طهران تنشئ «مقر الحرب الاقتصادية» لمواجهة الخناق الأميركي

بيسنت يتحدث عن «خنق» النظام… وزير الاقتصاد الإيراني: ندير الاقتصاد لحياة الناس لا لإرضاء واشنطن

حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
TT

طهران تنشئ «مقر الحرب الاقتصادية» لمواجهة الخناق الأميركي

حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

أنشأت وزارة الاقتصاد الإيرانية «مقراً للحرب الاقتصادية» لتسريع معالجة تداعيات الحرب والعقوبات والحصار الأميركي، مع تصاعد الضغوط على صادرات النفط والعملات الأجنبية والتجارة، وتزايد التحديات المرتبطة بالوقود والأسعار ومعيشة السكان.

وتأتي الخطوة بعد ستة أشهر من الحرب. وتصر إدارة الرئيس دونالد ترمب على تكثيف الضغط الاقتصادي بالتوازي مع الحصار البحري، في محاولة لتقليص عائدات طهران النفطية وقدرتها على الوصول إلى شبكات التمويل الدولية.

وقال مرتضى زمانيان، نائب وزير الاقتصاد الإيراني، إن «مقر الحرب الاقتصادية» أُنشئ لتنسيق معالجة المشكلات الاقتصادية الناجمة عن ظروف الحرب وتسريع حلها، بحسب وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري».

وأوضح أن المقر سيركز في المرحلة الأولى على الملفات الواقعة ضمن صلاحيات وزارة الاقتصاد، وسيتولى التنسيق مع المؤسسات الأخرى عندما يتطلب حل مشكلة ما مشاركة أكثر من جهة، لمنع بقائها عالقة في الإجراءات البيروقراطية.

وتزامن إنشاء المقر مع تجدد الضربات الأميركية والإيرانية بعد هدوء نسبي خلال معظم أغسطس (آب). وأعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، السبت، ضرب ثلاث ناقلات إيرانية رداً على إطلاق «الحرس الثوري» صواريخ باليستية باتجاه سفينتين حربيتين أميركيتين.

«الخزانة» تقود المواجهة

وصعّدت إدارة ترمب خطابها بشأن الحملة الاقتصادية على إيران. ونقلت شبكة «فوكس نيوز» عن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قوله إن واشنطن تفرض عقوبات «لم يسبق لها مثيل»، بهدف «خنق النظام». وشدد على أن حملة «عملية المنبوذ الاقتصادي» تستهدف فرض عزلة غير مسبوقة على طهران، مضيفاً: «سنخنق هذا النظام».

وأشار بيسنت إلى أن الصين لا تزال المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، وقال إن الحصار البحري منع خروج شحنات جديدة، مقدراً أن ما تبقى من الخام الإيراني المتاح للبيع الذي لم تشتره بكين بعد يبلغ «نحو 30 مليون برميل فقط».

وأضاف أنه مع نفاد هذه الكمية «لن تبقى مسألة استمرار الصين في شراء النفط الإيراني قائمة، لأنه لن تكون هناك كميات متاحة للشراء».

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت خلال اجتماعات مجموعة العشرين المالية في آشفيل بولاية نورث كارولاينا، 1 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ووصف بيسنت، في تصريحات أخرى، الاستراتيجية الأميركية بأنها «ضربة مزدوجة» تجمع بين الحصار و«أقسى العقوبات في التاريخ». وقال لشبكة «سي إن بي سي»: «ستنجح في إيران وسنسقط هذا النظام».

وتستهدف الحملة صادرات النفط الإيرانية وقنوات الوصول إلى العملات الأجنبية والشبكات المالية التي استخدمتها طهران للالتفاف على العقوبات، بالتوازي مع الحصار الأميركي المفروض على صادرات النفط منذ منتصف أبريل (نيسان).

وقال بيسنت هذا الأسبوع إن الخطة الأميركية ترمي إلى جعل مضيق هرمز خلال عامين «قطعة مياه عديمة القيمة»؛ في إشارة إلى استراتيجية واشنطن لتقليص أهمية الممر في إمدادات الطاقة.

وأبلغت ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة «رويترز» أن الحملة الأميركية باتت أكثر صعوبة في تحملها، بعدما قيدت الإجراءات الأخيرة بشدة قدرة طهران على الحصول على العملات الأجنبية واستيراد السلع والوصول إلى شبكات التمويل الدولية.

وقالت المصادر إن الضغوط المالية بدأت أيضاً تعرقل آليات الالتفاف على العقوبات، مع تقلص السيولة اللازمة لدفع العلاوات المرتفعة لشركات الواجهة وناقلات «أسطول الظل» ومسارات التهريب.

التكلفة ليست استسلاماً

ووصل وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زاده إلى موسكو، الأحد، لإجراء محادثات مع مسؤولين روس حول التفاهمات السابقة وتوسيع العلاقات المالية، قائلاً إن «انفراجات جيدة في الطريق». ورفض أن تؤدي العقوبات إلى تغيير خيارات طهران، وقال إن الرد على الضغوط الأميركية سيكون عبر «المقاومة الاقتصادية والإصلاحات الاقتصادية». وقال: «يتحدثون عن الضغط الاقتصادي والعزلة، وعن قطع العلاقات المالية، ويعتقدون أن الضغط على اقتصاد بلد ما يمكن أن يغير قرارات شعبه».

