الإنفلونزا الموسمية... الوقاية والمكافحة بالتحصين

أولى توصيات اللجان الاستشارية

الإنفلونزا الموسمية... الوقاية والمكافحة بالتحصين
TT

الإنفلونزا الموسمية... الوقاية والمكافحة بالتحصين

الإنفلونزا الموسمية... الوقاية والمكافحة بالتحصين

يشكّل تغيّر المناخ تهديداً أساسياً لصحة الإنسان؛ إذ يؤثّر على البيئة المادية، وعلى جميع جوانب النظم الطبيعية والبشرية، بما في ذلك الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وأداء النظم الصحية. ولذلك، فهو عامل مضاعِف للتهديد يقوّض عقوداً من التقدم الصحي، ويُحتمل أيضاً أن يعكس اتجاه هذا التقدم. ومع تغير الظروف المناخية، يُلاحظ حدوث ظواهر جوية ومناخية أكثر تواتراً وكثافة، بما في ذلك العواصف والبرد القارس والحرارة الشديدة والفيضانات وحالات الجفاف.

وتؤثر هذه المخاطر الجوية والمناخية على الصحة بشكل مباشر وغير مباشر، مما يزيد من خطر الوفيات، والأمراض غير السارية، وظهور الأمراض المعدية وانتشارها، وحدوث حالات الطوارئ الصحية، ومنها ما تشهده، هذه الأيام، مستشفياتنا ومراكز تقديم الرعاية الصحية من حالات «الإنفلونزا الموسمية الشديدة».

تشير أبحاث منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن 3.6 مليار شخص يعيشون بالفعل في مناطق شديدة التعرض لتغير المناخ، ومن المتوقع، في الفترة من عام 2030 إلى عام 2050، أن يسبب تغير المناخ نحو 250 ألف حالة وفاة إضافية كل عام. وتشير التقديرات إلى أن التكاليف المباشرة للضرر على الصحة تتراوح بين 2 و4 مليارات دولار أميركي في العام، بحلول عام 2030. وستكون المجالات التي تفتقر إلى البنية التحتية المتينة في مجال الصحة -ومعظمها في البلدان النامية- أقل قدرة على المواجهة، دون الحصول على مساعدة من أجل التأهب والاستجابة.

الإنفلونزا الموسمية

الإنفلونزا الموسمية (the flu) هي عدوى تنفسية حادة تسببها فيروسات الإنفلونزا، وهي شائعة في جميع أنحاء العالم، وتنتشر بسهولة بين الأشخاص عند السعال أو العطاس. يتعافى معظم الناس منها دون علاج، والتطعيم هو أفضل طريقة للوقاية من المرض. يمكن لجميع الفئات العمرية أن تتأثر بالمرض، ولكن هناك مجموعات أكثر عرضة للخطر من غيرها، منها:

- الأشخاص الأكثر عرضة لخطر الإصابة بمرض وخيم أو مضاعفات وخيمة عند الإصابة بالإنفلونزا: النساء الحوامل، والأطفال دون سن الخامسة، وكبار السن، والأفراد الذين يعانون من حالات طبية مزمنة (مثل أمراض القلب المزمنة، أو أمراض الرئة أو الكلى أو الأيض أو النمو العصبي أو الكبد أو الدم) والأفراد الذين يعانون من حالات كابتة للمناعة (مثل فيروس نقص المناعة البشرية، أو تلقي العلاج الكيميائي أو الستيرويدات، أو الإصابة بالأورام الخبيثة).

- يتعرّض العاملون في مجال الرعاية الصحية لخطر كبير بالإصابة بعدوى فيروس الإنفلونزا، بسبب زيادة التعرّض للمرض والاختلاط بالمرضى، وزيادة نشر المرض بشكل خاص بين الأفراد المعرضين للخطر. ويمكن للتطعيم أن يحمي العاملين الصحيين والأشخاص المحيطين بهم.

توصيات الموسم الجديد

صرح المتحدث باسم وزارة الصحة السعودية، الدكتور محمد العبد العالي، بأن 80 في المائة من المنوَّمين في العناية المركزة، بسبب الإنفلونزا الموسمية منذ بداية الموسم، لم يأخذوا اللقاح.

وتشير تقارير مركز السيطرة على الأمراض (CDC) الأميركية، إلى أن هناك أمرين مختلفين بالنسبة للموسم الجديد للإنفلونزا (2023- 2024):

الأول: تحديث تركيبة لقاحات الإنفلونزا لموسم 2023- 2024 مع توصيات جديدة تتضمن تحديثاً واحداً، مقارنة بتركيبة لقاح الإنفلونزا الأميركي للفترة 2022- 2023. وتم تحديث مكون فيروس لقاح الإنفلونزا A(H1N1)pdm09 من أجل لقاحات الإنفلونزا القائمة على البيض أو الخلايا المؤتلفة.

الثاني: قد يحصل الأشخاص المصابون بحساسية البيض على أي لقاح (يعتمد على البيض أو لا يعتمد على البيض) يكون مناسباً لسنهم وحالتهم الصحية. في السابق، كان يوصى بتطعيم الأشخاص الذين يعانون من حساسية شديدة تجاه البيض (أولئك الذين لديهم أي أعراض غير الحساسية الناتجة عن التعرض للبيض) في العيادات الطبية الداخلية أو الخارجية. بدءاً من موسم 2023- 2024، لم يعد يوصى بإجراءات أمان إضافية لتطعيم الإنفلونزا للأشخاص الذين يعانون من حساسية البيض، بما يتجاوز تلك الموصى بها لتلقي أي لقاح، بغض النظر عن شدة رد الفعل السابق تجاه البيض. يجب إعطاء جميع اللقاحات في الأماكن التي يمكن فيها التعرف على ردود الفعل التحسسية ومعالجتها بسرعة.

