المأكولات النباتية المصنَّعة... تحوُّل «فعال» نحو الاستدامة

أطعمة بديلة تقلل الانبعاثات الكربونية

استبدال منتجات اللحوم والألبان ببدائل نباتية يقلل من انبعاثات غازات الدفيئة (المعهد الدولي للنظم التطبيقية التحليلة)
استبدال منتجات اللحوم والألبان ببدائل نباتية يقلل من انبعاثات غازات الدفيئة (المعهد الدولي للنظم التطبيقية التحليلة)
TT

المأكولات النباتية المصنَّعة... تحوُّل «فعال» نحو الاستدامة

استبدال منتجات اللحوم والألبان ببدائل نباتية يقلل من انبعاثات غازات الدفيئة (المعهد الدولي للنظم التطبيقية التحليلة)
استبدال منتجات اللحوم والألبان ببدائل نباتية يقلل من انبعاثات غازات الدفيئة (المعهد الدولي للنظم التطبيقية التحليلة)

يمكن للبدائل الغذائية النباتية أن تدعم عمليات التحول نحو الاستدامة العالمية، عبر الحد من الانبعاثات الكربونية وإيقاف تدهور الغابات وتعزيز التنوع البيولوجي. فوفق نتائج دراسة جديدة، فإن استبدال 50 في المائة من بدائل نباتية بمنتجات اللحوم والألبان بحلول عام 2050 يمكن أن يقلل من انبعاثات غازات الدفيئة المرتبطة بالزراعة واستخدام الأراضي بنسبة 31 في المائة، كما يمكن أن يوقف تدهور الغابات والأراضي الطبيعية.

بدائل لمنتجات اللحوم

بحثت الدراسة الأمن الغذائي العالمي والآثار البيئية لاستهلاك «اللحوم والألبان النباتية» على نطاق واسع، من خلال تحالف دولي ضم عدة جهات بحثية وإحدى الشركات التي تعمل على تطوير بدائل نباتية لمنتجات اللحوم، إلا أنه كانت هناك سيطرة كاملة للفريق العلمي للدراسة على عملية صنع القرار. ووفق النتائج المنشورة بدورية «نيتشر كومينيكيشن»، في 12 سبتمبر (أيلول)، يمكن أن تتحقق فوائد إضافية للمناخ والتنوع البيولوجي من إعادة تشجير الأراضي المخصصة للإنتاج الحيواني، والتي تم الاستغناء عنها بعد استبدال بدائل نباتية باللحوم ومنتجات الألبان.

تقول الباحثة الرئيسية للدراسة، مارتا كوزيكا، من برنامج التنوع البيولوجي والموارد الطبيعية التابع للمعهد الدولي للنظم التطبيقية التحليلية إن «فهم آثار التحولات الغذائية يوسّع خياراتنا للحد من انبعاثات غازات الدفيئة، كما أن تغيير الأنظمة الغذائية يمكن أن يؤدي إلى تحسينات هائلة في التنوع البيولوجي».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «اللحوم النباتية ليست مجرد منتج غذائي جديد، لكنها فرصة حاسمة لتحقيق أهداف الأمن الغذائي والمناخ مع تحقيق أهداف الصحة والتنوع البيولوجي في جميع أنحاء العالم».

بدوره، يرى الدكتور طارق قابيل، خبير النظم البيئية، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية في كلية العلوم، جامعة القاهرة، أن نتائج الدراسة «مهمة للغاية، خصوصاً أن استبدال البدائل النباتية باللحوم ومنتجات الألبان يمكن أن يحسّن الأمن الغذائي العالمي، فإنتاج اللحوم ومنتجات الألبان أمر مكلّف للغاية من حيث الموارد، ويسهم في زيادة معدلات الجوع وسوء التغذية في الكثير من البلدان».

وقال قابيل لـ«الشرق الأوسط»: «يحتاج إنتاج اللحوم ومنتجات الألبان إلى الكثير من الأراضي، وغالباً ما يتم الحصول على هذه الأراضي من خلال قطع الأشجار، مما يؤدي إلى تدهور الغابات، وبالتالي فقدان الموائل الطبيعية للنباتات والحيوانات».

طوَّر المشاركون في الدراسة سيناريوهات للتغيرات الغذائية بناءً على وصفات نباتية للحوم البقر والدجاج والحليب. وتم تصميم الوصفات لتكون مكافئة من الناحية الغذائية لمنتجات البروتين الأصلية المشتقة من الحيوان.

خفض الانبعاثات

ووجد الباحثون أن سيناريو الإحلال بنسبة 50 في المائة من شأنه أن يقلل بشكل كبير من التأثيرات المتزايدة للنظم الغذائية على البيئة الطبيعية بحلول عام 2050 مقارنةً بالسيناريو المرجعي. ومن دون احتساب أي احتجاز للكربون في الأراضي التي تم إنقاذها، يمكن أن تنخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بمقدار 2.1 غيغاطن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً (31 في المائة) في عام 2050، كما تنخفض معدلات نقص التغذية على مستوى العالم إلى 3.6 في المائة، مقارنةً بنسبة 3.8 في المائة في السيناريو المرجعي (أي بما يعادل 31 مليون شخص).

