للمفرِطين في استخدام الكومبيوتر... احترسوا من متلازمة النفق الرسغي

برامج تمارين للتخفيف من آلامها وجراحات دقيقة لعلاجها

للمفرِطين في استخدام الكومبيوتر... احترسوا من متلازمة النفق الرسغي
TT

للمفرِطين في استخدام الكومبيوتر... احترسوا من متلازمة النفق الرسغي

للمفرِطين في استخدام الكومبيوتر... احترسوا من متلازمة النفق الرسغي

كثيراً ما يشكو الطلبة والموظفون، الذين يستخدمون أيديهم باستمرار في إنجاز أعمالهم ومشاريعهم، من الشعور بالخدر والوخز في اليدين، وقد تصل شكواهم إلى حد سقوط الأشياء من أيديهم، في بعض الأحيان، بسبب عدم استطاعتهم الإمساك بها جيداً. ومن هؤلاء، أصحاب المهن التي تتطلب العمل على الكومبيوتر طوال اليوم، وأولئك الذين يستخدمون أيديهم باستمرار لدرجة التعب والإرهاق كالمزارعين وسائقي الشاحنات وعمّال المصانع والبنّائين، وغيرهم. ويتم تشخيص حالتهم بـ«متلازمة النفق الرسغي Carpal Tunnel Syndrome»!

متلازمة النفق الرسغي

ما هي متلازمة النفق الرسغي؟ وما أسباب حدوثها؟ وهل يمكن منعها والوقاية منها؟

تقول الدكتورة كريستين كريم (Kristin Karim، M.D.)، اختصاصية جراحة تقويم العظام وتخصص دقيق في إصابات الأصابع واليد والساعد في مايو كلينك، في ولاية مينيسوتا، إن العمل المرهق باليدين باستمرار يمكن أن يسبب لهما الألم والخدر والضعف. ومتلازمة النفق الرسغي هي إحدى الحالات المرضية التي يمكن أن تؤثر على العديد من أصحاب المهن الشاقة التي تعتمد على اليدين.

متلازمة النفق الرسغي هي حالة شائعة تحدث عندما يضيق النفق أو عندما يتضخم النسيج المحيط بالأوتار المثنية (المعروفة باسم الغشاء الزليلي synovium)، ما يؤدي إلى انضغاط أحد الأعصاب الرئيسية في اليد - وهو العصب المتوسط (median nerve) - الموجود في الرسغ وأثناء انتقاله عبر المعصم فيقلل من إمداده بالدم ويتسبب في التنميل والوخز والألم في اليد والساعد. يمنح هذا العصب الإحساس لأصابع الإبهام والسبابة والوسطى والبنصر، كما يرسل الإشارات إلى العضلات حول قاعدة الإبهام.

د. كريستين كريم

الأسباب

تشير الدراسات إلى أن النساء وكبار السن هم الأكثر عرضة للإصابة بمتلازمة النفق الرسغي، وأن معظم الحالات تنتج عن مجموعة من عوامل الخطر التي تشمل ما يلي:

* الوراثة، من المحتمل أن يكون هذا عاملاً مهماً. قد يكون النفق الرسغي أصغر بشكل طبيعي لدى بعض الأشخاص، أو قد تكون هناك اختلافات تشريحية تغير مقدار المساحة المخصصة للعصب - ويمكن أن تكون هذه السمات متوارثة في العائلات.

* الاستخدام المتكرر لليد، إذ إن تكرار حركات اليد والمعصم نفسها أو الأنشطة على مدى فترة طويلة من الزمن قد يؤدي إلى تفاقم عمل الأوتار في الرسغ، مما يسبب تورماً يضغط على العصب، ومنها الظروف البيئية، أو ظروف مكان العمل الذي يتضمن الإمساك باليد المتكرر أو القوي، واستخدام الماكينات الثقيلة والأدوات اليدوية الهزازة.

* وضعية اليد والمعصم. القيام بالأنشطة التي تنطوي على ثني شديد أو تمديد اليد والمعصم لفترة طويلة من الزمن يمكن أن يزيد الضغط على العصب.

