«تشات جي بي تي»... سطوة الذكاء الاصطناعي

دروس السنة الأولى لإطلاقه

«تشات جي بي تي»... سطوة الذكاء الاصطناعي
TT

«تشات جي بي تي»... سطوة الذكاء الاصطناعي

«تشات جي بي تي»... سطوة الذكاء الاصطناعي

أبصر «تشات جي بي تي» النور في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2022، معلناً بداية ما أسماه كثيرون سنة انتشار الذكاء الصناعي. وأصبح «تشات جي بي تي» حديث الجميع بعد أيّام قليلة من إصداره، وملأت صور المحادثات التي أجراها مواقع التواصل الاجتماعي، وحلّق عدد مستخدميه إلى مستويات فاجأت الشركة التي طوّرته. وبحلول يناير (كانون الثاني) 2023، كان الروبوت يسجّل دخول 13 مليون زائر في اليوم، محقّقاً رقماً قياسياً لأسرع منصة للمستخدمين نمواً لتطبيق استهلاكي.

سطوة الذكاء الاصطناعي

خلال سنة الانتشار هذه، كشف «تشات جي بي تي» عن قوّة الوسيط الجيّد ومخاطر الضجيج والحماس، وزرع البذور لنسقٍ جديد من السلوكيات البشرية.

وكباحث يدرس التقنية والسلوك البشري المعلوماتي، وجدتُ أنّ سطوة «تشات جي بي تي» في المجتمع تأتي من رؤية الناس واستخدامهم للتقنية نفسها.

تشهد أنظمة الذكاء الصناعي الشبيهة بـ«تشات جي بي تي» انتشاراً ملحوظاً. فمنذ إطلاق الأخير، بات ذكر الذكاء الصناعي في العروض التقديمية والمحادثات والمقالات إلزامياً إلى حدٍّ ما. واليوم، تدّعي «أوبن إي آي»، الشركة المطوّرة لـ«تشات جي بي تي»، أنّ 100 مليون شخص يستخدمون الروبوت كلّ أسبوع.

يتفاعل الناس مع «تشات جي بي تي» في منازلهم، ويستخدمه الموظفون من جميع الفئات. وفي عالم التقنية، بات يُشار إلى الذكاء الصناعي التوليدي على أنّه المنصّة الكبرى منذ هاتف الآيفون الذي ولد عام 2007. ويراهن جميع اللاعبين الكبار على هذه التقنية، ويعيش الاستثمار في شركات الذكاء الصناعي الناشئة مرحلة طفرة.

في المقابل، يثير «تشات جي بي تي» كثيراً من المخاوف كتبعات المعلومات المضلّلة، والاحتيال، ومشكلات الملكية الفكرية، والتمييز. وفي عالم الدراسات العليا، ارتفعت الأصوات التي تحذّر من الغشّ.

دروس السنة الأولى

ما الدروس التي تعلّمناها من سنة «تشات جي بي تي» الأولى؟

قبل كلّ شيء، يعكس نجاح «تشات جي بي تي» القوّة التي يتمتّع بها الوسيط الجيّد.

يدخل الذكاء الصناعي في كثير من المنتجات ذات الاستخدام اليومي، من منصّات كـ«سبوتيفاي» و«نتفليكس» إلى «فيسبوك» وخرائط «غوغل». ويعود أوّل إصدار من «جي بي تي»، نموذج الذكاء الصناعي الذي يشغّل «تشات جي بي تي»، إلى عام 2018. وتجدر الإشارة إلى أنّ منتجات الشركة الأخرى المدعومة بالذكاء الصناعي، كـ«دال إي»، لم تحقّق موجة الانتشار المبهرة التي حقّقها «تشات جي بي تي» بعد إطلاقه فوراً، ما يعني أنّ الوسيط المحادث هو السبب خلف الانتشار.

يوجد شيءٌ جذّاب في المحادثة. يملك البشر مهارةً في اللغة، والمحادثة هي طريقة النّاس الأولى للتفاعل بعضهم مع بعض بنوعٍ من الذكاء. يمثّل الوسيط القائم على المحادثة وسيلةً طبيعية للتفاعل وطريقة يختبر النّاس من خلالها «نباهة» نظام الذكاء الصناعي. يظهر النجاح الاستثنائي الذي حقّقه «تشات جي بي تي» مرّة أخرى أنّ وسائط المستخدم تدفع التبني المنتشر للتقنية، من أجهزة الماكينتوش إلى محركّات التصفّح والآيفون، والتصميم هو الذي يصنع الفرق.

في المقابل، تملك التقنية موطن قوّة بارزاً هو توليد لغة مقنعة، يجعلها قادرة على إنتاج معلومات خاطئة أو مضلّلة. يسهّل «تشات جي بي تي» وغيره من أنظمة الذكاء الصناعي التوليدي على المجرمين وصانعي البروباغندا افتراس الضعفاء من المستخدمين. باختصار، تتطلّب قدرة هذه التقنية على زيادة الاحتيال والتضليل نوعاً من التنظيم القانوني لها.

ووسط الوعود والمخاطر التي يحملها الذكاء الصناعي التوليدي، أعطت هذه التقنية درساً آخر في قوّة الضجيج. فقد شهد العام المنصرم نشر عددٍ هائل من المقالات التي تحدّثت عن التحوّل الذي سيحدثه الذكاء الصناعي في مفاصل المجتمع وكيف أنّ انتشار التقنية واقعٌ ولا مفرّ منه.

