لغز «كوفيد طويل الأمد»... تحليلات واكتشافات

أعراضه عذاب يومي لنحو 65 مليون شخص حول العالم

لغز «كوفيد طويل الأمد»... تحليلات واكتشافات
TT

لغز «كوفيد طويل الأمد»... تحليلات واكتشافات

لغز «كوفيد طويل الأمد»... تحليلات واكتشافات

«كوفيد» يؤثر على الدماغ والقلب والرئتين والأمعاء والمفاصل... أحياناً

في وقتٍ واحد وأحياناً بشكلٍ متقطّع وأحياناً بشكلٍ تسلسلي

في يونيو (حزيران) 2022، خلال محادثة بين ليزا ساندرز؛ طبيبة الأمراض الباطنية في جامعة «يال»، وصديقتها إريكا سباتز؛ طبيبة القلب، ذكرت الأخيرة أنّها ومجموعة من الأطبّاء يفكّرون في افتتاح عيادة خاصّة لمرضى «كوفيد طويل الأمد» في «يال»، وأنّهم يبحثون عن طبيب باطني لإدارتها.

تأثيرات «كوفيد» المدمرة

ولكنّ المشكلة وفق سباتز هي في العدد، فمنذ الجائحة تلتقي وزملاؤها في قسمي الرئة والأعصاب، بمرضى «كوفيد طويل الأمد» في «يال»، ولكن بشكلٍ متعجل وطارئ، حتّى إنّ بعض الأطبّاء باتوا مغلوبين بعدد المرضى الذين يطلبون المساعدة إلى درجة أنّهم يواجهون صعوبة في تحديد مواعيد وعلاج مرضاهم الذين أتوا بمشكلات أخرى مثل سرطان الرئة، والربو، وأمراض القلب، والخرف. يعيش مرضى «كوفيد طويل الأمد» عامّة في تعاسة منذ زمن؛ لأنّ المرض يؤثّر على الدماغ، والقلب، والرئتين، والأمعاء، والمفاصل – أحياناً في وقتٍ واحد، وأحياناً بشكلٍ متقطّع، وأحياناً بشكلٍ تسلسلي - فيتنقّلون من اختصاصيّ إلى آخر. والمشكلة أن لا أحد منهم قادر على الاستماع لمعاناتهم الكاملة، أو يملك الخبرة لحلّ جميع شكاواهم: الألم غير المحدّد، والإرهاق الدائم، ونتائج الفحوصات المحيّرة، وعلاجات المرّة الواحدة. وقالت ساندرز إنّه «يوجد أشخاص لم يستطيعوا إخبار قصّتهم لأحد سوى للشريك أو الوالدة لسنوات، وهؤلاء هم كابوس كلّ طبيب».

«كوفيد طويل الأمد» يهدد كل النظام الطبي

يغيب عن هذا الجدل 65 مليون شخص حول العالم لا تزال الجائحة بالنسبة إليهم عذاباً يومياً حقيقياً، ولا توجد حتّى اليوم دراسات تقدّم إجابات مؤكدة ووافية عن ماهية «كوفيد طويل الأمد» وكيف يمكن علاجه، لذا؛ فإنّ هؤلاء النّاس بحاجةٍ إلى الوضوح من شخص يكرّس نفسه للاهتمام بهم.

اقترحت سباتز وزملاؤها نموذجاً بديلاً: عيادةٌ يرأسها طبيب باطني يخصّص ساعة كاملة للاستماع لكلّ مريض، على أن يكون مسؤولاً عن وضع خطّة للعلاج، والتواصل باستمرار مع فريق الرعاية الصحية الأولية المهتم بالمريض، وإحالته إلى مختصين عند الحاجة. ولكنّ الفكرة لم تكن باهرة؛ لأنّ العيادة قد لا تحصل على براءة اختراع، ولا أرباح مالية، ولا جوائز.

عندما سمعت ساندرز الفكرة من صديقتها، شعرت بالحماس؛ لأنّ الاستماع إلى المرضى الذين يعانون من مشكلات معقّدة وحلّها هوايتها المفضّلة واهتمامها الأوّل اللذين بُنيت عليهما مهنتها.

تدرّس ساندرز الطبّ الباطني في جامعة «يال»، وتكتب عموداً شهرياً بعنوان «تشخيص» في مجلّة «نيويورك تايمز» كان مصدر إلهام للسلسلة التلفزيونية الشهيرة «هاوس». علاوة على ذلك؛ وضعت الطبيبة كتابين حول التشخيص الطبي، وظهرت في سلسلة وثائقية على منصّة «نتفليكس» بعنوان: «تشخيص» عام 2019.

لغز «كوفيد»

وجدت ساندرز في اقتراح عيادة «كوفيد» ضالّتها التي كانت تبحث عنها.

