هل الإنسان مضطر إلى تناول اللحوم؟

منتجات الطعام الحيوانية تستخدم 77 % من الأراضي الصالحة للزراعة

هل الإنسان مضطر إلى تناول اللحوم؟
TT

هل الإنسان مضطر إلى تناول اللحوم؟

هل الإنسان مضطر إلى تناول اللحوم؟

وفقاً لبعض التقديرات، يتناول المواطن الأميركي العادي اليوم نحو 7 آلاف حيوان؛ ما بين 4500 سمكة، و2400 دجاجة، و80 ديكاً روميّاً، و30 خروفاً، و27 خنزيراً، و11 بقرة، على مدار حياته. ولا تبدو هذه الأرقام مرتفعة على نحو غير معقول ومنافٍ للمنطق فحسب؛ بل تثير أيضاً سؤالاً: أكان هذا ضروريّاً ولا غنى عنه بحق؟

«اللحوم جعلتنا بشراً»

نظرية أن «اللحوم جعلتنا بشراً» موجودة منذ وقت طويل، مشيرة إلى أن أسلافنا البدائيين كانوا يصطادون الحيوانات للبقاء على قيد الحياة. فالدماغ البشري عضو باهظ التكلفة من ناحية استهلاك الطاقة؛ إذ على الرغم من أنه يمثل نسبة صغيرة فقط من الوزن الكلي للجسم، فإنه يستهلك نحو الخُمس من الطاقة الكلية التي يحصل عليها الجسم. ويُعتقد أن اللحوم توفر كثافة عالية من المواد الغذائية، خصوصاً البروتينات والدهون، أما الأحشاء، مثل الكبد والقلب، فهي مصدر كثيف للعناصر الغذائية والطاقة. وقد ساهمت هذه الطاقة الإضافية في نمو الدماغ.

ولا يزال البعض يستخدم هذه الرؤية التاريخية لتبرير الاستهلاك الكبير للحوم، حيث يُجادلون بأن الإنسان، طبيعياً، مؤهل لتناول اللحوم، وأن اللحوم كان لها دور رئيسي في تطورنا نحن البشر.

ومع ذلك، يشكك كثير من الخبراء من مجموعة متنوعة من التخصصات؛ بما في ذلك علم الإنسان القديم وعلم التغذية، في هذه الأفكار، ويسألون عما إذا كان استهلاك اللحوم بكميات كبيرة حقاً ضرورياً أو حتى صحياً.

ويقول لوتز كيندلر، العالم الألماني في مجال علم الحيوانات القديمة والأحافير والباحث في مجال التطور، في مقاله المنشور باللغة الألمانية بمجلة «Spektrum der Wissenschaft» الذي أعيد تنقيحه ونشره في مجلة «Scientific American» يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2023: «ما يجعلنا بشراً بالأحرى قد تكون قدرتنا الهائلة على التكيف الأيضي، وهو عبارة عن آلية للنجاة تضمن للجسم الطاقة الكافية لأداء الوظائف الحيوية».

استنزاف موارد الطبيعة

وما كان يناسب أجدادنا قد لا يكون مناسباً بالنسبة إلينا اليوم؛ إذ تغير توافر الطعام وتركيبته وطريقة تحضيره بشكل جذري على مر الزمن، ولم نعد بحاجة لقضاء ساعات في صيد اللحوم؛ فالزراعة الحديثة قد زادت من محتوى العناصر الغذائية في الأطعمة النباتية، وعملية الطهي تجعل الطعام أسهل هضماً.

كما لم تعد اللحوم منتجاً فاخراً، ومع ذلك، فإن إنتاجها يستهلك موارد أكثر من غيرها بمرات عدة، ويستخدم نحو 77 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم لإنتاج أنواعها، وكذلك الألبان، على الرغم من أن المنتجات الحيوانية توفر نحو 18 في المائة فقط من احتياجات العالم من السعرات الحرارية.

