أجهزة «التعزيز الحسّي» لوقاية روّاد الفضاء من التشوّش المكاني

توظف أدوات صغيرة مهتزّة توضع على الجلد

أجهزة «التعزيز الحسّي» لوقاية روّاد الفضاء من التشوّش المكاني
TT

أجهزة «التعزيز الحسّي» لوقاية روّاد الفضاء من التشوّش المكاني

أجهزة «التعزيز الحسّي» لوقاية روّاد الفضاء من التشوّش المكاني

عند الهبوط على سطح القمر، قد يشعر روّاد الفضاء بالتشوّش المكاني، أي أنّهم قد يفقدون الإحساس بمكان وجودهم؛ ما يعني أنّهم قد يعجزون حتّى عن تحديد اتجاههم الصحيح. وقد يؤدي هذا التشوّش إلى حوادث مميتة.

التشوش المكانيحتّى على الأرض، تسبب التشوّش المكاني بين عامي 1993 و2013 بخسارة 65 طائرة، وأضرار بقيمة 2.3 مليار دولار، و101 من الوفيات في الولايات المتحدة.

ولكن هل تستطيع التقنية القابلة للارتداء تعزيز حواس روّاد الفضاء بحيث يصبحون قادرين على تجاوز محدوديّة أجهزة استشعارهم الطبيعية؟ وما نوع التدريب الذي قد يساعد في بناء رابطٍ عميق بين رائد الفضاء والتقنية القابلة للارتداء حتّى يصبح قادراً على الاعتماد على التقنية بينما يعجز عن الوثوق بحواسه الطبيعية؟

فيفيكاناند باداي الباحث العلمي في معهد أشتون غبريال للتوجيه المكاني في جامعة برانديز، يدرُس برفقة زملائه ألكسندر بانيك، وجايمس لاكنر، وبول ديزيو، التعزيز الحسّي والتشوّش المكاني، أي الحالة التي يشعر فيها روّاد الفضاء والطيّارون بخسارة الإحساس بوجهتهم.

في ورقة بحثية نُشرت خلال الشهر الحالي في دورية «فرونتييرز إن فيزيولوجي»، حدّد الباحثون ما إذا كانت المستشعرات الهزّازة، وهي عبارة عن أجهزة صغيرة مهتزّة توضع على الجلد قادرة على تعزيز أداء المشاركين في ظروف مسببة للتشوّش تحاكي رحلة في الفضاء، بالإضافة إلى نوع التدريب الذي قد يعزّز الاتصال بين البشر والجهاز.

جهاز حسّي جسديتوصل المستشعرات الهزّازة المعلومات عبر المتلقيات اللمسية في الجهاز الحسي الجسدي بدل النظام البصري. تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الأجهزة الصغيرة ساعدت الطيّارين في الماضي على التحليق بالطوافات والطائرات.

عندما يُصاب الطيّارون بالتشوّش، يشعر نظامهم البصري غالباً بثقل ناتج عن المعلومات. هنا، تلعب المستشعرات الهزّازة دوراً مساعداً، لأنّها تُرسل إشارات لمسية عوضاً عن الإشارات البصرية.

تصميم لرحلات الفضاءيقول فيفيكاناند باداي في حديث لمجلة «فاست كومباني»: «في تجربتنا الأولى، أردنا أن نتبيّن ما إذا كانت المستشعرات الهزّازة ستُحسّن قدرة المشارك على الحفاظ على توازنه في وضع رحلة فضائية مسببة للتشوّش. لذا ثبّتنا المشاركين على جهاز دوّار متعدّد المحاور، وهو عبارة عن آلة تتألّف من كرسي مبرمج للتحرّك كبندول مقلوب. أخذت الآلة بالتمايل يميناً ويساراً كقلم رصاص يقع كلّما حاول أحدهم تثبيته على رأس إصبعه. واستخدم المشاركون عصا تحكّم في محاولتهم للحفاظ على توازنهم وإبقاء الكرسي مستقيماً. وغطّينا عيون كل المشاركين لأنّ التشوّش المكاني يحصل غالباً عندما يحلّق الطيارون في الليل أو بين الغيوم».