أنماط الفيروس

هناك 4 أنماط من فيروس الإنفلونزا: A وB وC وD. وينتشر نمطا فيروس الإنفلونزا A وB مسببان أوبئة موسمية.

• تُصنّف فيروسات الإنفلونزا من النمط A أيضاً إلى أنماط فرعية، وفقاً لمجموعات البروتينات الموجودة على سطح الفيروس. وينتشر حالياً بين البشر النمطان الفرعيان A(H1N1) وA(H3N2) من فيروسات الإنفلونزا. ويُكتب اسم النمط A(H1N1) أيضاً بالطريقة التالية: «A(H1N1)pdm09»، وذلك لأنه تسبب في حدوث جائحة عام 2009 وحلّ محل الفيروس السابق A(H1N1) الذي كان منتشراً قبل عام 2009. وفيروسات الإنفلونزا من النمط A هي الوحيدة التي تُعرف بأنها تتسبب في حدوث جوائح.

• لا تُصنّف فيروسات الإنفلونزا من النمط B إلى أنماط فرعية، ولكن يمكن تقسيمها إلى سلالات. وتنتمي فيروسات الإنفلونزا من النوع B إلى السلالة B/Yamagata أو السلالة B/Victoria.

• يُكشف عن الإصابة بفيروس الإنفلونزا من النمط C بوتيرة أقل، ويسبب عادة حالات عدوى خفيفة، وبالتالي ليس له أهمية بالنسبة إلى الصحة العامة.

• تؤثر فيروسات الإنفلونزا من النمط D في المقام الأول على الماشية، ولا تُعرف أنها تصيب البشر أو تسبب المرض لديهم.

العلامات والأعراض

تبدأ أعراض الإنفلونزا عادةً بعد نحو يومين من اكتساب العدوى من شخص مصاب بالفيروس. وتشمل الأعراض ما يلي:

- بداية حادّة للحمّى.

- سعال (جاف عادة) ويمكن أن يكون شديداً، وقد يستمر لأسبوعين أو أكثر.

- صداع، وآلام في العضلات والمفاصل، وشعور بوعكة شديدة.

- التهاب الحلق وسيلان الأنف.

يمكن أن تسبب الإنفلونزا مرضاً وخيماً أو تؤدي إلى الوفاة؛ خصوصاً لدى الأشخاص المعرضين لخطر كبير.

ويمكن أن تفاقم الإنفلونزا من أعراض الأمراض المزمنة الأخرى. وفي الحالات الشديدة، يمكن أن تؤدي الإنفلونزا إلى الالتهاب الرئوي والإنتان. وينبغي للأشخاص الذين يعانون من مشكلات طبية أخرى أو الذين يعانون من أعراض وخيمة التماس الرعاية الطبية.

وبشكل رئيسي، يحدث دخول المستشفى والوفاة بسبب الإنفلونزا في صفوف الفئات المعرضة لخطر شديد.

وفي البلدان الصناعية، تحدث معظم الوفيات المرتبطة بالإنفلونزا بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً أو أكثر.

ولا تُعرف الآثار الناجمة عن أوبئة الإنفلونزا الموسمية في البلدان النامية معرفة تامة، ولكن التقديرات الواردة في البحوث تفيد بأن البلدان النامية تستأثر بنسبة 99 في المائة من وفيات الأطفال دون سن الخامسة، المصابين بعدوى الجهاز التنفسي السفلي المرتبطة بالإنفلونزا.

أما عن انتقال المرض، فإن الإنفلونزا الموسمية تنتشر بسهولة وتنتقل عدواها بسرعة في الأماكن المزدحمة، بما فيها المدارس ودور التمريض. وعندما يسعل الشخص المصاب بالعدوى أو يعطس، ينتشر الرذاذ الحاوي للفيروسات (الرذاذ المعدي) في الهواء، ويمكن أن يصيب الأشخاص الموجودين على مقربة من الشخص المصاب. ويمكن أن ينتشر الفيروس أيضاً عن طريق الأيدي الملوثة بفيروسات الإنفلونزا.

وللوقاية من سريان العدوى، ينبغي للأشخاص تغطية أفواههم وأنوفهم بمنديل عند السعال وغسل أيديهم بانتظام. وفي المناطق معتدلة المناخ تحدث أوبئة الإنفلونزا الموسمية بشكل رئيسي خلال فصل الشتاء، في حين أنه يمكن أن تحدث الأوبئة في المناطق المدارية طيلة العام مسببة فاشيات أقل تواتراً.

كما أن الفترة التي تفصل بين اكتساب العدوى وظهور المرض، والتي تُعرف بفترة الحضانة، تبلغ مدتها يومين، ولكنها تتراوح بين يوم وأربعة أيام.

التشخيص

تُشخّص معظم حالات الإنفلونزا البشرية سريرياً. ومع ذلك، خلال الفترات التي ينخفض فيها نشاط الإنفلونزا أو خارج حالات الأوبئة، يمكن أن تظهر عدوى لفيروسات أخرى تصيب الجهاز التنفسي (مثل فيروس «كورونا»- سارس-2، والفيروس الأنفي، والفيروس المخلوي التنفسي، والفيروسات نظيرة الإنفلونزا، والفيروس الغدي) وتسبب أمراضاً شبيهة بالإنفلونزا، ما يجعل التمييز السريري بين الإنفلونزا ومسببات الأمراض الأخرى أمراً صعباً.

