هل أقلق بشأن «إشعاعات» الهاتف الذكي؟

الخبراء يشيرون إلى سلامة استخدامه

هل أقلق بشأن «إشعاعات» الهاتف الذكي؟
TT

هل أقلق بشأن «إشعاعات» الهاتف الذكي؟

هل أقلق بشأن «إشعاعات» الهاتف الذكي؟

تناولت كارولين هوبكنز في «نيويورك تايمز» أخيراً عدداً من المسائل حول أضرار «إشعاعات» الهواتف الذكية.

س: أستخدم هاتفي باستمرار، وعادة ما يكون بالقرب من جسمي. هل يجب أن أقلق بشأن التعرض للإشعاع؟

ج: قضاء اليوم كله ملتصقاً بهاتفك الذكي ربما لا يقدم لك أي خدمة. وقد ارتبط الاستخدام الزائد للهاتف بمجموعة من المخاوف، بما في ذلك مشاكل النوم وارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول الضار، وآلام المفاصل وحتى المشاكل في العلاقات الشخصية.

ولكن إذا كان الإشعاع هو ما يقلقك، فإن الخبراء يقولون إنه لا ينبغي لك التخلص من هاتفك.

لا خطر من «إشعاعات» الهاتف

وتقول جايل ولوشاك، العميدة المساعدة وأستاذة الأشعة في كلية الطب بجامعة نورث وسترن فاينبرغ: «لا يوجد خطر من حدوث أي شيء خطر، أو خطير، مع الإشعاع الصادر من الهواتف المحمولة».

من جهتها، تقول إميلي كافري، الأستاذة المساعدة في الفيزياء الصحية بجامعة ألاباما في برمنغهام، إنه حال جميع الهواتف المحمولة مشابه لحال شبكات «واي فاي»، ومحطات الراديو، وأجهزة التحكم عن بعد، ونظم تحديد المواقع العالمي، إذ إن جميعها يبعث «إشعاعات». وتستخدم هذه الأجهزة موجات طاقة غير مرئية لنقل الأصوات والنصوص والصور ورسائل البريد الإلكتروني إلى أبراج الخلايا القريبة، والتي يمكن نقلها إلى أي مكان في العالم تقريباً.

لكن ما يقرب من ثلاثة عقود من البحث العلمي لم تربط مثل هذا التعرض لمشكلات طبية مثل السرطان، حسبما تقول السلطات الصحية، بما في ذلك إدارة الغذاء والدواء الأميركية. هذا ما نعرفه (حتى الآن).

«إشعاعات» غير ضارة

ليست كل أنواع الإشعاع ضارة. ويقول الدكتور هوارد فاين، مدير مركز أورام الدماغ في مركز نيويورك بريسبيتيريان وايل كورنيل الطبي في مدينة نيويورك، إن «الإشعاع» يصف العديد من أنواع الطاقة، وبعضها ينطوي على مخاطر. ويضيف فاين إن القنابل الذرية - و بدرجة أقل بكثير - أجهزة الأشعة السينية (أشعة إكس)، تبعث طاقة تسمى الإشعاعات المؤينة، التي يمكن أن تلحق الضرر بالحمض النووي وتسبب السرطان، إذا كانت بجرعات عالية أو متكررة بما فيه الكفاية.

لهذا السبب يتم ارتداء «بطانية مصنوعة من الرصاص» واقية عادة، أثناء انبعاث الأشعة السينية. لكن طاقة الهواتف الذكية تندرج ضمن فئة تسمى «الإشعاعات غير المؤينة»، كما تقول كافري، وهي ليست قوية بما يكفي لإحداث هذا الضرر.

«يعتقد الكثير من الناس أن الإشعاع هو إشعاع، لكن الأمر ليس كذلك»، كما تقول ولوشاك، «إذ لا يوجد أي تلف في الحمض النووي نتيجة لاستخدام الهاتف المحمول»، أما الإشعاع المؤين الأكثر خطورة فيمكنه أن يفصل الإلكترونات عن الذرات التي تشكل الحمض النووي لدينا. ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي تلف الحمض النووي إلى الإصابة بالسرطان.

دراسات ونتائج غير حاسمة

لماذا تستمر حالة القلق؟ يتفق معظم الخبراء والسلطات الصحية مثل إدارة الغذاء والدواء الأميركية، ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، ومنظمة الصحة العالمية على أنه لا يوجد دليل على أن إشعاع الهاتف الذكي يسبب مشاكل صحية.

