حياة أوبنهايمر جسَّدت صراع العلم مع المسؤولية الأخلاقية

قائدو التطوّرات الثورية في العالم يتحمّلون مسؤولية معالجة مخاطرها على المجتمعات

حياة أوبنهايمر جسَّدت صراع العلم مع المسؤولية الأخلاقية
TT

حياة أوبنهايمر جسَّدت صراع العلم مع المسؤولية الأخلاقية

حياة أوبنهايمر جسَّدت صراع العلم مع المسؤولية الأخلاقية

عاش ج. روبرت أوبنهايمر، أبو القنبلة الذريّة، لسنوات في صراعٍ بين علمه وإملاء ضميره، حيث إنّه عبّر علناً عن قلقه من القنبلة الهيدروجينية وسباق التسلّح النووي. وأنهى أوبنهايمر، الذي يعود اليوم إلى الواجهة في فيلم عالمي يحكي سيرته، حياته العملية على مذبح سياسات الحرب الباردة. لحسن الحظّ، شعر خبراء ذرّيّون مبكرون آخرون، من بينهم علماء جامعة شيكاغو الذين أنتجوا أوّل تفاعلٍ تسلسلي نووي، بواجبهم في المساعدة في منع سوء توظيف علوم الذرة. وفهم هؤلاء العلماء أمراً، يجب على روّاد اليوم في ميادين الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية إدراكه، وهو أنّ الأشخاص الذين يقودون التطوّرات الثورية في العالم يتحمّلون مسؤولية مساعدة المجتمع في معالجة مخاطرها.

 

ملصق عن فيلم أوبنهايمر (أبو القنبلة الذرية)

* هل يمكننا هندسة نباتات وحيوانات مقاومة للعناصر المفترسة، من دون زعزعة توازن الطبيعة؟ وهل من الأخلاقي تصحيح اعتلالات مفترضة لدى البشر؟

أخلاقيات العلم

في مختبرات جامعية أو تابعة لشركات ربحية، يعمل الباحثون اليوم على تطوير تقنيات تثير أسئلة أخلاقية جديّة. هل يمكننا هندسة نباتات وحيوانات مقاومة للعناصر المفترسة، من دون زعزعة توازن الطبيعة؟ هل يجوز الترخيص لبراءات اختراع على الأشكال الحيّة؟ هل من الأخلاقي تصحيح اعتلالات مفترضة لدى البشر؟ هل يجب السماح للآلات باتخاذ قرارات مصيرية –مثلاً، بين استخدام القوّة للردّ على تهديد أو شنّ ضربة نووية انتقامية؟

ترك علماء الذرة من شيكاغو وغيرها من المؤسسات خلفهم نموذجاً عن السلوك المسؤول للعلم، نموذجاً قابلاً للتطبيق اليوم بقدر ما كان قابلاً للتطبيق في أيّام أوبنهايمر.

بدأ السباق نحو القنبلة الذريّة في مختبر «ميت لاب» التابع لجامعة شيكاغو، حيث حدث أوّل انشطار نووي مهندَسٌ ذاتيُّ الاستدامة في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1942، اجتمع العلماء في ذلك الوقت فيما عُرفت بـ«القرية الذريّة»، ومن بينهم عالم الفيزياء المجري ليو زيلارد، الذي ساعد قبل بضع سنوات من ذلك، في إقناع ألبرت أينشتاين بتحذير الرئيس فرانكلين روزفلت من قرب تطوير سلاح جبار، ومن أنّ علماء هتلر يعلمون بهذا الأمر أيضاً.

وكانت «رسالة أينشتاين - زيلارد» الشهيرة، التي وضعت الولايات المتحدة على مسار «مشروع مانهاتن» المعروف، أوّل خطوة عظيمة باتجاه المسؤولية العلمية في العصر النووي. يقول الدرس الأوّل المستقى في «مختبر ميت»: «المعرفة العلمية، متى ما اكتُسبت، لا تمكن إعادتها من حيث أتت». عندما استشعر زيلارد وزملاؤه أنّ اكتشافات الفيزياء النووية الأخيرة قد تُغيّر العالم، كان عليهم أن يُطْلعوا قادة الديمقراطية على الأمر.

