«العمارة المشهدية»... تعود للحياة

مبان بتصاميم غريبة ونماذج نافرة تدفع حدود المنطق

مركز بيرلمان للفنون
مركز بيرلمان للفنون
TT

«العمارة المشهدية»... تعود للحياة

مركز بيرلمان للفنون
مركز بيرلمان للفنون

عندما بدأت عينٌ بارتفاع 112 متراً بالرمش في لاس فيغاس، الصيف الماضي، عادت معايير العمارة في العالم إلى وضع «إعادة الضبط».

مبنى كروي غريب

كانت هذه العين عبارة عن صورة متحرّكة مسلّطة من مبنى «ذا سفير» the Sphere (الجسم الكروي)، أحد أغرب المباني التي اكتملت في 2023. و«ذا سفير» هو صالة للفنون الاستعراضية. وكما يوحي اسمه، فإنه مبنى كروي عملاق مؤلّف من 35 طابقاً مغطّى بمليون ومئتي ألف مصباح ليد حوّلته إلى شاشة دائرية كبيرة قادرة على استعراض صورٍ وإعلانات وأعمال فنيّة برّاقة، بالإضافة إلى «مقلة عينٍ» في الجهة المواجهة للاس فيغاس.

يعد «ذا سفير»، الذي يمثّل منصّة خارجية ومسرحاً مقفلاً يتّسع لأكثر من 18 ألف متفرّج، من أكثر المباني غير المألوفة التي افتُتحت هذا العام.

ولكنّه ليس حالةً فريدة. فقد شهد العالم بروز مبانٍ جديدة دفعت بحدود المنطق والهدف بتصاميم غريبة ونماذج تجارية نافرة نوعاً ما. تخلّت هذه المباني عن البساطة والتحفّظ لصالح مقاربة تستخدم الجرأة التي تستدعي الاهتمام. هذه الإشارات جميعها تُبشّر بعصرٍ جديد من المشهدية (أي النصب التي تجتذب الأبصار بمشهدها).

مبنى يانتاس الصين لتقديس الشمس

عمارة مشهدية

قد لا يكون هناك سببٌ واحدٌ لبروز العمارة المشهدية spectacle architecture بهذه القوّة خلال العام الماضي، ولكنّها من دون شكّ أحد منتجات عالم ما بعد الجائحة.

باختصار، يمكن القول إنّ العمارة تتحوّل اليوم عن الجانب المتواضع والمنعزل إلى الأكثر انفتاحاً وتجريبيّة وجرأةً، إذ يبدو أنّ مصمّمي ومطوّري المباني المشهدية يقدّمون اليوم النقيض المعماري للإغلاقات والفقاعات العازلة باستخدام الألوان الفاقعة، ومساحات التجمّع الكبيرة، ومشاهد تجبرنا على النظر إليها ومشاركتها. هذه الأفكار التي وُلدت في فترة الجائحة، دخلت اليوم مرحلة التنفيذ على الأرض وستمثّل تذكيراً لكثيرين حول العالم بأنّه لا داعي بأن تكون الحياة شديدة الانضباط.

طبعاً، هذا الاتجاه الجديد في العمارة لا يستهدف الإيثار وحب الغير فحسب، بل إن له أهدافاً ربحية أيضاً. ولعلّ «ذا سفير» هو المثال الأكثر تطرّفاً على العمارة المشهدية في السنوات الأخيرة، مدعوماً بغناه بالعناصر التقنية وموقعه في لاس فيغاس، حيث يصعب تجاهله على الرغم من احتواء المدينة على كلّ ما قد يتخيّله المرء من مشهديات.

رسم تخيلي لمشروع "الكعب" السعودي"

مشاريع سعودية متميزة

ينعكس هذا التفكير أيضاً في مشروع «ذا لاين» في المملكة العربية السعودية. يتميّز هذا المبنى بتصميم طولي، ويرجّح أحد مطوّريه أن يمتدّ لمسافة 169 كلم في الصحراء. هذا المشروع هو جزءٌ من جهود أكبر وأغرب لبناء مدينة اسمها «نيوم» في المملكة. جذبت القدرات المالية الهائلة التي تملكها السعودية أفضل معماريّي العالم للمساهمة في هذه الرؤية.

شملت هذه الجهود أخيراً الإعلان عن «المكعّب»، مبنى بارتفاع 369 متراً، يضمّ مدينة ستقدّم ما وصفه مطوّروه «بالوجهة التجريبية الغامرة» بشاشات ومجسّمات رقمية. يُشرف «المكعّب» على كامل محيطه في مدينة الرياض، ويبدو أشبه بلعبة عملاقة متدليّة تتحدّى المعقول.