ومع ذلك، فقد تصدر العديد من الدراسات على مر السنين عناوين الصحف تفترض صلتها بأورام المخ. ويقول فاين إنه فضح العديد من هذه الدراسات منذ ذلك الحين، بما في ذلك تلك التي تركز على شبكات الهاتف المحمول من الجيل الخامس 5G.

في إحدى الدراسات التي نشرت عام 2010، على سبيل المثال، وجد الباحثون ارتباطاً صغيراً بين نوع واحد من أورام المخ وبين أعلى مستويات استخدام الهاتف المحمول. لكن الباحثين في الدراسة لاحظوا أن «التحيزات والخطأ» منعتهم من إثبات علاقة السبب والنتيجة. ومن بين عيوب الدراسة المختلفة، وفقاً لمؤلفيها، أنها اعتمدت على الأشخاص المصابين بسرطان الدماغ، الذين طلب منهم أن يتذكروا بشكل صحيح مقدار استخدامهم لهواتفهم على مدار سنوات عديدة.

قال جميع الخبراء الذين تمت مقابلتهم حول هذا الموضوع إن الدراسات القليلة التي أشارت إلى أن الهواتف الذكية تشكل مخاطر إشعاعية لم تثبت في الواقع أن الهواتف المحمولة تسبب تلك المشكلات الصحية.

يمتلك معظم الناس في الولايات المتحدة هواتف محمولة، وفقاً لمركز بيو للأبحاث، وسيكون من المستحيل تقريباً تحديد الهواتف المحمولة كسبب لإصابة شخص ما بالسرطان، كما يقول فاين. ومن الممكن أن تكون عوامل الخطر غير ذات الصلة، مثل التعرض لتلوث الهواء أو التدخين أو العادات غير الصحية أو حتى مجرد الصدفة، هي السبب بحدوث المرض. ومع ذلك، فإن الدراسات التي تحتوي على مثل هذه العيوب قد شوهت التصورات حول سلامة الهاتف، كما يقول المعهد الوطني للسرطان

أجهزة جديدة أكثر أمناً وسلامة

الهواتف المحمولة اليوم ليست مثل الهواتف القديمة المصنوعة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وستكون الهواتف التي سنستخدمها في العقد المقبل مختلفة أيضاً. وهذا يجعل من الصعب دراسة المخاطر طويلة المدى من أي هاتف واحد. لكن فاين يقول إن الإشعاع انخفض بالفعل مع التكنولوجيا الأحدث، وتقول ولوشاك من جهتها إن الشبكات الجديدة ليست أكثر خطورة من الشبكات القديمة أيضاً. وتضيف: «إن إشعاع 5G ليس أعلى من 4G، إنه يسمح فقط بنقل أكبر للبيانات».

الطلب من «أبل» خفض الإشعاعات

ومع ذلك، تضع لجنة الاتصالات الفيدرالية ونظيراتها الدولية حدوداً للإشعاع للهواتف الجديدة. وهذا ما يفسر سبب إخبار السلطات الفرنسية لشركة «أبل»، في سبتمبر (أيلول)، بأنه يجب عليها خفض مستويات الإشعاع المنبعثة من iPhone 12 للامتثال لحدودها القصوى، طرحت «أبل» تحديثاً للبرنامج لإصلاح المشكلة.

وقالت كافري إن هذه الحدود تعتمد على مستويات الإشعاع التي يمكن نظرياً أن ترفع درجات حرارة أجسامنا بجزء من الدرجة. ووفق ولوشاك، فإن الإشعاع يحتاج إلى تسخين أجسامنا عدة درجات كاملة ليشكل مخاطر صحية مثل الحروق أو الحمى. وأضافت: «الهاتف المحمول لن يفعل ذلك أبداً»

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

آسيا شبان أفغان يستخدمون هواتفهم الذكية في حي وزير أكبر خان بكابل (أ.ف.ب)

حظر الهواتف الذكية في جامعات أفغانستان يثير انقساماً بين الطلاب

أُجبر طلاب الجامعات الأفغانية على ترك هواتفهم الذكية خارج الحرم الجامعي، وانقسموا بين من يرى أن القرار عرقل دراستهم، فيما يقول آخرون إنه ساعدهم بشكل كبير.