في ذلك الوقت، شغل القرية الذريّة في جامعة شيكاغو مزيج من العلماء الاستثنائيين كالفيزيائي جون سيمبسون، وكانوا مجموعة من الأميركيين اليافعين. وضمّت المجموعة أيضاً عدداً من المهاجرين اليهود، كزيلارد، والفيزيائي الألماني جايمس فرانك، وعالم الفيزياء الحيوية الروسي - الألماني يوجين رابينوفيتش، الذين عاشوا تجارب عزّزت حساسيتهم تجاه البعد الأخلاقي للعلم قبل مغادرة أوروبا. في الحقيقة، حظي فرانك بتجربة أولية في مجال إخضاع العلم للسياسة؛ فبينما كان لا يزال عالماً يافعاً في ألمانيا مع بداية الحرب العالمية الأولى، تطوّع في جيش القيصر وكان ضابطاً في الوحدة التي أدخلت غاز الكلورين لأوّل مرّة إلى ساحة المعركة. وقد انتقد صديقه، عالم الفيزياء البارز والمرشح لجائزة نوبل نيلز بور، في ذلك الوقت قراره قبول الدور الذي ندم عليه فرانك بشدّة لاحقاً.

وبحلول عام 1943 تحوّل العمل الأساسي في تطوير القنبلة النووية إلى مواقع «أوك ريدج»، في تينيسي؛ وهانفورد في واشنطن؛ ولوس آموس في نيو مكسيكو. أمّا العلماء الذين بقوا في «ميت لاب»، في جامعة شيكاغو، فقد حظوا بالوقت لهيكلة قرارات حول استخدام التقنية النووية لما تبقّى من الحرب العالمية الثانية وفي فترة ما بعد الحرب.

دروس الاكتشافات العلمية

أمّا الدرس الثاني من «ميت لاب»، فقد كانت أن الاكتشاف العلمي لا رجعة فيه ولكنّ تأثيراته قابلة للتنظيم. عام 1965، نشرت المؤرخة أليس كيمبل سميث كتاب «خطر وأمل: حركة العلماء في أميركا، 1945 - 1947»، الذي ارتكز على مواد أرشيفية ومقابلات سردت النقاشات الحادّة والغاضبة التي دارت بين العلماء في تلك الفترة. وأخيراً، وضع علماء «ميت لاب» أهدافاً نبيلة وعملية: لقد أرادوا منح اليابانيين لمحة عن قوّة القنبلة الذريّة وفرصة للاستسلام قبل استخدامها ضدّهم، بالإضافة إلى تحرير العلم من أغلال السريّة الرسمية، وتجنّب سباق التسلّح، وتأسيس مؤسسات دولية لحوكمة التقنية الذرية.

يشدّد الدرس الثالث التي خرج به المختبر على أنّ القرارات المهمّة المتعلّقة بتطبيقات التقنية الجديدة يجب أن يتّخذها مدنيّون في مسار ديمقراطي شفّاف. بدأ علماء شيكاغو الذريّون في منتصف الأربعينات نقل مخاوفهم إلى قادة «مشروع مانهاتن»، ومن ثمّ إلى المسؤولين الرسميين.