ولكنّ عملها هناك وضعها في قلب المجهول بالتزامن مع بدء العلماء التوصل إلى بعض الاكتشافات؛ ففي مايو (أيّار) 2022، نشر عالم المناعة أكيكو إواساكي، من جامعة «يال» أيضاً، مع زملائه تقريراً في دورية «نيتشر ميديسين» ضمّ «كوفيد طويل الأمد» إلى عائلة «متلازمة ما بعد العدوى الحادّة (post-acute-infection syndromes)».

وتعاني نسبة صغيرة من الأشخاص الذين اجتازوا الإصابة بفيروسات شائعة (مثل إيبولا، وحمّى الضنك، وشلل الأطفال، والإنفلونزا، وإبشتاين - بار) لسنوات، من عوارض شبيهة بتلك التي يعانيها مرضى «كوفيد طويل الأمد»، كالتعب الشديد، وتشوش الدماغ، وآلام المفاصل، والالتهاب، والدوار، والنوم المتقطّع، واضطرابات المزاج. ينطبق الأمر نفسه على الذين أصيبوا بطفيلية «الجياردية (giardia)».

ويشير تقرير إواساكي إلى أنّ هذه العوارض ليست حقيقية فحسب؛ بل إمراضية أيضاً؛ لأنّ شكل نشاطها في الجسم والسبب وراءها والآليات التي تدعمها على المستوى الخلوي متشابهة. وإذا استطاع العلماء التوصّل إلى سبب تحوّل الأمراض المعدية الشائعة إلى أمراض مزمنة لدى أشخاص دون غيرهم، فقد يتمكّنون من تطوير علاجات تستهدف الأسباب الرئيسية بدلاً من العوارض. وعدّ إواساكي أنّ «كوفيد طويل الأمد» يقدّم للعلم فرصةً لوضع تعريف لنشأة المرض المزمن الذي يلي العدوى، وبالتالي مساعدة ملايين النّاس.

يلتقي التقرير المنشور في دورية «نيتشر ميديسين» مع اهتمام ساندرز بالحالات المجهولة؛ فقد أوضحت الطبيبة الباطنية أنّ «أشخاصاً كثراً يعانون من أمراض لا نملك أسماء لها، وبالطبع لا توجد فحوصات لها».

صعوبة تعريف المرض الطويل

ولكنّ حتّى ساندرز نفسها لم تكن مستعدّة للعمل في ظروف شحّ المعلومات التي يملكها العلماء والأطبّاء عن «كوفيد طويل الأمد»؛ إذ لا يوجد اختبار دم للمرض، ويعجز المسؤولون الصحيون حتّى اليوم عن تعريفه، وتصفه «مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها» بـ«العلامات والعوارض والحالات التي تستمرّ بعض الإصابة بعدوى (كوفيد19) حادّة».

ويشير تعريف «مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها» إلى أنّ المرضى يعانون من «كوفيد طويل الأمد» إذا استمرّت العوارض لأربعة أسابيع على الأقلّ بعد العدوى الأصلية.

من جهتها، تعتمد منظّمة الصحة العالمية التعريف نفسه، ولكن بإطار زمني مختلف، حيث إنّها تعدّ مريض «كوفيد طويل الأمد» هو من تبدأ عوارضه أو تستمر بعد 3 أشهر من الإصابة الأصلية. تعدّ ساندرز أنّ هذا الفرق مهمّ؛ لأنّها تريد تعريف المرضى الذين يعانون فعلاً من «كوفيد طويل الأمد»، وليس أولئك الذين يحتاجون إلى وقتٍ أطول للتعافي من مرضهم الأصلي، ولهذا السبب، تستخدم تعريف منظّمة الصحة العالمية في العيادة.

راكم «كوفيد طويل الأمد» ما يشبه موسوعة من العوارض؛ إذ تصف ورقةٌ بحثية نشرها موقع «إي كلينيكال ميديسين» أكثر من 200 عارض مختلف للمرض.

عندما يتكلّم المرضى عن حالهم في الآونة الأخيرة، يبدو عليهم كأن الشياطين تسكنهم. فقد قالت ساندرز إنّ واحدة من مرضاها تستطيع في أيّام؛ السير 700 خطوة من سيّارتها إلى باب مكتبها، وأحياناً لا تستطيع، وإن مريضاً آخر تحوّل طنين أذنيه المزعج إلى صمم. وتشرح الطبيبة الباطنية أنّ «النّاس يأتون بعوارض غريبة، كالارتجاف الداخلي، ويقولون إنّ داخلهم يرتعش. هذا الأمر لا ينطبق على شخصٍ واحد، بل على كثيرين».