«الشرق الأوسط» (كابول)
شمال افريقيا خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)

أزمة «ملكية خطوط الجوال» تربك المصريين المغتربين

فوجئت سمر إسماعيل (اسم مستعار)، وهي مصرية مقيمة في كندا منذ سنوات طويلة، بأن رقمها القومي المصري مسجل به عدة خطوط (شرائح) جوال، لا تعلم عنها شيئاً.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز الرسمية على «فيسبوك»)

إحالة شركات المحمول للنيابة المصرية بسبب مخالفات «خطوط الجوال»

أحال «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» شركات الهواتف المحمولة الأربع إلى النيابة العامة، للتحقيق في شكاوى مستخدمين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تكنولوجيا مجموعة متنوعة من الهواتف المحمولة القديمة معروضة على سطح خشبي (بيكسلز)

«الهواتف الغبية»... ملاذ «الجيل زد» للهروب من إدمان وسائل التواصل الاجتماعي

في وقت تتزايد فيه المخاوف من الآثار النفسية للإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، يتجه عدد متنامٍ من أفراد «الجيل زد» إلى التخلي عن الهواتف الذكية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينسى المريض؟

حين تتعلّم الخوارزمية كيف تنسى
حين تتعلّم الخوارزمية كيف تنسى
TT

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينسى المريض؟

حين تتعلّم الخوارزمية كيف تنسى
حين تتعلّم الخوارزمية كيف تنسى

تخيّل مريضاً وافق قبل سنوات على استخدام بياناته الطبية في تدريب نظام ذكي يساعد الأطباء في اكتشاف الأمراض. وهكذا دخلت صوره وفحوصه وتاريخه المرضي ضمن آلاف، وربما ملايين، السجلات التي استخدمت لبناء النموذج. ثم غيّر رأيه، وطلب سحب موافقته وحذف بياناته.

في قاعدة البيانات التقليدية يبدو الحل بسيطاً: يُحذف السجل وتنتهي القصة. لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما يكون النظام قد تعلّم بالفعل من تلك البيانات؛ فأثناء التدريب لا يحتفظ النموذج بالضرورة بسجل المريض كما تفعل قاعدة البيانات، بل تتغير معاملاته الداخلية استناداً إلى الأنماط التي استخلصها. وهكذا يمكن حذف الملف الأصلي، بينما يبقى جزء من أثره الإحصائي فيما تعلّمته الخوارزمية.

عندما لا يكفي زر «الحذف»

هل يمكن حذف ما تعلّمته الآلة أيضاً؟ هذا هو السؤال الذي طرحه باحثون في دراسة تحليلية حديثة نُشرت في 18 يوليو (تموز) 2026، في دورية «إن بي جيه ديجيتال ميديسن» (npj Digital Medicine)، التابعة لمحفظة «نيتشر» (Nature Portfolio)، بعنوان «محو التعلّم الآلي بوصفه ضرورة لحوكمة الذكاء الاصطناعي السريري».

وتناقش الدراسة مفهوم «محو التعلّم الآلي» (Machine Unlearning)، أي محاولة إزالة تأثير بيانات محددة من نموذج سبق تدريبه، من دون الحاجة بالضرورة إلى إعادة تدريبه بالكامل من نقطة الصفر.

وإذا نجحت هذه الفكرة عملياً، فقد تضيف إلى الطب الرقمي قدرة لم تكن جزءاً تقليدياً من تصميم الخوارزميات: ألّا تتعلم فقط، بل أن تعرف أيضاً كيف تنسى.

ما «محو التعلّم»؟

يقوم تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على استخلاص أنماط وعلاقات إحصائية من كميات كبيرة من البيانات، ثم ترميز ما تعلّمته بصورة موزعة داخل معاملات النموذج، بحيث يستطيع لاحقاً استخدامها في التصنيف أو التنبؤ أو دعم التشخيص.

أما «محو التعلّم» فيحاول السير في الاتجاه المعاكس: إزالة أثر بيانات بعينها بعد أن يكون النموذج قد تعلّم منها بالفعل. والهدف، بدلاً من إعادة التدريب من نقطة الصفر كلما طُلب حذف سجل، هو تعديل النموذج بحيث يصبح سلوكه قريباً قدر الإمكان من نموذج افتراضي لم يتدرب على تلك البيانات أصلاً. ويُعرف هذا النموذج المعاد تدريبه من دون البيانات المطلوب حذفها أحياناً بأنه «المعيار الذهبي» الذي تُقارن به فاعلية عملية المحو.

والفرق هنا جوهري؛ فحذف صورة أشعة أو نتيجة فحص من قاعدة البيانات لا يضمن اختفاء تأثيرها من النموذج الذي سبق أن تدرب عليها؛ لأن أثرها قد يكون توزع بالفعل عبر عدد كبير من معاملاته الداخلية.