ألبرت أينشتاين شارك في «مشروع مانهاتن» لإنتاج القنبلة الذرية

فضّلت البيروقراطية العسكرية آنذاك إبقاء الأمور في الظلّ، ولكنّ العلماء واجهوها في كلّ خطوة. فقد قاد زيلارد، وفرانك، ورابينوفيتش، وسيمبسون إلى جانب عددٍ هائلٍ من زملائهم، جهوداً لتثقيف السياسيين وإطلاع الرأي العام على المخاطر النووية. كما أسّس هؤلاء جمعيات عدّة، أوّلاها كانت «علماء شيكاغو الذريّون»، ونظّموا المحاضرات، وكتبوا مقالات الرأي، وأطلقوا منشورات أبرزها «نشرة العلماء الذريين» التي حرّرها علماء «ميت لاب» ونشرتها جامعة «شيكاغو». عملوا أيضاً إلى جانب علماء آخرين من مواقع «مشروع مانهاتن» على تنظيم الدعم للانتقال إلى تنفيذ قانون الطاقة الذرية، الذي أسّس وكالة مستقلّة من المدنيين خاضعة لمحاسبة الرئيس والكونغرس للإشراف على تطوير واستخدام علوم الذرة. استمرّت جهودهم حتّى الحرب الباردة ونظّموا حملات ناجحة لمنع التجارب النووية، ولتطبيق مواثيق منع الانتشار واتفاقات ضبط الأسلحة.

 

* أبحاث القطاع الخاص تلغي حقّ الرأي العام بالمشاركة في اتخاذ القرارات الأخلاقية حول تطبيقات المعرفة العلمية والتقنية

مخاوف أبحاث القطاع الخاص

في القرن الحادي والعشرين، تتولّى مختبرات خاصة والأقسام التنفيذية في شركات تجارية اتخاذ قرارات كثيرة حول تطوير واستخدام التقنيات الجديدة بعيداً عن أنظار الرأي العام. وكما السرية العسكرية التي كانت مكروهة من علماء «ميت لاب»، تعيق مِلكية القطاع الخاص للقرار، التعاون والتدفّق الحرّ للمعرفة اللذين يعتمد عليهما التقدّم العلمي. كما أنّ إضفاء طابع الخصوصية على اتخاذ هذه القرارات يلغي حقّ الرأي العام في المشاركة عبر المسار الديمقراطي في اتخاذ القرارات الأخلاقية حول تطبيقات المعرفة العلمية والتقنية، أي نوع القرارات الذي أعطى «ميت لاب» الحقّ للنّاس في اتخاذها.

في أغسطس (آب) 1945، تسببت قنبلتان ذريّتان في الموت السريع والمحتَم لما يتراوح بين 150 و220 ألف شخص في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين. بعد بضعة أشهر، خلال اجتماع في البيت الأبيض، قال أوبنهايمر لهاري ترومان: «سيّدي الرئيس، يداي ملطّختان بالدماء». ولكنّ ترومان ذكّر عالم الفيزياء بأنّ قرار رمي القنبلتين كان قراره وحده. لم يبرّئ علماءُ الذرّة الذين ساهموا في صناعة القنبلة أنفسَهم قط من الحادثة، ولكنّ النظام الذي رعوه والنموذج الذي وضعوه للعلم المسؤول، ساعدا في عدم تكرار استخدام السلاح النووي مرّة أخرى حتّى يومنا هذا، وعلينا الاستفادة من الدروس التي تعلّموها.

* «ذي أتلانتيك أونلاين» - خدمات «تريبيون ميديا»

 

 

 



أقمشة مطلية بالألماس تُحافظ على برودة الجسم في الأجواء الحارة

أقمشة مطلية بالألماس تُحافظ على برودة الجسم في الأجواء الحارة
TT

أقمشة مطلية بالألماس تُحافظ على برودة الجسم في الأجواء الحارة

أقمشة مطلية بالألماس تُحافظ على برودة الجسم في الأجواء الحارة

في الأيام الحارة، تحبس معظم الملابس الحرارة. لكن الأقمشة المطلية بجزيئات الألماس النانوية -وهي جسيمات ماسية ​​متناهية الصغر- يمكنها بدلاً من ذلك إطلاق الحرارة، الأمر الذي يُساعد على تقليل استهلاك أجهزة التكييف للطاقة الكهربائية.