ومن الممكن تحقيق الفائدة البيئية الكاملة المترتبة على التحولات في النظام الغذائي إذا تمت استعادة الأراضي الزراعية التي تم إنقاذها من إنتاج الماشية والأعلاف من خلال التشجير الذي يراعي التنوع البيولوجي. ومن شأن استعادة النظم الإيكولوجية للغابات أن تؤدي إلى تحسين التنوع البيولوجي. ومن شأن سيناريو 50 في المائة أن يقلل من الانخفاض المتوقَّع في سلامة النظام البيئي بأكثر من النصف، في حين أن سيناريو 90 في المائة يمكن أن يعكس تماماً عملية فقدان التنوع البيولوجي بين عامي 2030 و2040.

ويلفت بيتر هافليك، مدير برنامج التنوع البيولوجي والموارد الطبيعية التابع للمعهد الدولي للنظم التطبيقية التحليلية، النظر إلى أنه «في حين أن التحولات الغذائية التي تم تحليلها تعمل كعامل تمكين قوي لتحقيق أهداف المناخ والتنوع البيولوجي، فإنها يجب أن تكون مصحوبة بسياسات إنتاجية مستهدفة لتحقيق إمكاناتها الكاملة». وأوضح أنه «بخلاف ذلك، سيتم فقدان هذه الفوائد جزئياً بسبب توسيع الإنتاج وما ينتج عن ذلك من خسائر في غازات الدفيئة وكفاءة استخدام الأراضي».

وهو ما علّقت عليه كوزيكا: «يجب تطبيق السياسات التي من شأنها أن تشجع على زيادة استهلاك البدائل النباتية بدلاً من الأغذية ذات المصدر الحيواني، من خلال التثقيف المباشر للمستهلك، أو تسعير المواد الغذائية، أو الإعلانات، وتوفير المعلومات حول الفوائد المحتملة للتغيير الغذائي».

من جهته شدد قابيل على أنه لكي تتمكن الدول من دمج هذا التحول ضمن أولوياتها، يجب أن تُتخذ مجموعة من السياسات، بما في ذلك تشجيع الناس على تناول المزيد من الأطعمة النباتية، وتوفيرها بأسعار معقولة. والاستثمار في البحث والتطوير، ما يسهم في تحسين جودة وتنوع الأطعمة النباتية، وجعلها أقل تكلفة».



مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.


اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف
TT

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

في تطورين علميين لافتين، أعلن باحثون اكتشافين يسلطان الضوء على أسرار الحياة من جانبين متناقضين. ففي حين نجح فريق علمي في بناء واحدة من أكثر المحاكاة الرقمية اكتمالاً لخلية حيّة، تمكَّن فريق آخر من تحديد المفتاح الجزيئي الذي يحدد متى تتوقف الخلايا البشرية عن الانقسام، والتكاثر.

ورغم اختلاف المسارين يجتمع هذان الإنجازان ليقدما صورة أوضح للحياة سواء في أبسط صورها أو أعقدها، هي أنها تعمل وفق نظام دقيق ومترابط يفوق ما كان يُعتقد سابقاً.

خلية «حيّة» على شاشة الكمبيوتر

لأول مرة تمكن الباحثون بقيادة زين ثورنبورغ، من معهد «بيكمان للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة» في جامعة «إلينوي» بالولايات المتحدة الأميركية، من إنشاء نموذج حاسوبي يتتبع كل جزيء داخل خلية بكتيرية بسيطة في أثناء عملية نسخ حمضها النووي «دي ان ايه DNA» وانقسامها إلى خليتين، في دراسة نُشرت في مجلة «سيل Cell» في 9 مارس (آذار) 2026. وقد تم تقليص المادة الجينية لهذه الخلية إلى 493 جيناً فقط مما جعلها نموذجاً مثالياً لفهم كيفية نشوء الحياة من مكوّناتها الأساسية.

وأعادت المحاكاة الرقمية بناء جميع العمليات الحيوية بما فيها تضاعف الحمض النووي (دي إن إيه)، وتصنيع البروتينات ونشاط الريبوسومات وتغيرات الغشاء الخلوي. ومع تحرّك الجزيئات واصطدامها داخل «الخلية الافتراضية virtual cell» فإنها اتبعت نفس السلوك الذي تفعله الخلايا الحقيقية. وبعد محاولات عديدة لتحسين النموذج، استطاعت الخلية الافتراضية إكمال دورة خلوية كاملة. واستغرقت 105 دقائق، وهو وقت مطابق تقريباً لوقت الخلية الحقيقية.

