين الذكاء الاصطناعي بمعدلات أقل من الرجال. وقد فسر الكثيرون هذه الإحصائية على أنها نوع من التردد. ولكن ماذا لو كانت معدلات التبني هي المقياس الخاطئ؟

في عملي بصفتي مدربة وموجهة للمديرين التنفيذيين، لاحظتُ أمراً مختلفاً، كما كتبت شيريل ستراوس أينهورن (*). فكثير من النساء في المناصب العليا لا يتبنين الذكاء الاصطناعي ببطء لأنهن يقاومن التكنولوجيا، بل لأنهن أكثر حرصاً على كيفية استخدامه.. إنهن لا يبدأن بالذكاء الاصطناعي، بل يبدأن بأنفسهن.

تمييز مهم: التفكير البشري هو البداية

لا يفهم الذكاء الاصطناعي ما هو الأهم في موقف معين، فهو لا يعرف تاريخ المؤسسة، أو الحقائق السياسية، أو علاقات أصحاب المصلحة، أو التداعيات الإنسانية المترتبة على أي قرار. أما القادة ذوو الخبرة فيدركون أن الاتصاف بالحكمة هي مسؤوليتهم، وأن استخدام الذكاء الاصطناعي الذي يُظهر هذه الحكمة سيوسع آفاق تفكيرهم، ويتحدى أفكارهم، ويعززها دون أن يحل محلها.

الذكاء الاصطناعي لا يفهم ما هو الأهم في موقف معين. فهو لا يعرف تاريخ المؤسسة، أو الحقائق السياسية، أو علاقات أصحاب المصلحة، أو التداعيات الإنسانية المترتبة على أي قرار. يدرك القادة ذوو الخبرة أن الحكمة هي مسؤوليتهم. إن استخدام الذكاء الاصطناعي الذي يُظهر هذه الحكمة سيوسع آفاق تفكيرهم، ويتحدى أفكارهم، ويعززها دون أن يحل محلها.

4 عادات أساسية لدى القيادات النسائية

من خلال تجربتي مع عشرات القيادات، لاحظتُ أربع عادات أساسية لدى القيادات النسائية في استخدام الذكاء الاصطناعي، التي تُحقق نتائج أفضل باستمرار:

1. تحديد المشكلة قبل طلب حلها من الذكاء الاصطناعي. لا يبدأ مستخدمو الذكاء الاصطناعي الأكثر فاعلية، بسؤال الأداة عما يجب فعله، بل يُحددون المشكلة التي يسعون إلى حلها، ثم يُحددون معايير النجاح.

تُؤكد أبحاث حديثة أجرتها كل من مؤسسة ماكينزي ومجموعة بوسطن الاستشارية هذا النهج. ورغم استقلالية كل بحث عن الآخر، فإن المؤسستين تخلصان إلى أن مبادرات الذكاء الاصطناعي تُحقق قيمة أكبر بكثير عندما يبدأ القادة بتحديد مشكلة عمل واضحة المعالم، ووضع نتائج قابلة للقياس قبل استخدام الأدوات. غالباً ما تُعاني المؤسسات التي تبدأ باستخدام أداة الذكاء الاصطناعي من صعوبة تجاوز مرحلة التجربة، لأنها لا تُحدد أبداً كيفية تقييم النجاح.

لذا، وقبل اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي، اسأل نفسك سؤالين: ما المشكلة التي أحاول حلها تحديداً؟ وكيف سيبدو النجاح؟

بناء علاقات ذكية... وتحديد أرضية مشتركة

2. استخدام الذكاء الاصطناعي لبناء علاقات ذكية لا مجرد توثيق

يستخدم كثير من القيادات النسائية العليا الذكاء الاصطناعي لأغراض أكثر تعقيداً من مجرد كتابة رسائل البريد الإلكتروني. فهنّ يستخدمنه لفهم الأشخاص المحيطين بهنّ بشكل أفضل. ومع مرور الوقت، قمن ببناء سجل حيّ لأولويات أصحاب المصلحة، وتفضيلات التواصل، والمخاوف، والدروس المستفادة من التفاعلات السابقة. وبدلاً من التعامل مع كل محادثة كأنها صفحة بيضاء، استخدمن الذكاء الاصطناعي لتحديد الأنماط، وتوقع ردود الفعل، وإبراز وجهات نظر ربما أغفلنها.