جسيمات الألماس النانوية

تتميز جسيمات الألماس النانوية، التي يقل امتداد كل منها عن جزء من ألف من عرض شعرة الإنسان، بالبنية البلورية الكربونية نفسها للألماس الأكبر حجماً. وهذه البنية تجعلها فعالة للغاية في نقل الحرارة.

كما أنها لا تحتاج إلى أن تكون مثالية الشكل؛ لذا يمكن تصنيعها من نفايات الكربون مثل البلاستيك، وبذلك تقل تكلفة تصنيعها نسبياً.

نسيج مطلي بالألماس

يقول شادي هوشيار، أستاذ الهندسة في جامعة «RMIT» الأسترالية، الذي طوّر فريقه نسيجاً مطلياً بالألماس النانوي في مركز ابتكار المواد والأزياء المستقبلية بالجامعة: «نظراً لخصائص الكربون الحرارية الاستثنائية، فإنه قادر على امتصاص الطاقة والحرارة بسرعة، وإطلاقها بسرعة عبر هذا النظام».

ويُستخدم الألماس بالفعل في الإلكترونيات للمساعدة في تبريد أجزاء مثل رقائق الكمبيوتر؛ لذا أدرك الباحثون إمكانية تطبيق الفكرة نفسها في الملابس.

امتصاص حرارة الجسم

يقول هوشيار: «قررنا إضافة الألماس النانوي إلى المنسوجات. فعند ملامسته الجلد، يمتص الحرارة بسرعة من الجسم، ثم يُطلقها. وهو مفيد بشكل خاص في المناطق التي ترتفع حرارتها مثل البدن».

ويضيف: «يتمتع الألماس النانوي بقدرة عالية على امتصاص الحرارة، لذا يمكنه سحب الحرارة من الجسم لساعات طويلة». ويشير إلى أنه على الرغم من إمكانية استخدامه في أي نوع من الملابس، فإنه قد يكون مفيداً أيضاً في معدات الحماية الشخصية لرجال الإطفاء.

خفض درجة الحرارة

يمكن للملابس المصنوعة من هذا النسيج أن تخفض درجة حرارة الجسم بمقدار 4 إلى 5 درجات فهرنهايت (2 إلى 3 درجات مئوية)، وهو ما يكفي لتقليل الحاجة إلى تشغيل مكيف الهواء بأقصى طاقته للشعور بالراحة في الحر الشديد. كما يمكن للستائر المصنوعة من نسيج مطلي بجزيئات نانوية من الألماس أن تحافظ على برودة المنازل؛ ويمكن أيضاً دمج هذه الجزيئات في طلاء المنازل.

لإضافة هذه المادة إلى النسيج، يستخدم العلماء مادة رابطة مستدامة، يقول هوشيار إنها قادرة على تثبيت جسيمات الألماس النانوية بإحكام لمدة 50 دورة غسيل على الأقل. ويعمل الفريق حالياً على تطوير طريقة لطلاء الخيوط بطبقة من هذه المادة في مرحلة مبكرة من عملية التصنيع.

تصنيع جسيمات الألماس

ويمكن تصنيع جزيئات الألماس النانوية من نفايات الكربون، بما في ذلك النفايات البلاستيكية، عن طريق تعريض الكربون لضغط ودرجة حرارة عاليتين في مفاعل، ما يؤدي إلى إعادة ترتيب الذرات في بنية ماسية. ومن خلال تعديل العملية، يمكن منح المادة خصائص أخرى، بما في ذلك القدرة على امتصاص الرطوبة أو إطلاقها.

مواد آمنة

ويقول هوشيار: «هناك احتمال أن يحل هذا محل المركبات الكيميائية الأبدية. ولذا وعلى عكس الطلاءات الكيميائية الأبدية المستخدمة في صناعة سترات المطر وغيرها من الملابس المقاومة للماء، فإن جسيمات الألماس النانوية غير سامة وآمنة بيئياً».