لم يكن «تشات جي بي تي» أوّل تقنية تُوصف «بالقفزة النوعية التالية»، ولكنّه على الأرجح الوحيد الذي رُوّج له على أنّه خطرٌ وجوديّ في نفس الوقت. يحذّر كثيرون من عمالقة التقنية وباحثي الذكاء الصناعي من خطر أنظمة الذكاء الصناعي الخارقة وحلولها محلّ البشر.

تميل بيئة الإعلام إلى تفضيل الضجيج الذي تشحنه اليوم وبشكلٍ إضافي كثرة الاستثمارات في الذكاء الصناعي.

آفاق المستقبل

بدأ تدفّق الذكاء الصناعي في 2023، ولكن العام المقبل قد يشهد تباطؤاً في هذا المجال، لأنّ تطويره قد يصطدم على الأرجح بمعوّقات تقنية وعقبات في بنيته التحتية كقصور في تصنيع الرقائق وسعة الخادم. وفي الوقت عينه، نحن على الأرجح أمام عامٍ من فرض القوانين التنظيمية على الذكاء الصناعي.

هذا التباطؤ يجب أن يعطي مساحةً لتشكيل معايير للسلوك البشري على مستوى آداب التعامل التي تحدّد المكان والزمان المقبولين اجتماعياً لاستخدام «تشات جي بي تي»، وعلى مستوى الكفاءة، أي المكان والزمان الذي يكون فيهما «تشات جي بي تي» مفيداً.

سيحتل «تشات جي بي تي» وأقرانه من أنظمة الذكاء الصناعي التوليدي مكاناً بارزاً في أعمال الناس، وسيسمح للعاملين بتأدية بعض المهام بوتيرة أسرع وأخطاء أقلّ. وكما تعلّم النّاس استخدام «غوغل» للبحث عن المعلومات، سيكون عليهم أيضاً تعلّم ممارسات جديدة للعمل مع أدوات الذكاء الصناعي التوليدي.

ولكنّ آفاق 2024 ليست ورديّة بالكامل، حيث إنّها ستكون سنة تاريخية على صعيد الانتخابات حول العالم، ولا شكّ أنّ المحتوى المصنوع بالذكاء الصناعي التوليدي سيؤثر على آراء الجماهير وسيؤدي إلى انقسامات. قد تكون شركة «ميتا» منعت استخدام الذكاء الصناعي التوليدي في الإعلانات السياسية، ولكنّها لن تعمد على الأرجح إلى منع استعمال «تشات جي بي تي» وأشباهه لفبركة ونشر المحتوى الخاطئ أو المضلّل.

انتشرت المعلومات السياسية المضلّلة في شبكات التواصل الاجتماعي في 2016 و2020، ولا شكّ أنّ الذكاء الصناعي التوليدي سيُستخدم لاستكمال هذه الجهود في 2024، خصوصاً أنّ المحادثات مع «تشات جي بي تي» وأقرانه ستكون مصدراً للمعلومات المضلّلة حتّى بعيداً عن التواصل الاجتماعي.

في المحصّلة، سيكون على الجميع، من يستخدم «تشات جي بي تي» ومن لا يستخدمه، تعلّم درسٍ آخر، وهو أنّ السنة الثانية من حياة أيّ تقنية تتطلّب الحذر عندما يتعلّق الأمر بالإعلام الرقمي بمختلف أنواعه.

* أستاذ مساعد في علم المعلومات

بجامعة دريكسيل، مجلّة «فاست كومباني»

خدمات «تريبيون ميديا»



كيف نوفّق بين استخدام الذكاء الاصطناعي وبين القيم الإنسانية؟

كيف نوفّق بين استخدام الذكاء الاصطناعي وبين القيم الإنسانية؟
TT

كيف نوفّق بين استخدام الذكاء الاصطناعي وبين القيم الإنسانية؟

كيف نوفّق بين استخدام الذكاء الاصطناعي وبين القيم الإنسانية؟

عندما يتعلق الأمر بمواءمة الذكاء الاصطناعي مع القيم، فإننا نجد أنفسنا أمام «الجني الذي خرج من المصباح». لذا فإن مواءمة استخدام الذكاء الاصطناعي مع القيم تتطلب أكثر من مجرد تمنيات، فهي تستلزم تفكيراً متأنياً فيما يُطلب من الذكاء الاصطناعي وكيفية استخدامه.

الانطلاق من القيم البشرية

لقد سألنا أعضاء «مجلس التأثير» Impact Council التابع لمجلة «فاست كومباني» عن كيفية مواءمتهم الذكاء الاصطناعي مع قيمهم. وإليكم ما قدمه 13 منهم حول سبل إبقاء الذكاء الاصطناعي دائماً في نطاق «النوايا الحسنة»:

1. تضمين القيم في الرموز البرمجية. يقول عثمان خان من شركة ADP المالية: «نحن نضمّن قيمنا داخل الرموز البرمجية، وليس ضمن الأوامر النصية (prompts)، فالأمور التي نوليها أكبر قدر من الأهمية (مثل ما يجب حظره، وما يتطلب موافقة بشرية) تعمل وفق آلية تحقق حتمية (deterministic check) تُنفَّذ بالطريقة نفسها في كل مرة. كما يتولى شخص بشري مهمة الموافقة على أي إجراء لا يمكن التراجع عنه. فإذا كانت استراتيجيتك لمواءمة الذكاء الاصطناعي مجرد تعليمات مصاغة ببراعة، فأنت لا تملك استراتيجية حقيقية، بل مجرد قائمة اقتراحات».