ويلزم جمع عينات مناسبة من الجهاز التنفسي، وتنفيذ اختبار تشخيصي مختبري، من أجل تحديد التشخيص النهائي. ويعد جمع عينات من الجهاز التنفسي وتخزينها ونقلها بشكل صحيح الخطوة الأولى الأساسية من أجل الكشف المختبري عن حالات العدوى بفيروس الإنفلونزا. ويتم التأكيد المختبري عادة باستخدام الكشف المباشر عن المستضد، أو عزل الفيروس، أو الكشف عن الحمض النووي الريبي الخاص بالإنفلونزا عن طريق اختبار تفاعل البوليميراز التسلسلي بالانتساخ العكسي (RT-PCR).

وتُستخدم الاختبارات التشخيصية السريعة في السياقات السريرية، بيد أنها تنطوي على حساسية أقل مقارنة بالأساليب القائمة على اختبار تفاعل البوليميراز التسلسلي بالانتساخ العكسي، وتتوقف موثوقيتها إلى حد كبير على الظروف التي يتم استخدامها فيها.

العلاج

يتعافى معظم الناس من الإنفلونزا من تلقاء أنفسهم. وينبغي للأشخاص الذين يعانون من أعراض وخيمة أو حالات طبية أخرى التماس الرعاية الطبية. وينبغي للأشخاص الذين يعانون من أعراض خفيفة عمل الآتي:

- البقاء في المنزل من أجل الاستراحة؛ وتجنّب إصابة الآخرين.

- شرب كميات كافية من السوائل.

- علاج الأعراض الأخرى مثل الحمى.

- التماس الرعاية الطبية عند ظهور الأعراض.

- ينبغي علاج الأشخاص المعرّضين لخطر كبير، أو الذين يعانون من أعراض وخيمة، بالأدوية المضادة للفيروسات في أقرب وقت ممكن. وترصد الشبكة العالمية لترصّد الإنفلونزا والتصدي لها (GISRS) التابعة للمنظمة مقاومة مضادات الفيروسات بين فيروسات الإنفلونزا الدائرة، لتوفير البينات في الوقت المناسب من أجل السياسات الوطنية المتعلقة بالاستخدام المضاد للفيروسات.

الوقاية

أولاً- توصي اللجنة الاستشارية للتحصين (ACIP) بشأن لقاح الإنفلونزا لموسم 2023- 2024، بإعطاء التطعيم للفئات التالية: النساء الحوامل، والأطفال الذين تتراوح سنهم بين 6 أشهر و5 أعوام، والأشخاص الذين تزيد سنهم على 65 عاماً، والأشخاص المصابون بحالات طبية مزمنة؛ والعاملون الصحيون.

ويتوفر كثير من لقاحات الإنفلونزا المعطّلة ولقاحات الإنفلونزا المؤتلفة في شكل حقن. وتتوفر لقاحات الإنفلونزا الحية الموهنة على شكل بخاخ للأنف. قد يكون اللقاح أقل فعالية لدى كبار السن؛ لكنه سيجعل المرض أقل حدة، ويقلّل من فرصة حدوث المضاعفات والوفاة. التطعيم مهم بشكل خاص بالنسبة إلى الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بمضاعفات الإنفلونزا، ومقدمي الرعاية لهم.

ثانياً- طرق أخرى للوقاية:

- تنظيف اليدين وتجفيفهما بانتظام.

- تغطية الفم والأنف عند العطاس والسعال.

- التخلص من المناديل بشكل صحيح.

- البقاء في المنزل عند الشعور بتوعك.

- تجنّب الاتصال الوثيق بالمرضى.

- تجنّب لمس العينين والأنف والفم.

ثالثاً- تقوم منظمة الصحة العالمية باستمرار، من خلال البرنامج العالمي لمكافحة الإنفلونزا، والشبكة العالمية لترصّد الإنفلونزا والتصدي لها التابعة للمنظمة، وبالتعاون مع شركاء آخرين، برصد فيروسات الإنفلونزا ونشاطها على المستوى العالمي، وتوصي المنظمة بتركيبات لقاح الإنفلونزا الموسمية مرتين في السنة لمواسم الإنفلونزا في نصفي الكرة الشمالي والجنوبي، وتقدم إرشاداتها للبلدان في المناطق المدارية وشبه المدارية، بشأن تركيبة اللقاحات التي ينبغي استخدامها، وتدعم القرارات المتعلقة بتوقيت حملات التطعيم، وتدعم الدول الأعضاء في وضع استراتيجيات للوقاية والمكافحة.

وتعمل المنظمة على تعزيز قدرات الاستجابة للإنفلونزا على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية، بما في ذلك وسائل التشخيص، ورصد الحساسية لمضادات الفيروسات، وترصّد الأمراض، والاستجابة للفاشيات؛ وتعمل كذلك على زيادة تغطية اللقاحات بين الفئات المعرضة لخطر شديد، ودعم البحث والتطوير في مجال العلاجات الجديدة وغيرها من التدابير المضادة.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

صحتك اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)

رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

الاستيقاظ برائحة نفس كريهة ليس طريقة ممتعة لبدء يومك. لكنه أمر شائع للغاية، ويعاني منه معظم الناس في مرحلة ما. ولحسن الحظ يمكن علاجه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

قد تبدأ القصة بطفل تأخر في الكلام، والحركة، أو يعاني ضعفاً في العضلات، ونوبات صرع، فيما تكشف صور الدماغ عن تغيرات لا يجد الأطباء لها تفسيراً واضحاً.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