ويمكن تشبيه ذلك بتمزيق صفحة من كتاب بعد أن يكون القارئ قد حفظ محتواها: اختفت الصفحة، لكن المعلومة لم تختفِ بالضرورة من الذاكرة.

حين يصبح النسيان ضرورة طبية

لماذا يحتاج الطب إلى «النسيان»؟

الحاجة إلى النسيان لا تبدأ أو تنتهي عندما يغيّر مريض رأيه ويسحب موافقته على استخدام بياناته؛ فقد يتبين بعد التدريب أن بعض السجلات احتوت على أخطاء، أو أن صوراً طبية صُنفت بتشخيص غير صحيح، أو أن مجموعة سكانية لم تُمثَّل بصورة متوازنة. وفي حالات أخرى، قد لا تكون المشكلة في البيانات نفسها، بل في أن المعرفة الطبية التي استندت إليها تغيّرت.

وهذه نقطة شديدة الأهمية في الطب؛ فالمعرفة السريرية ليست ثابتة. كما أن توصيات العلاج تتبدل مع ظهور تجارب وأدلة جديدة، وقد تُراجع ممارسات كانت مقبولة عندما جُمعت البيانات التي تعلم منها النظام.

ويستشهد الباحثون بجائحة «كوفيد-19» بوصفها مثالاً واضحاً، حين تغيرت الأدلة والتوصيات العلاجية بسرعة استثنائية؛ فإذا تعلم نموذج طبي من ممارسات ثبت لاحقاً أنها غير مناسبة، فإن مجرد إضافة بيانات أحدث قد لا يجيب دائماً عن سؤال أكثر صعوبة: هل يمكن إزالة أثر المعرفة التي لم نعد نريد للنظام أن يعتمد عليها؟

وهنا يكتسب «محو التعلّم» وظيفة تتجاوز حذف البيانات؛ فقد يصبح أداة لتصحيح الذاكرة السريرية للنموذج عندما يتغير العلم نفسه.

حين يصبح الحق في النسيان تحدياً للخوارزمية

هل يملك المريض حقاً في أن تنساه الخوارزمية؟

تزداد المسألة تعقيداً عندما تنتقل من علوم الحاسوب إلى القانون وحقوق المريض؛ فاللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي (GDPR) تمنح الأفراد، بموجب المادة 17 وفي ظروف محددة، حق طلب محو بياناتهم الشخصية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الحق في المحو» أو «الحق في أن يُنسى».

لكن النماذج الذكية تطرح مشكلة لم تكن قواعد البيانات التقليدية مصممة للتعامل معها؛ فإذا دخلت بيانات المريض بالفعل في عملية التدريب، فإن حذف السجل الأصلي لا يجيب بالضرورة عن سؤال آخر: ماذا عن الأثر الذي تركته تلك البيانات داخل النموذج؟

وتشير الدراسة إلى أن مدى انطباق التزامات المحو على معاملات النماذج المدربة، لا يزال مسألة قانونية غير محسومة بالكامل؛ فالمعلومة الأصلية قد لا تبقى محفوظة في موضع محدد يمكن ببساطة العثور عليه وحذفه، وإنما قد يكون تأثيرها موزعاً عبر بنية النموذج.

وهنا تظهر فجوة جديدة بين الحق القانوني في حذف البيانات والقدرة التقنية على جعل الخوارزمية تتصرف كما لو أنها لم تتعلم منها أصلاً. إنها منطقة يلتقي فيها الطب وعلوم الحاسوب والقانون، بينما لا تزال حدود «حق المريض في النسيان الرقمي» قيد التشكل.

النسيان ليس بلا مخاطر

لكن جعل النموذج ينسى ليس عملية بلا ثمن؛ فإزالة أثر مجموعة من البيانات قد تغير سلوكه بطرق تتجاوز المعلومات المستهدفة نفسها، وربما تؤثر في قدرته على التمييز بين الحالات أو في «معايرته»؛ أي مدى تطابق الاحتمالات التي يتنبأ بها مع النتائج التي تحدث فعلياً.

وقد لا يتوزع هذا التأثير بالتساوي؛ فعملية تبدو ناجحة عند قياس الأداء العام قد تترك أثراً أكبر لدى فئة معينة من المرضى، خصوصاً إذا كانت ممثلة أصلاً بعدد محدود من الحالات.

لذلك، يحذر الباحثون من التعامل مع محو التعلّم بوصفه «زر حذف»؛ فبعد أي تعديل جوهري ينبغي إعادة اختبار النموذج، ومقارنة أدائه بالنسخة السابقة، والتحقق من عدم ظهور آثار جانبية غير مقصودة، مع الاحتفاظ بإمكانية الرجوع إلى إصدار سابق إذا فشلت العملية.