وحتى لو كانت هناك صلة تطورية بين استهلاك اللحوم والتحول إلى إنسان؛ فإن ظروفنا الحالية تتيح لنا إعادة النظر في ضرورات هذا الاستهلاك، لذا، فإن كثيراً من الدراسات في مجال علم أصول الإنسان تتحدى فكرة أن اللحم هو الذي جعلنا بشراً. على سبيل المثال، وجدت دراسة سابقه أنه لا توجد دلائل في عالم الحيوانات تدعم نظرية أن استهلاك اللحم كان دافعاً لتطور الإنسان، ففي دراسة نشرت سابقاً في 24 يناير (كانون ثاني) 2022 بمجلة «(PNAS) Proceedings of the National Academy of Sciences» ألقت مجموعة بحثية بقيادة اثنين من علماء الإنسان القديم؛ هما دبليو آندرو بار من «جامعة جورج واشنطن»، وبريانا بوبينر من «متحف سميثسونيان الوطني للتاريخ الطبيعي»، نظرة منهجية أخرى على الأدلة الأثرية المزعومة لنظرية «اللحوم جعلتنا بشراً»، وجمع العلماء بيانات من 59 موقعاً من 9 مناطق بحثية رئيسية في شرق أفريقيا، تتراوح أعمارها بين 2.6 و1.2 مليون سنة. ثم وضع الفريق جميع اكتشافات العظام السابقة في منظور زمني.

وأفاد الباحثون بأن الأدلة الأثرية على استهلاك اللحوم تزداد بشكل حاد عند النظر إلى العينات المرتبطة بظهور نوع الإنسان المنتصب، ومع ذلك فقد وجدوا أن هذا الاتجاه يعكس التركيز العلمي على تلك الفترة من التطور، وهذا يعني أن هناك ببساطة مزيداً من المواد التي جمعت من المواقع المرتبطة بالإنسان المنتصب المبكر، وقالوا إنه نتيجة لذلك، فإن الصورة مشوهة، ويتم التأكيد بشكل خاطئ على العلاقة بين تناول اللحوم وتطور جنس الإنسان.

ويؤكد ريتشارد رانغهام، العالم في تاريخ الحضارات والعلاقات الحضاريّة بين الشعوب (أنثروبولوجيا) من جامعة هارفارد، أن أكبر ثورة في التغذية البشرية لم تحدث عندما بدأ الإنسان تناول اللحم؛ بل عندما تعلم طهي الطعام. ويُشير إلى أنه عبر تكسير وتسخين الأطعمة «يتم هضمها مسبقاً» بحيث لا تحتاج أجسامنا إلى بذل كثير من الطاقة لهضمها، وبالتالي قد يسمح الطعام المطبوخ للإنسان بامتصاص مزيد من الطاقة من الطعام الخام؛ مما يوفر مزيداً من الوقود للدماغ في وقت أقل.


مقالات ذات صلة

من المشمش للتمر... لماذا يجب أن تضيف الفواكه ذات النواة إلى نظامك الغذائي؟

صحتك البرقوق يشتهر بخصائصه المُليّنة لا سيما عند تجفيفه (بيكسلز)

من المشمش للتمر... لماذا يجب أن تضيف الفواكه ذات النواة إلى نظامك الغذائي؟

تُعدّ الفواكه ذات النواة من أكثر أنواع الفواكه تنوعاً وفائدةً للصحة. وتمتاز هذه الثمار بتركيبها الفريد؛ إذ تحتوي على لبٍّ لحميٍّ يحيط ببذرة واحدة صلبة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك محاولة لتخزين الكلمات قبل أن يبهت حضورها مع الزمن (جامعة كونيتيكت)

مفاجأة علاجية... عقار قديم يُظهِر فائدة جديدة للذاكرة

أظهرت دراسة سريرية أميركية أنّ تناول دواء الليثيوم بجرعات منخفضة، قد يساعد في إبطاء تدهور الذاكرة اللفظية لدى كبار السنّ المُصابين بضعف إدراكي بسيط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك بعض المكملات الغذائية تُسبب أعراضاً هضمية مزعجة مثل الغثيان والقيء (بيكسلز)

الإفراط في تناول المكملات الغذائية… 4 آثار جانبية خطيرة

أصبحت المكملات الغذائية جزءاً شائعاً من الروتين الصحي اليومي لدى كثير من الأشخاص، إذ يلجأ إليها البعض لتعويض نقصٍ غذائي محتمل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك شاي النعناع على وجه الخصوص أثبت فعاليته في دعم عملية الهضم (بيكسلز)

ما الفوائد الصحية لشرب النعناع يومياً؟

يُعدّ شاي النعناع من المشروبات العشبية المحببة لدى الكثيرين حول العالم، لما يتميز به من رائحة زكية ونكهة منعشة تمنح شعوراً بالراحة والاسترخاء.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم ما هي محاذير ومخاطر الجسيمات الميكروبلاستيكية في فرشاة الأسنان؟