استخدم المعماريون المكعّبات لأجيال عدّة، ولعلّ الكعبة هي النموذج الأوّل عليها. والتحق بها في العصر الحديث مركز «بيرلمان» للفنون الأدائية في نيويورك، الذي برهن كيف يمكن لتصميم متواضع أن يُترجم إلى مبان رائعة تتناغم مع أحيائها. في المقابل، صُمّم مكعّب السعودية ليكون قابلاً للرؤية من دون عناء وعن مسافة بعيدة على الأرجح.

حقّقت المشاريع السعودية هدفها باستعراض الثروة والقوّة قبل تنفيذها على أرض الواقع، الذي يعدّ أيضاً الهدف الأساسي للعمارة المشهدية، وهو غالباً نوع التأثير الذي رأيناه في السباق العالمي نحو بناء أطول برج. فقد شهد عام 2023 بروز برج جديد في كوالالمبور، ماليزيا، يحمل اسم «ميرديكا 118»، بتصميم سمكة سيف البحر وارتفاع 670 متراً، ويضمّ 118 طابقاً، وهو اليوم ثاني أطول مبنى في العالم. وبوصفه مركزاً لمصرف الاستثمار الماليزي، يقدّم هذا المبنى مساحة مكتبية هائلة تمتّد لآلاف الأمتار على الرغم من أنّ مستقبل المساحات المكتبية ليس واضحاً في عصر العمل عن بعد.

مبنى "ذا سفير" وعينه

«المكعّب» مبنى سعودي بـ«وجهة تجريبية غامرة» بشاشات ومجسّمات رقمية

مبان غير مألوفة

ومع ذلك، العمارات المشهدية ليست جميعها رديئة. فقد أظهرت مبانٍ جديدة كثيرة أنّ التصميم المبالغ فيه يمكن أن يكون أنيقاً ومجدٍ أيضاً. ومن الأمثلة على هذا النوع نسمّي مركز ريتشارد غيلدر للعلوم والتعليم والابتكار في متحف التاريخ الطبيعي الأميركي، الذي صمّمته «ستوديو غانغ»، شركة العمارة الشهيرة في شيكاغو، ليشكّل وصلة جديدة للمتحف المترامي الأطراف. يتميّز المبنى بجدران أشبه بالكهوف، تجذب الزوّار إلى واحد من أكثر المباني المثيرة للدهشة في عام 2023.

العمارة تتحوّل بعيداً عن الجانب المتواضع والمنعزل إلى الأكثر انفتاحاً وتجريبيّة وجرأةً

وفي العاصمة البريطانية، شهد مبنى صناعي مهجور عملية تجديد حوّلته إلى رمزٍ جديد للمدينة. إنّها محطّة باترسي للطاقة، منشأة قديمة عاملة بالفحم كانت مسؤولة عن توفير خُمس احتياجات المدينة من الكهرباء، والتي أصبحت اليوم مبنى رائعاً متعدّد الاستخدامات، ويضمّ مئات الوحدات السكنية، ومركزاً تجارياً، ومساحات مكتبية، ومركزاً لشركة «أبل».

تنتظر مدينة بوسطن الأميركية إضافة جديدة ومشرقة لمطارها الدولي، والتي ستكون عبارة عن مدرجٍ جديد باللون الأحمر.

تذهب بعض المباني المشهدية أبعد من الهدف التجاري. ففي مدينة يانتاي، شمال شرقي الصين، ينتصبُ مبنى غريب وجميل هدفه الأساسي تقديس الشمس. يضمّ البرج واجهة مفتوحة مواجهة للشمس والبحر، ويؤمّن للمحليين مساحةً للانخراط في شعائر جماعية عمرها مئات السنوات لتقديس الشمس. في الحقيقة، صمّمت هذا المبنى الشمس نفسها وحدّدت فتحاته ومساحاته الاجتماعية وفقاً لحركاتها، فجعلت منه مركزاً ثقافياً عملياً ومتعدّد الأغراض، يضمّ مسرحاً ومكتبةً ومساحات عدّة للمناسبات. ولكنّ روحه تكمن في هذا الهيكل المبني لتأسيس علاقة أكثر حسيّة بين الناس ومركز نظامنا الشمسي.

سواء كانت رديئة أو هادئة، لا شكّ في أنّ المباني المشهدية تعدّ الساحة لثورة على مستوى الطراز والأسلوب. صحيحٌ أنّ هذه التصاميم قد تخرج عن المألوف أحياناً، ولكنّها في الوقت نفسه تُظهر كيف يمكن للغرابة والروعة أن تتجليا في شكلٍ معماري. واليوم، لا يزال العالم في بداية تذوّق طعم مشهديات معمارية جديدة غريبة ومثيرة للاهتمام وربّما جميلة.