ومن هنا تطرح الدراسة مفهوماً مهماً هو «الاستعداد لمحو التعلّم» (Unlearning Readiness): أي أن تُصمم الأنظمة الطبية منذ البداية بحيث يمكن لاحقاً تحديد البيانات المطلوب نسيانها، وإزالة أثرها، ثم التحقق من نجاح العملية وتوثيق ما تغير.

وبذلك يصبح «النسيان» خاصية ينبغي التفكير فيها عند بناء النموذج، لا بعد أن تظهر الحاجة إليها.

من «النموذج الثابت» إلى دورة حياة مستمرة

يغير «محو التعلّم» أيضاً الطريقة التي ننظر بها إلى الأنظمة الطبية بعد اعتمادها؛ فالنموذج لا ينبغي أن يُعامل منتجاً ثابتاً يحصل على الموافقة ثم يبقى على حاله؛ فالبيانات تتغير، والأدلة الطبية تتطور، وقد تُكتشف أخطاء جديدة، أو يسحب مرضى موافقتهم على استخدام معلوماتهم.

لذلك تقترح الدراسة التعامل معه ضمن دورة حياة مستمرة تبدأ بمعرفة مصدر البيانات وإمكانية تتبعها، وتمر بإدارة إصدارات النموذج وتحديد الظروف التي تستدعي إزالة أثر معلومات معينة، ثم اختبار النسخة المعدلة قبل استمرار استخدامها سريرياً.

وهذا يعني أن السؤال عند اعتماد نظام طبي جديد لا ينبغي أن يكون فقط: كيف تعلّم؟ بل أيضاً: هل نعرف كيف نصحح ما تعلّمه إذا اكتشفنا لاحقاً أنه لم يعد صالحاً؟

وتصبح الحوكمة، بهذا المعنى، إدارةً لدورة حياة الذكاء الاصطناعي الطبي، وليست موافقة تنظيمية تُمنح مرة واحدة عند دخوله المستشفى.

حين يصبح النسيان شكلاً من أشكال الحكمة

السؤال المقبل للذكاء الاصطناعي الطبي

قضينا السنوات الماضية نحاول بناء أنظمة تستطيع التعلم من أكبر قدر ممكن من البيانات. لكن الطب قد يحتاج الآن إلى قدرة مختلفة: أن تعرف الآلة ماذا يجب أن تنسى، ومتى، وكيف تثبت أنها نسيته من دون الإضرار بما تعلمته بصورة صحيحة. وقد كتب الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه قبل أكثر من قرن أن «النسيان ليس مجرد قوة خمول... بل قدرة فاعلة وإيجابية». كان يتحدث عن العقل الإنساني، لا عن الخوارزميات، لكن عبارته تكتسب اليوم معنى تقنياً لم يكن من الممكن تصوره في عصره؛ فبعد سنوات انصب فيها الاهتمام على كيفية تعليم الآلة، قد تبدأ المرحلة المقبلة بالسؤال عن كيفية جعلها تتراجع عما تعلمته عندما يصبح ذلك ضرورياً. وربما لا تُقاس ذاكرة الآلة بما تستطيع الاحتفاظ به فقط، بل بما تستطيع أن تنساه عندما يصبح التذكّر خطأً.

ففي الطب، قد لا يكون النسيان نقيضاً للتعلّم؛ بل أحد شروط استمرار التعلّم بصورة صحيحة.


هل تختار جيناتنا طعامنا؟

هل تختار جيناتنا طعامنا؟
TT

هل تختار جيناتنا طعامنا؟

هل تختار جيناتنا طعامنا؟

كشفت نتائج أولية لدراسة وراثية واسعة، أن الأشخاص الذين يحملون اختلافات جينية تجعلهم أكثر ميلاً إلى المذاق الحلو أو الدهني، يميلون فعلاً إلى تناول كميات أكبر من هذه الأطعمة. كما يرتبط هذا الاستعداد الوراثي بزيادة في وزن الجسم، وارتفاع متواضع في خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.

كبرى الدراسات حول الأساس الجيني لتفضيلات المذاق

وتطرح هذه النتائج تفسيراً محتملاً لسؤال طالما حير الباحثين: لماذا يستطيع بعض الأشخاص مقاومة قطعة الحلوى بسهولة، بينما يجد آخرون أنفسهم أكثر انجذاباً إلى الحلوى والمشروبات السكرية والأطعمة الدسمة؟ وتشير الدراسة إلى أن الإجابة قد تكون مكتوبة في جيناتنا جزئياً.