ما هي محاذير ومخاطر الجسيمات الميكروبلاستيكية في فرشاة الأسنان؟

تؤدي إلى الإخلال بالتوازن الميكروبي للفم وتُسبب الالتهابات وتُتلف الحمض النووي

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ما هي محاذير ومخاطر الجسيمات الميكروبلاستيكية في فرشاة الأسنان؟

ما هي محاذير ومخاطر الجسيمات الميكروبلاستيكية في فرشاة الأسنان؟
TT

ما هي محاذير ومخاطر الجسيمات الميكروبلاستيكية في فرشاة الأسنان؟

ما هي محاذير ومخاطر الجسيمات الميكروبلاستيكية في فرشاة الأسنان؟

* س: أحاول تقليل تعرضي للجسيمات البلاستيكية الدقيقة (دقائق الميكرو بلاستيك microplastics)... ما مدى القلق بشأن منتجات العناية بالأسنان؟

- ج: يكاد يكون من المستحيل تجنب الجسيمات البلاستيكية الدقيقة تماماً. تُبتلع هذه الجسيمات البلاستيكية الصغيرة وتُستنشق وتُمتص بانتظام من بيئتنا، وقد وُجدت في قلوبنا وأدمغتنا وأعضاء أخرى، كما كتب سيمار باجاج (*).

القناني والعلب البلاستيكية

تُعدّ القناني البلاستيكية وألواح التقطيع وعلب الطعام من المصادر المعروفة لهذه الجسيمات، لكن الباحثين يكتشفون بشكل متزايد أن منتجات العناية بالأسنان - مثل فرشاة الأسنان وخيط تنظيف الأسنان - قد تُطلق جسيمات بلاستيكية دقيقة أيضاً.

إخلال بالتوازن الميكروبي للفم

يتكهن بعض الباحثين بأن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة قد تُخلّ بالتوازن الميكروبي للفم، وتُسبب التهابات، وتُتلف الحمض النووي. لكن ليس من الواضح كمية الجسيمات التي تُطلقها منتجات العناية بالأسنان فعلياً، أو ما إذا كان التعرض لها يُؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة، كما يقول الدكتور بابانايا بينوغوندا، طبيب الأسنان في جامعة نيويورك.

يؤكد الخبراء على أهمية تنظيف الأسنان بالفرشاة والخيط للحفاظ على صحة الفم، وينصحون بالتركيز على مصادر التلوث المعروفة، مثل غبار المنزل والأقمشة الصناعية وأدوات المطبخ البلاستيكية، في حال القلق بشأن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة. كما يقدمون بعض النصائح للحد من التعرض لها.

فرش ومعاجين الأسنان

* لماذا تُطلق منتجات الأسنان جزيئات بلاستيكية دقيقة؟

- معظم منتجات الأسنان اليومية مصنوعة من البلاستيك. ففرش الأسنان غالباً ما تستخدم شعيرات من النايلون، وخيط تنظيف الأسنان عبارة عن خيط بلاستيكي. وتقول الدكتورة فيديريكا دي سبيريتو، جراحة الفم في جامعة ساليرنو بإيطاليا، إن الاحتكاك الناتج من تنظيف الأسنان بالفرشاة والخيط قد يترك جسيمات أو أليافاً دقيقة في الفم.

أما بالنسبة لمعجون الأسنان وغسول الفم، فيكمن القلق في عبواتهما. فالأنابيب والقناني البلاستيكية تُصنع عادةً بتسخين البلاستيك وتشكيله؛ ما قد يؤدي إلى تسرب الجسيمات البلاستيكية الدقيقة إلى داخلها، كما يقول سانجاي موهانتي، مهندس البيئة في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس. (وتجدر الإشارة إلى أن الكثير من معاجين الأسنان كانت تحتوي على حبيبات بلاستيكية دقيقة، وهي كرات صغيرة تُستخدم لتنظيف وتلميع الأسنان، ولكن تم حظرها في الولايات المتحدة عام 2015).

احتمالات التسرب

ومع ذلك، لا يستطيع الباحثون الجزم ما إذا كانت منتجات الأسنان مصدراً رئيسياً للجزيئات البلاستيكية الدقيقة، مقارنةً بمصادر أخرى، كما أوضحت دي سبيريتو. وأضافت أنه من الناحية النظرية، يمكن أن تدخل هذه الجسيمات إلى الجسم عبر شقوق صغيرة في اللثة، أو من خلال مرورها عبر أنسجة الفم، أو ببساطة عن طريق البلع. ولكن من غير الواضح مدى حدوث ذلك فعلياً، أو ما إذا كان معظمها يُبصق.