* مجلّة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

«أبل» تتطلع لنسخة جديدة من الذكاء الاصطناعي في «مؤتمر المطورين»

تكنولوجيا شعار مؤتمر «أبل» للمطورين الذي سيُعقَد يوم الاثنين تحت شعار «كل الأنظمة تتألق» (الشرق الأوسط)

«أبل» تتطلع لنسخة جديدة من الذكاء الاصطناعي في «مؤتمر المطورين»

تتَّجه أنظار قطاع التقنية العالمي إلى مؤتمر المطورين العالمي لشركة «أبل»، الذي ينطلق الاثنين، مع ترقب لما يمكن أن تكشف عنه الشركة في مجال الذكاء الاصطناعي.

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)

ثورة الذكاء الاصطناعي تقود الأسهم العالمية لأعلى مستوى في 3 أسابيع

ارتفعت تدفقات صناديق الأسهم العالمية إلى أعلى مستوى لها في ثلاثة أسابيع خلال الأسبوع المنتهي في 3 يونيو.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن )
تكنولوجيا حققت السعودية نتائج متقدمة في سرعة إنجاز الخدمات وفقاً للمؤشر (واس)

السعودية بين الأسرع عالمياً في الخدمات الحكومية

سجلت السعودية أعلى مستوى للوصول للخدمات الحكومية وأداء متقدماً في سرعة إنجاز الخدمات واستخدام التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي وفق «مؤشر البيروقراطية العالمي»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يوضح التقرير أن كأس العالم 2026 سيخلق مساحة هجوم سيبراني واسعة بسبب امتداده عبر 16 مدينة في ثلاث دول (شاترستوك)

تقرير يحذّر من اتساع مساحة الهجوم السيبراني حول كأس العالم 2026

يحذّر تقرير من شركة «بالو ألتو نتوركس» من أن كأس العالم 2026 ستواجه مخاطر سيبرانية واسعة تطال الملاعب والمدن والموردين والتذاكر والجماهير.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد منظر عام لبورصة نيويورك (أ.ف.ب)

أسهم التكنولوجيا تضغط على «وول ستريت» قبيل صدور بيانات الوظائف الأميركية

تراجعت العقود الآجلة لمؤشرَي «ناسداك» و«ستاندرد آند بورز 500» في الولايات المتحدة، يوم الجمعة، مع ضغط متزايد على أسهم قطاع أشباه الموصلات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

حين يستقبلك «الهولوغرام»... قبل الطبيب

TT

حين يستقبلك «الهولوغرام»... قبل الطبيب

هل يأتي يوم يدخل فيه المريض إلى العيادة فيستقبله شخص يبدو بشرياً، يجيب عن أسئلته، ويساعده في حجز موعده، ويوجهه إلى الخدمة المناسبة، قبل أن يلتقي موظف الاستقبال أو الطبيب؟

الدكتور كيانور شاه مؤسس منصة «ون هولو»

«خيال علمي» في قاعة الانتظار

هذا السؤال لم يعد ينتمي إلى عالم الخيال العلمي بالكامل. ففي الأول من يونيو (حزيران) 2026، أُعلن في ولاية كاليفورنيا الأميركية عن الإطلاق التجريبي لمنصة «ون هولو» (OneHolo.ai)، وهي منصة جديدة تجمع بين الذكاء الاصطناعي وتقنيات «الهولوغرام» (الصور المجسمة ثلاثية الأبعاد) بهدف تطوير جيل جديد من الأنظمة الرقمية القادرة على التفاعل مع المرضى والزبائن وإدارة عدد من المهام التشغيلية داخل المؤسسات الصحية والخدمية.يأتي هذا الإطلاق ضمن مرحلة تجريبية تهدف إلى اختبار النماذج التشغيلية والسريرية للمنصة في بيئات رعاية صحية حقيقية، وقياس مؤشرات الأداء المتعلقة بسرعة الاستجابة وتحسين تجربة المرضى وتقليل العبء الإداري على الكوادر البشرية.