تدعم الأبحاث الحديثة القدرات الكامنة وراء هذا النهج. فقد وجدت دراسة حديثة نُشرت في مجلة «ساينس» أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الأشخاص على دمج وجهات النظر المتضاربة، وتحديد أرضية مشتركة، والكشف عن وجهات نظر قد يجد الأفراد صعوبة في التعبير عنها بشكل مستقل. وجد باحثو «مايكروسوفت» بالمثل أن التفكير المدعوم بالذكاء الاصطناعي ساعد الأفراد على الاستعداد بشكل أفضل للاجتماعات المهمة، وذلك بتشجيعهم على إعادة النظر في الافتراضات، وتوقع التحديات، وتكييف أساليب تواصلهم.

تحذيران مهمان

يبقى هناك تحذيران مهمان: أولهما، لأغراض أمنية، التأكد من إخفاء هوية المعلومات الشخصية أو السرية. وثانيهما، نظراً لأن أنظمة ذاكرة الذكاء الاصطناعي الحالية لا تزال غير مكتملة، ينبغي على القادة مراجعة المعلومات المخزنة وتحديثها بانتظام.

بدلاً من سؤال الذكاء الاصطناعي عما يجب قوله، استخدمه لتخصيص طريقة عرض المعلومات. وبهذه الطريقة، من المرجح أن يستجيب المساهمون المعنيون بشكل إيجابي.

الحكم الشخصي... وتحدي الأفكار

3.دع الذكاء الاصطناعي يعمل ويقدم النتائج مع الاحتفاظ بحكمك الشخصي

يدرك القادة ذوو الخبرة أن جمع المعلومات واتخاذ القرار مهمتان مختلفتان. يستطيع الذكاء الاصطناعي تنظيم الأبحاث، وتحديد الأنماط، وتلخيص الأدلة، وتوليد البدائل. لكنه لا يستطيع تحديد المقايضات الجديرة بالاهتمام أو العواقب المقبولة.

تؤكد الأبحاث هذا التقسيم للعمل، فقد وجدت دراسة شملت أكثر من 100 قرار استراتيجي في مجال الأعمال أن جودة القرار كانت في أعلى مستوياتها عندما عمل التفكير التحليلي والحدس معاً، لا سيما في البيئات الديناميكية. وبالمثل، خلصت دراسة نُشرت في مجلة «Nature Reviews Psychology» إلى أن الذكاء الاصطناعي يكون أكثر فائدة بوصفه أداة لدعم اتخاذ القرار وليس بوصفه بديلاً عن الحكم البشري. وذلك لأن مخرجاته تعكس تحيزات واضحة، وأوجه قصور في التفكير، وغيرها من القيود.

اطلب تحدي الأفكار

4. لا تطلب من الذكاء الاصطناعي أن يوافقك الرأي بل اطلب منه أن يتحدى أفكارك

لعلّ أكثر استخدامات الذكاء الاصطناعي تطوراً التي لاحظتها هو طلب الاختلاف معه.

أظهرت عقود من أبحاث اتخاذ القرار أن عرض الافتراضات عمداً للتحدي يؤدي إلى قرارات أفضل، وتُظهر الدراسات التي تُدمج الذكاء الاصطناعي الآن أنه يُتيح هذا النهج عند الطلب. تُقدّم هذه الأدوات الذكية حججاً مضادة، وتُشكّك في الافتراضات، ويمكنها طرح وجهات نظر بديلة تُطلق العنان للتفكير النقدي، وتُقلّل من احتمالية الانصياع للآراء السائدة.

بدلاً من أن يطلب القادة ذوو الخبرة من الذكاء الاصطناعي تأكيد فكرة ما، فإنهم يطلبون منه تحديد المخاطر المُتجاهلة، وبناء أقوى حجة ضد اقتراح ما، أو شرح سبب اختلاف زميل عقلاني معه.

