لغز «كوفيد طويل الأمد»... تحليلات واكتشافات

أعراضه عذاب يومي لنحو 65 مليون شخص حول العالم

لغز «كوفيد طويل الأمد»... تحليلات واكتشافات
TT

لغز «كوفيد طويل الأمد»... تحليلات واكتشافات

لغز «كوفيد طويل الأمد»... تحليلات واكتشافات

«كوفيد» يؤثر على الدماغ والقلب والرئتين والأمعاء والمفاصل... أحياناً

في وقتٍ واحد وأحياناً بشكلٍ متقطّع وأحياناً بشكلٍ تسلسلي

في يونيو (حزيران) 2022، خلال محادثة بين ليزا ساندرز؛ طبيبة الأمراض الباطنية في جامعة «يال»، وصديقتها إريكا سباتز؛ طبيبة القلب، ذكرت الأخيرة أنّها ومجموعة من الأطبّاء يفكّرون في افتتاح عيادة خاصّة لمرضى «كوفيد طويل الأمد» في «يال»، وأنّهم يبحثون عن طبيب باطني لإدارتها.

تأثيرات «كوفيد» المدمرة

ولكنّ المشكلة وفق سباتز هي في العدد، فمنذ الجائحة تلتقي وزملاؤها في قسمي الرئة والأعصاب، بمرضى «كوفيد طويل الأمد» في «يال»، ولكن بشكلٍ متعجل وطارئ، حتّى إنّ بعض الأطبّاء باتوا مغلوبين بعدد المرضى الذين يطلبون المساعدة إلى درجة أنّهم يواجهون صعوبة في تحديد مواعيد وعلاج مرضاهم الذين أتوا بمشكلات أخرى مثل سرطان الرئة، والربو، وأمراض القلب، والخرف. يعيش مرضى «كوفيد طويل الأمد» عامّة في تعاسة منذ زمن؛ لأنّ المرض يؤثّر على الدماغ، والقلب، والرئتين، والأمعاء، والمفاصل – أحياناً في وقتٍ واحد، وأحياناً بشكلٍ متقطّع، وأحياناً بشكلٍ تسلسلي - فيتنقّلون من اختصاصيّ إلى آخر. والمشكلة أن لا أحد منهم قادر على الاستماع لمعاناتهم الكاملة، أو يملك الخبرة لحلّ جميع شكاواهم: الألم غير المحدّد، والإرهاق الدائم، ونتائج الفحوصات المحيّرة، وعلاجات المرّة الواحدة. وقالت ساندرز إنّه «يوجد أشخاص لم يستطيعوا إخبار قصّتهم لأحد سوى للشريك أو الوالدة لسنوات، وهؤلاء هم كابوس كلّ طبيب».

«كوفيد طويل الأمد» يهدد كل النظام الطبي

يغيب عن هذا الجدل 65 مليون شخص حول العالم لا تزال الجائحة بالنسبة إليهم عذاباً يومياً حقيقياً، ولا توجد حتّى اليوم دراسات تقدّم إجابات مؤكدة ووافية عن ماهية «كوفيد طويل الأمد» وكيف يمكن علاجه، لذا؛ فإنّ هؤلاء النّاس بحاجةٍ إلى الوضوح من شخص يكرّس نفسه للاهتمام بهم.

اقترحت سباتز وزملاؤها نموذجاً بديلاً: عيادةٌ يرأسها طبيب باطني يخصّص ساعة كاملة للاستماع لكلّ مريض، على أن يكون مسؤولاً عن وضع خطّة للعلاج، والتواصل باستمرار مع فريق الرعاية الصحية الأولية المهتم بالمريض، وإحالته إلى مختصين عند الحاجة. ولكنّ الفكرة لم تكن باهرة؛ لأنّ العيادة قد لا تحصل على براءة اختراع، ولا أرباح مالية، ولا جوائز.

عندما سمعت ساندرز الفكرة من صديقتها، شعرت بالحماس؛ لأنّ الاستماع إلى المرضى الذين يعانون من مشكلات معقّدة وحلّها هوايتها المفضّلة واهتمامها الأوّل اللذين بُنيت عليهما مهنتها.

