كيف أسهمت لقاحات «كوفيد - 19» في منح كاريكو ووايزمان «نوبل الطب»؟

كاريكو ووايزمان (صفحة جائزة «نوبل» على «فيسبوك»)
كاريكو ووايزمان (صفحة جائزة «نوبل» على «فيسبوك»)
TT
20

كيف أسهمت لقاحات «كوفيد - 19» في منح كاريكو ووايزمان «نوبل الطب»؟

كاريكو ووايزمان (صفحة جائزة «نوبل» على «فيسبوك»)
كاريكو ووايزمان (صفحة جائزة «نوبل» على «فيسبوك»)

عندما ظهر فيروس «كورونا» أواخر 2019 وانتشر بسرعة في جميع أنحاء العالم، لم يتخيل كثيرون أنه يمكن تطوير لقاحات لمواجهة الفيروس في الوقت المناسب للمساعدة في الحد من عبء المرض العالمي المتزايد.

وبفضل دورهما الأساسي في التوصل إلى اللقاحات المضادة لـ«كوفيد - 19»، تقاسمت المجرية كاتالين كاريكو، والأميركي درو وايزمان، جائزة «نوبل للطب» لعام 2023، عن اكتشافاتهما بشأن لقاح الحمض النووي الريبوزي المرسال (الرنا مرسال).

وأوضحت اللجنة التي تتولى اختيار الفائزين، أن الباحثَين أُعطيا الجائزة «لاكتشافاتهما المتعلقة بتعديلات القواعد النووية التي أتاحت التوصل إلى لقاحات فاعلة ضد (كوفيد - 19) قائمة على الحمض النووي الريبوزي المرسال». وأضافت الهيئة المانحة لجائزة «نوبل» في الطب، في بيان (الاثنين)، أن «الفائزَين ساهما بوتيرة لم يسبق لها مثيل في التوصل إلى لقاحات في خضمّ أحد أكبر التهديدات لصحة الإنسان في العصر الحديث».

وفي حديثها أثناء الإعلان عن الجائزة في استوكهولم، أكدت رئيسة لجنة نوبل وأستاذة علم المناعة، جونيلا كارلسون، أن أبحاث الفائزين بالجائزة كان لها دور حاسم لجعل منصة لقاح «mRNA» مناسبة للاستخدام السريري، بسرعة، عندما كانت هناك حاجة إليها بشدة. وأضافت: «أعتقد أنه فيما يتعلق بإنقاذ الأرواح، خاصة في المرحلة المبكرة من الوباء، كان هذا الأمر مهماً للغاية».

وتعمل كاريكو، حالياً أستاذة في جامعة سيجيد بالمجر، بينما لا يزال درو وايزمان، أستاذاً في جامعة بنسلفانيا الأميركية. وجاء فوز الثنائي بجائزة نوبل في الطب لعام 2023، بعد عام واحد، من حصولهما مناصفة على جائزة (Breakthrough Prizes) في علوم الحياة لعام 2022 لأبحاثهما المتعلقة بتطوير لقاح ضد «كوفيد - 19»، أيضاً، وهي جائزة تُمنح كل عام أيضاً للباحثين الروّاد في مجالات الفيزياء الأساسية وعلوم الحياة والرياضيات، وقيمتها الجائزة المادية 3 ملايين دولار.

ومهدت أبحاثهما الطريق أمام لقاحات «فايزر/بيونتيك» و«موديرنا» التي يتم إعطاؤها الآن للقضاء على جائحة «كوفيد - 19».

وأجرت كاريكو بالتعاون مع زميلها وايزمان بحثاً رائداً لتحديد الجزيء الإضافي، الذي يتيح الاستخدام العلاجي للحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)؛ إذ كان لاكتشافاتهما آثار بعيدة المدى على العلاج المحتمل للأمراض المعدية، واضطرابات المناعة الذاتية، والسرطان، وغيرها من الحالات المنهكة، وفق موقع جامعة ييل الأميركية.

المجرية كاتالين كاريكو والأميركي درو وايزمان (صفحة جائزة «نوبل» على «فيسبوك»)
المجرية كاتالين كاريكو والأميركي درو وايزمان (صفحة جائزة «نوبل» على «فيسبوك»)

اللقاحات التقليدية

عادة تعمل اللقاحات من خلال تدريب جهاز المناعة، للتعرف على تهديدات الفيروسات أو البكتيريا ومحاربتها. وكانت تكنولوجيا اللقاحات التقليدية، تعتمد على نسخ ميتة أو ضعيفة من الفيروس أو البكتيريا الأصلية أو باستخدام أجزاء من العامل المرضي المُعدي.