وقال موهانتي: «مجرد إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة لا يعني بالضرورة دخولها إلى أجسامنا».

بدائل غير مريحة

* هل توجد بدائل غير بلاستيكية؟

- لا يُوصي الخبراء عموماً بفرشاة أسنان أو خيط تنظيف أسنان أو معجون أسنان أو غسول فم مُحدد للحد من التعرض للجسيمات البلاستيكية الدقيقة. قال الدكتور ديميتريوس ميكيلوجياناكيس، اختصاصي تقويم الأسنان في جامعة روتشستر، إنه لم تُجرَ أي اختبارات دقيقة حول كمية المواد التي تُطلقها منتجات الأسنان المختلفة.

وتختلف البدائل غير البلاستيكية في التكلفة والراحة والأداء. فعلى سبيل المثال، يُمكن اختيار مقابض من الخيزران لفرش الأسنان؛ ما يُقلل من النفايات البلاستيكية، ولكنه لا يُغير شيئاً في بيئة الفم. وأضاف ميكيلوجياناكيس أن بعض فرش الأسنان تستخدم شعيرات من شعر الخنزير البري، إلا أنها قد تكون قاسية؛ ما قد يُسبب تلفاً للثة، كما أنها لا تجف جيداً، ما يُزيد من خطر نمو البكتيريا.

ويستخدم البعض أيضاً خيط تنظيف الأسنان الحريري، ولكن في إحدى الدراسات التي قارنته بثلاثة أنواع من خيوط التنظيف البلاستيكية، صُنِّف الخيط الحريري بأنه الأقل راحةً في الاستخدام، والأكثر عرضةً للتلف والتمزق.

وتُباع غسولات الفم ومعجون الأسنان أحياناً على شكل أقراص قابلة للذوبان أو في أنابيب ألمنيوم وقنان زجاجية. وقد يُساعد هذا في تقليل التعرّض للجسيمات البلاستيكية الدقيقة، لكن الخبراء لم يتمكنوا من تحديد مقدار هذا التقليل أو ما إذا كان يستحق التكلفة المرتفعة في كثير من الأحيان.

خطوات مفيدة

* ما العمل لتقليل التعرّض للجسيمات البلاستيكية الدقيقة؟

- أكّد دي سبيريتو أن فوائد تنظيف الأسنان بالفرشاة والخيط - كالوقاية من التسوس وأمراض اللثة وحتى فقدان الأسنان - راسخة، بينما لا تزال مخاطر الجسيمات البلاستيكية الدقيقة من منتجات الأسنان غير معروفة؛ لذا:

+ استمر في إعطاء الأولوية لنظافة أسنانك، ولكن يمكنك أيضاً التفكير في بعض التغييرات البسيطة التي قد تُقلّل من تعرّضك لها، على الرغم من محدودية الأبحاث في هذا المجال.

+ نظّف أسنانك بالفرشاة والخيط برفق. يقول ميكيلوجياناكيس: «كن دقيقاً ولكن لطيفاً؛ لأن الحركات الخشنة والقوية قد تُلحق الضرر باللثة وتُخلّف المزيد من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة». ولتحقيق ذلك، قد يُساعد استخدام فرشاة أسنان ذات شعيرات ناعمة. وعند استخدام خيط الأسنان، أدخل الخيط، ولفّه حول سنّ واحد، وحرّكه برفق لأعلى ولأسفل، ثم كرّر العملية على السنّ المجاور.

استبدال الفرشاة وغسل الفم

+ استبدل فرشاة أسنانك بانتظام. تتلف شعيرات البلاستيك مع مرور الوقت؛ لذا استبدل فرشاة أسنانك كل ثلاثة إلى أربعة أشهر على الأقل، أو قبل ذلك إذا لاحظتَ تآكلها أو تباعدها، كما ذكر ميكيلوجياناكيس. تجنّب الشمس والحرارة. يمكن أن تتحلل المواد البلاستيكية بشكل أسرع عند تعرضها للأشعة فوق البنفسجية ودرجات الحرارة العالية، كما ذكر موهانتي. لذا؛ احفظ منتجات العناية بالأسنان بعيداً عن أشعة الشمس المباشرة، وتجنّب تنظيف فرشاة أسنانك باستخدام الأشعة فوق البنفسجية أو الماء الساخن جداً. (الماء الدافئ أو البارد مناسب تماماً، كما ذكر ميكيلوجياناكيس).