وتعد الدراسة من كبريات الدراسات التي بحثت حتى الآن في الأساس الجيني لتفضيلات المذاق، واعتمدت على بيانات بنك المملكة المتحدة الحيوي (UK Biobank) الذي يضم معلومات وراثية وصحية وبيانات عن العادات الغذائية لنحو نصف مليون شخص في المملكة المتحدة.

الجينات خلف الرغبة في الطعام

واستخدم فريق البحث -بقيادة جولي جيرفيس، الباحثة في مركز الطب الجينومي بمستشفى ماساتشوستس العام بالولايات المتحدة- طريقة مبتكرة لدراسة العلاقة بين الجينات وتفضيلات الطعام. وقد استعرضت جيرفيس النتائج في مؤتمر «NUTRITION 2026» في الاجتماع السنوي للجمعية الأميركية للتغذية، الذي عقد في الفترة من 25 إلى 28 يوليو (تموز) 2026 في «ناشيونال هاربور» بولاية ماريلاند بالقرب من واشنطن العاصمة. ونُشرت الدراسة في دورية دورية (The American Society for Nutrition) «ASN».

قواعد بيانات حسّية: بدلاً من الاعتماد على سؤال الأشخاص ببساطة عما يحبونه من الأطعمة، جمع الباحثون إجابات استبيانات تفضيلات الطعام مع قواعد بيانات حسِّية تصف خصائص الأطعمة المختلفة مثل الحلاوة والملوحة والدسامة.

درجات جينية للمذاقات: ثم أجروا تحليلات واسعة للجينوم في مجموعة من المشاركين لتحديد الاختلافات الجينية المرتبطة بتفضيل المذاق الحلو أو المالح أو الدهني. وبعد ذلك أنشأوا «درجات جينية» (genetic scores) تعكس مدى الاستعداد الوراثي لدى كل شخص لتفضيل كل نوع من هذه المذاقات.

وفي مجموعة أخرى من المشاركين اختبر الباحثون ما إذا كان هذا الاستعداد الوراثي ينعكس فعلاً على السلوك الغذائي والصحة.

الحلوى قد تبدأ بكمية صغيرة

أظهرت النتائج الأولية أن الأشخاص الذين كانت لديهم قابلية وراثية أكبر لتفضيل المذاق الحلو، تناولوا في المتوسط نحو 7 غرامات إضافية من الأطعمة الحلوة يومياً، بما في ذلك الحلوى والمشروبات السكرية.

وقد تبدو هذه الكمية بسيطة في يوم واحد؛ لكن الباحثين يشيرون إلى أن الفروق الصغيرة في العادات الغذائية يمكن أن تتراكم بمرور الوقت.

والأهم أن ارتفاع الاستعداد الوراثي لتفضيل المذاق الحلو أو الدهني ارتبط أيضاً بزيادة وزن الجسم، وبارتفاع متواضع في خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.

وبدا أن جزءاً كبيراً من هذا الارتباط يمر عبر استهلاك ما تُعرف بـ«الأطعمة شديدة الاستساغة» (hyperpalatable) مثل المشروبات المحلاة، والأطعمة المقلية، ورقائق البطاطس، وغيرها من الأطعمة التي تجمع عادة بين مستويات مرتفعة من السكر أو الدهون أو الملح.

الجينات ليست قَدَراً غذائياً

يؤكد الباحثون أن النتائج لا تعني أن الشخص محكوم وراثياً بحب الحلوى، أو أنه سيصاب حتماً بالسمنة أو السكري. فالنظام الغذائي والصحة الأيضية يتأثران بمجموعة واسعة من العوامل، تشمل البيئة والعادات الغذائية والنشاط البدني والنوم والحالة الصحية والعوامل الاجتماعية، إلى جانب الجينات.

وتقول جولي جيرفيس إن النتائج تشير إلى أن قابلية الإفراط في تناول الأطعمة شديدة الاستساغة قد تكون جزئياً متجذرة في الجينات، وهو ما قد يساعد على تفسير سبب مواجهة بعض الأشخاص صعوبة أكبر من غيرهم في الالتزام بخيارات غذائية صحية.