كشفت دراسة نفسية حديثة نُشرت أخيراً في مجلة «علم نفس التواصل» (Communications Psychology)، لباحثين من جامعة نوتردام University of Notre Dame في الولايات المتحدة

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك القسطرة لدراسة شرايين القلب

ألم الصدر... هل مصدره القلب؟

ربما لا توجد شكوى طبية تثير القلق مثل ألم الصدر، إذ يكفي أن يشعر الإنسان بألم أو بضغط مفاجئ في منتصف صدره حتى يخطر في ذهنه احتمال الجلطة القلبية،

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك أمراض القلب «الفريدة» الخاصة بالمرأة

أمراض القلب «الفريدة» الخاصة بالمرأة

لا يدرك سوى نحو نصف النساء في الولايات المتحدة أن أمراض القلب تحتل المرتبة الأولى بين أسباب وفاتهن، رغم حملات التوعية الوطنية المتواصلة

جولي كورليس (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)

رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
TT

رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)

الاستيقاظ برائحة نفس كريهة ليس طريقة ممتعة لبدء يومك. لكنه أمر شائع للغاية، ويعاني منه معظم الناس في مرحلة ما. ولحسن الحظ يمكن علاجه، مثل جميع الأسباب الأخرى لرائحة النفس الكريهة.

جفاف الفم

إذا كنت تتمتع بنظافة فم جيدة، فمن المرجح أن يكون جفاف الفم هو السبب. فاللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة. وعندما ننام ينخفض إنتاج اللعاب بشكل ملحوظ. ويمكن لبعض الأدوية أن تسبب جفاف الفم، مما يجعل رائحة النفس الصباحية أسوأ، وفقاً لموقع «هيلث لاين».

عدم الاعتناء بنظافة الفم

يُعد سوء نظافة الفم سبباً شائعاً آخر. فأفواهنا هي بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا. وإذا لم تكن تنظف أسنانك بالفرشاة، أو بالخيط بشكل فعّال، فقد تعلق جزيئات الطعام في الشقوق الموجودة على سطح اللسان، أو بين الأسنان، أو على طول أنسجة اللثة.

وستقوم البكتيريا الموجودة في فمك بتحليل جزيئات الطعام تلك، مما يُطلق رائحة النفس الكريهة في الصباح. وقد تكون رائحة النفس الصباحية عَرَضاً لمرض اللثة، خاصة إذا تُرك سوء نظافة الفم دون علاج.

تؤدي أمراض اللثة لالتهابات في الجيوب تحت الأسنان يمكن أن تسبب رائحة نفس كريهة قوية، ومستمرة. ويحتاج مرض اللثة، الذي يبدأ على شكل التهاب اللثة، إلى علاج من طبيب أسنانك.

تناول أطعمة معينة

يمكن لما تُدخله إلى جسمك أن يؤدي إلى رائحة النفس الصباحية. فتناول الأطعمة ذات الرائحة القوية في المساء -مثل الثوم أو البصل النيئ- يمكن أن يسبب رائحة النفس الصباحية في اليوم التالي، حتى لو نظفت أسنانك جيداً.

التبغ

يرتبط استخدام التبغ، وخاصة التدخين، ارتباطاً مباشراً أيضاً برائحة النفس الصباحية، ورائحة النفس الكريهة بشكل عام. فهو يمكن أن يجفف فمك، ويجعلك أكثر عرضة لأمراض اللثة. وإذا أضفت رائحة الدخان إلى ذلك، فقد تكون وصفة لنفس كريه قوي.

مرض الارتجاع المعدي المريئي

قد يعاني الأشخاص المصابون بالارتجاع المعدي المريئي (GERD)، المعروف أيضاً بالارتجاع الحمضي، من رائحة النفس الكريهة بسبب ارتداد حمض المعدة إلى المريء أثناء نومهم في الليل.

كيف تعالج رائحة النفس الصباحية؟

في كثير من الحالات يمكن علاج رائحة النفس الصباحية في المنزل من خلال مزيج من العناية الفموية الأفضل، وتغييرات نمط الحياة. والحفاظ على نظافة جيدة للفم هو أفضل حل سريع، وحل طويل الأمد في آنٍ واحد لأي نوع من رائحة النفس الكريهة.

نظّف أسنانك بالفرشاة فوراً قبل أن تذهب إلى النوم ليلاً، ولا تأكل أو تشرب أي شيء بعد ذلك. فالقيام بذلك يمكن أن يُدخل جزيئات طعام سيتم تحليلها طوال الليل. نظّف أسنانك بالخيط، واستخدم غسول فم مطهراً بعد استخدام مكشطة اللسان.

وإذا كنت ترتدي مثبت أسنان، أو أي أدوات تقويم أخرى، فنظفها يومياً. ونظف أسنانك بالفرشاة بمجرد أن تستيقظ للتخلص من أي رائحة نفس صباحية متبقية. وإذا كنت تدخن أو تستخدم التبغ، فتوقف فوراً.

وقد تكون العلكة الخالية من السكر مفيدة أيضاً، خاصة إذا كنت في تنقلات، وكنت تعاني من رائحة نفس كريهة متكررة إلى جانب رائحة النفس الصباحية. فالعلكة الخالية من السكر لا تمنح البكتيريا الموجودة في فمك سكراً تتغذى عليه. ويمكنها أيضاً أن تساعد في تحفيز تدفق اللعاب، وإنعاش نفسك في الوقت نفسه.