تقف أسباب عدّة خلف الأعراض الأكثر شيوعاً لـ«كوفيد طويل الأمد»... على سبيل المثال، يشير التشوش الدماغي إلى فشل الذاكرة والإدراك وفقدان القدرة على التركيز. قد يعود هذا الأمر في جزءٍ منه إلى «متلازمة التعب المزمن»، التي تتشارك كثيراً من العوارض مع أمراض الباع الطويل مثل «كوفيد». وقد يكون العارض ناتجاً عن مرض آخر مثل فقر الدم المنجلي، أو السكري، أو ألزهايمر، أو ربّما تأثيرٍ جانبي لأحد الأدوية، أو ربّما للتقدّم في السن، أو انقطاع الطمث، أو التوتّر، أو حتّى نقص النوم.

علاوةً على ذلك، أصبح مصطلح «متلازمة التعب المزمن» شائعاً لوصف إرهاق العمل، وإرهاق الجائحة، والملل، والشعور بعدم الرضا، أو حتّى وصف تأثير السهر لوقتٍ متأخّر.

تعتمد ساندرز اليوم، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، على التفاصيل التي يقدّمها المرضى لوضع تشخيصها؛ أي إنّ الأمر أشبه بعملية حذف وتخفيض، ولهذا السبب «تعلّمت أن تصمت وتنصت».

أسباب «كوفيد طويل الأمد»

يتحوّل «كوفيد19» إلى «كوفيد طويل الأمد» لدى نحو 10 في المائة من الحالات، ولا يزال العلماء يجهلون السبب. ترجّح الأدلّة المتنامية أنّ الفيروس، أو جزءاً منه، يبقى في «خزانات» في أنسجة الأعضاء لوقتٍ طويل، مما يعني أنّ الفيروس نفسه قد يكون السبب خلف العوارض، أو أنّه يحفّز استجابة مناعية ذاتية كما يفعل فيروس «إبشتاين - بار».

ويعتقد العلماء أيضاً أنّ «كوفيد19» قد يعمد إلى تنشيط فيروسات أخرى نائمة لعقود في الجسم ويوقظها للتسبّب في العوارض. وقد يكون السبب في بعض الالتهابات. فقد كشف إواساكي عن أنّ «فئران التجارب في المختبر التي عانت من إصابة طفيفة بـ(كوفيد19) أصيبت أيضاً بالتهاب طفيف في الرئتين تزامن مع ضرر كبير في الدماغ».

وقد لا تكون الأسباب أو المحفّزات النظرية حصرية؛ بل متسلسلة ومتضاربة وحتّى فردية؛ لأنّ «كوفيد طويل الأمد» قد يعبّر عن نفسه بطريقة مختلفة وفق بيئة كلّ مضيف. ولكن حتّى ينجح الباحثون في تطوير علاجات مستهدفة، فعلى ساندرز أن تكتشف وتكتب وصفات وتقترح حلولاً غير معقّدة وموجودة.

تتشارك العيادة حالياً مقرّها مع فريق معالجة الجروح في «يال»؛ أي إنّ مرضاها يتشاركون غرفة الانتظار مع أشخاص يتعافون من الإصابات، ولكن من المفترض أن تنتقل إلى مكان جديد أكبر في أكتوبر (تشرين الأوّل) المقبل.

* مجلّة «نيويورك ماغازين» - «خدمات تريبيون ميديا»



«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا
TT

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

يعيش الأميركيون في عوالم متوازية للذكاء الاصطناعي، فبالنسبة لمعظم البلاد، أصبح الذكاء الاصطناعي مرادفاً لـ«تشات جي بي تي»، ولتطبيق «غوغل إيه آي اوفرفيو». وفي الوقت نفسه، ينجذب هواة التكنولوجيا إلى هذه البرامج الروبوتية التي تعمل لساعات متواصلة، مُختصرةً شهوراً من العمل إلى أسابيع.

الوكيل الذكي المتخصص

وحديثاً، بدأ المزيد من الناس في تجربة أدوات مثل «كلود كود» Claude Code، المنتج الذي طوَّرته شركة «أنثروبيك» الناشئة، بصفتها «وكيلاً»، أي أنه قادر على القيام بجميع أنواع العمل التي قد يقوم بها الإنسان على جهاز كمبيوتر.

ويختبر بعض الأكاديميين قدرة «كلود كود» – وهو تطبيق خُصص بالأساس للمبرمجين - على إنشاء وتأليف أوراق بحثية تلقائياً؛ بينما يستخدمه آخرون في أبحاث علم الأحياء. ويجري الصحافيون تجارب عليه لكتابة مقالات تعتمد على البيانات. وفي وقت سابق من هذا الشهر، استخدم اثنان منهم البرنامج لإنشاء منافس وهمي لموقع «مونداي.كوم» Monday.com، وهي شركة برمجيات عامة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. وفي أقل من ساعة، كان لديهم نموذج أولي يعمل.