إعادة تصميم الملابس

مع ازدياد احتمالات ظهور موجات الحر الشديدة نتيجة تغير المناخ، يبحث باحثون آخرون عن طرق جديدة لإعادة تصميم الملابس للحفاظ على برودة الجسم. استخدم مهندسون في جامعة ماساتشوستس أمهيرست حديثاً كربونات الكالسيوم -وهي مادة طباشيرية منخفضة التكلفة- لطلاء أقمشة انخفضت درجة حرارتها عدة درجات في الاختبارات. ويجري باحثون آخرون تجارب على مواد مثل أسلاك الفضة النانوية وأكسيد الزنك.

ويبحث فريق هوشيار الآن عن تمويل لتحويل هذا البحث إلى شركة ناشئة.

* مجلة «فاست كومباني».


هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطبيب؟

القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
TT

هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطبيب؟

القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها

عندما ينظر الطبيب إلى شاشة التحليل، قد لا يكون ما يراه مجرد بيانات طبية، بل اقتراحاً كاملاً للتشخيص صاغته خوارزمية خلال ثوانٍ... في تلك اللحظة، لا يدور السؤال حول دقة هذا الاقتراح فحسب، بل حول تأثيره الخفي: هل يساعد هذا الاقتراح الطبيب على التفكير، أم يغيّر طريقته في التفكير دون أن يشعر؟

الذكاء الاصطناعي... طرف غير مرئي في القرار

هذا التحول الصامت في العلاقة بين الطبيب والمعلومة هو ما بدأت الأبحاث الحديثة في استكشافه، مع دخول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى صميم القرار السريري. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات، بل أصبح طرفاً غير مرئي في تشكيل الحكم الطبي، يؤثر في كيفية قراءة المعلومات وربطها، وربما في المسار الذهني الذي يقود إلى القرار النهائي.

دراسة علمية حديثة

هذا السؤال حاولت الإجابة عنه دراسة علمية حديثة نُشرت في فبراير (شباط) 2026 في مجلة نيتشر ميديسن (Nature Medicine)، حيث صمم الباحثون تجربة سريرية محكمة لاختبار تأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي على طريقة تحليل الأطباء للحالات الطبية واتخاذهم للقرارات التشخيصية.

قاد الدراسة فريق بحثي دولي من جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا الأميركية بالتعاون مع باحثين من مختبرات «غوغل ريسيرش» و«غوغل ديب مايند». وشارك في الإشراف على البحث الطبيب والعالم الأميركي إيوان آشلي (Euan Ashley)، إلى جانب الباحثين جاك أوسوليفان (Jack W. O’Sullivan) وتاو تو (Tao Tu)، وعدد من المتخصصين في الطب والذكاء الاصطناعي.

التجارب السريرية للذكاء الاصطناعي الطبي

تجربة سريرية تحاكي الواقع الطبي

اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على تصميم علمي يعرف باسم «التجربة العشوائية المحكمة»، وهو من أكثر الأساليب العلمية دقة وموثوقية في تقييم التقنيات الطبية.

ولمحاكاة الظروف الحقيقية للعمل داخل العيادات، طُلب من مجموعة من أطباء القلب تحليل حالات سريرية حقيقية لمرضى، باستخدام بيانات طبية متعددة، شملت تخطيط القلب الكهربائي وصور القلب واختبارات الجهد وغيرها من المعلومات السريرية المعقدة.

ثم قُسم الأطباء إلى مجموعتين: الأولى قامت بتقييم الحالات بالطريقة التقليدية دون أي مساعدة رقمية، بينما حصلت المجموعة الثانية على دعم من نظام ذكاء اصطناعي طبي يُعرف باسم AMIE، وهو نموذج يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحليل البيانات الطبية وتقديم تقييم أولي للحالة.