سيحتاج طبيب أسنانك إلى علاج مرض اللثة بتنظيفات عميقة. حيث يزيل طبيب أسنانك البلاك والجير من الأسنان، واللثة.

وبالنسبة لأولئك الذين يعانون من رائحة النفس الكريهة نتيجة لمرض الارتجاع المعدي المريئي، يمكن لطبيبك أن يصف دواء مخفضاً للحموضة يمكنك تناوله في الليل قبل النوم. وقد يوصي أيضاً بالنوم في وضع أكثر استقامة لتقليل الحمض في المريء.


كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟
TT

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

قد تبدأ القصة بطفل تأخر في الكلام، والحركة، أو يعاني ضعفاً في العضلات، ونوبات صرع، فيما تكشف صور الدماغ عن تغيرات لا يجد الأطباء لها تفسيراً واضحاً... وبعد رحلة بين العيادات والفحوص، تُقرر الأسرة إجراء أحد أكثر الاختبارات الطبية تقدماً: تسلسل الإكسوم، أو الجينوم، بحثاً عن سبب وراثي.

تصل العينة إلى المختبر، وتُقرأ المادة الوراثية، لكن النتيجة قد تكون مفاجئة: «لا يوجد تشخيص جزيئي واضح». أو ربما يجد المختبر تغيراً جينياً، لكنه يصنفه «متغيراً ذا دلالة غير مؤكدة» (VUS)، أي إن الأدلة لا تكفي بعد لمعرفة إن كان هذا المتغير مسؤولاً عن المرض.

هذه المعضلة كانت من أبرز ما طُرح في المؤتمر الدولي للجمعية السعودية للطب الوراثي SSMG 2026-الذي حضره ملحق «صحتك» في جدة- وعُقد تحت شعار: «من التشخيص إلى العلاج في علم الجينوم».

وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف نستطيع قراءة الجينوم ولا نستطيع دائماً تفسير ما أصاب المريض؟

بين التنبؤ والتشخيص

في إحدى جلسات المؤتمر المخصصة للذكاء الاصطناعي والطب الجينومي، قدمت الدكتورة نوف الغانمي، الأستاذة المشاركة للذكاء الاصطناعي والمعلوماتية الحيوية بجامعة الملك عبد العزيز ورئيسة وحدة المعلوماتية الحيوية بمعهد علوم طب الجينوم، محاضرة بعنوان: «المعلوماتية الحيوية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي في الجينوم العصبي».

واللافت أنها لم تبدأ بالخوارزميات، وإنما بالمريض: طفل بأعراض عصبية، وتاريخ عائلي، وفحص جيني، ثم تقرير يقول: «لا يوجد تشخيص جزيئي واضح»، أو «متغير ذو دلالة غير مؤكدة». وكان سؤالها: ماذا حدث بين المريض وتلك الجملة التي ظهرت في التقرير؟

• البحث عن واحد بين الملايين. لفهم المشكلة، يمكن تخيل الجينوم كمدينة ضخمة يسكنها ملايين الأشخاص، بينما نحاول العثور على شخص واحد قد يقودنا إلى تفسير المرض.

يختلف جينوم الإنسان عن الجينوم المرجعي في نحو أربعة إلى خمسة ملايين موضع. ومع التحليل تبدأ عملية تضييق دائرة البحث، حتى تتحول الملايين إلى عشرات من المتغيرات، ثم إلى عدد قليل يستحق الدراسة. لكن كلما ضيقنا دائرة البحث، ظهر خطر استبعاد الإجابة الحقيقية بالخطأ. فكل خطوة يمكن أن تقربنا من السبب، لكنها قد تستبعد أيضاً المتغير المسؤول عن المرض.

وتزداد المهمة صعوبة في الأمراض العصبية؛ فقد تؤدي تغيرات في جينات مختلفة إلى أعراض متشابهة، كالصرع، أو التأخر النمائي، كما قد تتغير الأعراض مع العمر، فضلاً عن وجود تغيرات وراثية لا تلتقطها بعض الاختبارات بسهولة. وهكذا نصل إلى حقيقة أساسية، وهي أن قراءة الجينوم لا تعني بالضرورة فهمه.

• بين التنبؤ والتشخيص. أوضحت الدكتورة نوف الغانمي في محاضرتها أن العثور على تغير جيني لا يعني الوصول إلى تشخيص. فإذا وجد المختبر تغيراً في الحمض النووي «دي إن إيه» DNA، فهناك ثلاثة أسئلة ينبغي الإجابة عنها:

- أولاً: هل يؤثر هذا التغير فعلاً في عمل الخلية؟

- ثانياً: حتى لو كان له تأثير، هل يمكن لهذا الجين أن يفسر حالة المريض وأعراضه؟

- وثالثاً: هل أصبحت الأدلة مجتمعة قوية بما يكفي لتصنيف هذا المتغير على أنه مسبب للمرض؟

قد يتنبأ نموذج ذكاء اصطناعي بدرجة عالية بأن تغيراً ما سيؤثر في أحد البروتينات، لكن ذلك وحده لا يعني أنه سبب مرض الطفل.

توظيف الذكاء الاصطناعي

• أدوات ذكية لجوانب مختلفة. بدأ الذكاء الاصطناعي يغير طريقة العمل في مختبرات الجينوم، لكن ليس هناك برنامج واحد يعرف كل شيء. فإذا كشف الفحص تغيراً جينياً غامضاً، يمكن لنموذج أن يسأل: هل سيؤثر في البروتين؟ ويبحث آخر عن تأثيره في تعامل الخلية مع الرسالة الجينية، بينما تقارن أداة أخرى أعراض الطفل بالأمراض المعروفة.

