المواد البلاستيكية النانوية... دقائق صغيرة ومشكلات كبيرة

بمقدورها اختراق الخلايا والأنسجة البشرية بسهولة

عالِم يحلل الدقائق البلاستيكية النانوية بمجهر المسح الإلكتروني
عالِم يحلل الدقائق البلاستيكية النانوية بمجهر المسح الإلكتروني
TT

المواد البلاستيكية النانوية... دقائق صغيرة ومشكلات كبيرة

عالِم يحلل الدقائق البلاستيكية النانوية بمجهر المسح الإلكتروني
عالِم يحلل الدقائق البلاستيكية النانوية بمجهر المسح الإلكتروني

أصبح من الشائع أن نقرأ عن ظهور المواد البلاستيكية الدقيقة -القطع الصغيرة من البلاستيك بحجم صغير جداً- في كل مكان وفي كل شيء، بما في ذلك المحيطات، والأراضي الزراعية، والغذاء، والجسم البشري.

دقائق بلاستيكية نانوية

الآن، بدأ مصطلح جديد في الاستحواذ على الاهتمام: المواد البلاستيكية النانوية، وهي جسيمات أصغر حجماً من الدقائق الأخرى البلاستيكية الدقيقة، إذ إنها متناهية الصغر لدرجة تجعلها غير مرئية للعين المجردة (النانو واحد من المليار من المتر).

وبينما يكون حجم المواد البلاستيكية الدقيقة عادةً أقل عن 5 ملم، يتراوح عرض المواد البلاستيكية النانوية بين 1 و1000 نانومتر. وجدير بالذكر أن متوسط عرض شعرة الإنسان نحو ما بين 80000 و100000 نانومتر.

الملاحَظ أن المواد البلاستيكية النانوية تجتذب، اليوم، اهتماماً متنامياً بفضل التطورات التكنولوجية الحديثة، التي زادت قدرة الباحثين على اكتشافها وتحليلها.

وبفضل حجمها الأصغر، فإنها قادرة على التنقل بسهولة أكبر عبر مسافات طويلة، وإلى داخل بيئات أكثر تنوعاً عن المواد البلاستيكية الدقيقة. كما يمكنها اختراق الخلايا والأنسجة في الكائنات الحية بسهولة أكبر، ما قد يسفر عن تأثيرات سُمية مختلفة وأكثر حدة.

بلاستيك داخل الجسم البشري

وخلصت دراسات أُجريت عبر العامين الماضيين، إلى وجود مواد بلاستيكية نانوية في دم الإنسان، وكذلك في خلايا الكبد والرئة، وفي الأنسجة التناسلية مثل المشيمة والخصيتين. وعبر مختلف أنحاء العالم، عُثر على مواد بلاستيكية نانوية في الهواء ومياه البحر والثلج والتربة.

واليوم، ندرك بالفعل أن المواد البلاستيكية الدقيقة موجودة من مرتفعات جبل إيفرست إلى خنادق المحيط العميقة. وثمة أدلة كثيرة، حالياً، توحي بأن المواد البلاستيكية النانوية أوسع انتشاراً من المواد البلاستيكية الدقيقة الأكبر حجماً في البيئة.

«طرقات البلاستيك»

من أين تأتي وإلى أين تذهب؟ تنشأ المواد البلاستيكية النانوية عندما تتحلل منتجات الاستعمال اليومي، مثل الملابس، وأغلفة المواد الغذائية والمشروبات، والمفروشات المنزلية، والأكياس البلاستيكية، والألعاب، وأدوات النظافة. ويمكن أن يحدث هذا بسبب عوامل بيئية، مثل ضوء الشمس، أو التآكل الناتج عن عمل ميكانيكي. ويمكن لكثير من منتجات العناية الشخصية، مثل مستحضرات تقشير البشرة والشامبو، أن تطلق هي الأخرى مواد بلاستيكية نانوية.

ومثلما الحال مع الجزيئات البلاستيكية الأكبر، يمكن أن تأتي المواد البلاستيكية النانوية من مجموعة متنوعة من أنواع البوليمرات، بما في ذلك البولي إيثيلين والبولي بروبيلين والبوليسترين والبولي فينيل كلوريد. ونظراً لاستخدامنا المنتجات البلاستيكية على نطاق واسع، من الصعب تجنب وجود المواد البلاستيكية النانوية في حياتنا اليومية.