2. البدء بأسئلة حول الغاية والهدف. تقول جين أسيوس، من منظمة CHC لخلق مجتمعات أكثر صحة: «نحن نبدأ بالغاية والهدف وليس بالتكنولوجيا، إذ يُقيَّم كل قرار يتعلق بالذكاء الاصطناعي بناءً على سؤال بسيط: هل يعزز هذا القرار الإمكانات البشرية، ويقوّي الثقة، ويخلق مجتمعات أكثر صحة؟ لدينا آليات للحوكمة، وإشراف بشري، وضوابط أخلاقية واضحة، لكن صمام الأمان الأكبر لدينا هو تذكر أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يعزز الحكم البشري والتعاطف والمساءلة، لا أن يحل محلها. فالابتكار لا يخلق قيمة مستدامة إلا عندما يرتقي بالأداء وبالأفراد معاً».

اختبار البرامج الذكية... وتشكيل مسارها

3. إنشاء مختبر لابتكار الذكاء الاصطناعي لاختبار الأدوات. يقول تروي طومسون، SmithGroup: «يعكس نهجنا تجاه الذكاء الاصطناعي قيمة (حب الاطلاع) لدينا من خلال تشجيع الاستكشاف والتعلم والابتكار. لقد أنشأنا مجلساً للبيانات لتحديد أولويات جهودنا، ومختبراً لابتكار الذكاء الاصطناعي حيث يختبر المتخصصون الأدوات الناشئة قبل طرحها على نطاق أوسع. وبدلاً من انتظار الكمال، فإننا نعتمد الأدوات عندما تكون (جيدة بما يكفي) ونعمل على تحسينها تدريجياً أثناء المضي قدماً. نحن نعمل أيضاً على تطبيق سياسات وتدابير وقائية لحماية الملكية الفكرية الخاصة بالشركة والعملاء على حد سواء. قد نواجه بعض العقبات في طريقنا، لكننا نؤمن بأن هذا النهج هو الأمثل للبقاء في طليعة هذا المجال التكنولوجي سريع التطور».

4. رسم المسار المستقبلي. تقول ميشيل والش، من منظمة اليونيسف في الولايات المتحدة إن دور الذكاء الاصطناعي يتمحور حالياً بشكل كبير حول التمكين التشغيلي، فهو مجرد أداة نستخدمها. نحن لسنا قوة السوق التي تدفع عجلة الذكاء الاصطناعي للأمام أو تعيقها، فهذا ليس مجال تأثيرنا. ما يمكننا فعله هو المساعدة في تشكيل المسار الذي يسلكه، وتحديد المجالات التي يمكننا فيها التأثير بفعالية أكبر لصالح الأطفال. وهذا يعني الحضور والمشاركة في أماكن تصميم تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتوجيه أماكن نشرها، وتطوير حالات استخدام تراعي احتياجات الأطفال في المقام الأول.

الكلمة النهائية للإنسان... وأهمية الاستخدام الواعي

5. منح البشر الكلمة الفصل. يقول هوارد فرانكلين من شركة Ohio River South: «إننا نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، وليس كبديل عن التقدير البشري السليم. ففي مجال المناصرة والدفاع عن القضايا، تُعد الثقة جوهر العمل بأكمله. نحن نستخدم الذكاء الاصطناعي لإجراء الأبحاث بسرعة أكبر وصياغة النصوص بذكاء أعلى، لكن الكلمة الفصل -والعلاقات الإنسانية الكامنة وراء العمل- تظل دائماً بيد البشر. نوضح لفريقنا تماماً أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد وأين تتوقف حدوده، لا سيما في الأمور التي تمس سمعة العميل أو السياسات الحساسة. فالقيم لا تكمن في البرمجيات ذاتها، بل في الضوابط الوقائية التي تضعها أنت حولها».

6. فهم آلية عمل الذكاء الاصطناعي وحدوده. يقول بليك برانون من مؤسسة OneTrust: «أحرص على أن يكون قراري واعياً ومدروساً بشأن متى يكون الذكاء الاصطناعي هو الأداة المناسبة ومتى لا يكون كذلك. ويبدأ ذلك بفهم كيفية عمله وتحديد حدوده. وأبسط اختبار لذلك هو: هل الهدف هو المخرجات النهائية أم العمل نفسه؟ لا أحد يرسل شخصاً آخر ليؤدي التمارين الرياضية نيابة عنه، فالقيمة تكمن في أداء التمرين ذاته، لا في مجرد إنجازه. وهناك مهام تتسم بهذه الطبيعة: فعملية التفكير هي جوهر الأمر، وتفويضها للذكاء الاصطناعي يحرمك من العنصر الذي كنت بحاجة إليه فعلاً. أما في الحالات الأخرى، فتكون المخرجات هي الأهم، وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي الخيار البديهي. يكمن الانضباط الذاتي في إدراك اللحظة التي تنتقل فيها إلى وضع «الطيار الآلي» (العمل الروتيني التلقائي)، والقدرة على التراجع خطوة للوراء وإعادة تقييم المسار».

