تتصاعد المؤشرات على احتمال تجدد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، مع تشديد الولايات المتحدة إجراءاتها الأمنية في الشرق الأوسط، وخفض عدد العاملين في عدد من سفاراتها، وتحذير مواطنيها من مخاطر متزايدة في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، تلوّح إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكان شن ضربات جديدة على إيران، بينما لا تزال الجهود الدبلوماسية تراوح مكانها، وسط تداعيات اقتصادية متزايدة للحرب، خصوصاً على الوضع داخل إيران.
وحدّثت الولايات المتحدة تحذيرات السفر الخاصة بعدد من الدول في الشرق الأوسط، بينها السعودية وقطر والإمارات والبحرين والعراق ولبنان وإسرائيل، في ظل مخاوف أمنية مرتبطة بتصاعد الهجمات والتهديدات الإقليمية. كما أبقت وزارة الخارجية الأميركية على أعلى مستوى للتحذير بشأن العراق، ونصحت مواطنيها بعدم السفر إليه لأي سبب.
وتزامنت هذه الإجراءات مع قرار واشنطن خفض عدد الموظفين في سفاراتها في الأردن ولبنان وقطر والإمارات، بعد مراجعة معلومات استخباراتية تتعلق بتهديدات محتملة تستهدف موظفين ومواطنين أميركيين.
تحذير أميركي من مخططات إيرانية
وفي مؤشر إضافي على تصاعد المخاوف الأمنية، حذّر مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، جاي كلايتون، من أن إيران كثّفت بشكل كبير جهودها لاستهداف أميركيين في الشرق الأوسط وخارجه. وقال كلايتون، في مذكرة أرسلها يوم الجمعة إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إن المعلومات الاستخباراتية تشير إلى أن مخططات إيرانية لاستهداف مواطنين أميركيين وصلت إلى مراحل متقدمة، سواء في الشرق الأوسط أو في دول أخرى.
وكشف موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي عن المذكرة، فيما أكدت مصادر أميركية ارتباط التهديدات الإيرانية وتلك الصادرة عن الحوثيين بالقرارات المتعلقة بخفض أعداد العاملين في البعثات الدبلوماسية. وقال مسؤول أميركي إن السلطات تواصل تقييم المعلومات الجديدة بشأن البيئة الأمنية، موضحاً أن مخاطر هجمات الحوثيين والمخططات الإيرانية ضد مسؤولين أميركيين تؤثر في القرارات المتعلقة بعمل السفارات وانتشار موظفيها.
تأتي هذه التحذيرات في وقت لم يستبعد فيه ترمب تنفيذ عمليات عسكرية جديدة ضد إيران، مما يعزز المخاوف من انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر تصعيداً، رغم حديثه عن إمكان إنهاء الحرب عبر التفاوض.
ترمب يلوّح بضربات جديدة

وألمح ترمب، مساء الجمعة، إلى احتمال شن عملية عسكرية أخرى ضد إيران، مستخدماً اسم العملية الأميركية السابقة «الغضب الملحمي»، من دون تحديد موعد أو الكشف عن طبيعة الأهداف المحتملة. وقال خلال تجمع انتخابي في ولاية فلوريدا إن الولايات المتحدة قد تنفذ عملية أخرى، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن بلاده قادرة على إنهاء الحرب بسرعة، متسائلاً عما إذا كان من الأفضل إنهاء الصراع سريعاً أو تركه يتراجع تدريجياً.
وكان ترمب قد كرر أن الولايات المتحدة لن تشن هجوماً جديداً قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، في وقت تؤثر فيه الحرب وارتفاع أسعار الوقود على المشهد السياسي الأميركي. ويرى خبراء أن الانتخابات قد تشكل عاملاً مؤثراً في توقيت أي تصعيد جديد، خصوصاً أن الحرب لا تحظى بتأييد واسع داخل الولايات المتحدة، فيما قد يشكل ارتفاع تكاليف الوقود عبئاً سياسياً على الحزب الجمهوري.
مؤشرات عسكرية
وتشير تحركات عسكرية أميركية وإسرائيلية إلى احتمال تجدد الضربات، حسب خبراء، من بينها إرسال معدات وقوات إضافية إلى الشرق الأوسط، والاستعداد لنشر حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس ثيودور روزفلت»، بما قد يرفع مؤقتاً عدد حاملات الطائرات الأميركية في المنطقة إلى ثلاث.
كما أشار خبراء، تحدثوا إلى وكالة الصحافة الفرنسية، إلى إرسال وحدة استطلاع إضافية تابعة لمشاة البحرية الأميركية، وإلى تحركات جوية إسرائيلية اعتُبرت استعراضاً للقوة يحاكي عمليات سابقة ضد إيران، فضلاً عن اجتماع وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وقالت سوزان مالوني، مديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد «بروكينغز»، إنها تتوقع احتمال تنفيذ ضربات بعد فترة وجيزة من انتخابات التجديد النصفي، مشيرةً إلى أن الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر على حاله.
لكنَّ جيسون كامبل، الباحث البارز في «معهد الشرق الأوسط»، حذّر من صعوبة التنبؤ بتوقيت أي هجوم، موضحاً أن التحركات العسكرية قد تهدف إلى زيادة الضغط على طهران لدفعها إلى طاولة المفاوضات، وليس بالضرورة إلى إطلاق حملة عسكرية واسعة. وأضاف أن الخيارات المتاحة أمام ترمب أصبحت أكثر محدودية مقارنةً بالمراحل الأولى من الحرب، وأن الأضرار التي لحقت بالقواعد الأميركية في المنطقة تزيد من صعوبة أي عملية برية واسعة النطاق.
في المقابل، ترى مالوني أن استهداف مزيد من البنية التحتية المدنية أو المنشآت ذات الاستخدامات المختلطة قد يكون من نتائج أي حملة جديدة، بعدما تعرضت مواقع عسكرية إيرانية تقليدية لأضرار كبيرة في الضربات السابقة.
ويستبعد الخبراء أن يؤدي استئناف الهجمات، بمفرده، إلى إنهاء النزاع أو تغيير المعادلة الاستراتيجية بصورة حاسمة، في ظل استعداد طهران لتحمل مزيد من الأضرار، ومخاطر أن يؤدي التصعيد إلى توسيع نطاق الحرب وزيادة معاناة السكان.
بزشكيان: واشنطن مسؤولة عن تعثر الاتفاق