ورغم أن الجودة الفعلية لجميع هذه الأوراق والتحليلات المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لا تزال غير واضحة، فإن التقدم مذهل ومثير للقلق في آن واحد. ويقول دين بول، وهو زميل بارز في مؤسسة الابتكار الأميركية: «بمجرد أن يتمكن الكمبيوتر من استخدام الكمبيوترات الأخرى، فإن المنافسة ستنطلق».

وحتى مع تطور الذكاء الاصطناعي، لم تنتشر أكثر البرامج الروبوتية تطوراً على نطاق واسع بعد. فعلى عكس «جي بي تي» الذي يوفر نسخة مجانية، فإن الأدوات الآلية مثل «كلود كود» أو «كوديكس» Codex من«أوبن إيه آي» عادةً ما تعمل عند دفع الأجور، وقد يكون إعدادها معقداً.

ليس من الواضح دائماً كيفية توجيه روبوتات الدردشة الذكية على النحو الأمثل: فقد يُنشئ المستخدم المُتمرس فرقاً من الروبوتات تتواصل فيما بينها أثناء العمل، بينما قد لا يُدرك المستخدم المبتدئ وجود مثل هذه الإمكانات أصلاً.

برامج لعموم المستخدمين

يتسابق قطاع التكنولوجيا الآن لتطوير نسخ أكثر سهولة من هذه المنتجات لعامة المستخدمين. ففي الشهر الماضي، أطلقت شركة «أنثروبيك» نسخة مدفوعة جديدة من برنامج «كلود كود» مُصممة للمستخدمين غير التقنيين. كما كشفت عن نموذج جديد لجميع المستخدمين، يُقدم، من بين أمور أخرى، «قدرات تُضاهي القدرات البشرية في مهام مثل التعامل مع جداول البيانات المُعقدة». في الوقت نفسه، أعلنت شركة «أوبن إيه آي» أخيراً عن نسخة جديدة من برنامج «كودكس»، الذي تدّعي الشركة أنه قادر على فعل أي شيء تقريباً «يُمكن للمحترفين فعله على الكمبيوتر». مع ازدياد شهرة هذه المنتجات، يبدو أن الناس يُدركون فجأة أن الذكاء الاصطناعي يُقدم أكثر بكثير من مجرد كتابة نصوص تسويقية وتقديم محادثات ودية. لقد بدأ عصر ما بعد روبوتات الدردشة.

قد تبدو أدوات مثل «تشات جي بي تي» و«جيميني» قوية بما يكفي في حد ذاتها. في الواقع، اكتسبت روبوتات الدردشة الكثير من الميزات الجديدة الرائعة خلال السنوات القليلة الماضية. أصبحت هذه البرامج الآن تمتلك ذاكرةً تُمكّنها من الرجوع إلى المحادثات السابقة، واستخدام تقنية تُسمى الاستدلال لإنتاج ردود أكثر تطوراً. فبينما كانت برامج الدردشة الآلية القديمة قادرة على استيعاب بضعة آلاف من الكلمات في المرة الواحدة، باتت اليوم قادرة على تحليل ملفات بحجم كتاب، بالإضافة إلى معالجة وإنتاج الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية.

البرمجيات: تنفيذ سريع

لكن كل هذا يتضاءل أمام صعود الأدوات الذكية. لنأخذ هندسة البرمجيات مثالاً، حيث أثبتت هذه الأدوات قدرتها التحويلية بشكل خاص. أصبح من الشائع الآن أن يُسلّم المهندسون التعليمات إلى برنامج آلي مثل «كلود كود» أو «كوديكس» ويتركون له مهمة التنفيذ. ولأن البرامج الآلية غير مقيدة بالقدرات البشرية، يُمكن للمبرمج تشغيل جلسات عدة في وقت واحد، تعمل كل منها على جوانب مختلفة من المشروع.

وقد كتب مبرمج الكمبيوتر سالفاتور سانفيليبو في مقال انتشر أخيراً: «بشكل عام، بات من الواضح الآن أنه بالنسبة لمعظم المشاريع، لم يعد من المنطقي كتابة الكود بنفسك». وأشار سانفيليبو إلى أنه في غضون ساعات قليلة فقط، أنجز مهام عدة كانت تستغرق أسابيع في السابق. كما صرح الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت» بأن ما يصل إلى 30 في المائة من البرمجيات تُكتب حالياً بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويتوقع كبير المسؤولين التقنيين في الشركة أن تصل هذه النسبة إلى 95 في المائة على مستوى القطاع بحلول نهاية العقد. وتشير تقارير شركة «أنثروبيك» بالفعل إلى أن ما يصل إلى 90 في المائة من برمجيات الشركة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