هل يصبح النظام الغذائي «شخصياً»؟

قد تكون إحدى أهم نتائج هذا البحث، فتح الباب أمام اتباع نهج أكثر تخصيصاً في التغذية. فبدلاً من تقديم نصيحة غذائية واحدة للجميع، قد تستفيد خطط المستقبل من معرفة ميول الشخص الغذائية واستعداده الوراثي. فالشخص الذي لديه ميل قوي وراثياً إلى المذاق الحلو -على سبيل المثال- قد يستفيد أكثر من استراتيجيات تستهدف الرغبة في الحلوى تحديداً، مثل استخدام التوابل والنكهات البديلة، أو تقنيات سلوكية تساعد على التحكم في الرغبة بالطعام.

ويعمل الباحثون حالياً على التحقق من النتائج لدى مجموعات سكانية أخرى، كما يدرسون ما إذا كانت الاستعدادات الجينية لتفضيل مذاقات أخرى -مثل المر والحمضي والأومامي «umami» (وهو سمة مميزة للمرق واللحوم المطهية اليابانية)- ترتبط بجودة النظام الغذائي أو بمخاطر الأمراض الأيضية.

نصائح غذائية تعتمد على التركيبة الجينية

وفي مشروع مرتبط، يبحث الفريق أيضاً فيما إذا كانت الجينات المرتبطة بتفضيلات المذاق تؤثر في استجابة الأشخاص لأدوية علاج السمنة والاضطرابات الأيضية، ومنها أدوية الببتيد الشبيه بـ«الغلوكاجون-1»، (GLP-1) «Glucagon-like peptide-1» خصوصاً مع ظهور أدلة على أن بعض مستخدميها يلاحظون تغيرات في حاسة التذوق وتفضيلات الطعام.

وقد تمهد هذه البحوث مستقبلاً الطريق أمام عصر تصبح فيه النصيحة الغذائية وعلاجات السمنة والسكري أكثر اعتماداً على التركيبة الجينية والتفضيلات الفردية، بدل الاكتفاء بنظام غذائي واحد يناسب الجميع.


العمل عن بُعد لا يحقق بالضرورة مكاسب بيئية

تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
TT

العمل عن بُعد لا يحقق بالضرورة مكاسب بيئية

تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)

مع التوسع في تبنِّي العمل عن بُعد خلال السنوات الأخيرة، بات هذا النموذج يُنظَر إليه كأحد الحلول الواعدة للحد من الانبعاثات الكربونية، كونه يقلل من التنقل اليومي بين المنزل ومقر العمل، وما يصاحبه من استهلاك للوقود وانبعاثات غازات الدفيئة. ولكن دراسة سويسرية تكشف أن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو عليه.

أجرى الدراسة باحثون من جامعة لوسرن للعلوم التطبيقية والفنون في سويسرا، بهدف تقييم الأثر الحقيقي للعمل عن بُعد على البصمة الكربونية، من خلال تحليل الانبعاثات المرتبطة بالتنقل، واستخدام المساحات المنزلية، وتقنيات المعلومات والاتصالات.

العمل عن بعد يقتصر على المهن التي تعتمد على الحاسوب (جامعة ريدنغ)

العمل عن بُعد

خلصت النتائج إلى أن العمل عن بُعد لا يؤدي تلقائياً إلى خفض الانبعاثات كما يُعتقد على نطاق واسع؛ إذ يمكن أن تتلاشى المكاسب البيئية الناتجة عن تقليل التنقل إذا صاحبها ارتفاع في استهلاك الطاقة والمساحات المخصصة للعمل داخل المنزل. ونُشرت النتائج في عدد 13 يوليو (تموز) الماضي من دورية «PLOS Climate».

وحسب الباحثين، يساهم تقليل التنقل اليومي فعلياً في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ولكن هذه الفائدة قد تُعوِّضها انبعاثات تشغيل مكتب منزلي واستخدام الأجهزة الإلكترونية؛ خصوصاً إذا خصص الموظف غرفة مستقلة للعمل.

وتتقاطع هذه النتيجة مع بحوث سابقة رصدت ما تُعرف بـ«تأثيرات الارتداد»، كانتقال الموظفين للسكن في مناطق أبعد، أو زيادة الرحلات الترفيهية، إضافة إلى «تأثيرات غير مباشرة» تتمثل في زيادة استخدام الأجهزة الإلكترونية، وتخصيص غرف مستقلة للعمل، ما يرفع استهلاك الطاقة والانبعاثات.

واعتمدت الدراسة على استبيان إلكتروني أُجري أواخر عام 2024، شمل أكثر من ألف شخص في سويسرا مارسوا العمل عن بُعد خلال الشهر السابق للاستطلاع، وجمع بيانات تفصيلية عن أيام العمل عن بُعد، ومكانه، ووجود غرفة مستقلة، ومسافات التنقل ووسائله، واستخدام تقنيات المعلومات والاتصالات، إلى جانب ظروف السكن والخصائص الاجتماعية والديموغرافية للمشاركين.

