«العمارة المشهدية»... تعود للحياة

مبان بتصاميم غريبة ونماذج نافرة تدفع حدود المنطق

مركز بيرلمان للفنون
مركز بيرلمان للفنون
TT

«العمارة المشهدية»... تعود للحياة

مركز بيرلمان للفنون
مركز بيرلمان للفنون

عندما بدأت عينٌ بارتفاع 112 متراً بالرمش في لاس فيغاس، الصيف الماضي، عادت معايير العمارة في العالم إلى وضع «إعادة الضبط».

مبنى كروي غريب

كانت هذه العين عبارة عن صورة متحرّكة مسلّطة من مبنى «ذا سفير» the Sphere (الجسم الكروي)، أحد أغرب المباني التي اكتملت في 2023. و«ذا سفير» هو صالة للفنون الاستعراضية. وكما يوحي اسمه، فإنه مبنى كروي عملاق مؤلّف من 35 طابقاً مغطّى بمليون ومئتي ألف مصباح ليد حوّلته إلى شاشة دائرية كبيرة قادرة على استعراض صورٍ وإعلانات وأعمال فنيّة برّاقة، بالإضافة إلى «مقلة عينٍ» في الجهة المواجهة للاس فيغاس.

يعد «ذا سفير»، الذي يمثّل منصّة خارجية ومسرحاً مقفلاً يتّسع لأكثر من 18 ألف متفرّج، من أكثر المباني غير المألوفة التي افتُتحت هذا العام.

ولكنّه ليس حالةً فريدة. فقد شهد العالم بروز مبانٍ جديدة دفعت بحدود المنطق والهدف بتصاميم غريبة ونماذج تجارية نافرة نوعاً ما. تخلّت هذه المباني عن البساطة والتحفّظ لصالح مقاربة تستخدم الجرأة التي تستدعي الاهتمام. هذه الإشارات جميعها تُبشّر بعصرٍ جديد من المشهدية (أي النصب التي تجتذب الأبصار بمشهدها).

مبنى يانتاس الصين لتقديس الشمس

عمارة مشهدية

قد لا يكون هناك سببٌ واحدٌ لبروز العمارة المشهدية spectacle architecture بهذه القوّة خلال العام الماضي، ولكنّها من دون شكّ أحد منتجات عالم ما بعد الجائحة.

باختصار، يمكن القول إنّ العمارة تتحوّل اليوم عن الجانب المتواضع والمنعزل إلى الأكثر انفتاحاً وتجريبيّة وجرأةً، إذ يبدو أنّ مصمّمي ومطوّري المباني المشهدية يقدّمون اليوم النقيض المعماري للإغلاقات والفقاعات العازلة باستخدام الألوان الفاقعة، ومساحات التجمّع الكبيرة، ومشاهد تجبرنا على النظر إليها ومشاركتها. هذه الأفكار التي وُلدت في فترة الجائحة، دخلت اليوم مرحلة التنفيذ على الأرض وستمثّل تذكيراً لكثيرين حول العالم بأنّه لا داعي بأن تكون الحياة شديدة الانضباط.

طبعاً، هذا الاتجاه الجديد في العمارة لا يستهدف الإيثار وحب الغير فحسب، بل إن له أهدافاً ربحية أيضاً. ولعلّ «ذا سفير» هو المثال الأكثر تطرّفاً على العمارة المشهدية في السنوات الأخيرة، مدعوماً بغناه بالعناصر التقنية وموقعه في لاس فيغاس، حيث يصعب تجاهله على الرغم من احتواء المدينة على كلّ ما قد يتخيّله المرء من مشهديات.

رسم تخيلي لمشروع "الكعب" السعودي"

مشاريع سعودية متميزة

ينعكس هذا التفكير أيضاً في مشروع «ذا لاين» في المملكة العربية السعودية. يتميّز هذا المبنى بتصميم طولي، ويرجّح أحد مطوّريه أن يمتدّ لمسافة 169 كلم في الصحراء. هذا المشروع هو جزءٌ من جهود أكبر وأغرب لبناء مدينة اسمها «نيوم» في المملكة. جذبت القدرات المالية الهائلة التي تملكها السعودية أفضل معماريّي العالم للمساهمة في هذه الرؤية.

شملت هذه الجهود أخيراً الإعلان عن «المكعّب»، مبنى بارتفاع 369 متراً، يضمّ مدينة ستقدّم ما وصفه مطوّروه «بالوجهة التجريبية الغامرة» بشاشات ومجسّمات رقمية. يُشرف «المكعّب» على كامل محيطه في مدينة الرياض، ويبدو أشبه بلعبة عملاقة متدليّة تتحدّى المعقول.

استخدم المعماريون المكعّبات لأجيال عدّة، ولعلّ الكعبة هي النموذج الأوّل عليها. والتحق بها في العصر الحديث مركز «بيرلمان» للفنون الأدائية في نيويورك، الذي برهن كيف يمكن لتصميم متواضع أن يُترجم إلى مبان رائعة تتناغم مع أحيائها. في المقابل، صُمّم مكعّب السعودية ليكون قابلاً للرؤية من دون عناء وعن مسافة بعيدة على الأرجح.