* الحمل. التغيرات الهرمونية أثناء الحمل يمكن أن تسبب تورماً يؤدي إلى الضغط على العصب.

* الظروف الصحية. مرض السكري، والنقرس، والتهاب المفاصل الروماتويدي، وعدم توازن الغدة الدرقية... هي الحالات التي ترتبط عادة بمتلازمة النفق الرسغي، إضافة إلى العدوى والكتل وإصابات الرسغ الشديدة.

الأعراض

في معظم الحالات، تبدأ أعراض متلازمة النفق الرسغي تدريجياً، دون إصابة محددة. ويجد العديد من المرضى أن أعراضهم تأتي وتذهب في البداية. ومع ذلك، مع تفاقم الحالة، قد تحدث الأعراض بشكل متكرر أو قد تستمر لفترات أطول من الزمن.

الأعراض الليلية شائعة جداً؛ نظراً لأن العديد من الأشخاص ينامون مع ثني معصمهم، فقد توقظ الأعراض الشخص المصاب من نومه. أما أثناء النهار، فتحدث الأعراض غالباً عند الإمساك بشيء ما لفترة طويلة من الوقت مع ثني المعصم للأمام أو للخلف، كما هو الحال عند استخدام الكومبيوتر أو الهاتف أو القيادة أو قراءة كتاب ثقيل. يجد العديد من المرضى أن تحريك أيديهم أو مصافحتهم يساعد في تخفيف أعراضهم.

تشمل الأعراض، وفقاً للدكتورة كريستين كريم، ما يلي:

* الخدر والوخز في الأصابع.

* التورم والشعور بعدم الارتياح في اليدين والأصابع.

* الضعف، خاصة عند القرص أو الإمساك.

* إسقاط الأشياء.

* الاستيقاظ أثناء الليل لهز اليدين.

* الشعور بخدر في الأصابع بمجرد الاستيقاظ في الصباح.

التشخيص

في معظم المرضى، تزداد متلازمة النفق الرسغي سوءاً بمرور الوقت. إذا لم يتم علاجها لفترة طويلة، فإنه يمكن أن تؤدي إلى خلل دائم في اليد، بما في ذلك فقدان الإحساس في الأصابع والضعف. لهذا السبب، من المهم تشخيص وعلاج متلازمة النفق الرسغي على الفور.

لتحديد ما إذا كانت الإصابة هي بالفعل متلازمة النفق الرسغي، سوف يتناقش اختصاصي تقويم العظام مع المريض لمعرفة تاريخ الأعراض، كما يُجري له فحصاً على اليدين والرسغين، وقد يطلب منه عمل اختبارات أخرى تشمل:

* اختبار تمييز الحسّ عند الوخز في نقطتين على أطراف الأصابع لتحديد أي الأصابع مصاب بضعف الإحساس.

* اختبار تينيل (Tinel's sign)، الذي يُجرى عن طريق النقر على عصب النفق الرسغي لمعرفة ما إذا كان ذلك يسبب وخزاً في أصابعك.

* اختبار دوركان (Durkan's test)، الذي يتضمن الضغط بالإبهام على عصب النفق الرسغي لمعرفة ما إذا كان الشعور بالخدر أو الوخز يزداد سوءاً.

* إجراء أشعة سينية على اليد المصابة، وتصوير بالموجات فوق صوتية، والتصوير بالرنين المغناطيسي.

العلاج

رغم أنها تتطور تدريجياً، فإن متلازمة النفق الرسغي ستتفاقم مع مرور الوقت بالنسبة لمعظم الأشخاص الذين لا يتلقون أي شكل من أشكال العلاج. لهذا السبب، من المهم أن يتم تقييم المريض وتشخيص الحالة في وقت مبكر، حيث من الممكن إبطاء أو إيقاف تطور المرض.

تقول الدكتورة كريستين كريم إن الطرق العلاجية مقسّمة إلى إجراءات غير جراحية وإجراءات جراحية.

*أولاً: الإجراءات غير الجراحية: للحالات البسيطة، وتشمل:

- التجبير، وارتداء جبيرة داعمة للرسغ أثناء الليل لمنع ثني المعصم أثناء النوم. ومن المفيد أيضاً ارتداؤها أثناء النهار عند القيام بالأنشطة التي قد تؤدي إلى تفاقم الأعراض.