+ ابصق جيداً. بعد تنظيف أسنانك بالفرشاة أو الخيط، ابصق أي معجون أسنان أو بقايا. لا ينصح أطباء الأسنان عادةً بالمضمضة بعد تنظيف الأسنان بالفرشاة؛ لأنك تريد أن يبقى الفلوريد الموجود في معجون الأسنان على أسنانك. لكن المضمضة بقليل من الماء - مثل رشفة من يدك - قد تساعد في إزالة بقايا الأوساخ أو الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، كما ذكر موهانتي. يمكنك تجربة بعض هذه التعديلات، لكن لا داعي للقلق المفرط. يقول دي سبيريتو: «الرسالة الأساسية هي إدارة المخاطر بدلاً من الذعر».

* خدمة «نيويورك تايمز»


اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة

اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة
TT

اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة

اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة

أجرى علماء دراسة أولية لعائلة من ولاية يوتا في الولايات المتحدة أنجبت ضعف عدد الذكور مقارنة بالإناث لسبعة أجيال متتالية بنسبة تجاوزت 2 إلى 1 (60 ذكراً مقابل 29 أنثى).

تحليل قاعدة أنساب

وبتحليل قاعدة بيانات أنساب تضم أكثر من 76 ألف فرد، لم تجتز هذه الاختبارات الإحصائية الدقيقة سوى عائلة واحدة من بين أكثر من 26 ألف سلالة أبوية. ويعتقد باحثون من جامعة يوتا أنهم كشفوا السبب وراء هذه الظاهرة الفريدة.

«جين أناني» في الكروموسوم الذكري

وأرجع العلماء ذلك إلى وجود «جين أناني» نادر على الكروموسوم الذكري «واي» Y يعمل على تشويه النسبة الجنسية لصالح الذكور. ويشير العلماء إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها العثور على دليل واضح على وجود مثل هذه الجينات المُشوّهة للنسبة الجنسية لدى البشر، وهي ظاهرة كانت موثقة سابقاً فقط في حيوانات المختبر، مثل الفئران والذباب.

وتقول نيتين فادنيس من كلية العلوم البيولوجية جامعة يوتا المؤلفة المشاركة في قيادة دراسة أولية (preprint) نشرت على منصة «bioRxiv» في 4 فبراير (شباط) 2026 إن هذا أول دليل واضح على أن البشر قد يحملون «جينات أنانية» تشوه النسبة الجنسية.

مُشوهات النسبة الجنسية بين النظرية والتطبيق

إن مُشوهات النسبة الجنسية هذه موثقة جيداً في حيوانات المختبر مثل الفئران والذباب، حيث تتحيز في انتقالها إلى الأجيال المقبلة بغض النظر عما إذا كانت تُحسّن اللياقة البيولوجية للفرد. ومع ذلك فإن فترات الأجيال الطويلة وانخفاض معدلات المواليد والقيود الأخلاقية في البشر جعلت من الصعب للغاية اكتشافها.

كيف يعمل الجين الأناني؟

وركّز الباحثون على المشوهات المرتبطة بالكروموسوم «واي» لأنها أكثر قابلية للتتبع في بيانات الأنساب، إذ يُحدد الجنس البيولوجي عند البشر بواسطة الكروموسوم الذي ينقله الأب، فالحيوانات المنوية التي تحمل كروموسومات «واي» تنتج ذكوراً «إكس واي» (XY) بينما تلك التي تحمل كروموسومات «إكس» X الأنثوي تنتج إناثاً (XX) «إكس إكس». ومن الناحية النظرية يمكن لمُشوّه على الكروموسوم «واي» أن يعطل الحيوانات المنوية الحاملة للكروموسوم «إكس» ما يعطي ميزة تنافسية للحيوانات المنوية الحاملة للكروموسوم «واي» .

آراء متباينة في الأوساط العلمية

وتقول بولي كامبل عالمة الأحياء التطورية في جامعة كاليفورنيا التي لم تشارك بالدراسة لكنها أشادت بمنهجيتها: «لا نتوقع عادةً أن يكون تشويه النسبة الجنسية مرئياً في التجمعات الطبيعية. من الرائع حقاً رؤيته».