ومن أمثلة هذه الأدوات AlphaMissense، وSpliceAI، وExomiser. وهي لا تتنافس على إعطاء «الإجابة الصحيحة»، بل تنظر إلى المشكلة من زوايا مختلفة. ولهذا لا ينبغي التعامل معها كلجنة تصويت؛ إذ إن قول عدة خوارزميات إن المتغير ضار لا يعني أن لدينا عدة أدلة مستقلة. والسؤال الأفضل هو: هل تتفق الأدلة المختلفة على تفسير واحد لما يحدث لهذا المريض؟

ومن أبرز التطورات الحديثة نموذج AlphaGenome الذي يحاول توقع تأثير تغيرات «دي إن إيه» في عمليات متعددة داخل الخلية، بما فيها تشغيل الجينات، ومعالجة الحمض النووي الريبوز «آر إن إيه» RNA، وتنظيم نشاط مناطق من الجينوم.

وبذلك يتوسع السؤال من «هل هذا التغير ضار؟» إلى «ما الذي قد يغيره هذا الاختلاف في طريقة عمل الخلية؟»، لكن AlphaGenome يظل أداة بحثية لتوليد الفرضيات، وليس أداة تصدر تشخيصاً طبياً، أو حكماً نهائياً على المتغير.

• نتائج مربكة في التحليل الجيني. وتوقفت الدكتورة نوف الغانمي عند إحدى أكثر النتائج إرباكاً في التحليل الجيني: المتغير ذو الدلالة غير المؤكدة Variant of Uncertain Significance (VUS).

نعود إلى تقرير الطفل، حيث ظهر متغير جيني، لكن الأدلة لا تكفي بعد لتحديد ما إذا كان مسؤولاً عن المرض. ويمكن تشبيه الأمر -للتبسيط- بوجود مشتبه به لا تكفي الأدلة لإدانته، ولا لتبرئته. فالمتغير يستحق الاهتمام، لكن العلم لا يملك بعد ما يكفي للقول إنه سبب المرض. وهنا قد يكون أحد أهم أدوار الذكاء الاصطناعي ليس أن يقول: «وجدت التشخيص»، وإنما: «هذا هو الدليل الذي ينقصنا».

قد تكون الخطوة التالية فحص الوالدين، أو فحص RNA، أو اختباراً وظيفياً، أو البحث عن علامة سريرية محددة لدى الطفل.

وهكذا يساعد الذكاء الاصطناعي على تحويل عدم اليقين إلى سؤال يمكن اختباره. فالهدف -كما أوضحت الغانمي- ليس القول إن «الذكاء الاصطناعي توصل إلى التشخيص»، بل جعل حالة عدم اليقين قابلة للعمل.

الدكتورة نوف الغانمي

الذكاء الوكيلي

إذا كانت لدينا أداة للبروتين، وأخرى لمعالجة «آر إن إيه» RNA، وثالثة للأعراض، فضلاً عن قواعد البيانات، والدراسات المتجددة، فمن سيجمعها في صورة واحدة؟

هنا طرحت د. نوف الغانمي مفهوم «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» (Agentic AI)، وقدمت تصوراً مقترحاً لتوظيفه في الجينوم العصبي، بحيث يبدأ التحليل من المريض، ثم تُستدعى الأدوات المناسبة لكل سؤال، وتُجمع نتائجها، وتراجع أوجه التعارض أو النقص بينها، قبل أن تعود إلى الخبير البشري في صورة فرضيات مدعومة بالأدلة.

ورغم الاسم التقني، فالفكرة بسيطة: تخيل منسقاً ذكياً يعمل مع مجموعة من الخبراء؛ يعرف أي خبير ينبغي أن يسأل، ومتى، ثم يجمع الإجابات في صورة واحدة. فالابتكار ليس في استبدال الأدوات المتخصصة، وإنما في جعلها تعمل معاً حول المريض.

وهذا الاتجاه بدأ يجد تطبيقات بحثية فعلية. ففي عام 2026 نشرت مجلة «نتشر» Nature دراسة عن نظام يسمى DeepRare يستخدم نهجاً وكيلياً في الأمراض النادرة، ويجمع أكثر من 40 أداة ومصدراً للمعرفة.

وفي مجموعة اختبار ضمت 168 حالة، وضع النظام التشخيص الصحيح في المرتبة الأولى في 69.1 في المائة من الحالات، مقابل 55.9 في المائة لأداة تقليدية لترتيب الأمراض والجينات المرشحة. ولا يعني ذلك أن الكمبيوتر أصبح طبيب وراثة، لكنه يشير إلى أن جمع أجزاء الصورة قد يكون أقوى من النظر إلى كل جزء منفرداً. أما التصور الذي عرضته الغانمي للجينوم العصبي، فقد شددت على أنه مقترح بحثي، وليس نظاماً سريرياً مطبقاً أو مثبتاً حتى الآن.

• الذكاء الاصطناعي يقترح والإنسان يقرر. ومهما تطورت هذه الأنظمة، يبقى القرار النهائي للإنسان. فالذكاء الاصطناعي يجمع الأدلة، ويقترح، واختصاصي الوراثة يقيّمها، والمختبر يتحقق عند الحاجة، ثم يضع الطبيب المعالج النتيجة في سياق المريض، ويتخذ القرار الطبي.

إنها علاقة يمكن وصفها بـ«الذكاء الهجين» (Hybrid Intelligence)، الآلة تساعد على رؤية الصورة، والإنسان يتحمل مسؤولية تفسيرها، واتخاذ القرار.