- تغيير النشاط اليومي، أو تعديله كتغيير موقع العمل.

- تمارين الانزلاق العصبي، قد يستفيد بعض المرضى من التمارين التي تساعد العصب المتوسط على التحرك بحرية أكبر داخل حدود النفق الرسغي.

- عقاقير مضادة للالتهابات غير ستيرويدية لتخفيف الألم والالتهاب.

- حقن ستيرويدية تعطى في النفق الرسغي لتخفيف الأعراض المؤلمة لفترة أطول، والمساعدة في تهدئة وتفاقم الأعراض.

*ثانياً: الإجراءات الجراحية: للحالات الشديدة، وتشمل:

- التدخل الجراحي لعلاج المتلازمة بهدف تخفيف الضغط على العصب المتوسط، حيث يتم شق النفق الرسغي لتخفيف الضغط.

- التنظير الجراحي هو إجراء طفيف التوغل، باستخدام تخدير بسيط أو من دونه، يتم بعمل شق صغير بالقرب من الرسغ، تمرير كاميرا صغيرة من خلال الشق إلى داخل النفق الرسغي. يفحص الجراح النفق ثم يستخدم شفرة متصلة بالكاميرا لقطع الرباط الرسغي المستعرض - سطح النفق - لتخفيف الضغط على العصب.

للحصول على أفضل النتائج بعد الجراحة، يجب الحرص على المتابعة مع اختصاصي جراحة تقويم عظام اليد، وخصوصاً عندما يكون الشعور بالخدر والوخز لا يزال متقطعاً وليس مستمراً.

*ثالثاً: الوضع بعد الجراحة. بالنسبة لمعظم المرضى، ستعمل الجراحة على تحسين أعراض متلازمة النفق الرسغي. ومع ذلك، قد يكون التعافي تدريجياً، وقد يستغرق التعافي الكامل مدة تصل إلى عام. إذا استمر الألم والضعف بشكل كبير لأكثر من شهرين، فقد يتطلب الأمر التحول إلى معالج اليد الذي يمكنه المساعدة على تحقيق أقصى قدر من الشفاء.

إذا كانت هناك حالة أخرى تسبب الألم أو التيبس في اليد أو المعصم، مثل التهاب المفاصل أو التهاب الأوتار، فقد يؤدي ذلك إلى إبطاء التعافي بشكل عام. في الحالات طويلة الأمد من متلازمة النفق الرسغي مع فقدان شديد للإحساس و - أو هزال العضلات حول قاعدة الإبهام، سيكون التعافي أبطأ أيضاً. في بعض الأحيان، يمكن أن تتكرر متلازمة النفق الرسغي، رغم أن هذا أمر نادر الحدوث. إذا حدث هذا، قد تحتاج إلى علاج إضافي أو جراحة أخرى.

هذه بعض من توصيات الأكاديمية الأميركية لجراحي العظام التي أجرت أبحاثاً متقدمة في هذا المجال من أجل مساعدة الأطباء في إدارة متلازمة النفق الرسغي.

الوقاية

هل الوقاية من متلازمة النفق الرسغي ممكنة؟

*أولاً: وفقاً لأطباء مايو كلينيك، لا توجد طرق مثبتة للوقاية من متلازمة النفق الرسغي، ولكن يمكن تخفيف الضغط على اليدين والرسغين عن طريق الخطوات التالية:

- تقليل قوة قبضة اليد والحرص على إرخائها، فإذا ما كانت مهنتك تستدعي العمل على آلة تسجيل النقود أو لوحة مفاتيح، فاضغط على المفاتيح برفق.

- أخذ فترات راحة قصيرة، ولكن متكررة. افرد يديك ورسغيك واثنيهما برفق بشكل منتظم. بدّل بين المهام إذا كان ذلك ممكناً. يكون ذلك ضرورياً بشكل خاص إذا كنت تستخدم معدات هزازة أو تحتاج لبذل قوة كبيرة. يمكن لبضع دقائق في كل ساعة أن تصنع فارقاً.