الميزة الحقيقية ليست في ذكاء اصطناعي أفضل بل في حكم بشري أفضل

غالباً ما يقيس قادة الأعمال نجاح الذكاء الاصطناعي بمعدلات التبني، أو مكاسب الإنتاجية، أو السرعة. وهذه المقاييس مهمة، لكنها تغفل جانباً أهم، فالقادة الذين يحققون أكبر فائدة من الذكاء الاصطناعي ليسوا أولئك الذين يتنازلون عن أحكامهم، بل أولئك الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتحسينه.

لن تكون الميزة التنافسية المستقبلية لمن يطرحون أكبر عدد من الأسئلة على الذكاء الاصطناعي، بل لمن يعرفون الأسئلة التي لا يمكن لأحد سواهم الإجابة عنها.

* مجلة «فاست كومباني».


حين يصمت الذكاء الاصطناعي… ماذا يبقى من مهاراتنا؟

الذكاء الاصطناعي قد يحسّن الإجابة... لكن هل يحسّن التعلّم؟
الذكاء الاصطناعي قد يحسّن الإجابة... لكن هل يحسّن التعلّم؟
TT

حين يصمت الذكاء الاصطناعي… ماذا يبقى من مهاراتنا؟

الذكاء الاصطناعي قد يحسّن الإجابة... لكن هل يحسّن التعلّم؟
الذكاء الاصطناعي قد يحسّن الإجابة... لكن هل يحسّن التعلّم؟

أظهرت نتائج دراسة أميركية أن أداء الطلاب في حلّ مسائل الرياضيات تحسّن بمساعدة الذكاء الاصطناعي. لكن المفاجأة ظهرت عندما خاضوا الاختبار وحدهم؛ إذ حصل مستخدمو إحدى نسخ الأدوات الذكية على درجات أقل من زملائهم الذين تدربوا من دونها. كانت المساعدة ترفع مستوى الإجابات، لكنها لم تبنِ القدرة نفسها لدى أصحابها.

وكشفت هذه المفارقة دراسة نشرتها دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» الأميركية (PNAS) عام 2025. وتطرح نتيجتها سؤالاً يتجاوز قاعات الدراسة إلى العيادات ومكاتب العمل: ماذا نكسب عندما تفكر الآلة معنا؟ وماذا قد نفقد حين تفكر بدلاً منا؟

إن الإجابة الصحيحة على الشاشة لا تعني بالضرورة أن مستخدمها تعلّم كيف يصل إليها. وهكذا بين إنجاز المهمة واكتساب مهارتها، يكمن التحدي الذي قد تخفيه سهولة الحصول على الحل.

المساعدة الذكية: هل ترشدنا إلى الحل أم تسلك الطريق نيابة عنا؟

توجيه التفكير أفضل من تقديم الحلول

في تلك الدراسة، اختبر باحثون، بينهم همسا بستاني من جامعة بنسلفانيا، مساعداً يعتمد على «GPT-4» في تجربة عشوائية شملت قرابة ألف طالب في مدرسة ثانوية بتركيا. وقارنوا نسختين: أساسية تشبه أدوات المحادثة، وتعليمية مصممة لتوجيه التفكير بدلاً من تقديم الحل.

وقد تحسّن أداء المجموعتين في أثناء التدريب. لكن عندما خاض الطلاب الاختبار دون مساعدة، جاءت درجات مستخدمي النسخة الأساسية أقل بنسبة 17 في المائة من درجات زملائهم الذين تدربوا دونها.

ومع النسخة التعليمية، اختفى الأثر السلبي تقريباً دون تفوق مثبت على المجموعة التي لم تستخدم الأداة. فالنتيجة تربط التعلم بطريقة تصميم المساعدة، ولا تثبت أن الذكاء الاصطناعي يضعف القدرات حتماً. كما أنها تخص تجربة محددة، ولا تقيس الذكاء العام أو تثبت فقداناً دائماً للمهارات.