• ماذا تفعل منصة «ون هولو»؟ صُممت المنصة للعمل عبر قنوات متعددة تشمل الهاتف والرسائل النصية والمواقع الإلكترونية والشاشات التفاعلية والواجهات المجسمة ثلاثية الأبعاد. وتهدف إلى المساعدة في الإجابة عن الأسئلة الشائعة، وحجز المواعيد، وتقديم المعلومات المعتمدة، وتوجيه الحالات التي تحتاج إلى تدخل بشري إلى الموظفين المختصين.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، قال الدكتور كيانور شاه Dr. Kianor Shah، مؤسس منصة «ون هولو»: «لا نطوّر مجرد موظف استقبال رقمي، بل نسعى إلى بناء فئة جديدة من الأنظمة الذكية التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي والحضور البصري المجسم وإدارة سير العمل في منصة واحدة».اف: «نحن الآن في مرحلة الإطلاق التجريبي، حيث سنبدأ اختبار المنصة في بيئات تشغيل حقيقية داخل مؤسسات صحية مختارة. هدفنا ليس استبدال الإنسان، بل تمكينه من التركيز على المهام التي تتطلب الخبرة والحكم البشري». وأوضح أن المنصة تعتمد على دمج نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة مع تقنيات التعرف الصوتي ومعالجة اللغة الطبيعية، وربطها بأنظمة العمل المختلفة، مع المحافظة على متطلبات الخصوصية والأمان، وإمكانية إحالة الحالات الحساسة أو المعقدة إلى الموظفين المختصين.

عصر الوكلاء الأذكياء: الإنسان والآلة يعملان جنباً إلى جنب

السعودية أول محطة دولية

كشف الدكتور شاه لـ«الشرق الأوسط»، أن المملكة العربية السعودية ستكون أول دولة خارج الولايات المتحدة الأميركية يُخطط لتجربة المنصة فيها.

وقال: «ننظر إلى المملكة العربية السعودية بوصفها واحدة من أكثر الدول تقدماً في تبني الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي. كما أن رؤية السعودية 2030 خلقت بيئة استثنائية للابتكار والتحول الرقمي، ولذلك نرى أن السعودية تمثل الشريك المثالي للمرحلة الدولية الأولى من المشروع».

وأضاف أن المنصة صُممت لتكون قادرةً على التواصل بلغات متعددة، من بينها اللغة العربية، إلى جانب عدد كبير من اللغات العالمية الأخرى، بما يسمح بتكييفها مع الاحتياجات اللغوية والثقافية المختلفة للمؤسسات الصحية والخدمية حول العالم.

حين يستقبلك الهولوغرام قبل الطبيب

«الهولوغرام» يدخل عالم الرعاية الصحية

يأتي إطلاق «ون هولو» في وقت بدأت فيه تقنيات «الهولوغرام» تجد طريقها إلى التطبيقات الصحية الفعلية. ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الرعاية الصحية» (Healthcare)، قادت الباحثة الدكتورة ماريا باجوا Maria Bajwa، وفريقها من كلية الطب بجامعة أديلايد (University of Adelaide) في أستراليا دراسة حول استخدام بيئات «الهولوغرام» التفاعلية في تدريب الفرق الصحية متعددة التخصصات.وأظهرت النتائج أن تقنيات «الهولوغرام» عزّزت من مستوى التفاعل والانغماس البصري. وخلص الباحثون إلى أن «الهولوغرام» قد يمثل أداة واعدة لتطوير التعليم الطبي والتواصل السريري خلال السنوات المقبلة.وأشار الباحثون إلى أن هذه التقنية قد تسهم مستقبلاً في تحسين التعليم الطبي والتواصل بين الفرق السريرية والمرضى.

خصوصاً مع تطور تقنيات الواقع الممتد والذكاء الاصطناعي.

هل يولد جيلٌ جديدٌ من القوى العاملة الرقمية؟ ورغم أن منصة «ون هولو» لا تقدم تشخيصاً طبياً، ولا تتخذ قرارات علاجية، فإنها تعكس اتجاهاً متنامياً نحو ما يُعرف بـ«الوكلاء الأذكياء» (AI Agents)، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ مهام تشغيلية متقدمة بصورة مستقلة نسبياً مع بقاء الإنسان مسؤولاً عن القرارات النهائية.

ويرى شاه أن التحديات التي تواجه المؤسسات الصحية، اليوم، مثل نقص الكوادر وضياع الاتصالات وتفاوت جودة الخدمة، لا تختلف كثيراً عن التحديات التي تواجه قطاعات أخرى مثل الضيافة والتعليم والخدمات الحكومية. ولذلك يصف «ون هولو» بأنه خطوة نحو بناء قوة عمل رقمية قادرة على التفاعل مع المرضى والزبائن على مدار الساعة مع الحفاظ على الطابع الإنساني للتواصل.