تدرّس ساندرز الطبّ الباطني في جامعة «يال»، وتكتب عموداً شهرياً بعنوان «تشخيص» في مجلّة «نيويورك تايمز» كان مصدر إلهام للسلسلة التلفزيونية الشهيرة «هاوس». علاوة على ذلك؛ وضعت الطبيبة كتابين حول التشخيص الطبي، وظهرت في سلسلة وثائقية على منصّة «نتفليكس» بعنوان: «تشخيص» عام 2019.

لغز «كوفيد»

وجدت ساندرز في اقتراح عيادة «كوفيد» ضالّتها التي كانت تبحث عنها.

ولكنّ عملها هناك وضعها في قلب المجهول بالتزامن مع بدء العلماء التوصل إلى بعض الاكتشافات؛ ففي مايو (أيّار) 2022، نشر عالم المناعة أكيكو إواساكي، من جامعة «يال» أيضاً، مع زملائه تقريراً في دورية «نيتشر ميديسين» ضمّ «كوفيد طويل الأمد» إلى عائلة «متلازمة ما بعد العدوى الحادّة (post-acute-infection syndromes)».

وتعاني نسبة صغيرة من الأشخاص الذين اجتازوا الإصابة بفيروسات شائعة (مثل إيبولا، وحمّى الضنك، وشلل الأطفال، والإنفلونزا، وإبشتاين - بار) لسنوات، من عوارض شبيهة بتلك التي يعانيها مرضى «كوفيد طويل الأمد»، كالتعب الشديد، وتشوش الدماغ، وآلام المفاصل، والالتهاب، والدوار، والنوم المتقطّع، واضطرابات المزاج. ينطبق الأمر نفسه على الذين أصيبوا بطفيلية «الجياردية (giardia)».

ويشير تقرير إواساكي إلى أنّ هذه العوارض ليست حقيقية فحسب؛ بل إمراضية أيضاً؛ لأنّ شكل نشاطها في الجسم والسبب وراءها والآليات التي تدعمها على المستوى الخلوي متشابهة. وإذا استطاع العلماء التوصّل إلى سبب تحوّل الأمراض المعدية الشائعة إلى أمراض مزمنة لدى أشخاص دون غيرهم، فقد يتمكّنون من تطوير علاجات تستهدف الأسباب الرئيسية بدلاً من العوارض. وعدّ إواساكي أنّ «كوفيد طويل الأمد» يقدّم للعلم فرصةً لوضع تعريف لنشأة المرض المزمن الذي يلي العدوى، وبالتالي مساعدة ملايين النّاس.

يلتقي التقرير المنشور في دورية «نيتشر ميديسين» مع اهتمام ساندرز بالحالات المجهولة؛ فقد أوضحت الطبيبة الباطنية أنّ «أشخاصاً كثراً يعانون من أمراض لا نملك أسماء لها، وبالطبع لا توجد فحوصات لها».

صعوبة تعريف المرض الطويل

ولكنّ حتّى ساندرز نفسها لم تكن مستعدّة للعمل في ظروف شحّ المعلومات التي يملكها العلماء والأطبّاء عن «كوفيد طويل الأمد»؛ إذ لا يوجد اختبار دم للمرض، ويعجز المسؤولون الصحيون حتّى اليوم عن تعريفه، وتصفه «مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها» بـ«العلامات والعوارض والحالات التي تستمرّ بعض الإصابة بعدوى (كوفيد19) حادّة».

ويشير تعريف «مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها» إلى أنّ المرضى يعانون من «كوفيد طويل الأمد» إذا استمرّت العوارض لأربعة أسابيع على الأقلّ بعد العدوى الأصلية.

من جهتها، تعتمد منظّمة الصحة العالمية التعريف نفسه، ولكن بإطار زمني مختلف، حيث إنّها تعدّ مريض «كوفيد طويل الأمد» هو من تبدأ عوارضه أو تستمر بعد 3 أشهر من الإصابة الأصلية. تعدّ ساندرز أنّ هذا الفرق مهمّ؛ لأنّها تريد تعريف المرضى الذين يعانون فعلاً من «كوفيد طويل الأمد»، وليس أولئك الذين يحتاجون إلى وقتٍ أطول للتعافي من مرضهم الأصلي، ولهذا السبب، تستخدم تعريف منظّمة الصحة العالمية في العيادة.