7. اطرح السؤال: هل يعزز الذكاء الاصطناعي القدرات أم يحل محل التقدير البشري؟ «لقد اتخذنا قراراً واعياً منذ البداية: يدخل الذكاء الاصطناعي في صميم عملنا من خلالنا، وليس بمعزل عنا» كما تقول كيلي لاوث من MindSpark. وتضيف: «يجب أن تجيب كل أداة نعتمدها عن سؤال واحد: هل يعزز القدرات أم يحل محل الحكم البشري؟ وهنا يكمن الخطأ الذي تقع فيه معظم المؤسسات، إذ تخلط بين الأمرين. نحن نختبر الذكاء الاصطناعي في سيناريوهات عمل واقعية -وليس عبر العروض التوضيحية للموردين- ونوثق ما ينجح، وما قد يضلل، والمجالات التي لا غنى فيها عن الحكم البشري. إن مواءمة القيم ليست مجرد سياسة مكتوبة، بل تتجلى في هوية الأشخاص الموجودين في الغرفة عند اتخاذ القرارات».

* عند توظيفه في أعمال إبداعية يكون الهدف استلهام الأفكار لا إلى إنتاج أعمال نهائية جاهزة*

8. لا تعهد بالمهام الجوهرية لأطراف خارجية. يقول براد ويبر من Inspiring Apps: «غالباً ما يستخدم خبراؤنا الذكاء الاصطناعي كأداة لإنجاز المهام الروتينية التي كانوا سيقومون بها بأنفسهم، ولكن بسرعة أكبر. وعندما نستخدمه في أعمال إبداعية مثل التصميم المرئي والكتابة، فإننا نهدف إلى استلهام الأفكار لا إلى إنتاج أعمال نهائية جاهزة. نحن نؤمن بأن البشر لا يزالون يمتلكون الكلمة الفصل في تحديد ما يجب تصميمه وبنائه، فهذه مهارة جوهرية يتميز بها فريقنا. ولا نرغب في إسناد هذه المهمة إلى الذكاء الاصطناعي، للأسباب نفسها التي تمنعنا من إسناد هذه الكفاءات الجوهرية إلى فرق عمل أخرى».

خطّط للسياسات مسبقاً... و«الأولوية للإنسان»

9. صُغ السياسات مسبقاً، لا لاحقاً. تقول ميغان نويل من Covista: «إنني أحرص دائماً على أن يكون لي دور مباشر عند اتخاذ القرارات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاكتفاء برد الفعل بعد أن تكون تلك القرارات قد أثرت بالفعل على أصحاب المصلحة. وبصفتنا متخصصين في الاتصال غالباً ما نكون نحن من يحدد الحقائق داخل مؤسساتنا. لذا أسعى للمساهمة في صياغة السياسات منذ البداية بدلاً من التعامل مع التبعات لاحقاً. إن المشاركة الفعالة -وليس الوقوف موقف المتفرج- هي السبيل لضمان توافق استخدام الذكاء الاصطناعي مع قيمك».

10. ابدأ باحتياجات العميل. يقول فينيت ميهرا من شركة Chime: «تتمثل فلسفتي في أن الابتكار يجب أن يخدم العميل في المقام الأول. فمهمتنا هي تمكين الناس العاديين من تحقيق التقدم المالي، وهذا يعني أننا نبدأ باحتياجات أعضائنا، لا بالتكنولوجيا ذاتها. وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، من المهم ألا ننشغل بالمغريات البراقة أو نضيف التكنولوجيا لمجرد استخدام التكنولوجيا، بل نركز على توظيفها في المجالات التي تحل مشكلات حقيقية، وتحسّن التجربة، وتساعدنا في كسب الثقة وتعزيزها».

* الحكمة والتقدير البشريان أمران لا يمكن أتمتتهما أبداً*

11. تطبيق مبدأ «الأولوية للإنسان». تقول جاكي كاني من شركة ServiceNow:» إن «ميثاقنا المتعلق بالبشر هو المعيار الذي نطبقه على أي استثمار في الذكاء الاصطناعي: هل يساعد هذا الاستثمار الناس على تقديم أفضل ما لديهم في العمل، وعيش حياة أفضل، وتحقيق غايتنا المشتركة؟ إذا أتاح الذكاء الاصطناعي قدرات حقيقية للتفكير العميق واتخاذ قرارات أفضل، فإنه يجتاز هذا الاختبار، فالحكمة والتقدير البشريان أمران لا يمكن أتمتتهما أبداً. والشركات التي تعزز هذين الجانبين هي التي تحقق أداءً متفوقاً وتضمن استمراريتها ونجاحها على المدى الطويل».

12. التركيز على الالتزامات تجاه العملاء. يقول ديفيد كلانيكي من شركة Cirba Solutions: «ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لتعزيز الخبرة البشرية، وليس لاستبدالها. نحن نضع الأولوية للاستخدام المسؤول والآمن للذكاء الاصطناعي بهدف رفع الكفاءة، ودعم اتخاذ قرارات أفضل، وتمكين فرق العمل من التركيز على مهام ذات قيمة أعلى، مع الحفاظ على الرقابة البشرية وحماية بيانات العملاء والشركة. ويجب أن يتماشى أي تطبيق للتقنية مع التزامنا بالسلامة والأمن والتميز التشغيلي وتقديم القيمة لعملائنا وشركائنا وأصحاب المصلحة».