وساهم ذلك في تطوير لقاحات ضد شلل الأطفال والحصبة والحمى الصفراء. وفي عام 1951، حصل ماكس ثيلر على جائزة نوبل في الطب لتطوير لقاح الحمى الصفراء. لكن في المقابل، استخدمت لقاحات «mRNA» الجديدة نهجاً مغايراً تماماً؛ إذ تتلخص فكرتها في أنه إذا تمكنا من تطوير «mRNA» بشكل اصطناعي لإنتاج أجزاء من فيروس أو عامل مرضي أو مُعد آخر، فسيتم بناء هذه البروتينات الدخيلة بواسطة الجسم وسيتعلم جهاز المناعة كيفية مكافحتها.

لقاحات الـ«الرنا المرسال»

يعمل لقاح الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) عن طريق إعطاء تعليمات للخلايا عن كيفية إنتاج بروتين «سبايك» الموجود على سطح الفيروس المسبب لـ«كوفيد - 19». وبعد تلقي اللقاح، تبدأ خلايا العضلات في إنتاج قطع بروتين «سبايك» وتوزيعها على أسطح الخلايا، يحفز ذلك الجسم على تكوين الأجسام المضادة، فإذا تعرّض الشخص للإصابة لاحقاً بـ«كوفيد - 19»، فستحارب هذه الأجسام المضادة الفيروس، وفق موقع «مايو كلينيك».

وبمجرد تصنيع أجزاء البروتين، تُباشر الخلايا بتفكيك التعليمات والتخلص منها. ولا يَدخل الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) نواة الخلية التي تحتفظ بالحمض النووي.

وكانت العقبة الرئيسية في تطوير مثل هذه اللقاحات هي أن النماذج الأولية لـ«الرنا المرسال» الاصطناعية أثارت تفاعلات التهابية؛ مما يجعلها غير مناسبة للاستخدام الطبي. واكتشف كاريكو ووايزمان معاً أنه من خلال إجراء تعديلات كيميائية صغيرة على جزيئات الـ«mRNA»، لم يتمكنا من إلغاء هذه الاستجابات الالتهابية غير المرغوب فيها فحسب؛ بل تمكنا أيضاً من زيادة إنتاج البروتين المستهدف بشكل ملحوظ، وأصبح هذا النهج هو الأساس للقاحات «فايزر» و«موديرنا» المضادة لـ«كوفيد - 19».

وشهدت المراحل المبكرة من الدراسات بعض المشاكل، ولكن من خلال تنقيح وتحسين التقنية، نجح الباحثون في إنتاج كميات كبيرة من البروتين المستهدف دون التسبب في مستويات خطيرة من الالتهابات التي شوهدت في التجارب على الحيوانات. وقد مهّد هذا الطريق لتطوير تكنولوجيا اللقاح لدى البشر، وخلال وباء «كوفيد-19»، تم تصنيع لقاحات «mRNA» لإنتاج بروتين «سبايك» الخاص بـ«كوفيد».

وقال الدكتور جون تريجونينج، الباحث في مناعة اللقاحات في جامعة إمبريال كوليدج لندن البريطانية: «لقد أثبتا أن تغيير نوع نيوكليوتيدات (اللبنات الأساسية للحمض النووي) الحمض النووي الريبوزي المرسال داخل اللقاح غيّر الطريقة التي تراها الخلايا به». وأضاف لصحيفة «الغارديان» البريطانية، الاثنين، أن هذا يزيد من كمية بروتين اللقاح الذي يتم إنتاجه بعد حقن الحمض النووي الريبوزي؛ مما يزيد بشكل فعال من كفاءة التطعيم. وتابع: «لقد كان هذا لبنة حيوية لنجاح لقاحات الحمض النووي الريبوزي (RNA) في الحد من المرض والوفاة أثناء الوباء». في حين قال البروفيسور روبن شاتوك، بجامعة إمبريال كوليدج لندن: إن هذه الاكتشافات «ستكون مفتاحاً للاستخدام الناجح للقاحات مستقبلية وأدوية جديدة معتمدة على الحمض النووي الريبوزي».