سياسياً، حمّل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الولايات المتحدة مسؤولية فشل التوصل إلى اتفاق مؤقت، لكنه دعا إلى محاولة جديدة لإبرامه، في إشارة إلى أن باب التفاوض لم يُغلق بالكامل رغم تصاعد التوتر. وقال بزشكيان، في تصريحات بثها التلفزيون الرسمي الإيراني، إن الأميركيين أفسدوا المفاوضات، لكنه شدد على ضرورة المضي قدماً والتوصل إلى اتفاق.
جاءت تصريحاته بعد إعلان ترمب أن واشنطن تُجري محادثات وصفها بالبنَّاءة مع إيران، مع تأكيده أن بلاده لن تهاجم قبل انتخابات التجديد النصفي. ويعكس التباين بين التصريحات استمرار الغموض بشأن فرص التوصل إلى تفاهم، في وقت تزداد فيه المؤشرات العسكرية والأمنية على احتمال استئناف المواجهة.
وفي موازاة تعثر المسار الأميركي - الإيراني، يستعد بزشكيان لزيارة موسكو الأسبوع المقبل للمشاركة في قمة الدول المصدِّرة للغاز، حيث من المقرر أن يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وحسب وسائل إعلام إيرانية، سيناقش الرئيسان التعاون الاقتصادي والقضايا الجيوسياسية، في ظل العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية الوثيقة بين البلدين، التي تعززت منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
تأتي الزيارة بعد زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، لإيران، يوم الاثنين الماضي، وهي الأولى من نوعها منذ بدء الحرب والضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط). وكان بوتين قد أبدى في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) استعداد بلاده للمساهمة في جهود الوساطة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.
وتكتسب المحادثات الروسية - الإيرانية أهمية إضافية في ظل وصول المفاوضات بين واشنطن وطهران إلى طريق مسدود، وتصاعد التهديدات الأميركية والإسرائيلية بشن ضربات جديدة.
مخاوف من تصعيد أوسع

وعلى الصعيد الميداني، يستمر التوتر حول حركة الملاحة البحرية، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى فرض حصار على الموانئ الإيرانية، بينما تحاول إيران تعزيز سيطرتها على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم.
واتبع الطرفان نمطاً متكرراً من الهجمات على السفن التجارية، فيما لم تُنفذ هجمات كبيرة على أهداف برية منذ مطلع سبتمبر (أيلول)، وهو هدوء نسبي لا يستبعد الخبراء انتهاؤه في الفترة المقبلة.
ويواجه الطرفان معادلة معقدة: فواشنطن تسعى إلى زيادة الضغط الاقتصادي والعسكري على طهران، بينما تتمسك الأخيرة بموقفها في ملف الملاحة وتدعو في الوقت نفسه إلى استئناف التفاوض. لكن الخبراء يحذرون من أن توسيع نطاق الضربات لن يضمن إنهاء الحرب، وقد يؤدي بدلاً من ذلك إلى استهداف مزيد من المنشآت المدنية وتعميق التداعيات الاقتصادية والإنسانية للصراع.
وأظهرت بيانات جمعها مركز أبحاث مقره واشنطن يتتبع حوادث الأمن البحري في جميع أنحاء العالم منذ عام 2017 أن أكتوبر (تشرين الأول) كان أسوأ شهر من حيث الهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز والممرات المائية المجاورة. وقالت نوعام رايدان، وهي زميلة بارزة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن أكتوبر شهد أكبر عدد من الهجمات على السفن على الإطلاق، مضيفةً أن 28 هجوماً جرى الإبلاغ عنها في مضيق هرمز والممرات المائية المحيطة به، و113 هجوماً منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط).