- الانتباه لوضعية اليد، تجنب ثني الرسغ بالكامل لأعلى أو لأسفل. إن البقاء في وضعية متوسطة مسترخية هو الأفضل.

- تحسين وضعية الجسم، فالوضعية الخاطئة عند الجلوس أمام الشاشة تؤدي إلى حني الكتفين للأمام، وتقصير عضلات الرقبة والكتفين والضغط على أعصاب الرقبة مما يؤثر على الرسغين والأصابع واليدين ويسبب آلام الرقبة أيضاً.

- إبقاء اليدين دافئتين، فالبيئة الباردة تزيد احتمالية الإصابة بآلام اليد والتيبس. إذا كنت لا تستطيع التحكم في درجات الحرارة في مكان العمل، فارتدِ قفازات مفتوحة الأصابع لتحافظ على دفء اليدين والرسغين.

*ثانياً: يمكن تخفيف الأعراض المبكرة بإجراءات بسيطة مثل:

- ارتداء جبيرة للرسغ أثناء النوم.

- تمارين للحفاظ على حركة الأعصاب.

- تجنب بعض الأنشطة التي تؤدي إلى تفاقم الأعراض.

- حقن الستيرويد في النفق الرسغي.

- ومع ذلك، إذا استمر الضغط على العصب المتوسط، فقد يؤدي ذلك إلى تلف الأعصاب وتفاقم الأعراض. لمنع حدوث ضرر دائم، قد يوصى بإجراء عملية جراحية لتخفيف الضغط عن العصب المتوسط لبعض المرضى.

والنصيحة الأخيرة التي نقدمها لكل قارئ أن يقوم باستشارة اختصاصي تقويم العظام عند الشعور بأي من أعراض المتلازمة لتحديد أفضل علاج، مبكراً، للحفاظ على صحة وسلامة اليدين في أداء وظائفهما بشكل جيد.

*استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

«التنشئة الجينية» تؤثر في الصحة النفسية للأطفال

صحتك «التنشئة الجينية» تؤثر في الصحة النفسية للأطفال

«التنشئة الجينية» تؤثر في الصحة النفسية للأطفال

أظهرت دراسة، أن الصحة النفسية للأطفال، مرتبطة بالاستعداد الجيني للإصابة بالأمراض النفسية في الوالدين، بما يشبه الصفات التي يتم توريثها من الآباء للأبناء.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك الشوكولاتة الداكنة والشاي يحتويان على مركبات مضادة للأكسدة تُسهم في خفض ضغط الدم (بيكسلز)

مزيج أطعمة يومي قد يصنع فرقاً كبيراً لصحة قلبك

في وقت تتزايد فيه أمراض القلب عالمياً، يكشف خبراء التغذية عن حلول سهلة يمكن تطبيقها في الحياة اليومية دون تعقيد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك أقراص من مكملات المغنيسيوم (بيكساباي)

ما عدد المرات الموصى بها لتناول المغنيسيوم يومياً؟

المغنيسيوم معدن أساسي لوظائف الجسم، يساعد في الحفاظ على ضغط الدم ضمن المعدل الطبيعي، وقوة العظام، وانتظام ضربات القلب والسكر في الدم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك علامة فرانك هي تجعيدة مائلة في شحمة الأذن (بيكسلز)

«علامة فرانك»... ماذا يكشف تجعد شحمة الأذن عن صحة قلبك؟

كشفت تقارير طبية حديثة عن علامة جسدية بسيطة قد تحمل دلالات صحية مهمة، وهي ظهور تجعيدة مائلة في شحمة الأذن تُعرف باسم «علامة فرانك».