إشارة من غرفة المناظير

ماذا يحدث لمهارة الطبيب عندما يعتاد استخدام المساعدة الذكية ثم يعمل دونها؟ اختبر باحثون هذا السؤال مع أدوات تحلل صور منظار القولون لتنبيه الطبيب إلى زوائد مشتبه بها، وتختلف عن برامج تجيب عن الأسئلة، مثل «تشات جي بي تي».

نشرت مجلة «لانسيت لأمراض الجهاز الهضمي والكبد» (The Lancet Gastroenterology & Hepatology) الدراسة عام 2025. وشملت فحوص 1443 مريضاً في أربعة مراكز بولندية، وقارنت الفحوص المنجزة دون مساعدة آلية خلال ثلاثة أشهر قبل إدخال التقنية وثلاثة أشهر بعده.

وقد انخفض معدل اكتشاف زوائد القولون التي قد يتحول بعضها إلى سرطان من 28.4 إلى 22.4 في المائة، بفارق ست نقاط مئوية.

لكن الباحثين راجعوا بيانات فحوص سابقة، فلا يمكن الجزم بأن التقنية سبّبت التراجع، إذ قد تؤثر اختلافات المرضى وظروف العمل. وتبقى النتيجة سبباً لدراسة مهارة الطبيب عند غياب المساعدة، وليست دليلاً حاسماً على فقدانها.

مساعدة تنجح... وأخرى تخلق مشكلة

وفي بيئة العمل، يناقش تقرير لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) مفارقة مشابهة: قد تنجز التقنية المهمة بنجاح، في حين يفقد الموظف فرصة تعلّمها. وصدر التقرير في أبريل (نيسان) 2026، وعرضه موقع كلية سلون للإدارة بالمعهد في سبتمبر (أيلول) 2026.

استند التقرير إلى بحث في أكثر من عشرين شركة، وحدد ثلاث مشكلات: تجاهل التقنية عندما تكون مفيدة، واستخدامها في مهام لا تجيدها، والاعتماد عليها بطريقة تنجز العمل، لكنها تقلّل فرص اكتساب الخبرة.

إن الموظف الذي يحصل على تحليل جاهز قد لا يتعلم كيف يبنيه أو يراجع منطقه. ومن يستغني دائماً عن سؤال زملائه قد يفقد فرصة الاستفادة من خبراتهم. ولكن هذه الملاحظات لا تثبت تراجعاً دائماً في القدرات، إلا أنها تدعونا إلى قياس ما يتجاوز سرعة الإنجاز: هل تساعد الأداة الموظف على فهم عمله أم تكتفي بأدائه عنه؟

المعرفة التي لا تظهر في الإجابة

لنتخيل طبيباً مقيماً يعرض حالة على استشاري. يقترح تشخيصاً، فيسأله الاستشاري عن دواء يتناوله المريض أو عرض لم ينتبه إليه. وقد تغيّر هذه المعلومة اتجاه النقاش. هنا يتعلم الطبيب كيف يراجع رأيه، ولماذا يرجّح احتمالاً على آخر. فقد نأخذ الإجابة من غيرنا، لكننا لا نكتسب الفهم إلا حين نعرف لماذا كانت هي الإجابة.

أما الحصول على تشخيص جاهز فقد يختصر الوقت، لكنه قد يتجاوز الخطوات التي يتعلم منها الطبيب. وهذا لا يعني أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي تُضعف مهارته بالضرورة؛ إذ يمكن استخدام الأداة لطرح أسئلة، ومقارنة احتمالات، ومساعدته على اكتشاف ما أغفله.

لذلك لا يكفي أن نسأل عن عدد مرات استخدام التقنية، بل عن طريقة استخدامها: هل تقدم الإجابة قبل أن يحاول الطبيب التفكير أم تناقش محاولته وتساعده على تحسينها؟ وهل يستطيع شرح سبب اقتناعه بالنتيجة أم يقبلها لمجرد أن النظام اقترحها؟

حين يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في التفكير الطبي

كيف نصمم مساعدة تترك أثراً؟

كيف نجعل الأداة تساعد على التعلّم؟ يمكن أن تبدأ بسؤال المستخدم عن محاولته، ثم تقدم تلميحاً، أو تطلب منه شرح سبب اختياره. بهذه الطريقة تصبح الإجابة خطوة في النقاش، ويظل المتعلّم مشاركاً في الوصول إليها.