ومع ذلك قوبلت النتائج التي لم تخضع بعد لمراجعة الأقران ببعض الشكوك. فقد شككت وين ماير عالمة الوراثة السكانية في جامعة ليهاي بنسلفانيا بالولايات المتحدة في ما إذا كانت التفسيرات البديلة قد تم استبعادها تماماً. فالممارسات الثقافية أو عدم الإبلاغ عن المواليد الإناث أو حتى تقنيات الإنجاب الحديثة مثل التلقيح الاصطناعي مع اختيار جنس الجنين يمكن أن تفسر هذا الخلل في النسبة.

الحاجة إلى مزيد من الأدلة

اقترح جيانتشي تشانغ عالم الوراثة في جامعة ميشيغان أن فحص نسل الأقارب الإناث قد يوفر اختباراً حاسماً. فإذا أنجبت النساء في العائلة اللواتي لا يحملن المُشوّه المرتبط بالكروموسوم «واي» نسباً جنسية متوازنة فسيتم تعزيز الفرضية الجينية. لكن لسوء الحظ لم يتم تضمين هذه البيانات في التحليل الحالي.

دفاع الباحثين عن فرضيتهم

يعترف باحثو يوتا بهذه القيود لكنهم يدافعون عن نتائجهم. وأشار المؤلف المشارك جيمس بالدوين - براون من كلية العلوم البيولوجية بجامعة يوتا إلى أن السجلات التاريخية لا تظهر أي دليل على وأد البنات أو المجاعة أو المشقات القاسية التي قد تفسر هذا النمط. كما أن تعدد الزوجات الذي كان شائعاً في يوتا ذات يوم لا يبدو مرجحاً لتفسير هذا الاتجاه الثابت عبر أجيال متعددة.

الخطوات المقبلة في الأبحاث

يسعى الفريق الآن إلى فهم الآليات الجزيئية الكامنة وراء هذا المُشوّه المحتمل. ففي الفئران تؤثر جينات مماثلة على حركة الحيوانات المنوية وقابليتها للحياة. كما يقوم مختبر فادنيس بتطوير أدوات مبتكرة لدراسة الحيوانات المنوية البشرية على نطاق واسع بما في ذلك جهاز أطلقوا عليه اسم «حلبة سباق الحيوانات المنوية» sperm racetrack لمراقبة كيفية تنافس الحيوانات المنوية المختلفة في الإخصاب.

آفاق مستقبلية واعدة

إذا تم تأكيد هذا الاكتشاف فلن يقتصر الأمر على التحقق من صحة التنبؤات النظرية بوجود مُشوهات النسبة الجنسية لدى البشر، بل قد يفتح أيضاً آفاقاً جديدة لفهم العقم وبيولوجيا التكاثر. وقد يفسر حتى السلالات العائلية الأخرى التي تعاني من تحيزات غير مفسرة نحو جنس واحد.

في الوقت الحالي تظل عائلة يوتا مجهولة الهوية وسرها الجيني محفوظ بموجب حماية قواعد البيانات، لكن النسب غير العادي يقدم لمحة آسرة عن الطرق الخفية والأنانية أحياناً التي تُشكّل بها جيناتنا الجيل المقبل ذكراً تلو الآخر.


«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا
TT

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

يعيش الأميركيون في عوالم متوازية للذكاء الاصطناعي، فبالنسبة لمعظم البلاد، أصبح الذكاء الاصطناعي مرادفاً لـ«تشات جي بي تي»، ولتطبيق «غوغل إيه آي اوفرفيو». وفي الوقت نفسه، ينجذب هواة التكنولوجيا إلى هذه البرامج الروبوتية التي تعمل لساعات متواصلة، مُختصرةً شهوراً من العمل إلى أسابيع.

الوكيل الذكي المتخصص

وحديثاً، بدأ المزيد من الناس في تجربة أدوات مثل «كلود كود» Claude Code، المنتج الذي طوَّرته شركة «أنثروبيك» الناشئة، بصفتها «وكيلاً»، أي أنه قادر على القيام بجميع أنواع العمل التي قد يقوم بها الإنسان على جهاز كمبيوتر.

ويختبر بعض الأكاديميين قدرة «كلود كود» – وهو تطبيق خُصص بالأساس للمبرمجين - على إنشاء وتأليف أوراق بحثية تلقائياً؛ بينما يستخدمه آخرون في أبحاث علم الأحياء. ويجري الصحافيون تجارب عليه لكتابة مقالات تعتمد على البيانات. وفي وقت سابق من هذا الشهر، استخدم اثنان منهم البرنامج لإنشاء منافس وهمي لموقع «مونداي.كوم» Monday.com، وهي شركة برمجيات عامة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. وفي أقل من ساعة، كان لديهم نموذج أولي يعمل.