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك قضاء وقت طويل في الأماكن المكيفة يؤدي إلى تقليل مستوى الرطوبة في الهواء وبالتالي التأثير على البشرة (بيكسلز)

5 آثار جانبية خفية للإفراط في استخدام أجهزة التكييف

مع ارتفاع درجات الحرارة، تصبح أجهزة التكييف جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، سواء في المنازل وأماكن العمل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

«التنشئة الجينية» تؤثر في الصحة النفسية للأطفال

«التنشئة الجينية» تؤثر في الصحة النفسية للأطفال
TT

«التنشئة الجينية» تؤثر في الصحة النفسية للأطفال

«التنشئة الجينية» تؤثر في الصحة النفسية للأطفال

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من قسم علم النفس بجامعة أوسلو University of Oslo في النرويج، ونُشرت في منتصف شهر أبريل (نيسان) من العام الحالي في «نيتشر للصحة النفسية» Nature Mental Health، أن الصحة النفسية للأطفال، مرتبطة بالاستعداد الجيني للإصابة بالأمراض النفسية في الوالدين، بما يشبه الصفات الجينية العادية التي يتم توريثها من الآباء للأبناء.

«التنشئة الجينية»

وقال الباحثون، إن هذا الاستعداد الجيني ربما يسبب تأثيرات في البيئة المنزلية التي ينشأ فيها الطفل، تؤثر على نفسيته، بما فيها طريقة التعامل معه، والقدرة على توفير دعم نفسي. وفي الأغلب وبسبب نقاط الضعف الوراثية في الآباء، المتمثلة في زيادة فرص إصابتهم بالاكتئاب، فإنهم لا يستطيعون توفير بيئة نفسية سليمة لطفلهم؛ ما يجعله أكثر عرضة بدوره للإصابة بالأمراض النفسية.

وأشار العلماء إلى أن هذا التأثير البيئي لا يُعدّ تأثيراً خارجياً يمكن تجاوزه بسهولة، ولكنه تأثير أقرب للصفات البيولوجية التي يولد بها الطفل، بما يسمى التنشئة الجينية genetic nurture، وهي التنشئة التي يصعب التخلص منها. والتنشئة الجينية هي تأثير بيئي في الأساس، ولكن يستند إلى أصل جيني.

وطرح الباحثون سؤالاً مهماً: ماذا لو لم يكن خطر الإصابة بالاكتئاب لدى الأطفال مرتبطاً فقط بالجينات الفعلية التي يرثونها عبر الحمض النووي، أو الظروف الحياتية المحيطة بهم، بل أيضاً بالاستعدادات الوراثية لوالديهم؟ (والتي تجعلهم مهيئين أكثر من غيرهم للإصابة)، وهل توجد طريقة للتغلب على هذه التنشئة الجينية؟

للإجابة عن هذا السؤال، حلل الباحثون بيانات ما يزيد على 9300 أسرة تم أخذها من دراسة طولية واسعة النطاق لدراسة الآلاف من الأسرة النرويجية MoBa خلال الفترة بين عامي 1999 و2008، مع متابعة مستمرة، وتم استبعاد الأفراد من أصول غير أوروبية.

وشملت هذه البيانات معلومات مفصلة عن السجل الصحي العضوي والنفسي للأمهات والآباء والأطفال. وكان هدف الدراسة الحالية، هو معرفة الكيفية التي تربط الصحة النفسية للأطفال بالعوامل الوراثية المختلفة، سواء الجينية الشخصية الخاصة بهم، أو الجينات الخاصة بآبائهم.

فهرس جيني للأمراض

وتبعاً للدراسة حتى الآن، تم تحديد النمط الجيني لـما يزيد على 98 ألف فرد، شاملة كل أفراد الأسرة (الأبوان والطفل)؛ لعمل ما يشبه فهرساً كاملاً للجينات، يمكن من خلاله رصد التأثير الوراثي على الأمراض العضوية والنفسية.

من المعروف أن الكثير من الدراسات السابقة، أشارت إلى وجود ارتباط بين سلوك الوالدين وأعراض القلق والاكتئاب لدى الأطفال باعتباره عامل خطر وراثي. وعلى الرغم من معرفة أن القلق والاكتئاب يتأثران بعوامل الخطر الوراثية والبيئية، فإن معظم هذه الدراسات لم تضع المخاطر الوراثية العائلية المشتركة في الحسبان، أي بمعنى أن الأسرة يكون لها أثر مضاعف على نفسية الطفل وراثياً وبيئياً في الوقت نفسه.