ولم تكن هذه العملية مجرد رسوم متحركة بل خريطة تفصيلية لما يجعل الخلية حيّة. ويفتح ذلك الباب أمام ابتكار مضادات حيوية جديدة وفهم تطور الحياة المبكرة وتصميم كائنات دقيقة مبرمجة لأغراض طبية أو بيئية. لكن فهم كيفية بدء الحياة لا يقل أهمية عن فهم كيفية توقفها.

بروتين واحد يتحكم بساعة الشيخوخة داخل خلايانا

كانت دراسة منفصلة نُشرت في مجلة «Molecular Cell» بتاريخ 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025 قد اكتشفت أن بروتيناً واحداً يسمّى «ATM»، هو المسؤول عن اتخاذ القرار المصيري الذي يُجبر الخلايا البشرية على التوقف عن الانقسام في عملية تُعرف بـ«الشيخوخة التكاثرية أو التشيّخ replicative senescence». وقاد الدراسة تيتيا دي لانغ، رئيسة مختبر بيولوجيا الخلية وعلم الوراثة في جامعة «روكفلر» في نيويورك.

ولفترة طويلة اعتقد الباحثون أن بروتينَي «ATM» و«ATR» يعملان معاً لاستشعار قِصَر التيلوميرات، وهي الأغطية الواقية في نهايات الكروموسومات التي تقصر مع كل انقسام خلوي. لكن الدراسة الجديدة نقضت هذه الفكرة تماماً. وأكدت أن بروتين «ATM» هو وحده المسيطر على عملية التوقف.

وعندما عطّل العلماء هذا البروتين واصلت الخلايا الانقسام حتى عندما أصبحت تيلوميراتها قصيرة جداً. والأدهى من ذلك أن تعطيل بروتين «ATM» في خلايا «مسنّة» أعاد قدرتها على الانقسام، مما يعني أن الشيخوخة الخلوية ليست نهاية حتمية بل مفتاح يمكن تشغيله ووقفه.

نقطة التقاطع: البيئة المحيطة تغيّر مصير الخلية

ما يجمع بين الاكتشافين هو عنصر واحد مهم وهو الأكسجين، حيث أظهرت الخلية الافتراضية أن التغيرات البسيطة في بيئة الخلية تؤثر بعمق على سلوك مكوّناتها الجزيئية. وينطبق الأمر نفسه على الخلايا البشرية.

وتعيش معظم الأنسجة في جسم الإنسان في بيئة تحتوي على 3 في المائة فقط من الأكسجين. لكن في المختبر تُزرع الخلايا عادةً في 20 في المائة منه وهو مستوى الهواء المحيط. ولطالما حيّر العلماء سبب «شيخوخة» الخلايا في المختبر بسرعة أكبر مما يحدث داخل الجسم.

وقدّمت الدراسة الجديدة الإجابة، حيث إن نسبة الأكسجين العالية تجعل بروتين «ATM» حساساً بشكل زائد، فيدفع الخلايا إلى التوقف عن الانقسام أسرع من الطبيعي. ولكن عند مستويات الأكسجين الهادئة داخل الجسم يصبح البروتين «ATM» أقل نشاطاً وتتمكن الخلايا من الانقسام لفترات أطول.

رسالة موحّدة: الحياة تعمل وفق شبكة دقيقة من القواعد

وعند جمع النتائج معاً تتضح صورة مذهلة هي أن الحياة، من أبسط الخلايا إلى أعقدها، محكومة بدوائر جزيئية دقيقة تتأثر بكل ما يحيط بها. فالخلية الافتراضية تكشف عن كيف تنشأ الحياة من مجموعة صغيرة من الجينات. واكتشاف بروتين «ATM يوضح كيف يمكن لجزيء واحد أن يتحكم بالحدّ الفاصل بين الشباب والشيخوخة. وكلاهما يُظهر أن سلوك الخلايا ليس قدراً ثابتاً بل استجابة مرنة للبيئة.

تمهيد لعصر جديد في علم الأحياء

تُبشّر هذه الاكتشافات بمرحلة متطورة تتيح لنا اختبار الخلايا افتراضياً قبل إجراء التجارب الفعلية عليها. والنظر إلى الشيخوخة بوصفها حالة قابلة للتعديل وليس كمصير محتوم. ومن ثم تصميم علاجات أكثر دقة للأمراض كالسرطان والأمراض التنكسية والعدوى.

سواء من خلال محاكاة خلية بكتيرية كاملة أو فك أسرار الساعة البيولوجية للشيخوخة، تُؤكّد لنا هذه الإنجازات حقيقة واحدة هي أن قوانين الحياة لم تعد طيَّ الكتمان بل تُفكَّك طلاسمها خطوة بعد خطوه وبوتيرة أسرع من أي وقت مضى.