«جائحة» الذكاء الاصطناعي

بدأ بعض المبرمجين بالتحذير من أن تطورات مماثلة قد تُهدد جميع أنواع العمل المعرفي. ففي الأسبوع الماضي، شبّه مات شومر، الرئيس التنفيذي لشركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي ببدايات جائحة «كوفيد - 19»، عندما كان معظم الأميركيين لا يزالون غافلين عن الجائحة الوشيكة. وكتب شومر: «كان جعل الذكاء الاصطناعي بارعاً في البرمجة هو الاستراتيجية التي تُمهد الطريق لكل شيء آخر». وأضاف: «إن التجربة التي خاضها العاملون في مجال التكنولوجيا خلال العام الماضي، بمشاهدة الذكاء الاصطناعي ينتقل من كونه (أداة مفيدة) إلى كونه (يؤدي عملي بشكل أفضل مني)، هي التجربة التي سيخوضها الجميع قريباً». وحظيت مقالته بأكثر من 80 مليون مشاهدة، وقد كُتبت جزئياً باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وفي الأسبوع الماضي، توقع رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في «مايكروسوفت» أن يقوم الذكاء الاصطناعي بأتمتة «معظم، إن لم يكن كل» مهام العمل المكتبي في غضون 18 شهراً.

ليس من الواضح بعد مدى رسهولة تطبيق التقدم في أدوات الذكاء الاصطناعي على مجالات أخرى. فالبرمجة مجالٌ ملائمٌ للأتمتة: إما أن تعمل البرامج أو لا تعمل. أما تحديد ما يُعدّ مقالاً جيداً، على سبيل المثال، فهو مهمةٌ أكثر تعقيداً، وتتطلب قدراً أكبر من التمييز البشري. ورغم أن أدوات الذكاء الاصطناعي غالباً ما تتفوق في الأعمال المعقدة، مثل تجميع كميات هائلة من النصوص، فإنها تُعاني في القيام بأمر بسيط كنسخ ولصق النصوص. ولأنها قويةٌ جداً، فقد تكون خطيرةً أيضاً عند ارتكابها الأخطاء. ومع أن الذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى مستوى المحلل المالي أو المهندس المعماري العالمي، فقد تطورت برامج الروبوت البرمجية إلى درجة تمكنها من المساعدة في جميع أنواع الأعمال المعرفية.

ترويج يفشل في إقناع الجمهور

وعلى الرغم من روعة أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية، فإنه قد يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تصبح آمنة وموثوقة بما يكفي للاستخدام الواسع. حتى مع استمرار التطور السريع للقدرات التقنية، يبقى العالم الحقيقي معقداً ومليئاً بالتحديات.

لقد بذلت شركات التكنولوجيا جهوداً جبارة لإقناع المستثمرين بضخّ الأموال في أعمالها، لكنّ القطاع نفسه فشل فشلاً ذريعاً في إقناع الجمهور برؤيته. فبدلاً من التركيز على الفوائد الملموسة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، أمضى وادي السيليكون سنوات في الترويج لهذه التقنية بأسلوبٍ مُبالغ فيه، مُقدّماًً تقارير أعمالٍ تُشبه الخيال العلمي.

في إحدى المقالات المؤثرة، كتب داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، أن الذكاء الاصطناعي القوي قد يقضي قريباً على معظم أنواع السرطان، وعلى جميع الأمراض المعدية تقريباً. وفي مقالٍ آخر، حذّر فريقٌ من الباحثين من أن الذكاء الاصطناعي المارق قد يُطلق، خلال عقدٍ من الزمن، أسلحةً بيولوجية، مُبيداً بذلك البشرية جمعاء تقريباً. صحيحٌ أن الروبوتات القادرة على التعامل مع جداول البيانات وأتمتة البرمجة قد لا تُصنّف ضمن الذكاء الخارق، إلا أنها لا تزال تتمتع بقدراتٍ هائلة. وإذا كان عامة الناس لا يزالون في حيرةٍ من أمرهم بشأن القدرات الحقيقية للذكاء الاصطناعي، فإن وادي السيليكون لا يلوم إلا نفسه.

* «ذا أتلانتيك أونالاين»

- خدمات «تريبيون ميديا»


الجيل المقبل من الألواح الشمسية... إنتاج أكبر وانبعاثات أقل

صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
TT

الجيل المقبل من الألواح الشمسية... إنتاج أكبر وانبعاثات أقل

صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)

تشهد صناعة الطاقة الشمسية تحولات متسارعة مدفوعة بالحاجة المتزايدة إلى مصادر كهرباء نظيفة ومستدامة لمواجهة تحديات تغير المناخ. وتُعدّ الألواح الشمسية، أو الخلايا الكهروضوئية، ركيزة أساسية في مسار التحول نحو طاقة منخفضة الكربون. ومع التوسع الكبير في نشر هذه التكنولوجيا عالمياً برزت تساؤلات متزايدة حول الأثر البيئي المرتبط بتصنيع ألواح السيليكون التقليدية من نوع «PERC».