وفي الأغلب، تؤثر الاستعدادات الجينية للإصابة بالاكتئاب والقلق في الوالدين، بالسلب على نفسية أطفالهم، وكيفية تنظيمهم مشاعرهم، وكيفية سير الحياة اليومية في المنزل، كما لو كانوا حاملين جينات الإصابة بالأمراض النفسية، وهو ما يمكن عدّه نوعاً من التأثير الجيني غير المباشر، بمعنى أن الطفل على الرغم من أنه لا يحمل في جيناته قابلية للإصابة بالأمراض النفسية أكثر من أي طفل أخر، ولكن تأثير البيئة التي تتميز بالاكتئاب عليه، يجعله أكثر عرضة.

وأوضح الباحثون، أن هذا التأثير النفسي لم يكن بالدرجة نفسها من التماثل في جميع المراحل العمرية في حياة الطفل، فقد كانت بعض العوامل الجينية أكثر أهمية في مرحلة الطفولة المتوسطة، بينما برزت عوامل أخرى خلال بدايات فترة المراهقة، ولكن في المجمل كان الارتباط بين الضعف النفسي للوالدين وصحة الطفل النفسية من أهم العوامل التي أثرت في حياة المشاركين.

اكتئاب الأطفال

أظهرت النتائج، أن التنشئة الجينية كانت مسؤولة عن نحو 14 في المائة، من أعراض الاكتئاب في سن الثامنة، ولم يكن لها تأثير يذكر على زيادة فرص الإصابة بالقلق، وفي المقابل كان للعوامل البيئية الخارجية مثل التنمر والحرمان العاطفي والفشل الدراسي، تأثير أقوى على الأطفال في سن الرابعة عشرة. ووجدت الدراسة، أن الاستعداد الجيني للإصابة بأعراض الاكتئاب للأم على وجه التحديد لعب دوراً كبيراً، في زيادة فرص إصابة الأطفال بالأمراض النفسية المختلفة، أيضاً تأثر الأبناء بالعادات الصحية المرتبطة بتدهور الحالة النفسية للأم أكثر من الأب، مثل عادة التدخين على سبيل المثال. وقال الباحثون إن السبب في ذلك، ربما يكون نتيجة وجود الأم لفترات أطول مع أطفالها خاصة قبل الوصول إلى فترة المراهقة.

وأكد الباحثون، أن الاستعداد الجيني ليس قدراً محتوماً، ولكن بطبيعة الحال فإن التأثيرات الجينية غير المباشرة للوالدين، تزيد من فرص الإصابة بالأمراض النفسية، مثل الاكتئاب بداية من سن الثامنة، وأعراض الاكتئاب تتأثر بالعامل الجيني المباشر والتنشئة الجينية، خاصة إذا كان كلا الوالدين لديهم استعداد جيني.

وأوضحت الدراسة، أن أعراض الاكتئاب نادرة للغاية لدى الأطفال قبل سن البلوغ، على عكس القلق، ولكن عند ظهورها، فإنها في الأغلب تكون استجابة لمخاطر نفسية اجتماعية، مثل التعرض للإيذاء الجسدي والمعنوي، الذي ينتج من التنشئة الجينية السيئة.

وفي النهاية، أكد الباحثون أن هذه النتائج لا يمكن استخدامها للتنبؤ بالصحة النفسية لدى الأطفال، بشكل فردي، ولكنها توفر فهماً أفضل لكيفية انتقال المشاكل النفسية عبر الأجيال، مما يسهم في حلها مستقبلاً.

* استشاري طب الأطفال


اليوغا... وسيلة فعالة لدعم صحة القلب لدى مرضى السمنة

اليوغا من التمارين البدنية الخفيفة (موقع إيفري داي هيلث)
اليوغا من التمارين البدنية الخفيفة (موقع إيفري داي هيلث)
TT

اليوغا... وسيلة فعالة لدعم صحة القلب لدى مرضى السمنة

اليوغا من التمارين البدنية الخفيفة (موقع إيفري داي هيلث)
اليوغا من التمارين البدنية الخفيفة (موقع إيفري داي هيلث)

كشفت دراسة أجراها باحثون من جامعة إدنبرة في المملكة المتحدة أن ممارسة اليوغا بانتظام قد تسهم في تحسين مؤشرات مهمة للصحة القلبية، والتمثيل الغذائي لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة.