وفي تدريب الأطباء، يمكن اختبار هذا الأسلوب باستخدام حالات افتراضية تحت إشراف المدرّبين: يضع الطبيب تقديره أولاً، ثم يناقش اقتراح الأداة ويشرح مواضع الاتفاق والاختلاف. ويُقاس نجاح التدريب بقدرته على تفسير قراره واكتشاف الخطأ. أما التعامل مع المرضى فيبقى محكوماً بسلامتهم والتقييم الطبي.

هذه أساليب تستحق الاختبار، ولم تثبت فائدتها في جميع التخصصات. لكن تجربة الطلاب أظهرت أن طريقة تقديم المساعدة قد تغيّر أثرها على التعلّم.

والمطلوب ليس أن يحفظ الإنسان كل ما تعرفه الآلة، بل أن يفهم ما يكفي لمراجعتها: هل أجابت عن السؤال؟ هل أغفلت معلومة مهمة؟ وما الذي قد يغيّر النتيجة؟ عندئذ تصبح المراجعة البشرية فحصاً واعياً للإجابة، بدلاً من الموافقة عليها دون تمحيص.

حين تُغلق الشاشة... هل تبقى المهارة؟

ماذا يبقى حين تُغلق الشاشة؟

كلما أصبحت إجابات الذكاء الاصطناعي أكثر إقناعاً، احتجنا إلى إنسان يفهمها ويستطيع مساءلتها. وهذه القدرة تُكتسب بالممارسة؛ فمن نطالبه باكتشاف خطأ الآلة يحتاج إلى فرص يتعلّم فيها كيف يصل إلى الإجابة ويختبر صحتها.

لذلك ينبغي أن نقيس نجاح التقنية بما ننجزه بمساعدتها، وبما نتعلّمه في أثناء استخدامها أيضاً. قد ينتهي الواجب، ويكتمل التقرير، وتظهر التوصية على الشاشة. لكن يبقى اختبار آخر: عندما نغلقها ونواجه مسألة جديدة، هل نكون أقدر على التفكير، أم أشد حاجة إلى فتحها من جديد؟


هل يستطيع علماء الوراثة مكافحة الأمراض باستهداف «التنشئة» بدلاً من «الوراثة»؟

هل يستطيع علماء الوراثة مكافحة الأمراض باستهداف «التنشئة» بدلاً من «الوراثة»؟
TT

هل يستطيع علماء الوراثة مكافحة الأمراض باستهداف «التنشئة» بدلاً من «الوراثة»؟

هل يستطيع علماء الوراثة مكافحة الأمراض باستهداف «التنشئة» بدلاً من «الوراثة»؟

​إن أحد أروع دورات الحياة تتمثل في حقيقة أن كل طفل يولد صغيراً. لذا، ومهما تراكمت آثار الزمن على الحمض النووي لوالديه عبر حياتهما، فإن عملية التكاثر تمحو تلك الآثار الجزيئية، ما يمنح الجيل التالي صفحة بيضاء، كما كتبت إميلي بومغارتنر نون*.

والآن، يهدف مجال جديد في التكنولوجيا الحيوية إلى تسخير هذه الآلية الطبيعية لتحقيق ما كان يُعتقد سابقاً أنه مستحيل: إزالة المخلفات البيولوجية لماضينا. فمن خلال محاكاة هذه الآلية الطبيعية، يعمل علماء الوراثة على فتح آفاق جديدة لعلاج الأمراض أو الوقاية منها في مراحل لاحقة من العمر. ولا يتم ذلك عن طريق تعديل الجينات نفسها؛ بل عن طريق تغيير زمان ومكان وكيفية التعبير الجيني.