جيل جديد من الخلايا الشمسية

وخلال السنوات الأخيرة، ظهر جيل جديد من خلايا السيليكون الشمسية يُعرف باسم «توب كون» (TOPCon)، يتميز بكفاءة أعلى وبصمة بيئية أقل مقارنة بالتقنية التقليدية. وقد صُمم هذا الجيل لتحسين الأداء في مختلف الظروف التشغيلية، وتقليل الفاقد الكهربائي، ودعم الانتشار الواسع للطاقة الشمسية دون زيادة كبيرة في التأثير البيئي.

خلايا السيليكون الشمسية لا تزال الخيار السائد والأكثر انتشاراً في الأسواق (جامعة سيدني)

ولحساب الأثر البيئي للتحول إلى هذه الخلايا، توصلت دراسة أجراها باحثون بجامعات «وارويك» و«نورثمبريا» و«برمنغهام» و«أكسفورد» في بريطانيا، إلى أن التحول إلى تقنية «توب كون» يمكن أن يُسهم في خفض الانبعاثات الكربونية العالمية بنحو 8.2 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2035، وهو ما يعادل قرابة 14 في المائة من إجمالي الانبعاثات العالمية السنوية الحالية، حسب النتائج التي نُشرت في عدد 16 فبراير (شباط) 2026 من دورية «Nature Communications».

وقدّمت الدراسة مقارنة شاملة لدورة حياة التصنيع لكلّ من تقنيتَي «PERC» التقليدية وخلايا «توب كون» الجديدة، بهدف تقييم ما إذا كانت التقنية الأحدث قادرة على تقليص البصمة البيئية للطاقة الشمسية بالتوازي مع زيادة انتشارها عالمياً.

وأشارت النتائج إلى أن التصنيع على نطاق «التيراواط» يتطلّب فهماً دقيقاً للأثر البيئي عبر سلسلة الإمداد، وأن إدخال تحسينات محددة في مراحل الإنتاج يمكن أن يعزّز استدامة الصناعة بشكل ملموس. وأظهرت التحليلات أن ألواح «توب كون» تسجل انخفاضاً في الأثر البيئي ضمن 15 من أصل 16 فئة تقييم مقارنة بالخلايا التقليدية، مع تقليل الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ بنسبة 6.5 في المائة لكل وحدة قدرة كهربائية.

كما خلص الباحثون إلى أن الجمع بين اعتماد هذه التقنية وتحسين عمليات التصنيع قد يجنّبان العالم ما يصل إلى 25 مليار طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالإنتاج بحلول 2035، إذا ما استُخدمت هذه الألواح لاستبدال الكهرباء المولدة من الوقود الأحفوري.

تقنية «توب كون»

يقول الأستاذ بمركز بحوث وتطوير الفلزات في مصر، الدكتور أحمد مرتضى السمان، إن الخلايا الشمسية التقليدية المصنوعة من السيليكون لا تزال الخيار السائد والأكثر انتشاراً في الأسواق، إذ تُعد النوع الأكثر موثوقية وكفاءة في تحويل ضوء الشمس مباشرة إلى كهرباء، رغم ظهور تقنيات أخرى مثل خلايا البيروفسكايت التي تتميز بسهولة التصنيع وكفاءة واعدة، ولكنها لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالاستقرار وطول العمر التشغيلي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن تصنيع خلايا السيليكون التقليدية يظل مرتبطاً بتحديات بيئية، أبرزها استهلاك كميات كبيرة من الطاقة في عملية تحويل الرمال إلى سيليكون عالي النقاء، وغالباً ما تأتي هذه الطاقة من مصادر حرارية تقليدية، مما يؤدي إلى انبعاثات ملحوظة من ثاني أكسيد الكربون وغازات الدفيئة. كما تتطلب مراحل التصنيع استخدام مواد كيميائية ومذيبات ومعادن مثل الفضة لتوصيل الكهرباء، ومع ذلك يظل الأثر البيئي لهذه الخلايا أقل بكثير مقارنة بتوليد الكهرباء من الوقود الأحفوري، خصوصاً عند دمج الطاقة المتجددة في عمليات الإنتاج.

وأوضح أن تقنية «توب كون» لا تمثل نوعاً جديداً بالكامل من الخلايا الشمسية، بل تُعد تطويراً متقدماً لخلايا السيليكون التقليدية يهدف إلى رفع كفاءة تحويل الضوء إلى كهرباء وتقليل الفاقد الناتج عن فقد الإلكترونات داخل الخلية، وتمثّل هذه التقنية الجيل الأحدث من خلايا السيليكون، إذ تختلف عن التصميمات التقليدية في البنية الداخلية وطريقة العمل. وبينما تعتمد الخلايا التقليدية على طبقة عازلة خلفية لتقليل فقد الإلكترونات، تستخدم خلايا «توب كون» طبقة فائقة الرقة من أكسيد السيليكون يتراوح سمكها بين 1 و2 نانومتر، تسمح بمرور الإلكترونات بكفاءة وتحدّ من فقد الشحنات غير المرغوبة، مما يحسّن أداء الخلية ويزيد إنتاجيتها لكل وحدة من ضوء الشمس، وفق السمان.