حقّقت المشاريع السعودية هدفها باستعراض الثروة والقوّة قبل تنفيذها على أرض الواقع، الذي يعدّ أيضاً الهدف الأساسي للعمارة المشهدية، وهو غالباً نوع التأثير الذي رأيناه في السباق العالمي نحو بناء أطول برج. فقد شهد عام 2023 بروز برج جديد في كوالالمبور، ماليزيا، يحمل اسم «ميرديكا 118»، بتصميم سمكة سيف البحر وارتفاع 670 متراً، ويضمّ 118 طابقاً، وهو اليوم ثاني أطول مبنى في العالم. وبوصفه مركزاً لمصرف الاستثمار الماليزي، يقدّم هذا المبنى مساحة مكتبية هائلة تمتّد لآلاف الأمتار على الرغم من أنّ مستقبل المساحات المكتبية ليس واضحاً في عصر العمل عن بعد.

مبنى "ذا سفير" وعينه

«المكعّب» مبنى سعودي بـ«وجهة تجريبية غامرة» بشاشات ومجسّمات رقمية

مبان غير مألوفة

ومع ذلك، العمارات المشهدية ليست جميعها رديئة. فقد أظهرت مبانٍ جديدة كثيرة أنّ التصميم المبالغ فيه يمكن أن يكون أنيقاً ومجدٍ أيضاً. ومن الأمثلة على هذا النوع نسمّي مركز ريتشارد غيلدر للعلوم والتعليم والابتكار في متحف التاريخ الطبيعي الأميركي، الذي صمّمته «ستوديو غانغ»، شركة العمارة الشهيرة في شيكاغو، ليشكّل وصلة جديدة للمتحف المترامي الأطراف. يتميّز المبنى بجدران أشبه بالكهوف، تجذب الزوّار إلى واحد من أكثر المباني المثيرة للدهشة في عام 2023.

العمارة تتحوّل بعيداً عن الجانب المتواضع والمنعزل إلى الأكثر انفتاحاً وتجريبيّة وجرأةً

وفي العاصمة البريطانية، شهد مبنى صناعي مهجور عملية تجديد حوّلته إلى رمزٍ جديد للمدينة. إنّها محطّة باترسي للطاقة، منشأة قديمة عاملة بالفحم كانت مسؤولة عن توفير خُمس احتياجات المدينة من الكهرباء، والتي أصبحت اليوم مبنى رائعاً متعدّد الاستخدامات، ويضمّ مئات الوحدات السكنية، ومركزاً تجارياً، ومساحات مكتبية، ومركزاً لشركة «أبل».

تنتظر مدينة بوسطن الأميركية إضافة جديدة ومشرقة لمطارها الدولي، والتي ستكون عبارة عن مدرجٍ جديد باللون الأحمر.

تذهب بعض المباني المشهدية أبعد من الهدف التجاري. ففي مدينة يانتاي، شمال شرقي الصين، ينتصبُ مبنى غريب وجميل هدفه الأساسي تقديس الشمس. يضمّ البرج واجهة مفتوحة مواجهة للشمس والبحر، ويؤمّن للمحليين مساحةً للانخراط في شعائر جماعية عمرها مئات السنوات لتقديس الشمس. في الحقيقة، صمّمت هذا المبنى الشمس نفسها وحدّدت فتحاته ومساحاته الاجتماعية وفقاً لحركاتها، فجعلت منه مركزاً ثقافياً عملياً ومتعدّد الأغراض، يضمّ مسرحاً ومكتبةً ومساحات عدّة للمناسبات. ولكنّ روحه تكمن في هذا الهيكل المبني لتأسيس علاقة أكثر حسيّة بين الناس ومركز نظامنا الشمسي.

سواء كانت رديئة أو هادئة، لا شكّ في أنّ المباني المشهدية تعدّ الساحة لثورة على مستوى الطراز والأسلوب. صحيحٌ أنّ هذه التصاميم قد تخرج عن المألوف أحياناً، ولكنّها في الوقت نفسه تُظهر كيف يمكن للغرابة والروعة أن تتجليا في شكلٍ معماري. واليوم، لا يزال العالم في بداية تذوّق طعم مشهديات معمارية جديدة غريبة ومثيرة للاهتمام وربّما جميلة.

* مجلّة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

تكنولوجيا راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

نموذج جديد يتنبأ بحركة البعوض ويكشف كيف يدمج الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان وتحسين استراتيجيات مكافحته والحد من الأمراض.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)

«إف بي آي» يحذّر: قراصنة روس يسرقون حسابات على تطبيقات مراسلة شهيرة

حذَّر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) من حملة قرصنة منظمة تستهدف مستخدمي تطبيقات المراسلة الشهيرة، ويرتبط منفذوها بأجهزة الاستخبارات الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد يظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ على شاشة كبيرة خلال إلقائه خطابه في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ب)

الصين تتعهّد بـ«معاملة وطنية» للمستثمرين الأجانب لطمأنة الأسواق العالمية

تعهَّد رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، يوم الأحد، بمواصلة انفتاح الاقتصاد وتطبيق المعاملة الوطنية للشركات الأجنبية بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سيدة تمر أمام متجر لمجموعة «سوفت بنك» في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

«سوفت بنك» تستثمر 33 مليار دولار لبناء أكبر محطة طاقة في أميركا

أعلنت مجموعة «سوفت بنك» اليابانية، يوم السبت، عن خططها لبناء محطة طاقة جديدة ضخمة تعمل بالغاز الطبيعي في ولاية أوهايو الأميركية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.