ورغم أن الجودة الفعلية لجميع هذه الأوراق والتحليلات المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لا تزال غير واضحة، فإن التقدم مذهل ومثير للقلق في آن واحد. ويقول دين بول، وهو زميل بارز في مؤسسة الابتكار الأميركية: «بمجرد أن يتمكن الكمبيوتر من استخدام الكمبيوترات الأخرى، فإن المنافسة ستنطلق».

وحتى مع تطور الذكاء الاصطناعي، لم تنتشر أكثر البرامج الروبوتية تطوراً على نطاق واسع بعد. فعلى عكس «جي بي تي» الذي يوفر نسخة مجانية، فإن الأدوات الآلية مثل «كلود كود» أو «كوديكس» Codex من«أوبن إيه آي» عادةً ما تعمل عند دفع الأجور، وقد يكون إعدادها معقداً.

ليس من الواضح دائماً كيفية توجيه روبوتات الدردشة الذكية على النحو الأمثل: فقد يُنشئ المستخدم المُتمرس فرقاً من الروبوتات تتواصل فيما بينها أثناء العمل، بينما قد لا يُدرك المستخدم المبتدئ وجود مثل هذه الإمكانات أصلاً.

برامج لعموم المستخدمين

يتسابق قطاع التكنولوجيا الآن لتطوير نسخ أكثر سهولة من هذه المنتجات لعامة المستخدمين. ففي الشهر الماضي، أطلقت شركة «أنثروبيك» نسخة مدفوعة جديدة من برنامج «كلود كود» مُصممة للمستخدمين غير التقنيين. كما كشفت عن نموذج جديد لجميع المستخدمين، يُقدم، من بين أمور أخرى، «قدرات تُضاهي القدرات البشرية في مهام مثل التعامل مع جداول البيانات المُعقدة». في الوقت نفسه، أعلنت شركة «أوبن إيه آي» أخيراً عن نسخة جديدة من برنامج «كودكس»، الذي تدّعي الشركة أنه قادر على فعل أي شيء تقريباً «يُمكن للمحترفين فعله على الكمبيوتر». مع ازدياد شهرة هذه المنتجات، يبدو أن الناس يُدركون فجأة أن الذكاء الاصطناعي يُقدم أكثر بكثير من مجرد كتابة نصوص تسويقية وتقديم محادثات ودية. لقد بدأ عصر ما بعد روبوتات الدردشة.

قد تبدو أدوات مثل «تشات جي بي تي» و«جيميني» قوية بما يكفي في حد ذاتها. في الواقع، اكتسبت روبوتات الدردشة الكثير من الميزات الجديدة الرائعة خلال السنوات القليلة الماضية. أصبحت هذه البرامج الآن تمتلك ذاكرةً تُمكّنها من الرجوع إلى المحادثات السابقة، واستخدام تقنية تُسمى الاستدلال لإنتاج ردود أكثر تطوراً. فبينما كانت برامج الدردشة الآلية القديمة قادرة على استيعاب بضعة آلاف من الكلمات في المرة الواحدة، باتت اليوم قادرة على تحليل ملفات بحجم كتاب، بالإضافة إلى معالجة وإنتاج الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية.

البرمجيات: تنفيذ سريع

لكن كل هذا يتضاءل أمام صعود الأدوات الذكية. لنأخذ هندسة البرمجيات مثالاً، حيث أثبتت هذه الأدوات قدرتها التحويلية بشكل خاص. أصبح من الشائع الآن أن يُسلّم المهندسون التعليمات إلى برنامج آلي مثل «كلود كود» أو «كوديكس» ويتركون له مهمة التنفيذ. ولأن البرامج الآلية غير مقيدة بالقدرات البشرية، يُمكن للمبرمج تشغيل جلسات عدة في وقت واحد، تعمل كل منها على جوانب مختلفة من المشروع.