13. اطرح السؤال: هل يجعل الذكاء الاصطناعي الحياة أسهل أم يكتفي بزيادة معدل الإنجاز؟ يقول تود جيمس من شركة Aurora Insights: «أخْضِع استخدام الذكاء الاصطناعي لاختبار رئيسي واحد: هل يجعل حياة الناس أسهل، أم أنه يخدم فقط زيادة معدل الإنجاز (الإنتاجية، الكمية)؟ إذا لم يجتز هذا الاختبار، فلا ينبغي التوسع في استخدامه».

* مجلة «فاست كومباني».


بعوضة غازية تُهدد مدن أفريقيا بالملاريا

بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»
بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»
TT

بعوضة غازية تُهدد مدن أفريقيا بالملاريا

بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»
بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»

انتشرت بعوضة ناقلة للملاريا شديدة الغزو، ومقاومة للمبيدات الحشرية، تزدهر في المدن، حيث لم تكن الملاريا تُشكل تهديداً كبيراً، في جميع أنحاء أفريقيا على نطاق أوسع وبسرعة أكبر مما كان يخشاه حتى أكثر العلماء تشاؤماً، كما كتبت: ستيفاني نولين(*).

مقاومة جينية للمبيدات الكيميائية

ويعتقد كثير من خبراء الصحة العامة أنه قد فات الأوان للقضاء عليها، أو حتى احتواء انتشارها. وأظهر تحليل جينومي جديد للبعوضة، المسماة «أنوفيلس ستيفنسي» Anopheles stephensi، باستخدام عينات جُمعت من 10 دول، أن تلك الموجودة في أفريقيا لديها مقاومة جينية لجميع المواد الكيميائية المستخدمة حالياً في حملات الرش وغيرها من جهود مكافحة البعوض، ما يعني أن هذه المبيدات الحشرية لن تقضي عليها.

من جيبوتي إلى غانا وكينيا

ينتشر هذا النوع من البعوض بكفاءة وسرعة مرعبتين عبر الأراضي المنبسطة والمفتوحة والعاصفة، متجهاً غرباً نحو غانا وجنوباً عبر كينيا، منذ وصوله الأول إلى القارة الأفريقية في جيبوتي بمنطقة القرن الأفريقي قبل أكثر من عقد من الزمان. يقول تريستان دينيس، الباحث في علم جينوم النواقل بجامعة كوينزلاند في أستراليا، الذي قاد التحليل الجديد المنشور في مجلة «ساينس»: «في العامين الماضيين، قلّ الحديث عن ضرورة احتواء هذا الغزو، لأن كل من لديه دراية بالأمر يدرك أن هذا المرض قد خرج عن السيطرة تماماً».

طفيل يزدهر في المناطق الحضرية والريفية

ويثير هذا البعوض قلق خبراء الصحة لأنه، على عكس الأنواع التي كانت تنشر الملاريا في أفريقيا تاريخياً، يزدهر في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء، ولا يتأثر بفصول الجفاف. وهذا يعني أن الملاريا، التي تُعدّ بالفعل من أكثر الأمراض فتكاً في أفريقيا، قد تصبح مشكلة خطيرة في المدن الكبرى مثل لاغوس في نيجيريا، وكينشاسا في الكونغو، حيث يبلغ عدد سكان كل منهما حوالي 20 مليون نسمة.

إريك أوشومو رئيس قسم علم الحشرات في معهد كينيا للأبحاث الطبية

ملاريا على مدار العام

وقال الدكتور إريك أوشومو، رئيس قسم علم الحشرات في معهد كينيا للأبحاث الطبية: «لم نكن مضطرين للقلق بشأن الملاريا في المناطق الحضرية». وأضاف أن معظم سكان المدن لا يتمتعون بمناعة ضد الملاريا، وأن الطفيل يُسبب مرضاً خطيراً. وعندما يستقر طفيل ستيفنسي، فإنه ينقل الملاريا على مدار العام، وليس فقط خلال موسم الأمطار الذي تُركز عليه معظم برامج مكافحة الملاريا الحالية. وأضاف أوشومو: «سيؤدي ذلك إلى تعقيد قدرتنا على إدارة الملاريا بشكل كبير».

في معظم البلدان، لم يستوطن طفيل ستيفنسي بعد في تجمعات سكانية كبيرة بما يكفي لرصد تأثيره على معدلات الإصابة بالملاريا. ولكن في جيبوتي وإثيوبيا، وهما أول دولتين غزاهما، يُمكن ملاحظة الخطر الذي يُمثله. إذ وقبل وصول ستيفنسي في عام 2013، كانت جيبوتي على وشك إعلان القضاء على الملاريا في عام 2012، سُجلت 27 حالة إصابة.

ارتفاع الإصابات في جيبوتي وإثيوبيا

ولكن وبعد عام من اكتشاف طفيل ستيفنسي، ارتفعت الحالات إلى ما يقارب 1700 حالة. وفي كل عام لاحق، ازداد العدد تدريجياً، وفي عام 2020، شهدنا انفجاراً هائلاً: أكثر من 70 ألف حالة. في دير داوا، ثاني أكبر مدن إثيوبيا، تسبب طفيل ستيفنسي في ارتفاع حاد في حالات الملاريا عام 2022، وهو ما أثار حيرة العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين لم يعتادوا تشخيص المرض أو علاجه.

ويُعدّ انتشار ستيفنسي انتكاسة أخرى في معركة مكافحة البعوض المتعثرة أصلاً في أفريقيا، ففي عام 2024، سُجّلت 9 ملايين حالة ملاريا إضافية مقارنةً بعام 2023. ورغم أن البيانات الكاملة لعام 2025 لم تُنشر بعد، وستكون أقل شمولاً بسبب تخفيضات تمويل البرامج الصحية، فإن هناك دلائل واضحة على عودة الملاريا للظهور.