وأوضح الباحثون أن اليوغا تُعد من التمارين منخفضة الشدة، ما يجعلها مناسبة للمبتدئين، وآمنة نسبياً للأشخاص المصابين بالسمنة. وقد نُشرت نتائج الدراسة، الأربعاء، في دورية «PLOS Global Public Health».

وتُعد اليوغا من التمارين البدنية الخفيفة التي تجمع بين الحركة، والتنفس، والتركيز الذهني، بهدف تحقيق التوازن بين الجسم والعقل، ما يجعلها مناسبة لفئات واسعة.

كما تتميز اليوغا بأنها لا تقتصر على تحسين اللياقة البدنية فحسب، بل تسهم أيضاً في تعزيز المرونة، وتحسين التوازن، وتقليل التوتر، وزيادة الوعي بالجسد. وبفضل تنوع أساليبها، يمكن ممارستها بمستويات مختلفة تناسب المبتدئين والمحترفين على حد سواء، سواء بوصفها تمريناً يومياً خفيفاً، أو جزءاً من نمط حياة يعزز الصحة العامة، والراحة النفسية.

وأجرى الفريق مراجعة تحليلية لتقييم التأثيرات الصحية لليوغا، مع التركيز على مؤشرات تشمل ضغط الدم، ومستويات الدهون في الدم «الكوليسترول»، وتنظيم سكر الدم، وعلامات الالتهاب، ومضادات الأكسدة.

واعتمد الباحثون على تحليل شامل لنتائج 30 دراسة علمية شملت نحو 2689 مشاركاً من البالغين الذين يعانون من زيادة الوزن، أو السمنة، بهدف تقييم تأثير اليوغا في مجموعة من المؤشرات الحيوية.

تحسن ملحوظ

أُجريت غالبية الدراسات في دول آسيوية (23 دراسة)، فيما توزعت بقية الدراسات بين الولايات المتحدة، وألمانيا، وأستراليا.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين مارسوا اليوغا سجلوا انخفاضاً ملحوظاً في ضغط الدم؛ إذ تراجع متوسط الضغط الانقباضي بنحو 4.35ملم زئبق، بينما انخفض الضغط الانبساطي بمقدار 2.06ملم زئبق. ويُعد ذلك تحسناً ذا دلالة صحية، خصوصاً فيما يتعلق بتقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب، والسكتات الدماغية.

كما رُصد تحسن في مستويات الدهون في الدم؛ إذ انخفض الكوليسترول الضار «LDL»، وارتفع الكوليسترول الجيد «HDL». ورغم أن هذه التغيرات وُصفت بأنها متوسطة، فإنها تظل مؤشراً إيجابياً على تحسن الصحة الأيضية.

وأشار الباحثون إلى أن الدراسات لم تحدد بدقة المقدار الأمثل لممارسة اليوغا، إذ لم تقِس العلاقة بين مدة التمرين وحجم التأثير بشكل واضح. ومع ذلك، رجّحت النتائج أن ممارسة اليوغا لمدة لا تقل عن 180 دقيقة أسبوعياً قد تكون مرتبطة بتحقيق هذه الفوائد.

وشدد الفريق على أن اليوغا ليست مجرد وسيلة للاسترخاء، بل قد تؤدي دوراً فعلياً في تحسين ضغط الدم، وبعض مؤشرات الدهون لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة، خصوصاً عند ممارستها بانتظام.

ومع ذلك، فإنها تظل جزءاً من خطة صحية شاملة، وليست حلاً مستقلاً، مع التأكيد على ضرورة إجراء مزيد من الدراسات عالية الجودة للتحقق من هذه النتائج، وتعميمها على فئات أوسع من المرضى.