• تشخيص لاحق. وإذا خضع طفل لفحص جيني عام 2022 ولم نجد السبب، فهل ينبغي أن يبقى «غير مشخص» إلى الأبد؟

ليس بالضرورة. فقد يُكتشف لاحقاً ارتباط جين جديد بالمرض، أو تتحسن طرق التحليل، أو تظهر معلومات تغير فهمنا لمتغير كان مجهول الدلالة، أو تظهر لدى الطفل أعراض تجعل الصورة أوضح. لهذا استخدمت د. الغانمي عبارة لافتة: «النتيجة السلبية للإكسوم لها تاريخ».

وفي 2026 نشرت مجلة «Nature Medicine» دراسة عن نظام آلي لإعادة تحليل بيانات مرضى الأمراض النادرة الذين لم يصل الباحثون إلى تشخيص لحالاتهم. وعند إعادة تحليل بيانات 4735 حالة غير مشخصة، أمكن الوصول إلى 241 تشخيصاً جديداً، أي نحو 5.1 في المائة، نتيجة تطور أدوات التحليل، والمعرفة العلمية. ولا تعني النسبة أنها ستتكرر في كل مجموعة من المرضى، لكن الرسالة واضحة: ما لم يكشفه التقرير الجيني اليوم، قد تكشفه إعادة التحليل غداً. وأما عبارة «لم نجد سبباً»، فقد تعني في الحقيقة: «لم نجد السبب بعد».

• ما أهمية هذا في السعودية؟ الذكاء الاصطناعي لا يتعلم في فراغ؛ فجودة نتائجه مرتبطة بجودة البيانات التي يتعلم منها. وعند تفسير تغير جيني تصبح معرفة مدى شيوعه بين السكان مهمة. فما يبدو نادراً جداً في قاعدة بيانات عالمية، قد تكون له صورة مختلفة في مجتمع لم يكن ممثلاً فيها بالقدر الكافي.

كما أن وجود القرابة بين الوالدين في بعض الأسر قد يغير طريقة البحث عن بعض الأمراض الوراثية المتنحية، وبالتالي استراتيجية تحليل الجينوم نفسها.

ولذلك فإن بناء طب جينومي سعودي لا يعني فقط امتلاك أحدث أجهزة التسلسل، أو نماذج الذكاء الاصطناعي، بل بناء معرفة جينومية محلية تساعد على تفسير ما نراه لدى المرضى، مع حماية البيانات، وإبقاء القرار الطبي خاضعاً للتدقيق البشري.

• عودة أخيرة إلى الطفل. لم يحصل طفلنا بعد على تشخيص واضح. وربما لن يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعطينا اسم المرض، لكنه يستطيع مساعدة الفريق الطبي في تحديد المتغيرات التي تستحق الاهتمام، والأدلة التي ما زالت تنقصنا.

وهنا تتجلى رسائل د. نوف الغانمي الخمس: المريض أولاً، وتأثير المتغير لا يعني بالضرورة أنه سبب المرض، ولكل نموذج ذكاء اصطناعي وظيفة مختلفة، وتكامل الأدوات ينبغي أن يقود إلى فرضيات قابلة للاختبار، أما النتيجة الجينية السلبية، أو المتغير غير المؤكد، فلا يعنيان نهاية البحث.

وعندها لا يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، وإنما أداة تساعده على الوصول إلى السؤال الصحيح.

ولسنوات كان السؤال الأكبر في مختبرات الجينات: «هل هذا المتغير ممرض؟» وأما السؤال الأكثر فائدة للمريض فهو: «هل يفسر هذا المتغير حالة هذا المريض؟... وما الذي ينبغي أن نختبره بعد ذلك؟».

وهنا ربما تكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في الطب الجينومي: ليس في أن يقدم تشخيصاً بضغطة زر، بل في أن يحول غموض الجينوم إلى أسئلة أفضل، والأسئلة إلى اختبارات، والاختبارات إلى فرصة أقرب للوصول إلى الإجابة.

*استشاري طب المجتمع.


التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة
TT

التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

كشفت دراسة نفسية حديثة نُشرت أخيراً في مجلة «علم نفس التواصل» (Communications Psychology)، لباحثين من جامعة نوتردام University of Notre Dame في الولايات المتحدة، عن الدور الكبير الذي تلعبه التربية الإيجابية في مرحلة الطفولة المبكرة في التأثير على استجابة نظام المكافأة في المخ، ما ينعكس بالإيجاب على الصحة النفسية في المراهقة.

من المعروف أن مشكلة الصحة النفسية تُعد من أهم التحديات الطبية في الولايات المتحدة، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن واحداً من كل خمسة بالغين يعاني من مرض نفسي، كما يعاني أكثر من واحد من كل سبعة مراهقين تتراوح أعمارهم بين 6 و17 عاماً من اضطراب في الصحة النفسية، علماً بأن 50 في المائة من حالات الأمراض النفسية التي تظهر لدى الأفراد طوال حياتهم تبدأ في الظهور بحلول سن الرابعة عشرة.

الدعم النفسي في الطفولة

وتحدد أساليب التربية التي يتبعها الوالدان خلال سنوات ما قبل المدرسة طبيعة المشاعر التي يمر بها الطفل في فترة المراهقة. وعلى سبيل المثال، فإن الطفل الذي يتمتع بدعم نفسي في الطفولة المبكرة يختبر مشاعر الفرح والرضا خلال مرحلة المراهقة، وهي الفترة التي تبلغ فيها مخاطر الإصابة بمشكلات الصحة العقلية ذروتها.