الهولوغرام الطبي: فصل جديد في تدريب الكوادر الصحية

بين دقة الخوارزمية ودفء الإنسان

لكن الأهمية الحقيقية لمشروعات مثل «ون هولو» قد لا تكمن في قدرتها على الإجابة عن الأسئلة، أو حجز المواعيد، بل في أنها تكشف عن التحول العميق الذي تشهده العلاقة بين الإنسان والآلة في قطاع الرعاية الصحية.

فخلال السنوات المقبلة قد لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تعمل خلف الكواليس، بل واجهة أولى يتفاعل معها المريض قبل أن يرى الطبيب أو موظف الاستقبال. وقد تتحول العيادات والمستشفيات تدريجياً إلى بيئات هجينة يعمل فيها البشر والوكلاء الأذكياء جنباً إلى جنب، يتقاسمون المهام والمسؤوليات وفق حدود مهنية وأخلاقية واضحة.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه التقنيات في تقديم الكفاءة والسرعة التي تعد بها من دون أن تفقد الرعاية الصحية جوهرها الإنساني؟ فبينما تتطور الخوارزميات و«الهولوغرام» بوتيرة متسارعة، ستبقى قيمة الطب الحقيقية في قدرته على الجمع بين دقة التكنولوجيا... ودفء الإنسان.

ولعل اختيار السعودية لتكون أول محطة دولية للمشروع خارج الولايات المتحدة يعكس المكانة المتنامية التي أصبحت تحتلها المملكة في مشهد الذكاء الاصطناعي الطبي عالمياً، في ظل التحولات المتسارعة التي تقودها «رؤية 2030» نحو بناء منظومة صحية رقمية متقدمة.

تؤدي مهمات الحضور البصري المجسم وتنفيذ العمل... والسعودية أول وجهة دولية لها


الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر
TT

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

على مدى عقود ظل الدماغ المتقدم في العمر أشبه بقارة مجهولة بالنسبة للعلماء، فبينما تظهر آثار الشيخوخة بوضوح على الجسد بقيت التغيرات الدقيقة التي تحدث داخل مليارات الخلايا العصبية لغزاً يصعب تتبعه.

واليوم نجح باحثون في جامعة روكفلر الأميركية في الاقتراب أكثر من هذا العالم الخفي عبر تطوير تقنيات جينية متطورة تتيح مراقبة ملايين الخلايا الدماغية في وقت واحد، ورصد كيفية تواصلها، وتغير نشاطها مع مرور الزمن. ويأمل العلماء أن تقود هذه الاكتشافات إلى فهم أعمق للشيخوخة وأمراض التنكس العصبي، وربما تمهد الطريق مستقبلاً لاستراتيجيات جديدة تحافظ على صحة الدماغ وتؤخر تدهوره.

قراءة الدماغ بطريقة مختلفة

يقود هذه الأبحاث العالم جونيو كاو من مختبر علم جينوم الخلية المفردة وديناميات السكان جامعة روكفلر نيويورك المتخصص في تقنيات تحليل الخلايا المفردة. وقد طور فريقه أداتين جديدتين تحملان اسم «IRISeq» و«EnrichSci» صُممتا لدراسة الشيخوخة من زاويتين مختلفتين.

التقنية الأولى التي سميت «إعادة بناء الصور باستخدام التسلسل المفهرس» IRISeq Imaging Reconstruction using Indexed Sequencing نشرت في مجلة Nature Neuroscience في 12 مايو (أيار) 2026، تعتمد على فكرة مبتكرة هي استخدام الحمض النووي «دي إن إيه» نفسه كخريطة لتحديد مواقع الخلايا وعلاقاتها ببعضها داخل أنسجة الدماغ من دون الحاجة إلى المجاهر التقليدية.

وبدلاً من التقاط صور للخلايا تستخدم التقنية ملايين الجزيئات المشفرة وراثياً لجمع معلومات حول الخلايا المتجاورة وطريقة تفاعلها. ومن خلال هذه البيانات يستطيع الباحثون إعادة بناء خريطة دقيقة للنسيج الدماغي، وفهم كيفية تواصل الخلايا مع بعضها في أثناء الشيخوخة.

ويصف الباحثون هذه الطريقة بأنها أشبه بتحويل تقنيات التسلسل الجيني إلى وسيلة جديدة «لرؤية» الأنسجة البيولوجية، ولكن بتكلفة أقل وقدرة أكبر على دراسة عينات ضخمة.