وكان الهدف من هذه التجربة معرفة ما إذا كانت مساعدة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤثر في طريقة تحليل الطبيب للحالة الطبية أو في جودة القرار السريري الذي يتخذه.

تقييم القرارات دون معرفة مصدرها

ولضمان حياد النتائج، اتبع الباحثون خطوة منهجية مهمة. فقد عُرضت تحليلات الأطباء للحالات على مجموعة من أطباء القلب المتخصصين ليقوموا بمراجعتها وتقدير جودتها العلمية.

غير أن هؤلاء الخبراء لم يكونوا على علم بما إذا كانت تلك التحليلات قد أُعدّت بمساعدة نظام الذكاء الاصطناعي أم من دونه. وقد سمح هذا الأسلوب العلمي، المعروف باسم «التقييم المعمّى» (Blinded Evaluation)، بمقارنة مستوى القرارات الطبية بصورة موضوعية، بعيداً عن أي تأثير لمعرفة مصدر التقييم.

 

 

* الأطباء تعاملوا مع توصيات النظام الذكي بوصفها أداة تحليل إضافية وليس بوصفها قراراً نهائياً *

ماذا كشفت الدراسة؟

أظهرت نتائج التجربة أن استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الأطباء على تنظيم المعلومات الطبية وتحليل البيانات المعقدة بصورة أكثر شمولاً. ففي الحالات التي تضمنت كميات كبيرة من البيانات السريرية، ساهم النظام الذكي في تسهيل تجميع المعلومات وربطها ببعضها، وهو ما قد يساعد الطبيب على تكوين صورة أوضح للحالة المرضية.

لكن النتائج أشارت أيضاً إلى جانب مهم في طبيعة العلاقة بين الطبيب وهذه الأنظمة. فقد تعامل الأطباء مع التوصيات التي قدمها النظام الذكي بوصفها أداة تحليل إضافية، وليس بوصفها قراراً نهائياً.

بمعنى آخر، أظهر الأطباء ميلاً إلى استخدام مخرجات الذكاء الاصطناعي كوسيلة لدعم التفكير السريري وإعادة فحص المعلومات الطبية، مع بقاء عملية الحكم الطبي النهائي قائمة على خبرتهم السريرية وتقييمهم الشامل لحالة المريض.

 

الطبيب يقود والذكاء الاصطناعي يدعم القرار الطبي

استقلالية الحكم السريري

واللافت في النتائج أن الأطباء لم يتعاملوا مع توصيات النظام بوصفها إجابة جاهزة، بل كمنطلق لإعادة التفكير، وهو ما يعكس بقاء الحكم السريري مستقلاً رغم حضور الذكاء الاصطناعي.

ولم يكن هدف الباحثين قياس دقة القرارات الطبية فقط، بل فهم تأثير الذكاء الاصطناعي في طريقة تفكير الطبيب نفسه أثناء تحليل الحالة. فالدراسة حاولت اختبار ما إذا كانت التوصيات التي يقدمها النظام الذكي يمكن أن تؤثر في المسار الذهني الذي يتبعه الطبيب عند تقييم المعلومات السريرية، وهو مجال بحثي جديد يدرس التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الطبي.

كيف يتغير التفكير الطبي؟

تشير نتائج هذه الدراسة إلى تحول تدريجي في طريقة عمل الأطباء داخل البيئة الطبية الحديثة. فمع ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية، لم يعد الطبيب يعمل مع المعلومات وحده، بل أصبح يتعامل مع طبقة إضافية من التحليل الرقمي تساعده على قراءة المعطيات المعقدة بسرعة أكبر.

وفي هذا النموذج الجديد من الممارسة الطبية، تقوم الأنظمة الذكية بدور تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الإحصائية الخفية، بينما يبقى دور الطبيب في تفسير هذه النتائج وربطها بالسياق السريري الكامل للمريض.