رصد انتشار البعوض الجديد

تعمل فرق من العلماء معاً، غالباً في ظلّ النزاعات المسلحة والنزوح الناجم عن تغير المناخ، لتوحيد جهودها المحدودة في مجال الرصد ورسم خريطة لأبعاد هذا التهديد الجديد. في عام 2024، قام ماهامان لامين، عالم الطفيليات في مدينة زيندر بدولة النيجر الواقعة غرب أفريقيا، بنصب كمّ هائل من البعوض حول البرك مع اثنين من طلابه. في مختبره الجامعي، طلب من الطلاب تحديد أنواع البعوض لإجراء مسح للتنوع البيولوجي، وكأنه تذكر فجأةً، ذكّرهم بنوع ستيفنسي، وهو نوع غازي تم رصده في مناطق أخرى من أفريقيا. وبعد فترة وجيزة، ذكر طلابه أنهم عثروا على بعضٍ منه في عيناتهم. «قلتُ: لا، لا، لا!» استيقظ لامين.

لم يُعثر على ستيفنسي في النيجر قط. لكن لامين أعاد فحص البعوض باستخدام مفتاح تصنيفي، ثم مفتاح آخر. تطابقت النتائج. سرعان ما أرسل طالباً على متن حافلة إلى مدينة كانو، عبر الحدود في نيجيريا، حاملاً عينات للبعوض عبر منطقة تشهد تمرداً مسلحاً، للوصول إلى مختبر قادر على إجراء تأكيد جزيئي. كان الطلاب على حق: فقد وصل بعوض الأنوفيلس ستيفنسي إلى النيجر.

اتجاهات نحو اليمن والسودان

أظهر التحليل الجينومي المنشور حديثاً أنه بعد وصوله إلى جيبوتي، انقسمت مجموعة ستيفنسي الأفريقية الجديدة إلى ثلاث مجموعات. اتجهت إحداها إلى إثيوبيا، ثم جنوباً إلى كينيا؛ وقفزت أخرى من جيبوتي عبر قناة ضيقة في البحر الأحمر إلى اليمن؛ واتجهت الثالثة إلى السودان، ومن هناك شرقاً عبر منطقة الساحل إلى غرب أفريقيا.

باحث علمي يعرض بعوضة من نهر بوتوجي في إثيوبيا

«لم نرَ من قبل هذا النوع من الانتشار»

وقد تكهّن علماء آخرون بأنّ بعوضة ستيفنسي قد دخلت من جنوب آسيا عبر موانئ غرب أفريقيا في حوادث منفصلة، ​​لكنّ التحليل الجينومي قدّم دليلاً قاطعاً على مدى كفاءة انتقال هذه البعوضة عبر منطقة الساحل المنبسطة والعاصفة، موسعةً نطاق انتشارها بما يصل إلى 300 ميل سنوياً. وقال أوشومو، الذي أسهم بعينات من البعوض في الدراسة: «لم نرَ شيئاً مثل هذا من قبل، هذا النوع من الانتشار. لم نتخيّل أبداً أن تنتشر بعوضة بهذه السرعة».

قبل بضع سنوات، كان يتوقع أن تشكّل بعوضة ستيفنسي تهديداً فقط في شمال كينيا الجافّ جداً. وقد وُجدت بالفعل وهي تنتشر بثبات جنوباً وتنتشر عبر أنواع مختلفة من الموائل.

وصلت بعوضة ستيفنسي إلى أفريقيا حوالي عام 2013، على الأرجح على متن سفينة مقبلة من باكستان أو الهند. وحدّدها باحثون في جيبوتي بينما كانوا يسعون جاهدين إلى تفسير الارتفاع الهائل في حالات الملاريا ببلد كان على وشك القضاء على المرض.

ويخشى العلماء أن يكون حشرة ستيفنسي قد وصلت أيضاً إلى دولٍ أخرى، بما في ذلك تشاد والصومال وإريتريا وجنوب السودان، وهي دولٌ لا تملك الموارد اللازمة للمراقبة الوطنية للنواقل.

تعاون علماء من السعودية وأفغانستان وباكستان واليمن والسودان وإثيوبيا وكينيا وإيران وأميركا

وقد تعاون علماءٌ من أفغانستان وباكستان واليمن والسودان وإثيوبيا وكينيا وإيران والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية لإجراء الدراسة الجينومية، لتحديد منشأ سلالة ستيفنسي الأفريقية. وشهدت جميع هذه الدول تقريباً صراعاتٍ عنيفةً عند بدء البحث، أو انزلقت إلى حربٍ خلال السنوات الأربع التي استغرقها العمل.

وفي السودان أسهم حمودة توتو كافي، عالم الحشرات الطبية في وزارة الصحة السودانية، بعيناتٍ من بلاده، حيث جمع آخرها قبل أسابيعٍ قليلةٍ من اندلاع الحرب الأهلية. كان كافي على أهبة الاستعداد لبدء بحث حول ما إذا كان بعوض ستيفنسي يُسهم في نقل الملاريا في البلاد، وكيفية حدوث ذلك. وقال: «لكن هذا ليس بالأمر الهين في ظل الحرب».