وعندما يصل البلاستيك إلى مقياس النانو، فإنه يطرح تساؤلات وتحديات فريدة، بسبب ضآلة حجمه الشديدة، وخصائص سطحه وتكوينه المتنوعة. ونظراً لصغر حجم البلاستيك النانوي، فإن بمقدوره بسهولة اختراق الخلايا والأنسجة التي يتعذر على الجزيئات الأكبر حجماً اختراقها. وإذا تراكمت المواد البلاستيكية النانوية داخل الكائنات الحية، فمن المحتمل أن تلحق بها أضراراً بيولوجية.

أما فيما يخص مصير المواد البلاستيكية النانوية في البيئة، فلا تزال تخضع لبحث مستمر. ولا يعرف العلماء على وجه اليقين، حتى الآن، ما إذا كانت المواد البلاستيكية النانوية تتحلل بشكل أكبر داخل بيئات مختلفة إلى جزيئات أصغر، أو إلى بوليمرات، وهي عبارة عن جزيئات كبيرة مكونة من الكثير من الجزيئات الصغيرة المرتبط بعضها ببعض.

رصد المواد البلاستيكية النانوية

من الصعب العثور على المواد البلاستيكية النانوية، بسبب حجمها شديد الصغر، وتركيباتها وهياكلها الكيميائية المتنوعة. ويعكف الباحثون على تحسين طرق مختلفة للكشف عن المواد البلاستيكية النانوية، باستخدام تقنيات تتضمن تحليل «رامان» الطيفي Raman spectroscopy، والكروماتوغرافيا، وقياس الطيف الكتلي. ويمكن لهذه الطرق رصد الأشكال، وتحليل خصائص جزيئات البلاستيك النانوي.

وفي دراسة أُجريت عام 2024، طرح باحثون من جامعة كولومبيا تكنولوجيا جديدة تمكنت من رصد وحساب المواد البلاستيكية النانوية في المياه المعبأة، بحساسية ودقة عالية. وعلى عكس الدراسات السابقة التي لم تتمكن إلا من رصد كمية محدودة فقط من جزيئات البلاستيك النانوي، وجدت هذه الدراسة أن كل لتر من المياه المعبأة التي جرى تحليلها يحتوي على أكثر عن 010000 من الدقائق البلاستيكية، معظمها من البلاستيك النانوي.

ومن الضروري إجراء مزيد من الدراسات قبل أن يتمكن العلماء من حسم مسألة ما إذا كانت جميع المياه المعبأة تحتوي على مواد بلاستيكية نانوية. إلا أن هذه تكنولوجيا الرصد الجديدة تفتح الباب أمام مزيد من البحث.

دقائق بلاستيكية سامة

هل دقائق البلاستيك النانوية سامة؟ تشكل سُمية المواد البلاستيكية النانوية مجالاً آخر لا يزال البحث جارياً فيه.

يشير بعض الدراسات إلى أن هذه الجسيمات يمكن أن تحمل مخاطر كبيرة على النظم البيئية وصحة الإنسان. وخلصت إحدى الدراسات الحديثة إلى أنها قد تكون عامل خطر للإصابة بأمراض القلب. يتمثل مصدر قلق آخر في أن الملوثات الكيميائية والمعادن الثقيلة ومسببات الأمراض، قد تلتصق بالبلاستيكات النانوية، وتتركز في البيئة. ويمكن لهذه العملية أن تعرّض الكائنات الحية لتركيزات عالية من هذه المواد الضارة.

الواضح أن المواد البلاستيكية النانوية أصبحت جزءاً من البيئات الحديثة، لكنَّ العلماء بحاجة إلى مزيد من البحث والمعلومات، لفهم أنواع التهديدات التي يمكن أن تشكلها. وكما يقول علماء السموم في كثير من الأحيان: «الجرعة تصنع السم». وبعبارة أخرى، فإن التعرض الفعلي له أهمية كبيرة، ومن الصعب تقييم مستوى السمية دون معرفة التركيزات الفعلية.

المعروف أن الحطام البلاستيكي الأكبر حجماً يمكن أن يتفتت إلى مواد بلاستيكية نانوية، لكن لا يزال أمامنا الكثير لاكتشاف كيفية تعرض هذه الأجزاء لمزيد من التحلل. ويعمل الباحثون على اكتشاف وفهم المواد البلاستيكية النانوية عبر عديد من البيئات، حتى يتمكنوا من تطوير استراتيجيات فعالة لإدارة وتخفيف آثار هذه المواد على الناس والكوكب بوجه عام.

* أستاذ مساعد الهندسة المدنية والبيئية بجامعة «ويسكونسن - ماديسون»، مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».



روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»