وأشار السمان إلى أن رفع كفاءة الخلايا عبر تقنية «توب كون» يحقق عدة فوائد، أبرزها تقليل عدد الألواح اللازمة لإنتاج كمية الطاقة نفسها بنحو الثلث تقريباً، مما ينعكس على خفض التكاليف. كما يُسهم في إطالة العمر التشغيلي للألواح إلى نحو 30 عاماً، وتقليل كمية السيليكون المستخدمة في تصنيع الخلايا، وبالتالي خفض تكاليف النقل والتصنيع والأثر البيئي الإجمالي.

وبيّن أن الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذه التقنية يمكن أن تقلل الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ بنحو 6.5 في المائة لكل وحدة قدرة كهربائية، نتيجة زيادة كفاءة الخلايا، وتظهر هذه الفوائد بشكل أوضح في الدول التي تعتمد على الطاقة النظيفة في مزيج الكهرباء، مثل الصين وعدد من الدول الأوروبية.

وفي المقابل، لفت إلى أن التقنية لا تزال تواجه تحديات، أبرزها محدودية انتشارها الصناعي حتى الآن، لكنه أشار إلى أن تبني كبرى الشركات خطوط إنتاج قائمة على تقنية «توب كون» سيسرّع انتشارها ويخفّض تكلفتها ويعزز كفاءتها. كما شدد على أهمية الاعتماد على الطاقة النظيفة في تصنيع هذه الخلايا، لتحقيق أعلى معايير الاستدامة وتقليل الأثر البيئي لصناعة الألواح الشمسية.


«بروتينات مصمَّمة صناعياً» تستجيب للتأثيرات المغناطيسية

بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
TT

«بروتينات مصمَّمة صناعياً» تستجيب للتأثيرات المغناطيسية

بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر

أظهرت دراسات علمية حديثة نجاح العلماء في هندسة بروتينات قادرة على الاستجابة للحقول المغناطيسية الضعيفة، وتغيير سلوكها داخل الخلايا عند تعرّضها لمجالات مغناطيسية، ونبضات راديوية دقيقة. وتُعد هذه النتائج خطوة واعدة نحو تطوير أدوات تصوير طبية أكثر دقة، وإنتاج أدوية يمكن التحكّم في نشاطها عن بُعد.

وتشير الأبحاث -التي نُشرت في مجلة «Nature» في 21 يناير (كانون الثاني) 2026، وقادها باحثون من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وجامعة هارفارد ومؤسسات تقنية حيوية في الولايات المتحدة- إلى أن هذه البروتينات المصمَّمة خصيصاً تستطيع تعديل خصائصها الحيوية، مثل شدة الضوء الذي تُصدره استجابةً للمغناطيس. وقد يتيح ذلك تتبّع بروتينات مرتبطة بالأمراض داخل الجسم بطريقة شبيهة بالتصوير بالرنين المغناطيسي، ولكن باستخدام أدوات أصغر، وأقل تكلفة.

ويُمثّل هذا التقدم تحولاً في الفهم العلمي لتأثير المغناطيس على الأحياء. وكان الاعتقاد السائد لعقود أن الحقول المغناطيسية لا تؤثر تقريباً في الخلايا، وهو ما سمح باستخدامها بأمان في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. كما تشير هذه النتائج إلى إمكانية توظيف المغناطيس ليكون وسيلة نشطة للتأثير في العمليات الحيوية، وفتح آفاق جديدة للتشخيص، والعلاج الموجّه.

بروتينات مرئية بالمغناطيس

يعتمد الأطباء اليوم على أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) التي تستخدم حقولاً مغناطيسية قوية، وموجات راديوية لرؤية ما بداخل الجسم. ورغم دقة هذه التقنية، فإنها تُظهر صورة عامة للأنسجة، ولا تستطيع تتبّع جزيئات محددة، مثل البروتينات المرتبطة بمرض معيّن. ولهذا يسعى العلماء منذ سنوات إلى ابتكار طرق تمكّنهم من «رؤية» هذه البروتينات داخل الجسم الحي. وفي خطوة واعدة نحو هذا الهدف، نجح باحثون من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة -بقيادة غابرييل أبراهامز، وهاريسون ستيل من قسم العلوم الهندسية- في هندسة بروتينات فلورية (التي تشع بلون أخضر فلوري عند تعرضها لضوء أزرق اللون). تُستخدم عادة في المختبرات لإضاءة الخلايا بحيث يتغيّر سطوعها عند تعرّضها لحقول مغناطيسية ضعيفة. فعند وضع مغناطيس قريب منها تصبح هذه البروتينات أكثر خفوتاً أو سطوعاً بطريقة يمكن التنبؤ بها، ما يجعل تتبّعها ممكناً باستخدام المغناطيس.