وقد اكتشف العلماء أمراً لافتاً عند تطبيق التقنية الجديدة على أدمغة متقدمة في العمر وجود مناطق التهابية خفية داخل الدماغ؛ لأن بعض أنواع الخلايا المرتبطة بالالتهاب لا تنتشر بشكل عشوائي، بل تتجمع في «أحياء خلوية» محددة داخل المادة البيضاء للدماغ.

وشملت هذه التجمعات خلايا مناعية وخلايا داعمة للأعصاب تتفاعل مع بعضها بطريقة قد تعزز الالتهاب المزمن المرتبط بالتقدم في السن.

كما كشفت الدراسة أن بعض الخلايا المناعية المعروفة باسم الخلايا اللمفاوية تنشط بشكل مكثف في مناطق محددة قرب تجاويف الدماغ المملوءة بالسائل الدماغي. ويرى الباحثون أن هذا النشاط الموضعي ربما كان سيبقى غير مكتشف لولا القدرة الجديدة على رصد المواقع الدقيقة للخلايا داخل النسيج.

وتشير النتائج إلى أن هذه المناطق قد تكون من أكثر أجزاء الدماغ عرضة للتدهور المرتبط بالعمر؛ ما يجعلها أهدافاً محتملة للعلاجات المستقبلية.

تغيرات أعمق من الجينات نفسها

أما التقنية الثانية «إثراء الخلايا المستهدفة الموجهة بالنسخ لتسلسل الحمض النووي الريبي (آر إن إيه) RNA أحادي الخلية القابل للتطوير» EnrichSci Transcript-guided Targeted Cell Enrichment for Scalable Single-Cell RNA Sequencing فتركز على دراسة أنواع نادرة من الخلايا التي يعتقد أنها الأكثر تأثراً بالشيخوخة، وقد نُشرت في مجلة Cell Genomics في 11 مارس (آذار) 2026، وباستخدام هذه الأداة تمكن الباحثون من عزل مجموعات خلوية محددة داخل أدمغة الفئران المسنة، وتحليل نشاطها الجيني بدقة عالية.

وكانت المفاجأة أن بعض التغيرات المهمة لم تظهر في مستوى نشاط الجينات نفسها، بل في أجزاء أصغر تُعْرف باسم «الإكسونات» exons (الإكسونات هي أجزاء من الجينات التي تُكوّن نسخ الحمض النووي الريبي RNA الناضجة والتي تُترجم إما إلى بروتينات، أو تؤدي وظائف بيولوجية أخرى).

ووجد العلماء أن هذه التغيرات ترتبط بعملية تُعرف باسم «التضفير البديل» post-transcriptional regulation، وهي آلية تسمح للجين الواحد بإنتاج عدة أشكال مختلفة من البروتينات. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة؛ لأن اضطرابات التضفير البديل ارتبطت سابقاً بأمراض عديدة من بينها أمراض التنكس العصبي وبعض أنواع السرطان.

ويعتقد الباحثون أن فهم هذه التغيرات قد يساعد في تطوير علاجات تستهدف المراحل المبكرة من التدهور العصبي المرتبط بالعمر.

نافذة جديدة لفهم الدماغ

ورغم أن التركيز الحالي ينصب على فهم الشيخوخة فإن تطبيقات هذه التقنيات قد تمتد إلى مجالات أوسع كثيراً؛ فالتقنية الأولى يمكن أن تساعد في دراسة كيفية تفاعل الخلايا المناعية مع الأورام السرطانية، بينما قد تسهم التقنية الثانية في كشف التغيرات الجينية الدقيقة التي ترافق تطور العديد من الأمراض المزمنة.

ويرى العلماء أن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات تكمن في قدرتها على دراسة الخلايا ضمن بيئتها الطبيعية بدلاً من تحليلها بمعزل عن محيطها.

تكشف هذه الدراسات أن الشيخوخة ليست مجرد تراجع تدريجي في وظائف الجسم، بل عملية معقدة تشمل شبكة واسعة من التفاعلات بين الخلايا والتغيرات الجينية الدقيقة.

ومع تطور أدوات التحليل الجيني يقترب العلماء أكثر من فك شيفرة ما يحدث داخل الدماغ مع التقدم في العمر، وقد لا يساعد ذلك فقط في فهم الشيخوخة، بل أيضاً في تطوير علاجات جديدة تحافظ على صحة الدماغ، وتؤخر ظهور الأمراض العصبية التي تزداد انتشاراً مع ارتفاع متوسط العمر حول العالم.


هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟

هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟
TT

هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟

هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟

يمر على جانبي العنق زوج من الألياف المدهشة، التي يسميها العلماء «العصب المبهم». وبعض الأحيان، يُطلق على هذا العصب تعبير «منظم ضربات للدماغ»؛ إذ إنه يربط الدماغ بمعظم الأجهزة العضوية الرئيسة في الجسم.