الأكل ليلاً مع التوتر يضاعف اضطرابات الأمعاء

تناول الطعام ليلاً من السلوكيات الشائعة لدى كثير من الأشخاص (جامعة بريغام يونغ الأميركية)
تناول الطعام ليلاً من السلوكيات الشائعة لدى كثير من الأشخاص (جامعة بريغام يونغ الأميركية)
TT

الأكل ليلاً مع التوتر يضاعف اضطرابات الأمعاء

تناول الطعام ليلاً من السلوكيات الشائعة لدى كثير من الأشخاص (جامعة بريغام يونغ الأميركية)
تناول الطعام ليلاً من السلوكيات الشائعة لدى كثير من الأشخاص (جامعة بريغام يونغ الأميركية)

حذَّرت دراسة أميركية، من أن تناول الطعام في ساعات متأخرة من الليل، خصوصاً مع التعرض المستمر للتوتر، قد يؤدي إلى تفاقم مشكلات الجهاز الهضمي واضطرابات الأمعاء، بما يشمل الإمساك والإسهال.

وأوضح الباحثون أن النتائج تؤكد أن صحة الجهاز الهضمي لا تعتمد فقط على نوع الطعام، بل أيضاً على توقيت تناوله. وستُعرض الدراسة خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي في شيكاغو، في الفترة من 2 إلى 5 مايو (أيار) 2026.

وتُعد عادات تناول الطعام ليلاً من السلوكيات الشائعة لدى كثير من الأشخاص، خصوصاً مع نمط الحياة السريع والضغوط اليومية. وغالباً ما تشمل هذه العادات تناول وجبات خفيفة أو عالية السعرات في ساعات متأخرة من الليل. ورغم أنها قد تبدو غير ضارة في ظاهرها، فإن الدراسات تشير إلى أن تكرار الأكل الليلي قد يؤثر في جودة النوم، ويُربك إيقاع الجسم البيولوجي، خصوصاً عندما يقترن بالتوتر أو قلة النشاط البدني.

وخلال الدراسة، حلَّل الباحثون بيانات أكثر من 11 ألف شخص ضمن المسح الوطني للصحة والتغذية في الولايات المتحدة، ووجدوا أن الأشخاص الذين يعانون من مستويات مرتفعة من التوتر المزمن كانوا أكثر عرضة لاضطرابات الجهاز الهضمي، مثل الإمساك، والإسهال، واضطراب حركة الأمعاء بشكل عام.

وحسب النتائج، فإن هذا الارتباط يعود إلى ما يُعرف بـ«التوتر التراكمي»، الذي يُقاس بعوامل مثل ضغط الدم، والكوليسترول، ومؤشر كتلة الجسم.

كما تبيَّن أن الأشخاص الذين يتناولون أكثر من 25 في المائة من سعراتهم الحرارية بعد الساعة التاسعة مساءً كانوا أكثر عرضة للمشكلات الهضمية.

تأثيرات سلبية

وأظهرت بيانات لأكثر من 4 آلاف مشارك أن اجتماع الأكل الليلي مع ارتفاع مستويات التوتر يزيد احتمال الإصابة بمشكلات الأمعاء بمقدار 2.5 ضعف.

كما رصد الباحثون انخفاضاً في تنوع بكتيريا الأمعاء النافعة لدى هذه الفئة، وهو ما يشير إلى تأثر محور «الدماغ –الأمعاء»، وهو النظام الحيوي المسؤول عن التواصل بين الجهاز العصبي والجهاز الهضمي عبر الإشارات العصبية، والهرمونية، والميكروبية.

وأكد الباحثون أن الدراسة رصدية، أي أنها تكشف ارتباطات ولا تحدد علاقة سببية مباشرة، لكنها تدعم فرضية أن نمط الحياة الحديث، خصوصاً السهر المصحوب بالتوتر وتناول الوجبات المتأخرة، قد تكون له تأثيرات سلبية متراكمة على صحة الجهاز الهضمي.

وأضاف الباحثون أن هذه النتائج تندرج ضمن مفهوم «التغذية الزمنية»، الذي يركز على دور توقيت تناول الطعام في التأثير بعمليات الأيض والهضم، بما يتماشى مع إيقاع الساعة البيولوجية للجسم.

ووفقاً للباحثين، فإن تحسين عادات الأكل اليومية، مثل تقليل الوجبات الليلية وتنظيم مواعيد الطعام، قد يساعد في دعم صحة الجهاز الهضمي على المدى الطويل، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون ضغوطاً نفسية مستمرة.