«الإبيجينوم» أو «ما فوق الجينوم»... تراكم تأثيرات العوامل الخارجية على الجينات المتوارثة من الوالدين

«الإبيجينوم»- «ما فوق الجينوم»

كل هذا ممكن بفضل الإبيجينوم (Epigenome)، وهو شبكة من العلامات الكيميائية المنتشرة في جميع أنحاء الجسم، والتي ترتبط بالحمض النووي، وتحدد لكل نوع من الخلايا كيفية التصرف.

وإذا شبَّهنا الحمض النووي للشخص بكونه سلسلة من النوتات الموسيقية، فإن الإبيجينوم هو مجموعة علامات يضعها قلم قائد الأوركسترا على النوتات. وهي علامات تتراكم عبر الزمن، تشير إلى النوتات التي يجب عزفها بصوت أعلى أو أخفض أو حتى تخطيها تماماً.

عوامل خارجية تؤثر على الجينات

وعلى عكس الجينوم الثابت، فإن الإبيجينوم يتغير استجابة لعوامل خارجية كالإجهاد المزمن، وسوء التغذية، والتعرض للسموم أو العدوى، والشيخوخة. وعلى سبيل المثال، قد تزيد خلايا الدم لدى طفل يتعرض للتدخين السلبي من نشاط الجينات المحفزة للالتهاب، وتُقلل من نشاط الجينات المسؤولة عن إصلاح الخلايا، ما يزيد من خطر إصابة الطفل على المدى الطويل بالربو وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان.

من تعديل الجينات إلى تعديل «فوق الجينات»

تستطيع أدوات تعديل الجينات الحالية إعادة كتابة الشفرة الوراثية التي تُحدد «طبيعتنا» بشكل دائم. أما النهج الجديد، المسمى بتعديل الإبيجينوم، فيسعى إلى تعديل تراكم «العوامل البيئية» في خلايانا.

وقال فيودور أورنوف، خبير تعديل الجينات ومدير البحوث والتطوير العلاجي في معهد الجينوميات المبتكرة بجامعة كاليفورنيا في بيركلي: «لا شك في أن تعرُّضنا لعوامل بيئية يؤثر على وظائف جيناتنا». وهو أحد مؤسسي شركة «تيون ثيرابيوتكس»، التي تُجري تجارب سريرية على أداة لتعديل الإبيجينوم لعلاج التهاب الكبد الوبائي المزمن من النوع «بي» في الكبد.

علاج التهاب الكبد «بي»

يعمل العلاج عن طريق تثبيط الحمض النووي للفيروس داخل خلايا الكبد، ما يمنعه من إنتاج البروتينات التي تُثبط جهاز المناعة، ويُمكِّن الجسم من التخلص من العدوى نهائياً.

وأضاف أورنوف: «تتعلم جيناتنا من خلال التجربة، وهذا ما يُعرف بالتنشئة. لذا، يُعد تعديل الإبيجينوم وسيلة لعكس تأثير التنشئة.

وتُجري 12 شركة على الأقل حالياً تجارب على هذه التقنية، وقد بدأت شركات عدة بالفعل تجاربها السريرية. وفي مايو (أيار)، نشرت «تيون ثيرابيوتكس» بيانات أولية تُظهر أن الجرعات العالية من دوائها تُقلل بشكل ملحوظ من مؤشرات التهاب الكبد الوبائي من النوع «بي» لدى بعض المشاركين.

تعديل أفضل من قصِّ الجينات

يُعدُّ تعديل الإبيجينوم مناسباً بشكلٍ فريدٍ للحالات التي لا يرغب فيها الأطباء في تعطيل جينٍ ما أو حذفه من الجينوم بالكامل؛ بل يهدفون إلى ضبط تعبيره بالزيادة أو النقصان المناسبين. لنأخذ على سبيل المثال الأشخاص الذين يعانون من ألمٍ مزمن، والذين يحتاجون إلى خفض مستوى الألم بشكلٍ كبير، ولكن ليس إيقافه تماماً. فالانعدام التام للإحساس بالألم يُعرِّض هؤلاء الأشخاص لخطر الإصابة بأضرارٍ جسيمة؛ إذ قد لا يلاحظون الكسور أو الحروق العميقة. ويقول أورنوف: «إننا نريد مستوى مثالياً من سلوك الجين: لا زيادة ولا نقصاناً؛ بل المستوى المناسب تماماً».