كاتالين كاريكو خلال تلقي مكالمة الفوز بالجائزة (صفحة جائزة «نوبل» على «فيسبوك»)
كاتالين كاريكو خلال تلقي مكالمة الفوز بالجائزة (صفحة جائزة «نوبل» على «فيسبوك»)

لقاء بالصدفة

نشأت كاريكو في بلدة صغيرة في وسط المجر، وبعد حصولها على درجة ما بعد الدكتوراه في الأكاديمية المجرية للعلوم، وباعت سيارتها، ونقلت عائلتها إلى فيلادلفيا بالولايات المتحدة.

وأمام آلة تصوير في جامعة بنسلفانيا الأميركية في أواخر التسعينيات، التقى درو وايزمان، كاريكو بالصدفة حيث كانت تطبع أوراقاً بحثية.

ولسنوات كثيرة، عملت كاريكو، على الحمض النووي الريبوزي المرسال، وتعاونت بشكل وثيق مع وايزمان، عالم المناعة في جامعة بنسلفانيا الذي رأى إمكانية استخدام هذه التكنولوجيا في تطوير نوع جديد من اللقاحات، وفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

وقامت كل من شركتَي «موديرنا» و«بيونتيك» بترخيص تقنية الـ«mRNA» المعدّلة التي طورها كاتالين كاريكو ودرو وايزمان للقاحاتهما المضادة لـ«كوفيد - 19». في حين واصل وايزمان تطوير لقاحات جديدة مُرشحة ضد الإنفلونزا والهربس وفيروس نقص المناعة البشرية. وقد تم تكريم أعمال كاريكو ووايزمان سابقاً من خلال جائزة «Breakthrough Prizes» لعام 2022 والكثير من الجوائز الدولية الأخرى.

وتقديراً لإنجازاتها، حصلت كاريكو أيضاً على الكثير من الجوائز المرموقة، بما في ذلك وسام رايشتاين من الأكاديمية السويسرية للعلوم الصيدلانية، وجائزة الأميرة أستورياس الإسبانية، وجائزة لاسكر - ديباكي للأبحاث الطبية السريرية (جميعها في عام 2021)، وجائزة فيلسيك للتميز في التكنولوجيا الحيوية. وجائزة بول إرليخ ولودفيج دارمشتيدر الألمانية، (جميعها في عام 2022). وفي عام 2021، صنّفتها مجلة «تايم» ضمن أكثر 100 شخصية مؤثرة لهذا العام.



تشريح بقايا ماموث عمرها 130 ألف سنة يكشف «أسراراً مذهلة»

العلماء يفحصون جثة «إيانا» (أ.ف.ب)
العلماء يفحصون جثة «إيانا» (أ.ف.ب)
TT
20

تشريح بقايا ماموث عمرها 130 ألف سنة يكشف «أسراراً مذهلة»

العلماء يفحصون جثة «إيانا» (أ.ف.ب)
العلماء يفحصون جثة «إيانا» (أ.ف.ب)

داخل مختبر في أقصى شرق روسيا، ينشغل العلماء كعادتهم في تشريح إحدى الجثث... لكنّ الجثة التي يتفحّصونها هذه المرة تعود إلى 130 ألف سنة وهي لـ«إيانا»، ماموث عُثر عليها خلال العام الماضي في حالة حفظ مدهشة.

وقد احتفظ جلد «إيانا» الذي لا يزال يلتصق به بعض الشعر، بلونه البني الرمادي، كما أن جذعها المتجعد منحنٍ وموجه نحو الفم.

يمكن التعرف على مدارات عيني الماموث بشكل واضح، وقوائمه تشبه إلى حد كبير قوائم قريبه الفيل.

ويقول أرتيمي غونتشاروف، رئيس مختبر الجينوميات الوظيفية والبروتينات للكائنات الحية الدقيقة في معهد الطب التجريبي في سانت بطرسبرغ: «إن هذا التشريح يشكّل فرصة لنا لدراسة ماضي كوكبنا»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

يبدو أن «إيانا»، وهي أنثى ماموث، نجت من ويلات آلاف السنين التي أمضتها في أحشاء الجليد الدائم في جمهورية ساخا الروسية، وهي منطقة عملاقة في سيبيريا.

وبحسب علماء روس، فإن الماموث «إيانا» التي يبلغ طولها 1.20 متر عند الكتف وطولها متران، ووزنها 180 كيلوغراماً، قد تكون أفضل عينة ماموث محفوظة في العالم.