وقد كتب مبرمج الكمبيوتر سالفاتور سانفيليبو في مقال انتشر أخيراً: «بشكل عام، بات من الواضح الآن أنه بالنسبة لمعظم المشاريع، لم يعد من المنطقي كتابة الكود بنفسك». وأشار سانفيليبو إلى أنه في غضون ساعات قليلة فقط، أنجز مهام عدة كانت تستغرق أسابيع في السابق. كما صرح الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت» بأن ما يصل إلى 30 في المائة من البرمجيات تُكتب حالياً بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويتوقع كبير المسؤولين التقنيين في الشركة أن تصل هذه النسبة إلى 95 في المائة على مستوى القطاع بحلول نهاية العقد. وتشير تقارير شركة «أنثروبيك» بالفعل إلى أن ما يصل إلى 90 في المائة من برمجيات الشركة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

«جائحة» الذكاء الاصطناعي

بدأ بعض المبرمجين بالتحذير من أن تطورات مماثلة قد تُهدد جميع أنواع العمل المعرفي. ففي الأسبوع الماضي، شبّه مات شومر، الرئيس التنفيذي لشركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي ببدايات جائحة «كوفيد - 19»، عندما كان معظم الأميركيين لا يزالون غافلين عن الجائحة الوشيكة. وكتب شومر: «كان جعل الذكاء الاصطناعي بارعاً في البرمجة هو الاستراتيجية التي تُمهد الطريق لكل شيء آخر». وأضاف: «إن التجربة التي خاضها العاملون في مجال التكنولوجيا خلال العام الماضي، بمشاهدة الذكاء الاصطناعي ينتقل من كونه (أداة مفيدة) إلى كونه (يؤدي عملي بشكل أفضل مني)، هي التجربة التي سيخوضها الجميع قريباً». وحظيت مقالته بأكثر من 80 مليون مشاهدة، وقد كُتبت جزئياً باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وفي الأسبوع الماضي، توقع رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في «مايكروسوفت» أن يقوم الذكاء الاصطناعي بأتمتة «معظم، إن لم يكن كل» مهام العمل المكتبي في غضون 18 شهراً.

ليس من الواضح بعد مدى رسهولة تطبيق التقدم في أدوات الذكاء الاصطناعي على مجالات أخرى. فالبرمجة مجالٌ ملائمٌ للأتمتة: إما أن تعمل البرامج أو لا تعمل. أما تحديد ما يُعدّ مقالاً جيداً، على سبيل المثال، فهو مهمةٌ أكثر تعقيداً، وتتطلب قدراً أكبر من التمييز البشري. ورغم أن أدوات الذكاء الاصطناعي غالباً ما تتفوق في الأعمال المعقدة، مثل تجميع كميات هائلة من النصوص، فإنها تُعاني في القيام بأمر بسيط كنسخ ولصق النصوص. ولأنها قويةٌ جداً، فقد تكون خطيرةً أيضاً عند ارتكابها الأخطاء. ومع أن الذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى مستوى المحلل المالي أو المهندس المعماري العالمي، فقد تطورت برامج الروبوت البرمجية إلى درجة تمكنها من المساعدة في جميع أنواع الأعمال المعرفية.

ترويج يفشل في إقناع الجمهور

وعلى الرغم من روعة أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية، فإنه قد يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تصبح آمنة وموثوقة بما يكفي للاستخدام الواسع. حتى مع استمرار التطور السريع للقدرات التقنية، يبقى العالم الحقيقي معقداً ومليئاً بالتحديات.

لقد بذلت شركات التكنولوجيا جهوداً جبارة لإقناع المستثمرين بضخّ الأموال في أعمالها، لكنّ القطاع نفسه فشل فشلاً ذريعاً في إقناع الجمهور برؤيته. فبدلاً من التركيز على الفوائد الملموسة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، أمضى وادي السيليكون سنوات في الترويج لهذه التقنية بأسلوبٍ مُبالغ فيه، مُقدّماًً تقارير أعمالٍ تُشبه الخيال العلمي.

في إحدى المقالات المؤثرة، كتب داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، أن الذكاء الاصطناعي القوي قد يقضي قريباً على معظم أنواع السرطان، وعلى جميع الأمراض المعدية تقريباً. وفي مقالٍ آخر، حذّر فريقٌ من الباحثين من أن الذكاء الاصطناعي المارق قد يُطلق، خلال عقدٍ من الزمن، أسلحةً بيولوجية، مُبيداً بذلك البشرية جمعاء تقريباً. صحيحٌ أن الروبوتات القادرة على التعامل مع جداول البيانات وأتمتة البرمجة قد لا تُصنّف ضمن الذكاء الخارق، إلا أنها لا تزال تتمتع بقدراتٍ هائلة. وإذا كان عامة الناس لا يزالون في حيرةٍ من أمرهم بشأن القدرات الحقيقية للذكاء الاصطناعي، فإن وادي السيليكون لا يلوم إلا نفسه.

* «ذا أتلانتيك أونالاين»

- خدمات «تريبيون ميديا»