حياة أوبنهايمر جسَّدت صراع العلم مع المسؤولية الأخلاقية

قائدو التطوّرات الثورية في العالم يتحمّلون مسؤولية معالجة مخاطرها على المجتمعات

حياة أوبنهايمر جسَّدت صراع العلم مع المسؤولية الأخلاقية
TT

حياة أوبنهايمر جسَّدت صراع العلم مع المسؤولية الأخلاقية

حياة أوبنهايمر جسَّدت صراع العلم مع المسؤولية الأخلاقية

عاش ج. روبرت أوبنهايمر، أبو القنبلة الذريّة، لسنوات في صراعٍ بين علمه وإملاء ضميره، حيث إنّه عبّر علناً عن قلقه من القنبلة الهيدروجينية وسباق التسلّح النووي. وأنهى أوبنهايمر، الذي يعود اليوم إلى الواجهة في فيلم عالمي يحكي سيرته، حياته العملية على مذبح سياسات الحرب الباردة. لحسن الحظّ، شعر خبراء ذرّيّون مبكرون آخرون، من بينهم علماء جامعة شيكاغو الذين أنتجوا أوّل تفاعلٍ تسلسلي نووي، بواجبهم في المساعدة في منع سوء توظيف علوم الذرة. وفهم هؤلاء العلماء أمراً، يجب على روّاد اليوم في ميادين الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية إدراكه، وهو أنّ الأشخاص الذين يقودون التطوّرات الثورية في العالم يتحمّلون مسؤولية مساعدة المجتمع في معالجة مخاطرها.

 

ملصق عن فيلم أوبنهايمر (أبو القنبلة الذرية)

* هل يمكننا هندسة نباتات وحيوانات مقاومة للعناصر المفترسة، من دون زعزعة توازن الطبيعة؟ وهل من الأخلاقي تصحيح اعتلالات مفترضة لدى البشر؟

أخلاقيات العلم

في مختبرات جامعية أو تابعة لشركات ربحية، يعمل الباحثون اليوم على تطوير تقنيات تثير أسئلة أخلاقية جديّة. هل يمكننا هندسة نباتات وحيوانات مقاومة للعناصر المفترسة، من دون زعزعة توازن الطبيعة؟ هل يجوز الترخيص لبراءات اختراع على الأشكال الحيّة؟ هل من الأخلاقي تصحيح اعتلالات مفترضة لدى البشر؟ هل يجب السماح للآلات باتخاذ قرارات مصيرية –مثلاً، بين استخدام القوّة للردّ على تهديد أو شنّ ضربة نووية انتقامية؟

ترك علماء الذرة من شيكاغو وغيرها من المؤسسات خلفهم نموذجاً عن السلوك المسؤول للعلم، نموذجاً قابلاً للتطبيق اليوم بقدر ما كان قابلاً للتطبيق في أيّام أوبنهايمر.

بدأ السباق نحو القنبلة الذريّة في مختبر «ميت لاب» التابع لجامعة شيكاغو، حيث حدث أوّل انشطار نووي مهندَسٌ ذاتيُّ الاستدامة في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1942، اجتمع العلماء في ذلك الوقت فيما عُرفت بـ«القرية الذريّة»، ومن بينهم عالم الفيزياء المجري ليو زيلارد، الذي ساعد قبل بضع سنوات من ذلك، في إقناع ألبرت أينشتاين بتحذير الرئيس فرانكلين روزفلت من قرب تطوير سلاح جبار، ومن أنّ علماء هتلر يعلمون بهذا الأمر أيضاً.

وكانت «رسالة أينشتاين - زيلارد» الشهيرة، التي وضعت الولايات المتحدة على مسار «مشروع مانهاتن» المعروف، أوّل خطوة عظيمة باتجاه المسؤولية العلمية في العصر النووي. يقول الدرس الأوّل المستقى في «مختبر ميت»: «المعرفة العلمية، متى ما اكتُسبت، لا تمكن إعادتها من حيث أتت». عندما استشعر زيلارد وزملاؤه أنّ اكتشافات الفيزياء النووية الأخيرة قد تُغيّر العالم، كان عليهم أن يُطْلعوا قادة الديمقراطية على الأمر.

في ذلك الوقت، شغل القرية الذريّة في جامعة شيكاغو مزيج من العلماء الاستثنائيين كالفيزيائي جون سيمبسون، وكانوا مجموعة من الأميركيين اليافعين. وضمّت المجموعة أيضاً عدداً من المهاجرين اليهود، كزيلارد، والفيزيائي الألماني جايمس فرانك، وعالم الفيزياء الحيوية الروسي - الألماني يوجين رابينوفيتش، الذين عاشوا تجارب عزّزت حساسيتهم تجاه البعد الأخلاقي للعلم قبل مغادرة أوروبا. في الحقيقة، حظي فرانك بتجربة أولية في مجال إخضاع العلم للسياسة؛ فبينما كان لا يزال عالماً يافعاً في ألمانيا مع بداية الحرب العالمية الأولى، تطوّع في جيش القيصر وكان ضابطاً في الوحدة التي أدخلت غاز الكلورين لأوّل مرّة إلى ساحة المعركة. وقد انتقد صديقه، عالم الفيزياء البارز والمرشح لجائزة نوبل نيلز بور، في ذلك الوقت قراره قبول الدور الذي ندم عليه فرانك بشدّة لاحقاً.