ويعتمد هذا الابتكار على جزء بروتيني حساس للضوء يُعرف باسم LOV، وهو شائع الاستخدام في أبحاث البيولوجيا.

ومن خلال تعديل هذا الجزء وربطه ببروتينات فلورية طوّر العلماء نسخاً شديدة الحساسية للمجالات المغناطيسية أُطلق على بعضها اسم MagLOV، ويمكن لهذه البروتينات المعدّلة أن تفقد نصف شدة إضاءتها أو أكثر عند التعرّض لمجال مغناطيسي قريب.

وتعود جذور هذا الاكتشاف إلى أعمال بحثية سابقة نُشرت عام 2024 قادها باحثون من شركة «Calico Life Sciences» في الولايات المتحدة، من بينهم أندرو يورك، وماريا إنغارامو. وقد أظهرت تلك الدراسات أن البروتينات الفلورية الشائعة -مثل البروتين الأخضر المضيء (GFP)، وبروتينات نطاق LOV - يمكن جعلها مستجيبة للمغناطيس عند تعديلها بعناية باستخدام ما يُعرف بالتطوّر الموجَّه. وفي إحدى النسخ المطوّرة تمكّن الباحثون من خفض شدة الإضاءة بنحو 75 في المائة عند التعرّض لمجالات مغناطيسية ضعيفة نسبياً.

ويرى العلماء أن هذه التقنية قد تمهّد الطريق لأدوات تصوير جديدة قادرة على تتبّع بروتينات مرتبطة بالأمراض داخل الجسم بدقة غير مسبوقة، وربما في المستقبل تمهد لأدوية يمكن التحكّم في نشاطها عن بُعد باستخدام المغناطيس، ما يفتح آفاقاً جديدة في التشخيص، والعلاج.

وسيلة تشخيص وعلاج

• تشخيص بالفيزياء الكمّية. تعود هذه الظاهرة إلى تأثيرات كمّية دقيقة داخل البروتين، حيث تتفاعل إلكترونات صغيرة عند امتصاص الطاقة. ويؤدي المجال المغناطيسي إلى تغيير طريقة تفاعل هذه الإلكترونات ما يؤثر في كمية الضوء التي يصدرها البروتين.

وفي أحدث تطوّر أظهر الباحثون أنهم يستطيعون التحكم في هذا التغيّر باستخدام نبضات ترددات راديوية شبيهة بتلك المستخدمة في أجهزة الرنين المغناطيسي. وقد مكّنهم ذلك من تحديد مواقع البروتينات الحساسة للمغناطيس بدقة أعلى حتى عندما كانت مدفونة داخل مواد صلبة.

وفي تجارب مخبرية، تمكّن العلماء من رسم خرائط لبكتيريا تحمل هذه البروتينات داخل كتل صلبة، وهو ما يشير إلى إمكانية تطبيق التقنية مستقبلاً في الكائنات الحية.

• أدوية يمكن التحكم بها عن بُعد. ولا يقتصر الأمل على التصوير فقط، بل يتعدّاه إلى تطوير علاجات يمكن تشغيلها أو تعطيلها بالمغناطيس. ففي أعمال بحثية لم تُنشر بعد أظهر العلماء أن الحقول المغناطيسية قد تُضعف أو تُعزّز قدرة الأجسام المضادة على الارتباط بأهدافها.

وقد يتيح ذلك تطوير أدوية تعمل فقط في المكان المطلوب، مثل تنشيط علاج داخل ورم سرطاني دون التأثير في الأنسجة السليمة، ما يقلل من الآثار الجانبية التي تُعد من أكبر تحديات العلاجات الحالية.

ورغم هذا التقدّم اللافت، يؤكد العلماء أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الاستخدام السريري. فبعض البروتينات الحالية تحتاج إلى ضوء ليزري للعمل، وهو أمر يصعب تطبيقه في أعماق الجسم. لكن الباحثين يعملون بالفعل على تطوير بروتينات تُصدر الضوء عبر تفاعلات كيميائية بدلاً من الضوء الخارجي.

ومع ذلك يرى كثيرون أن هذه الأبحاث تمثل بداية حقيقية لمجال علمي جديد، حيث لا تكتفي المغانيط بمساعدة الأطباء على رؤية الجسم، بل تصبح أداة فعّالة للتشخيص، والعلاج.