كشفت أكبر دراسة أجريت على الرئيسيات primates على الإطلاق عن مفاجآت حول تطور البشرية وأقرب الحيوانات لنا، حيث قدمت نظرة ثاقبة حول الجينات التي تفصلنا عن الرئيسيات الأخرى أو التي لا تفصلنا عنها. كما أسفرت هذه الدراسة الدولية الضخمة عن بيانات جديدة لدراسة مجموعة واسعة من المجالات والتخصصات بما في ذلك صحة الإنسان وحماية الأحياء وعلم السلوك.
رصد الطفرات الجينية
يوجد اليوم أكثر من 500 نوع من الرئيسيات بما في ذلك البشر والقرود بأنواعها والليمور lemurs والرسغ tarsiers واللوريسيات lorises . ولأن كثيراً منها يتعرض غالبا للتهديد بسبب تغير المناخ وفقدان مواطنها الطبيعية والصيد غير القانوني، قام الباحثون بوضع تسلسل الجينوم لما يقرب من نصف أنواع الرئيسيات ودرسوا أكثر من 800 جينوم من 233 نوعاً حول العالم التي تمثل جميع العائلات الست عشرة من الرئيسيات.
وفي إحدى الدراسات التي أجراها ماركيز بونيت الباحث في علم الجينوم المقارن بجامعة «بومبيو فابرا» في برشلونة بإسبانيا وزملاؤه، ونشرت في مجلة «نيتشر» في الأول من يونيو (حزيران) الحالي 2023 تم استخدام جينومات 233 نوعاً من الرئيسيات لتصنيف 4.3 مليون من المتغيرات الجينية الشائعة الموجودة في الجينوم البشري من خلال تقييم مدى شيوع هذه المتغيرات عبر الأنواع.
وقد تمكن الباحثون من استنتاج أن حوالي 98.7 في المائة من المتغيرات التي فحصوها ربما تكون حميدة في البشر. ويمكن استخدام هذه المعلومات للمساعدة في تحديد الطفرات المسببة للأمراض لدى الأشخاص الذين حصلوا على تسلسل الجينوم الكامل، أو الإكسوم (الذي يشمل جميع مناطق الجينوم المشفر إلى بروتينات وهو ما يمثل 1.5 في المائة فقط من الجينوم بأكمله، لكن الطفرات التي تحدث به تمثل 80 - 85 في المائة من جميع الأمراض الوراثية البشرية).
وفي دراسة أخرى نشرت في مجلة «ساينس» في العدد 380 في 2 يونيو 2023 قارن هونغ وو من مختبر الولاية الرئيسي لحفظ الموارد الحيوية واستخدامها في كلية علوم الحياة جامعة «يونان كونمينغ» في الصين وزملاؤه، جينومات 50 نوعاً لرسم خريطة لكيفية تطور شجرة عائلة الرئيسيات. واستطاعوا تحديد الآلاف من التسلسلات الجينية التي أصبحت مهيمنة على الزمن التطوري في مختلف فروع الشجرة.
متغيرات جينية
وعلى سبيل المثال فإن الجينات المشاركة في نمو الدماغ نشأت في الأسلاف المشتركين للإنسان والقردة وقردة العالم الجديد (هي مجموعة متنوعة من الرئيسيات الشجرية الصغيرة والمتوسطة الحجم تسكن مساحات واسعة من الغابات من المكسيك إلى الأرجنتين)، ومهدت الطريق للتطور السريع للأدمغة الكبيرة لدى البشر.
في غضون ذلك تبين أن كمية كبيرة من المتغيرات الجينية التي يُعتقد أنها فريدة من نوعها بالنسبة للبشر؛ لأنها توجد في الإنسان العاقل ولكن ليس في أقارب البشر القدامى الذين يطلق عليهم النياندرتال والدينيسوفان. وقد انتشر على نطاق واسع عبر الرئيسيات ما يقرب من ثلثي المتغيرات التي يُعتقد أنها بشرية فقط كانت موجودة في نوع واحد على الأقل من الرئيسيات وتم العثور على أكثر من نصفها في نوعين أو أكثر.
تكوين الهياكل الاجتماعية
من خلال مقارنة جينومات القرود فطساء الأنف snub-nosed monkeys ذات الطابع الاجتماعي مع جينومات القرود الأقل ارتباطاً بالمجتمع والمعروفة باسم القرود ذات الأنف الغريب odd-nosed monkeys ومع تلك الخاصة بأقارب الرئيسيات الأبعد، حدد الباحث زياو تشي من كلية علوم الحياة جامعة نورث ويست شيان في الصين وزملاؤه في البحث المنشور في مجلة «ساينس» العدد 380 في 2 يونيو 2023 الجينات التي يبدو أنها مرتبطة بتشكيل المجتمعات الكبيرة متعددة المستويات. ووجدوا أن التغيرات في المناخ منذ أكثر من ستة ملايين عام دفعت البنية الاجتماعية للقرود للتحول من مجموعات صغيرة فيه ذكر واحد وعدد قليل من الإناث إلى مجتمعات معقدة بها كثير من الذكور والإناث. كما أن التغييرات في هرمونات الدماغ الدوبامين والأوكسيتوسين مسؤولة في ذلك، وهذه الناقلات العصبية هي مفتاح تكوين الروابط الاجتماعية.
ويقول زياو تشي إن الظروف الأكثر برودة تتطلب توثيقاً بين الإناث وصغارهن لضمان البقاء على قيد الحياة. ويضيف أن هذا أدى إلى مزيد من القرود المستعبدة ومجموعات أكبر حجما، كما أن التنوع الغني للمورفولوجيا والسلوك المعروض عبر أنواع الرئيسيات يوفر سياقاً لدراسة تأثير التنوع الجيني على العمليات البيولوجية الأساسية.
ويوفر تحليل هذا التنوع نظرة ثاقبة للأسئلة طويلة الأمد في علم الأحياء التطوري والحفظ، وهو أمر ملح نظراً للتهديدات الشديدة التي تواجه هذه الأنواع. وهنا تم تقديم تغطية عالية لبيانات الجينوم الكامل من 233 نوعاً رئيسياً تمثل 86 في المائة من الأجناس وجميع العائلات الـ 16. وقد تم استخدام مجموعة البيانات هذه في دراسة العلاقات التطورية وإعادة بناء سلالات الأجداد بناءً على تحليل تتابعات الحمض النووي nuclear DNA phylogeny وإعادة تقييم أوقات الاختلاف التطوري بين مجموعات الرئيسيات، كما وجد الباحثون أن التنوع الجيني داخل الأنواع عبر العائلات والمناطق الجغرافية مرتبط بالمناخ والتنوع الاجتماعي، ولكن ليس مع خطر الانقراض. علاوة على ذلك تختلف معدلات الطفرات عبر الأنواع، ويحتمل أن تتأثر بأحجام السكان الفعالة. بعد ذلك تم تحديد التكرار الواسع للطفرات الخاطئة التي كان يُعتقد سابقاً أنها خاصة بالبشر.