وبذلك لا يصبح الذكاء الاصطناعي صانع القرار الطبي، بل أداة تحليل متقدمة قد تساعد الطبيب على رؤية تفاصيل في البيانات لم تكن واضحة من قبل، ما قد يساهم في تحسين دقة التقييم السريري واتخاذ القرار العلاجي.

ما الذي يعنيه هذا للأنظمة الصحية؟

تشير نتائج هذه الدراسة إلى أن نجاح الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعتمد على تطور الخوارزميات وحده، بل على الطريقة التي تُدمج بها هذه التقنيات داخل منظومة الرعاية الصحية. فالتكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تحقق فائدتها الكاملة ما لم تعمل ضمن بيئة طبية منظمة تسمح بتبادل البيانات وتحليلها بصورة آمنة وموثوقة.

ولهذا السبب تؤكد دراسات الصحة الرقمية أن أحد أهم شروط الاستفادة من الذكاء الاصطناعي هو وجود بنية رقمية متطورة تشمل السجلات الطبية الإلكترونية وقواعد البيانات السريرية القابلة للتحليل.

وتبرز أهمية هذا التحول في الدول التي تستثمر في التحول الصحي الرقمي، مثل المملكة العربية السعودية، حيث تعمل مبادرات «رؤية 2030» على تطوير السجلات الصحية الإلكترونية وتوسيع استخدام التقنيات الذكية في المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية.

وفي مثل هذه البيئات الرقمية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الأطباء على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية بسرعة أكبر، مما قد يساهم في تحسين دقة التشخيص ودعم اتخاذ القرار السريري.

مستقبل القرار الطبي

تشير هذه الدراسة إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي في الطب قد يتجاوز مجرد إدخال أدوات تقنية جديدة إلى العيادة. فمع استخدام هذه الأنظمة في تحليل البيانات الطبية المعقدة، قد يتغير أيضاً الأسلوب الذي يتعامل به الأطباء مع المعلومات السريرية عند تقييم الحالات المرضية.

غير أن نتائج التجربة تشير في الوقت نفسه إلى حقيقة أساسية: فالذكاء الاصطناعي قد يساعد في تحليل البيانات وتنظيمها، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الخبرة السريرية للطبيب أو قدرته على فهم السياق الكامل لحالة المريض.

ولهذا قد يكون مستقبل القرار الطبي في السنوات القادمة قائماً على تفاعل جديد بين الإنسان والتكنولوجيا، حيث تساعد الأنظمة الذكية في قراءة البيانات الطبية، بينما يبقى الطبيب المسؤول عن تفسير هذه المعطيات وربطها بالإنسان الذي يقف خلفها.

أما في العالم العربي، فإن الاستفادة الحقيقية من هذه التطورات تتطلب الاستثمار في السجلات الطبية الرقمية وتطوير البنية التحتية للبيانات الصحية، إضافة إلى تدريب الأطباء على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات دعم للقرار الطبي لا بديلاً عنه.

 


«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين
TT

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

الحصول على قسط كافٍ من النوم أمر بالغ الأهمية. فقد وجدت دراسة أجريت عام 2018 أن الأشخاص الذين ينامون من خمس إلى ست ساعات أقل إنتاجية بنسبة 19 في المائة من أولئك الذين ينامون بانتظام من سبع إلى ثماني ساعات في الليلة. أما الأشخاص الذين ينامون أقل من خمس ساعات، فتكون إنتاجيتهم أقل بنسبة 30 في المائة تقريباً... صحيح أنهم يبقون مستيقظين لفترة أطول، لكنهم في الواقع ينجزون أقل.

النوم مفيد لحل المشكلات الأصعب

يعود ذلك إلى أن أبحاثاً أخرى تُظهر أن الاكتفاء بست ساعات من النوم يجعل أي مهمة تتطلب تركيزاً أو تفكيراً عميقاً أو حلاً للمشكلات أكثر صعوبة.