نصائح الإنترنت الملتبسة

على مدار مئات السنين، عمل العصب المبهم في هدوء شبه تام. إلا أنه نال حديثاً مكانة شبه أسطورية بين مقدمي «البودكاست» ومؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرهم من المعنيين بمجال الصحة والعافية.

شخص لا يستطيع النوم؟ عالجوه بالكهرباء... شخص متوتر؟ استمروا في التنبيه الكهربائي... ضباب ذهني، التهابات، مشكلات هضمية؟ الحل المزعوم نفسه.

في هذا الصدد، قال الدكتور كيفن تريسي، جراح الأعصاب ورئيس معاهد فاينستاين للبحوث الطبية في نورثويل هيلث: «هناك مليارات الانطباعات، والمنشورات على الويب، حول العصب المبهم. الكثير من ذلك يقوده مؤثرون يقولون: (فقط افعل هذا لمحاكاة العصب المبهم، وستُحل كل مشكلات حياتك)». وأشاد مشاهير ومؤثرون معنيون بالمجال الصحي، بفوائد تحفيز العصب المبهم. وفي الواقع، فإن بعض النصائح المطروحة على هذا الصعيد غير مؤذية، مثل التنهّد أو تقنيات التنفس العميق.

إلا أن الكثير من المؤثرين ذهبوا أبعد من ذلك، وروَّجوا لأجهزة تُلبس حول العنق أو الأذنين ترسل نبضات كهربائية. ويتوقع بعض المحللين أن صناعة تحفيز العصب المبهم، قد تصل قيمتها إلى مليار دولار بحلول 2030.

جدير بالذكر هنا، أن بعض محفزات العصب المبهم تعدّ أجهزة طبية حقيقية، نالت موافقة الحكومة الفيدرالية لحالات محدودة. في المقابل، نجد أن الكثير من الأجهزة التي قد تصادفها على الإنترنت لا تعمل في الواقع، حسب تريسي، وتستغل ببساطة مصداقية أجهزة التحفيز الطبي - المتاحة فقط عبر الجراحة أو بوصفة طبية.

بمعنى آخر، فإن تحفيز العصب المبهم قائم على علم كافٍ ليبدو جدياً، ومحاط بقدر كافٍ من الغموض ليبدو دونما حدود، كما قال تريسي.

شكل تصويري لجهاز تحفيز العصب المبهم لعلاج الصرع

تحفيز العصب المبهم

• ما العصب المبهم؟ يشكل العصب المبهم vagus nerve أحد الطرق الرئيسة لنقل المعلومات في الجسم، ويحتوي على قرابة 200000 ليف يصل من الدماغ إلى القلب والرئتين والمعدة وغيرها، قبل أن ينتهي عند القولون. وحسب ما أوضحه تريسي، فإن ما يقرب من 80 في المائة من هذه الألياف، ينقل تحديثات لحظية من جسمك إلى الدماغ، بينما ينقل الباقي أوامر من الدماغ إلى الخارج. وتتيح هذه الوظيفة المزدوجة للدماغ مراقبة وتنظيم الكثير من الوظائف، التي نادراً ما تشغل تفكيرك، مثل معدل ضربات القلب والتنفس والهضم. كما أنها القناة الرئيسة الرئيس للجهاز العصبي اللاودي (الباراسمبثاوي)، الذي يساعد في هضم الطعام، وتنظيم الالتهابات وتهدئة الأعصاب.

• ما تأثير تحفيز العصب المبهم فعلياً؟ تستخدم الأعصاب نبضات كهربائية للتواصل؛ لذا وعن طريق توصيل صدمات إليها يمكن للعلماء التأثير على الإشارات التي ترسلها. وبما أن العصب المبهم يلامس الكثير من الأعضاء، يأمل الباحثون أن يتيح لهم هذا النهج تطوير علاجات لمجموعة من المشكلات الطبية، حسب تريسي سنتاني، عالمة الأعصاب في جامعة فلوريدا.

• أجهزة تحفيز العصب المبهم. من جهتها، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على أجهزة تحفيز العصب المبهم، لعلاج أنواع معينة من الصرع، والاكتئاب المقاوم للعلاج، والتعافي من السكتة الدماغية، وحديثاً التهاب المفاصل الروماتويدي. وتُزرع هذه الأجهزة جميعها جراحياً في العنق، أو تحت جلد الصدر، لتحفز العصب مباشرة.