وعلى أساس هذه البيانات، حَسَب الباحثون الانبعاثات الكربونية المكافئة في 3 مجالات رئيسية: التنقل، والمساحة السكنية، وتقنيات المعلومات والاتصالات، ليقدِّروا إجمالي البصمة الكربونية لكل مشارك.

وأظهرت النتائج أن زيادة أيام العمل عن بُعد تقلل فعلاً انبعاثات التنقل، ولكن هذه المكاسب تتراجع بشكل كبير بسبب ارتفاع الانبعاثات المرتبطة باستخدام المنزل كمكان عمل؛ فالموظفون الذين خصصوا غرفة مستقلة كمكتب منزلي سجلوا انبعاثات أعلى من غيرهم، نظراً لحاجة هذه الغرفة إلى طاقة إضافية للتدفئة أو التبريد والإضاءة، فضلاً عن ارتفاع استهلاك الكهرباء المرتبط بالحواسيب والشاشات وأجهزة الاتصال والبنية الرقمية للعمل.

وبيَّنت التحليلات أن تأثير العمل عن بُعد لا يرتبط بعدد أيام العمل خارج المكتب فقط؛ بل يتأثر أيضاً بطريقة تنظيم بيئة العمل المنزلية، وأنماط التنقل، والظروف المعيشية.

فوائد ملموسة

ولتحقيق فوائد بيئية حقيقية، أوصت الدراسة بتقليل المساحات المنزلية المخصصة للعمل، أو استخدام مساحات عمل مشتركة خارج المنزل، إلى جانب عدم تخصيص غرفة كاملة للعمل إن لم يكن ذلك ضرورياً، واستخدام مساحة صغيرة متعددة الاستخدامات، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة والأجهزة الرقمية.

وشدد الباحثون على أن مجرد تقليل التنقل لا يكفي لتحقيق انخفاض ملموس في الانبعاثات؛ بل يجب النظر إلى دورة العمل كاملة، بما فيها استهلاك الطاقة داخل المنزل. ولفتوا إلى أن الدراسة تمثل تقييماً أولياً، استند إلى تقديرات مبسطة، ولم يتضمن مجموعة مقارنة من الموظفين العاملين بالكامل من المكاتب، ما يستدعي دراسات مستقبلية أكثر شمولاً.

ويرى الدكتور تحسين شعلة، خبير البيئة والمناخ المصري، أن العمل عن بُعد لا يناسب جميع الوظائف؛ بل يقتصر أساساً على المهن التي تعتمد على الحاسوب، ويمكن إنجاز مهامها خارج مقر العمل. وأوضح -في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»- أن نجاح هذا النموذج يرتبط بوعي الموظف بترشيد استهلاك الطاقة، في حين تستفيد الدولة من تقليل الضغط على وسائل النقل وخفض الانبعاثات، إلى جانب منح الموظفين مرونة أكبر في أداء أعمالهم.

وأضاف شعلة أن تحقيق الفائدة الحقيقية من العمل عن بُعد يتطلب ربطه بمهام واضحة وأوقات محددة، على غرار الوظائف القائمة على إنجاز الأهداف، حتى يتحول إلى وسيلة لتوفير الطاقة بدلاً من زيادة استهلاكها.

ولتحقيق أقصى استفادة، يوصي شعلة بتحديد الأهداف وساعات العمل بدقة، مع تفضيل إنجاز المهام خلال الساعات الأولى من الصباح، عندما يكون الضغط على الشبكة الكهربائية أقل، ولا تكون الحاجة إلى تشغيل أجهزة التكييف كبيرة، مع تجنب ساعات الذروة قدر الإمكان.

ويرى أن هذا النموذج يحقق فوائد متوازنة للعامل، عبر توفير الوقت والجهد وتكاليف التنقل؛ وللبيئة، من خلال خفض الانبعاثات والازدحام المروري؛ وللدولة، عبر تقليل الضغط على شبكات الطاقة والمواصلات.

وأشار إلى أن مزايا العمل عن بُعد يمكن أن تمتد إلى التعليم؛ خصوصاً في المقررات النظرية، لما يوفره من خفض لتكاليف التشغيل والنقل، وإتاحة فرص أكبر للطلاب، ولا سيما في المناطق النائية، شريطة تطبيقه وفق معايير تضمن جودة العملية التعليمية.