بدأ الفريق البحثي عمله بمراقبة التفاعلات النفسية المباشرة (وجهاً لوجه) وسلوكيات التربية بين أطفال في سن الثالثة ووالديهم، ثم قارنوا تلك البيانات بتطور الاستجابة العصبية لنظام المكافأة لدى هؤلاء الأطفال أنفسهم عند بلوغهم أعمار 9 و12 و15 و18 عاماً، وامتدت هذه الدراسة الطولية (التي تتابع المشاركين عبر الزمن) لمدة 15 عاماً، وشملت 465 مراهقاً ومراهقة وذويهم.

في بداية الدراسة (عند عمر الثالثة)، قام الباحثون برصد السلوكيات الإيجابية للوالدين، مثل إظهار الدفء والدعم والتشجيع، مقابل السلوكيات السلبية، مثل القسوة أو الشدة المفرطة أو التدخل الزائد في شؤون الطفل.

وتمت مقارنة هذه التفاعلات النفسية التي رصدها الباحثون من خلال ملاحظتهم السريرية مع النشاط الكهربائي في المخ، الذي تم رصده عن طريق جهاز رسم المخ الذي يحتوي على أقطاب كهربائية مثبتة على فروة الرأس (EEG)، ومن خلال رصد النشاط الكهربائي، تمكن العلماء من تتبع الكيفية التي يحدث بها تحفيز لنظام المكافأة.

في هذه الدراسة، قام الباحثون باستخدام المال مكافأةً للفوز في لعبة تعتمد على التخمين، ما أتاح لهم رصد الإشارات الكهربائية للمخ استجابة لحالتي الفوز والخسارة، وعن طريق رصد النشاط الكهربائي، تمكن العلماء من تقييم عملية تحفيز نظام المكافآت في المخ بدءاً من سن التاسعة، مع متابعة المشاركين لاحقاً في الأعمار 12 و15 و18 عاماً.

وأوضحت النتائج أن الأطفال الذين تمتعوا بمستويات أعلى من الدعم النفسي من الوالدين في الطفولة المبكرة أظهروا حماساً وفرحة أكبر عند الفوز بالمال، وفي المقابل، كان حماس الأطفال الذين نشأوا في ظل أساليب تربية سلبية أقل وضوحاً.وتُعد هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تقيس طبيعة الارتباط بين تجارب الحياة المبكرة وتحفيز نظام المكافأة في المخ، بدءاً من مرحلة الطفولة ووصولاً إلى أواخر مرحلة المراهقة أو أوائل مرحلة البلوغ. وقال الباحثون إن فهم الآلية التي يحدث بها تحفيز نظام المكافأة في الفترة العمرية ما بين 9 و18 عاماً يُعد أمراً بالغ الأهمية لفهم المخاطر التي تؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب.

التربية الإيجابية وتحفيز المكافأة

لاحظ الباحثون أن الارتباط بين التربية الإيجابية وتحفيز نظام المكافأة كان طردياً، بمعنى أنه كلما زادت سلوكيات التربية الإيجابية وقلت السلوكيات السلبية في مرحلة ما قبل المدرسة، عندما كان الطفل في الثالثة من عمره، كانت استجابة المخ لنظام المكافأة أقوى طوال مرحلة المراهقة.

وأوضح الباحثون أنه كلما تلقى الأطفال مزيداً من الثناء والتشجيع من والديهم في سن مبكرة، أصبحوا أكثر قدرة على إدراك جوانب البهجة في الحياة. وقالوا إن أساليب التربية الإيجابية المتبعة في السنوات الأولى تقوم بما يشبه عمل برمجة لمخ الطفل لتهيئته للاستجابة للأمور الجيدة، مثل الأنشطة الممتعة والصداقات والشعور بالنجاح.

وفي المقابل، إذا كان أحد الوالدين يتسم بالقسوة الشديدة أو التدخل المفرط في شؤون الطفل، فإن ذلك يؤدي إلى ضعف الاستجابة للمكافأة، لأن مخ الطفل يجد صعوبة في الشعور بالمتعة والسعادة نظراً لعدم اختباره مثل هذه المشاعر في الطفولة المبكرة، وهو ما يمهد الطريق لاحقاً للإصابة بالحزن والاكتئاب.

تشير نتائج الدراسة إلى وجود فرصة للتدخل العلاجي أو الوقائي، ويرى العلماء أن هذا التدخل يحتاج إلى إشراك كل من الوالدين والأطفال في جميع مراحل نمو الطفل، حيث تؤكد الأبحاث أهمية الدعم النفسي من الوالدين لمعالجة المشكلات النفسية المختلفة التي يمر بها الطفل، بداية من سن الثالثة مروراً بدخول المدرسة ونهاية بمرحلة المراهقة.

في النهاية، أوضح العلماء أن المشاعر (على الرغم من كونها عفوية) تحتاج إلى تدريب وممارسة، ويقع على الأسرة الدور الأكبر في تعزيز الشعور بالفرح والبهجة في حياة الطفل. ولذلك، يجد الأشخاص الذين تعرضوا لطفولة قاسية صعوبة في الشعور بالسعادة حتى في أوقات النجاح في الدراسة أو العمل، لأنهم لم يختبروا مشاعر البهجة من قبل. لذلك، يجب على الوالدين توفير بيئة نفسية جيدة للطفل لحمايته من الأمراض النفسية في المستقبل.

• استشاري طب الأطفال.