بديل أكثر أماناً

كان تعديل الجينات باستخدام تقنية «كريسبر»، التي تقصُّ الحمض النووي نفسه، مقتصراً في الغالب على الاضطرابات الخطيرة، مثل فقر الدم المنجلي؛ لأن مخاطر الخطأ -كحذف جزءٍ حيوي من الجين عن طريق الخطأ- غالباً ما تفوق فوائده. وقد بدأت بعض المجموعات البحثية بتجربة أدواتٍ تعتمد على «كريسبر» لعلاج حالاتٍ شائعة مثل ارتفاع الكوليسترول، ولكن خيار تعديل الإبيجينوم قد يُوفِّر بديلاً أكثر أماناً. ومثلاً وبدلاً من تناول الستاتينات يومياً، قد يتمكن بعض المرضى قريباً من تلقي حقنة واحدة من شركة «سكرايب ثيرابيوتكس»، تعمل على تثبيط جين في الكبد يُدمر المستقبلات المسؤولة عن إزالة الكوليسترول الضار (LDL)، ما يُقلل بشكل كبير من خطر إصابتهم بأمراض القلب.

ويقول جوناثان وايزمان، عالم الأحياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمؤسس المشارك لشركة «إن كروما بايو»، وهي شركة أخرى متخصصة في العلاجات الجينية، وتعمل على علاج التهاب الكبد الوبائي المزمن من النوع «بي»: «هذا أشبه بالعلاج الأمثل الذي يُجرى بجرعة واحدة».

استخدامات غير طبية

ونظراً لأن تعديل الإبيجينوم يبدو آمناً وقابلاً للعكس حتى الآن. ويتساءل بعض العلماء عما إذا كانت هذه التقنية ستُستخدم في مجالات غير طبية، وأخرى تجميلية. وقال وايزمان إن التعديل قد يُعزز مستويات هرمون النمو لزيادة طول الطفل، أو لتحفيز نمو مزيد من الخلايا في القشرة الدماغية، ما يُحسِّن الذاكرة أو الذكاء. كما تصوِّر استخدام الرياضيين المحترفين لهذه التقنية لرفع مستويات الهرمونات الطبيعية مؤقتاً، ما قد يمنحهم ميزة تنافسية.

وأضاف: «لا أعتقد أننا نملك المعرفة الكافية لتطبيق ذلك حالياً، ولكنه ليس بعيداً عما يُمكن تصوره». ومع ذلك، أضاف: «أميل إلى الاعتقاد بأن هناك كثيراً من الفوائد التي يُمكننا تحقيقها قبل أن نبدأ القلق بشأن السلبيات».

آثار أخلاقية «غير ضارة»

أما هانك غريلي، أستاذ القانون في جامعة ستانفورد والمتخصص في الآثار الأخلاقية للتقنيات الحيوية الجديدة، فلا يُبدي قلقاً كبيراً بشأن مستقبل تعديل الإبيجينوم، باستثناء مسائل السلامة والفعالية وإمكانات إتاحته للآخرين. ويرى أن الأدوات قد تكون جديدة، ولكن فكرة تعديل الإبيجينوم ليست جديدة بحد ذاتها.

وقال غريلي: «إننا نُعدّل البيئة باستمرار»، بدءاً من تناول دواء «أوزمبيك» وصولاً إلى قراءة كتب التنمية الذاتية، على أمل التأثير في نقطة التقاء البيئة والبيولوجيا. وأضاف: «الآن، وبعد أن أصبحنا ننظر مباشرة إلى علم التخلق (epigenetics)، يبدو الأمر مختلفاً، ولكننا في الواقع نرى ما كان كامناً طوال الوقت». ويدرس علم «فوق الجينات» أو «علم التخلّق» (Epigenetics) الظواهر الناتجة عن التأثيرات الخارجية على الجينات، وفق «ويكيبيديا».

* خدمة «نيويورك تايمز».