على الأرض، تساعد أجزاء صغيرة في الأذن تُعرف باسم الحصيّات الأشخاص في الحفاظ على توازنهم، عبر الشعور بمدى ميل الجسم بعيداً عن الوضعية المستقيمة، أو ما يُعرف بالجاذبية العمودية. أمّا في الفضاء، لا سيّما خلال تحوّل الجاذبية الذي يحصل خلال الهبوط على كوكبٍ ما أو على القمر مثلاً، تختلف معلومات الجاذبية التي ترصدها حصيات الأذن كثيراً عمّا هي عليه على الأرض، وهذا ما قد يسبب التشوّش.

بالإضافة إلى ذلك، تغيّر الرحلات الفضائية الطويلة كيفية تحليل الدماغ للإشارات المقبلة من الحصيات؛ ما قد يؤدّي أيضاً إلى تشوّش أثناء الهبوط.

في وضع الأرض المناظرة للوضع في الفضاء، الذي اعتمدناه للمقارنة مع وضع الرحلة الفضائية التجريبي، جلس المشاركون في الجهاز الدوّار متعدّد المحاور واستخدموا عصا تحكّم لموازنة أنفسهم حول نقطة التوازن التي كانت في وضعية مستقرّة إلى الأعلى متناغمة مع الجاذبية العمودية.

ولأنّ حصيات الأذن تستطيع استشعار الميل عن الجاذبية العمودية، شعر المشاركون طوال الوقت بوجهتهم وبموقع نقطة التوازن. أطلقنا على هذا الوضع اسم «الأرض المناظرة» لأنّهم يستطيعون فيه الاعتماد على إشارات الجاذبية لأداء المهمّة، ونجحوا فعلاً في تحسين أدائهم في هذا الوضع مع الوقت.

محاكاة الرحلات الفضائيةبعدها، وفي وضع محاكاة الرحلة الفضائية، جعلنا الجهاز الدوّار يدفع المشاركين إلى الخلف بزاوية 90 درجة. كانت نقطة التوازن لا تزال في الوسط، وبُرمج الجهاز الدوّار متعدّد المحاور ليميل إلى اليمين أو اليسار بينما كان المشاركون مستلقين على ظهورهم.

في وضع الأرض، كانت نقطة التوازن على خطٍّ واحدٍ مع الوضع العمودي المستقيم، ما سهّل استخدام حصيات الأذن لتحديد درجة الميل. ولكن في وضع الرحلة الفضائية، ابتعد ميل المشاركين عن الجاذبية العمودية لأنّهم كانوا مستلقين على ظهورهم طوال الوقت. لهذا السبب، ومع أنّ نقطة التوازن التي كانوا يحاولون العثور عليها كانت نفسها، لم يتمكّنوا من استخدام الجاذبية لتحديد درجة ميلهم عن نقطة التوازن.

يعيش روّاد الفضاء وضعاً مشابهاً، حيث إنهم يملكون إشارات جاذبية طفيفة عند الهبوط. فقد أظهر المشاركون في وضع الرحلة الفضائية خلال تجربتنا أداءً سيئاً جداً وكانت فرص خسارتهم للسيطرة عالية جداً.

وضعنا لكلّ واحدٍ من المشاركين في مجموعة الاختبار 4 مستشعرات على كلّ ذراع. وكان كلّما مال المشترك أكثر عن نقطة التوازن، زاد اهتزاز المستشعرات في الجهة التي مال إليها.

وجدنا أنّ الانطباع اللمسي الاهتزازي ساعد أداء المشاركين في وضع الرحلة الفضائية المسببة للتشوش، ولكنّه أدى أيضاً إلى شعورٍ من التضارب لديهم بين الفهم الخاطئ لاتجاههم واتجاههم الحقيقي، كما بيّنت المستشعرات.

وبسبب هذا التضارب، لم يكن أداء المشاركين في وضع الرحلة الفضائية جيّداً بقدر أداء المشاركين في وضع «الأرض المناظرة».

ولكنّ المفاجئ في الأمر كان أنّ إدراك المشاركين أنّهم مشوشون، وثقتهم الكبيرة بالمستشعرات الهزازة لم تمكّنهم من الاستمرار في تعلّم أداء مهمّتهم وتحسينه. يرجّح هذا الأمر أنّ الثقة الإدراكية، أو درجة الثقة التي عبروا عنها، قد تختلف عن الثقة التي يشعرون بها حقاً، وأنّ الثقة الإدراكية وحدها ليست كافية لضمان اعتماد الناس على المستشعرات عند شعورهم بالتشوّش.



«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