*النوم 4 ساعات فقط يشبه شرب 5 أقداح مشروبات كحولية*

وفي الواقع، وفيما يتعلق بجوانب مثل الانتباه وسرعة رد الفعل، فإن النوم ست ساعات فقط يُشبه شرب بضعة أقداح من مشروبات كحولية، بينما يشبه النوم أربع ساعات فقط شرب خمسة أقداح مشروبات كحولية. كما تُظهر أبحاث أخرى أن الحرمان من النوم يجعل إنجاز أي نشاط يتطلب إجراء خطوات متعددة – إذ إن أي شيء تحاول القيام به تقريباً – يضحى أكثر صعوبة.

وإن لم يكن ذلك كافياً، فقد أظهرت دراسة أخرى أن قلة النوم تُسبب زيادة في نشاط مراكز المكافأة في الدماغ المسؤولة عن الطعام. كما أن اتباع نظام غذائي سيئ يُؤدي إلى قلة النوم، ما يُؤدي بدوره، للأسف، إلى اتباع نظام غذائي أسوأ.

«طريقة النوم العسكرية»

كيف تنام أسرع وبطريقة سهلة؟ في كتاب «استرخِ واربح: أداء البطولة» (Relax and Win: Championship Performance) الصادر عام 2012، يصف لويد باد وينتر روتيناً ابتكرته مدرسة الطيران التمهيدية التابعة للبحرية، لمساعدة الطيارين على النوم بشكل أسرع وأسهل.

وظهر أنه بعد ستة أسابيع من اتباع الطريقة، تمكّن 96 في المائة من الطيارين من النوم في غضون دقيقتين أو أقل: أثناء جلوسهم على كرسي، والاستماع إلى تسجيل لإطلاق نار رشاش، وبعد شرب القهوة.

خطوات الطريقة

إليك الطريقة:

* أرخِ عضلات وجهك بالكامل. أغمض عينيك. تنفّس ببطء وعمق. ثم أرخِ جميع عضلات وجهك ببطء. (ابدأ مثلاً بعضلات جبهتك وانزل تدريجياً). أرخِ فكّك، وخديك، وفمك، ولسانك، وكل شيء... حتى عينيك؛ دعهما يسترخيان.

* أرخِ كتفيك ويديك. تخلّص من أي توتر. أرخِ رقبتك، وعضلات ظهرك؛ اشعر وكأنك تغوص في الكرسي أو السرير. ثم ابدأ من أعلى ذراعك الأيمن، وأرخِ عضلات ذراعيك، وساعديك، ويديك ببطء. كرّر ذلك على الجانب الآخر. ولا تنسَ أن تستمر في التنفس ببطء وعمق.

* ازفر وأرخِ صدرك. مع استرخاء كتفيك وذراعيك، سيكون ذلك سهلاً.

* أرخِ ساقيك. ابدأ بفخذك اليمنى؛ دعها تغوص في الكرسي أو السرير. ثم افعل الشيء نفسه مع ساقك، وكاحلك، وقدمك. كرّر العملية مع ساقك اليسرى.

* الآن صفِّ ذهنك. صحيح أن من الصعب عدم التفكير في أي شيء. إذا كنت كذلك، فحاول أن تُبقي صورة في ذهنك. اختر شيئاً مُريحاً. تخيّل نفسك مُستلقياً بشكل مريح في الظلام. لكن إن لم ينجح ذلك، فجرّب تكرار عبارة «لا تُفكّر» لمدة عشر ثوانٍ. على الأقل، سيساعدك هذا على تشتيت انتباهك عن التفكير في أي شيء قد يُبقيك مستيقظاً.

الممارسة هي المفتاح

قد لا تُساعدك طريقة النوم العسكرية على النوم أسرع في المرات الأولى، ولكن كلما استخدمتها بانتظام، درّبت نفسك على الاسترخاء والتخلص من الأفكار.

* مجلة «فاست كومباني»