راكم «كوفيد طويل الأمد» ما يشبه موسوعة من العوارض؛ إذ تصف ورقةٌ بحثية نشرها موقع «إي كلينيكال ميديسين» أكثر من 200 عارض مختلف للمرض.

عندما يتكلّم المرضى عن حالهم في الآونة الأخيرة، يبدو عليهم كأن الشياطين تسكنهم. فقد قالت ساندرز إنّ واحدة من مرضاها تستطيع في أيّام؛ السير 700 خطوة من سيّارتها إلى باب مكتبها، وأحياناً لا تستطيع، وإن مريضاً آخر تحوّل طنين أذنيه المزعج إلى صمم. وتشرح الطبيبة الباطنية أنّ «النّاس يأتون بعوارض غريبة، كالارتجاف الداخلي، ويقولون إنّ داخلهم يرتعش. هذا الأمر لا ينطبق على شخصٍ واحد، بل على كثيرين».

تقف أسباب عدّة خلف الأعراض الأكثر شيوعاً لـ«كوفيد طويل الأمد»... على سبيل المثال، يشير التشوش الدماغي إلى فشل الذاكرة والإدراك وفقدان القدرة على التركيز. قد يعود هذا الأمر في جزءٍ منه إلى «متلازمة التعب المزمن»، التي تتشارك كثيراً من العوارض مع أمراض الباع الطويل مثل «كوفيد». وقد يكون العارض ناتجاً عن مرض آخر مثل فقر الدم المنجلي، أو السكري، أو ألزهايمر، أو ربّما تأثيرٍ جانبي لأحد الأدوية، أو ربّما للتقدّم في السن، أو انقطاع الطمث، أو التوتّر، أو حتّى نقص النوم.

علاوةً على ذلك، أصبح مصطلح «متلازمة التعب المزمن» شائعاً لوصف إرهاق العمل، وإرهاق الجائحة، والملل، والشعور بعدم الرضا، أو حتّى وصف تأثير السهر لوقتٍ متأخّر.

تعتمد ساندرز اليوم، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، على التفاصيل التي يقدّمها المرضى لوضع تشخيصها؛ أي إنّ الأمر أشبه بعملية حذف وتخفيض، ولهذا السبب «تعلّمت أن تصمت وتنصت».

أسباب «كوفيد طويل الأمد»

يتحوّل «كوفيد19» إلى «كوفيد طويل الأمد» لدى نحو 10 في المائة من الحالات، ولا يزال العلماء يجهلون السبب. ترجّح الأدلّة المتنامية أنّ الفيروس، أو جزءاً منه، يبقى في «خزانات» في أنسجة الأعضاء لوقتٍ طويل، مما يعني أنّ الفيروس نفسه قد يكون السبب خلف العوارض، أو أنّه يحفّز استجابة مناعية ذاتية كما يفعل فيروس «إبشتاين - بار».

ويعتقد العلماء أيضاً أنّ «كوفيد19» قد يعمد إلى تنشيط فيروسات أخرى نائمة لعقود في الجسم ويوقظها للتسبّب في العوارض. وقد يكون السبب في بعض الالتهابات. فقد كشف إواساكي عن أنّ «فئران التجارب في المختبر التي عانت من إصابة طفيفة بـ(كوفيد19) أصيبت أيضاً بالتهاب طفيف في الرئتين تزامن مع ضرر كبير في الدماغ».

وقد لا تكون الأسباب أو المحفّزات النظرية حصرية؛ بل متسلسلة ومتضاربة وحتّى فردية؛ لأنّ «كوفيد طويل الأمد» قد يعبّر عن نفسه بطريقة مختلفة وفق بيئة كلّ مضيف. ولكن حتّى ينجح الباحثون في تطوير علاجات مستهدفة، فعلى ساندرز أن تكتشف وتكتب وصفات وتقترح حلولاً غير معقّدة وموجودة.

تتشارك العيادة حالياً مقرّها مع فريق معالجة الجروح في «يال»؛ أي إنّ مرضاها يتشاركون غرفة الانتظار مع أشخاص يتعافون من الإصابات، ولكن من المفترض أن تنتقل إلى مكان جديد أكبر في أكتوبر (تشرين الأوّل) المقبل.

* مجلّة «نيويورك ماغازين» - «خدمات تريبيون ميديا»



لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.