كما سمحت إدارة الغذاء والدواء ببعض الأجهزة غير الجراحية بوصفة طبية، وإن كانت تخضع لمعايير سلامة وفاعلية أدنى. وأحد هذه الأجهزة، المسمى «غاما كور gammaCore»، مخصص لعلاج الصداع العنقودي والشقيقة. وهناك أجهزة عدة ـ «إن إس إس ـ 2 بريدج NSS-2 Bridge» و«درغ ريليف Drug Relief» و«سبارو Sparrow» و«نيت NET» قد تساعد في تقليل أعراض الانسحاب عند التوقف عن تناول المواد الأفيونية.

تشير بعض الدراسات الأولية إلى أن هذه الأنواع من الأجهزة قد تساعد في علاج القلق، الأرق والالتهاب، وفقاً لما أوضحته سنتاني. ورغم الحاجة إلى مزيد من الأدلة، لم يمنع ذلك الشركات من إطلاق ادعاءات مُبالغ فيها عبر الإنترنت.

أجهزة استهلاكية خادعة

ينبغي توخي الحذر إذا حصلت على جهاز لتحفيز العصب المبهم دون جراحة أو وصفة طبية، خاصة وأن هذه الأجهزة الاستهلاكية تخضع لرقابة ضعيفة، ولا يشترط عليها إثبات فاعليتها أمام مسؤولي إدارة الغذاء والدواء، حسب ما أفادته الدكتورة كريستل فونك، طبيبة أعصاب في جامعة جنت في بلجيكا. وفي الغالب تشبه هذه الأجهزة نظيراتها الموصوفة طبياً، ويجري ارتداؤها في الأذن أو حول العنق. وفي أثناء استخدامها، قد تشعر ببعض الوخز، أو صدمة كهربائية طفيفة، بل وربما حتى تغير في معدل ضربات القلب، وفقاً لما ذكره مايكل كيلغارد، مدير مركز تكساس للأجهزة الطبية الحيوية، في جامعة تكساس في دالاس. إلا أن هذا أمر طبيعي عند مرور الكهرباء عبر الجلد، ولا يدل بالضرورة على أنها تؤثر فعلياً في العصب المبهم نفسه. وعبَّر كيلغارد عن اعتقاده بأن: «غرابة الإحساس تكفي لتثير شعوراً بالإزعاج»، إلى حد يجعل الناس يشعرون أن الجهاز أنجز شيئاً بالفعل، لكن الإحساس ليس مؤلماً للغاية.

في الواقع، فإنه لا تتوفر بيانات تُذكر تدعم فاعلية هذه الأجهزة. من ناحيتها، تُطلق الشركات المُسوّقة لها ادعاءات مبهمة بأنها تُعزز الطاقة، وتُحسّن النوم، وتُدعم التواصل بين الدماغ والأمعاء، وتُحسّن الذاكرة، وتُعزز التعلّم، وتُعيد التوازن، وغيرها. وفي أغلب الحالات، لا تعدو هذه الأجهزة كونها مُجرد دواء وهمي، مُغلّف بغطاء علم الأعصاب، حسبما يرى كيلغارد.

وأوضحت فونك أن الكثير من هذه الأجهزة «منخفضة المخاطر»، يُمكنها تجاوز المراجعة اللازمة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، من خلال طرح ادعاءات صحية مبهمة، بدلاً من تقديم أدلة على فوائد صحية مُحددة وقابلة للتحقق. وأضافت أن بعض الشركات تُجري دراسات محدودة وضعيفة الجودة لدعم أجهزتها، وأن الكثير منها يكتفي باستخدام مصطلحات البحث العلمي الموثوق بعَدّ ذلك حيلة تسويقية.

إذن، ما الضرر؟ شرحت فونك بأن أجهزة التحفيز التي يُمكن شراؤها عبر الإنترنت، قد تُسبب بعض الاحمرار أو الوخز، ولكن من غير المحتمل أن تُسبب أي ضرر حقيقي./*-8975/

وبشكل عام، فإن بطارياتها صغيرة للغاية، بحيث لا تُسبب حروقاً للجلد، كما قال كيلغارد. وأضاف أن القلق الأكبر يكمن في الأمل الزائف، مشيراً إلى أنه رأى الكثير من المرضى يشترون جهازاً لا يفعل شيئاً سوى تأخير تحولهم نحو العلاجات الفعّالة. وأضاف: «يشعرون بتحسن فوري بمستوى لم يسبق لهم أن شعروا به من قبل. وأعتقد أن الكثيرين منهم يخدعون أنفسهم».

* خدمة «نيويورك تايمز»