وفي اليمن، أشرف الدكتور طارق سلطان بن حوايل، أخصائي الصحة العامة، على فريق جمع عينات للدراسة، وشارك نتائج مُقلقة مع باحثين في أفريقيا. وجد فريقه بعوض ستيفنسي في المخيمات الضخمة المُحيطة بالعاصمة اليمنية عدن، التي تأوي نازحين بسبب الحرب الأهلية. وقد عثر على يرقات البعوض في خزانات المياه داخل منازل الناس وخيامهم، تعيش جنباً إلى جنب مع نوع آخر من البعوض، الزاعجة المصرية، الذي ينقل حمى الضنك وفيروسات أخرى.

نتائج قاتمة

تُعد أفريقيا موطناً لما يقرب من نصف إجمالي عدد النازحين في العالم؛ فهناك 15 مليون نازح بسبب الحرب في السودان وحده.

بعد أن أسهمت الشبكة العالمية من العلماء بعينات، أجرى دينيس التحليل الجينومي. وكانت النتائج التي توصل إليها قاتمة. قال دينيس: «جميع جينات المقاومة في السلالة الغازية تكتسب مقاومة لجميع المبيدات الحشرية التي نستخدمها تقريباً في مكافحة نواقل الأمراض، لذا فإن هذا في الواقع أسوأ مما كنا نتصور».

على الرغم من ازدياد الأدلة حول كيفية انتشار فيروس ستيفنسي ومكانه، فإن هناك مؤشرات قليلة على تحويل الموارد لمواجهته. قال دينيس: «يمكنك الحصول على هذه البيانات التي تخبرك بشيء معين، ولكن إذا لم تكن هناك بنية تحتية لتطبيق استجابة عملية، فلن تُجدي نفعاً كبيراً».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«الأمن السيبراني في ممارسات الرعاية الصحية» برنامج سعودي لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي

نقرة واحدة قد تنقل الخطر الرقمي من الشاشة إلى سلامة المريض
نقرة واحدة قد تنقل الخطر الرقمي من الشاشة إلى سلامة المريض
TT

«الأمن السيبراني في ممارسات الرعاية الصحية» برنامج سعودي لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي

نقرة واحدة قد تنقل الخطر الرقمي من الشاشة إلى سلامة المريض
نقرة واحدة قد تنقل الخطر الرقمي من الشاشة إلى سلامة المريض

في مستشفى متصل بالشبكة الإلكترونية، قد يبدأ الخطر بفعل يبدو بسيطاً: طبيب يفتح ملفاً يحمل اسم المختبر، أو ممرضة تستجيب لطلب إعادة تعيين كلمة المرور، أو طبيب أسنان يرفع صورة أشعة إلى أداة ذكاء اصطناعي عامة طلباً لرأي سريع... والمهاجم لا يحتاج دائماً إلى كسر أبواب المستشفى الإلكترونية؛ وقد تكفي نقرة واحدة لفتحها له.

ومن هنا تبرز أهمية البرنامج الذي أعلنت عنه الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، في أغسطس (آب) 2026، بعنوان «الأمن السيبراني في ممارسات الرعاية الصحية». والهيئة هي الجهة السعودية التي تنظم المهن الصحية، وتصنف الممارسين وتسجلهم، وتطور قدراتهم المهنية. ويمنح البرنامج، الموجّه إلى جميع الممارسين عن بُعد، 3 ساعات للتطوير المهني المستمر، ويجمع بين أساسيات الذكاء الاصطناعي وفرص استخدامه ومخاطره السيبرانية، لكنه يطرح سؤالاً يتجاوز محتواه التدريبي: لماذا يحتاج الطبيب أو الممرض أو طبيب الأسنان إلى هذه المعرفة؟ أليست حماية الأنظمة مهمة أقسام تقنية المعلومات؟

عندما يخرج الهجوم من الشاشة

عندما يخرج الهجوم من الشاشة

الجواب أن المستشفى ليس مخزناً للبيانات فحسب، بل شبكة تمر عبرها وصفة الدواء، ونتيجة المختبر، وصورة الأشعة، وموعد الجراحة، ومسار سيارة الإسعاف. فإذا توقفت الشبكة، انتقل الضرر من الشاشة إلى سرير المريض.

وقدمت دراسة نشرتها دورية «شبكة جاما المفتوحة» (JAMA Network Open) في مايو (أيار) 2023 دليلاً واضحاً. فخلال هجوم استمر شهراً على مؤسسة صحية ببرمجيات الفدية، وهي برامج تشفّر الأنظمة، وتحجب الوصول إليها، ارتفع المتوسط اليومي لمراجعي الطوارئ في مستشفيين مجاورين لم يتعرضا للهجوم بنسبة 15.1 في المائة، وزاد متوسط الانتظار من 21 إلى 31 دقيقة. وخلص الباحثون إلى أن إصابة مستشفى واحد قد تُحدث اضطراباً إقليمياً يمتد إلى منشآت لم تُستهدف.

حين يتعلم المهاجم أيضاً

لم يخترع الذكاء الاصطناعي الاحتيال الرقمي، لكنه جعله أكثر إقناعاً وأدق استهدافاً. ففي مايو (أيار) 2025، خلص تقييم لـ«المركز الوطني البريطاني للأمن السيبراني» إلى أنه يسرّع جمع المعلومات، ويزيد فاعلية رسائل التصيد والهندسة الاجتماعية. والتصيد مراسلات تنتحل جهة معروفة لاستدراج المتلقي إلى فتح رابط أو كشف بيانات الدخول؛ لذلك لم تعد الرسالة المزيفة تفضح نفسها بلغة ركيكة؛ إذ يمكن توليدها بأسلوب يشبه مخاطبات المستشفى، وربطها باسم مؤتمر أو زميل أو حالة حقيقية.