جثة «إيانا» قد تكون أفضل عينة ماموث محفوظة في العالم (أ.ف.ب)
جثة «إيانا» قد تكون أفضل عينة ماموث محفوظة في العالم (أ.ف.ب)

المِعدة والأمعاء والقولون

يبدو أن عملية التشريح التي أجراها بضعة علماء في نهاية مارس (آذار) في متحف الماموث في ياكوتسك، عاصمة المنطقة، كانت بمثابة لقية استثنائية.

ببدلاتهم البيضاء المعقمة، ووجوههم المخفية خلف نظارات واقية وقناع، يمضي علماء الحيوان وعلماء الأحياء ساعات في العمل حول الجزء الأمامي من الماموث الذي انقرضت أنواعه منذ ما يقرب من 4000 عام.

يوضح أرتيمي غونتشاروف أنه «تم الحفاظ على الكثير من الأعضاء والأنسجة بشكل جيد للغاية».

ويشير إلى أن «الجهاز الهضمي محفوظ جزئياً، وكذلك المعدة وأجزاء من الأمعاء، وخصوصاً القولون»، بصفتها العناصر التي يأخذ منها العلماء «الكائنات الحية الدقيقة القديمة من أجل دراسة علاقتها التطورية بالكائنات الحية الدقيقة الحالية».

بينما يقطع أحد العلماء جلد «إيانا» بالمقص، يُحدِث عالم آخر شقاً في الجوف باستخدام مشرط. وتُوضع الأنسجة التي جُمعت بهذه الطريقة في زجاجات وأكياس محكمة الإغلاق قبل التحليل.

على طاولة تشريح أخرى توجد الأجزاء الخلفية من الحيوان الضخم، التي ظلت مغروسة في الجرف عندما سقط الجزء الأمامي في الأسفل.

وتبدو الرائحة المنبعثة من الماموث كأنها مزيج من التربة المخمرة واللحم المحفوظ في التربة السيبيرية.

وهنا يحاول الباحثون «الاقتراب من الأعضاء التناسلية لصغير الماموث (...) من أجل فهم نوع البكتيريا الدقيقة التي عاشت فيه خلال حياته»، على ما يوضح أرتيوم نيدولويكو، مدير مختبر علم الجينوم القديم في الجامعة الأوروبية في سانت بطرسبرغ.

تشريح «إيانا» يشكّل فرصة لدراسة ماضي كوكب الأرض (أ.ف.ب)
تشريح «إيانا» يشكّل فرصة لدراسة ماضي كوكب الأرض (أ.ف.ب)

سن الحليب

جرى تقدير «العمر الجيولوجي» لـ«إيانا»، أي الفترة التي عاشت فيها، في البداية بنحو 50 ألف عام، لكنه حُدّد لاحقاً بأنه «أكثر من 130 ألف عام» بعد تحليل طبقة التربة الصقيعية التي وُجدت فيها «إيانا»، على ما يوضح مدير متحف الماموث في الجامعة الفيدرالية الشمالية الشرقية في روسيا، ماكسيم تشيبراسوف.

أما بالنسبة إلى «عمرها البيولوجي»، فيلفت تشيبراسوف إلى أن «من الواضح أنها كانت تبلغ أكثر من عام (عند نفوقها)؛ لأن سن الحليب كانت قد نبتت لديها». ولا يزال يتعين تحديد سبب موت «إيانا» في سن مبكرة.

في الوقت الذي كانت فيه «إيانا»، وهي من الحيوانات العاشبة، ترعى، «لم يكن البشر موجودين بعد»، وفق تشيبراسوف؛ إذ ظهروا في أراضي سيبيريا الحديثة قبل 28 ألفاً إلى 32 ألف عام.

ويكمن سر الحفاظ الاستثنائي على الماموث في «التربة الصقيعية» التي تبقى متجمدة طوال العام، وتشكّل ما يشبه ثلاجة عملاقة تحافظ على جيف الحيوانات ما قبل التاريخ.

ولكن جرى اكتشاف جيفة «إيانا» بسبب ذوبان الجليد الدائم، وهي ظاهرة يعتقد المجتمع العلمي أنها ناجمة عن الاحترار المناخي.

ويوضح العالم في سانت بطرسبرغ، أرتيمي غونشاروف، أن البحث الميكروبيولوجي يسمح بدراسة جيف الحيوانات مثل «إيانا»، فضلاً عن «المخاطر البيولوجية» الناجمة عن الاحترار.

وبحسب بعض الفرضيات، فإن اختفاء التربة الصقيعية «يطلق العنان للكائنات الحية الدقيقة المسببة للأمراض»، وفق غونشاروف.