وبحلول عام 1943 تحوّل العمل الأساسي في تطوير القنبلة النووية إلى مواقع «أوك ريدج»، في تينيسي؛ وهانفورد في واشنطن؛ ولوس آموس في نيو مكسيكو. أمّا العلماء الذين بقوا في «ميت لاب»، في جامعة شيكاغو، فقد حظوا بالوقت لهيكلة قرارات حول استخدام التقنية النووية لما تبقّى من الحرب العالمية الثانية وفي فترة ما بعد الحرب.

دروس الاكتشافات العلمية

أمّا الدرس الثاني من «ميت لاب»، فقد كانت أن الاكتشاف العلمي لا رجعة فيه ولكنّ تأثيراته قابلة للتنظيم. عام 1965، نشرت المؤرخة أليس كيمبل سميث كتاب «خطر وأمل: حركة العلماء في أميركا، 1945 - 1947»، الذي ارتكز على مواد أرشيفية ومقابلات سردت النقاشات الحادّة والغاضبة التي دارت بين العلماء في تلك الفترة. وأخيراً، وضع علماء «ميت لاب» أهدافاً نبيلة وعملية: لقد أرادوا منح اليابانيين لمحة عن قوّة القنبلة الذريّة وفرصة للاستسلام قبل استخدامها ضدّهم، بالإضافة إلى تحرير العلم من أغلال السريّة الرسمية، وتجنّب سباق التسلّح، وتأسيس مؤسسات دولية لحوكمة التقنية الذرية.

يشدّد الدرس الثالث التي خرج به المختبر على أنّ القرارات المهمّة المتعلّقة بتطبيقات التقنية الجديدة يجب أن يتّخذها مدنيّون في مسار ديمقراطي شفّاف. بدأ علماء شيكاغو الذريّون في منتصف الأربعينات نقل مخاوفهم إلى قادة «مشروع مانهاتن»، ومن ثمّ إلى المسؤولين الرسميين.

ألبرت أينشتاين شارك في «مشروع مانهاتن» لإنتاج القنبلة الذرية

فضّلت البيروقراطية العسكرية آنذاك إبقاء الأمور في الظلّ، ولكنّ العلماء واجهوها في كلّ خطوة. فقد قاد زيلارد، وفرانك، ورابينوفيتش، وسيمبسون إلى جانب عددٍ هائلٍ من زملائهم، جهوداً لتثقيف السياسيين وإطلاع الرأي العام على المخاطر النووية. كما أسّس هؤلاء جمعيات عدّة، أوّلاها كانت «علماء شيكاغو الذريّون»، ونظّموا المحاضرات، وكتبوا مقالات الرأي، وأطلقوا منشورات أبرزها «نشرة العلماء الذريين» التي حرّرها علماء «ميت لاب» ونشرتها جامعة «شيكاغو». عملوا أيضاً إلى جانب علماء آخرين من مواقع «مشروع مانهاتن» على تنظيم الدعم للانتقال إلى تنفيذ قانون الطاقة الذرية، الذي أسّس وكالة مستقلّة من المدنيين خاضعة لمحاسبة الرئيس والكونغرس للإشراف على تطوير واستخدام علوم الذرة. استمرّت جهودهم حتّى الحرب الباردة ونظّموا حملات ناجحة لمنع التجارب النووية، ولتطبيق مواثيق منع الانتشار واتفاقات ضبط الأسلحة.

 

* أبحاث القطاع الخاص تلغي حقّ الرأي العام بالمشاركة في اتخاذ القرارات الأخلاقية حول تطبيقات المعرفة العلمية والتقنية

مخاوف أبحاث القطاع الخاص

في القرن الحادي والعشرين، تتولّى مختبرات خاصة والأقسام التنفيذية في شركات تجارية اتخاذ قرارات كثيرة حول تطوير واستخدام التقنيات الجديدة بعيداً عن أنظار الرأي العام. وكما السرية العسكرية التي كانت مكروهة من علماء «ميت لاب»، تعيق مِلكية القطاع الخاص للقرار، التعاون والتدفّق الحرّ للمعرفة اللذين يعتمد عليهما التقدّم العلمي. كما أنّ إضفاء طابع الخصوصية على اتخاذ هذه القرارات يلغي حقّ الرأي العام في المشاركة عبر المسار الديمقراطي في اتخاذ القرارات الأخلاقية حول تطبيقات المعرفة العلمية والتقنية، أي نوع القرارات الذي أعطى «ميت لاب» الحقّ للنّاس في اتخاذها.

في أغسطس (آب) 1945، تسببت قنبلتان ذريّتان في الموت السريع والمحتَم لما يتراوح بين 150 و220 ألف شخص في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين. بعد بضعة أشهر، خلال اجتماع في البيت الأبيض، قال أوبنهايمر لهاري ترومان: «سيّدي الرئيس، يداي ملطّختان بالدماء». ولكنّ ترومان ذكّر عالم الفيزياء بأنّ قرار رمي القنبلتين كان قراره وحده. لم يبرّئ علماءُ الذرّة الذين ساهموا في صناعة القنبلة أنفسَهم قط من الحادثة، ولكنّ النظام الذي رعوه والنموذج الذي وضعوه للعلم المسؤول، ساعدا في عدم تكرار استخدام السلاح النووي مرّة أخرى حتّى يومنا هذا، وعلينا الاستفادة من الدروس التي تعلّموها.

* «ذي أتلانتيك أونلاين» - خدمات «تريبيون ميديا»

 

 

 



روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»