وهنا يصبح الممارس هدفاً مختاراً، لا مستخدماً عابراً؛ لأنه يعرف مسار العمل، ويصل إلى المعلومات السريرية، ويتخذ قراراته تحت ضغط الوقت. ويستغل المهاجم ذلك بعبارات «نتيجة حرجة»، أو «تحويل عاجل»، أو «تحديث إلزامي للنظام»، لدفعه إلى التصرف قبل التحقق من هوية المرسل.

الخوارزمية نفسها قد تصبح هدفاً

في الهجمات التقليدية يظهر الضرر عادةً في ملف مسروق أو نظام متوقف. أما مع الذكاء الاصطناعي، فقد يستهدف المهاجم بيانات التدريب أو المدخلات المقدمة عند الاستخدام، فتصبح المخرجات التي يستند إليها القرار الطبي نفسها موضع التلاعب وفي مسودة إرشادية أصدرتها إدارة الغذاء والدواء الأميركية في يناير (كانون الثاني) 2025 بشأن الأجهزة الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وحددت الإدارة أخطاراً منها:

*«تسميم البيانات»، أي دس بيانات مزيفة أو معدلة لتغيير ما تتعلمه الخوارزمية

*«مراوغة النموذج»، أي إجراء تعديلات خفية على صورة أو بيانات جديدة لدفعه إلى تصنيف خاطئ، إضافة إلى تسريب البيانات أو سرقة النموذج.

وتكمن الخطورة في أن النظام قد يظل ظاهرياً في حالة تشغيل طبيعية، بينما يصدر توصية غير سليمة. فإذا تغيرت قراءة صورة طبية أو نتيجة مختبر بلا سبب سريري مقنع، لا يكفي أن يكون الخادم محمياً. وعلى الممارس مقارنة المخرجات بحالة المريض، والانتباه إلى الأنماط غير المعتادة، وإيقاف الأداة والإبلاغ عن الخلل عند الاشتباه بالتلاعب.

تدريب الممارسين

الممارس بوصفه جهاز إنذار مبكر

لا يقتضي هذا أن يتحول الطبيب إلى مهندس شبكات؛ فدوره يشبه جهاز الإنذار المبكر: يرصد الإشارة المريبة ويتصرف قبل اتساع الضرر. ويبدأ ذلك بعدم إدخال بيانات تعريفية لمريض في أداة غير معتمدة، ورفض طلبات الدخول أو تغيير كلمات المرور المشبوهة، والتحقق من الطلبات العاجلة عبر قناة مستقلة، وعدم مشاركة الحساب، والإبلاغ السريع عن الحادث.

لكن دوره لا ينتهي عند الوقاية، فعليه أن يعرف كيف تستمر الرعاية إذا تعطل النظام: كيف يراجع أدوية المريض وحساسياته؟ كيف يوثق قراره مؤقتاً؟ وكيف يضمن، بعد عودته، نقل المعلومات الورقية إلى السجل الصحيح؟ لذلك ينقص التدريب إن اقتصر على تجنب الاختراق، ولم يشمل العمل الآمن أثناء الانقطاع واستعادة المعلومات بعده.

ماذا تستطيع 3 ساعات أن تغيّر؟

لن تصنع 3 ساعات متخصصاً سيبرانياً، وليس ذلك هدف البرنامج؛ إذ إن أهميتها أنها تحوّل معرفة تقنية إلى مهارة يومية، وتمنح الفريق لغة مشتركة: متى يتوقف أو يتحقق أو يبلّغ. كما يتضاعف أثر التدريب بإضافة المحاكاة إلى الشرح: رسالة تصيد تجريبية، أو مكالمة تنتحل صفة مسؤول، أو تعطل مفاجئ للسجل الإلكتروني، أو نتيجة غير مألوفة تصدرها أداة ذكية.

وكانت المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، الدكتورة حنان بلخي قالت في 23 يوليو (تموز) 2026، إن الهجمات السيبرانية لم تعد قضية تقنية معلومات فحسب، بل قضية سلامة مريض وأمن صحي. وهنا تتضح قيمة برنامج الهيئة: فالاستعداد الرقمي لا يبدأ في غرفة الخوادم وحدها، بل من الممارس الذي يمسك الجهاز عند سرير المريض.

مكافحة العدوى في البيئة الرقمية

مكافحة العدوى في البيئة الرقمية

كما أن مكافحة العدوى ليست مهمة فريق التعقيم وحده، فالأمن السيبراني ليس مهمة قسم التقنية وحده. وفي البيئة الرقمية تؤدي كلمة المرور الآمنة، والتحقق من الرسائل، والاستخدام المنضبط لأدوات الذكاء الاصطناعي دور غسل اليدين نفسه: قطع سلسلة الضرر قبل وصولها إلى المريض.

لهذا لا تبتعد هيئة التخصصات الصحية عن مهمتها بتدريب الممارسين على الأمن السيبراني، بل تجعل الكفاءة المهنية ملائمةً لمستشفى تغيرت أدواته ومخاطره. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، قد تبدأ سلامة المريض بسؤال يسبق نقرة واحدة: هل هذا الرابط حقيقي؟