وأضاف: «مسؤولية إصلاح الاقتصاد الإيراني تقع على عاتق حكومته وشعبه، وليس على وزارة الخزانة الأميركية». وقال إن هناك «مسافة كبيرة جداً بين التكلفة الاقتصادية والاستسلام الاقتصادي»، مضيفاً أن الإيرانيين «دفعوا التكلفة، لكنهم لن يستسلموا أبداً». وتابع: «نحن ندير اقتصاد إيران من أجل حياة الناس، لا من أجل رضا واشنطن». وأضاف أن الولايات المتحدة إذا كانت تعتقد أنها تستطيع عبر العقوبات أن «تقرر للاقتصاد الإيراني»، فإن «اقتصاد إيران سيبنيه الإيرانيون، ومستقبل إيران سيحدده الإيرانيون بإرادتهم وبرامجهم ولمصالحهم».

من جانبه، قال المتحدث باسم اللجنة الاقتصادية في البرلمان فتح الله توسلي إن الولايات المتحدة وأوروبا «لا تستطيعان استخدام العقوبات والتهديد لإجبار إيران على التفاوض من موقع ضعف»، مضيفاً أن طهران لن تتراجع عن «مصالحها الوطنية».

من جانبه، قال المتحدث باسم «الحرس الثوري» حسين محبي إن «أميركا إذا أرادت إلحاق ضرر اقتصادي بإيران بقيمة دولار واحد، فقد تتكبد هي عدة دولارات من التكلفة والخسائر».

وأضاف محبي لوكالة «مهر» أن تشديد الحصار الاقتصادي «لن يؤدي بالضرورة إلى انتصار الطرف الذي يفرض العقوبات»، محذراً من أنه قد يرتب تكاليف أكبر على الولايات المتحدة.

«المعركة الرئيسية»

وكان رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف قد وضع، الأحد، الإنتاج ومعيشة السكان في صدارة التحديات الداخلية، قائلاً إنهما أصبحا «المعركة الرئيسية» إلى جانب المواجهة العسكرية.

وأشار قاليباف إلى تقلبات العملة والتضخم والبطالة وإدارة الأسواق، وقال إن الإيرانيين يستطيعون تحمل الصعوبات، لكنهم «لن يتحملوا سوء الإدارة والتقصير».

وقال إن تشديد العقوبات يستهدف «شل دورة تأمين السلع وإدارة الطاقة»، داعياً إلى تحسين إدارة الواردات وتشجيع الإنتاج المحلي.

وترأس الرئيس مسعود بزشكيان، الأحد، اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود، بعد أسابيع من الجدل بشأن عجز البنزين وخيارات خفض الاستهلاك، في أحد الملفات الأكثر تأثراً بالحصار ونقص الموارد.

بزشكيان يترأس اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود الأحد (الرئاسة الإيرانية)

وشدد بزشكيان على ضرورة أن تقترن جميع مراحل وضع سياسة استهلاك الوقود بخطة إعلامية «دقيقة وشفافة»، مشيراً إلى أن اجتماعات الحكومة تستهدف أيضاً مكافحة التهريب والفساد في القطاع.

وأعلن أنه سيجتمع شخصياً مع ممثلي اتحادات سائقي الشاحنات وسيارات الأجرة ومنصات النقل عبر الإنترنت لمناقشة السياسات المقترحة والإجابة عن مخاوفهم.

وبحث الاجتماع حزمة إجراءات غير سعرية تشمل تنظيم بطاقات الوقود، ومراقبة المصافي الصغيرة، وتحسين النقل العام، وإغلاق مسارات التهريب، وربط الحصص بالاستهلاك الفعلي، والتعامل مع السيارات القديمة ومرتفعة الاستهلاك.

وقال بزشكيان إن نحو 37 في المائة من المركبات التي تستخدمها الحكومة أصبحت متهالكة، ودعا إلى حسم وضعها ضمن إجراءات خفض استهلاك الوقود.

وكان الرئيس الإيراني قد قال في أغسطس (آب) إن الحصار البحري أغلق طرقاً كانت تستخدم لإدخال السلع إلى البلاد وإن الحكومة لا تملك الموارد اللازمة لاستيراد البنزين.

وبحسب تقديرات حكومية سابقة، تراوح العجز في البنزين بين نحو 14 و20 مليون لتر يومياً. وعارض قاليباف الشهر الماضي زيادة الأسعار، داعياً إلى خفض الاستهلاك بأقل قدر ممكن من الاستياء لدى السكان.

نفي استقالة وزير النفط

وجاء اجتماع بزشكيان وسط تداول تقارير عن خلافات داخل الحكومة بشأن إدارة قطاع الطاقة واستقالة وزير النفط محسن باك نجاد تحت تأثير الضغوط والانتقادات، وهو ما نفته الوزارة الأحد.

وقال المتحدث باسم وزارة النفط سامان قدوسي إن باك نجاد يواصل عمله ومتابعة زيادة الإنتاج والمبيعات و«تحييد العقوبات» وإدارة اختلالات الطاقة.

وكانت قنوات إيرانية قد زعمت أن بزشكيان وافق على استقالة باك نجاد بعد مشادة في اجتماع للحكومة بشأن قرارات الوزارة، لكن المتحدث لم يتطرق إلى تفاصيل تلك المزاعم.

وفي مقابلة بثها التلفزيون الرسمي، الأحد، قال باك نجاد إن جزيرة خرج، مركز تصدير النفط الإيراني الرئيسي، تعرضت لنحو 550 ضربة خلال الأشهر الماضية، مضيفاً أن العمل فيها لم يتوقف.

وكانت إيران تصدر نحو 90 في المائة من خامها عبر خرج قبل الحرب، قبل تعطل التدفقات مع بدء الحصار الأميركي على صادرات النفط في منتصف أبريل.

الريال يترنح

وأقرت الحكومة الإيرانية في الأيام الماضية، بتزايد وطأة الحرب والعقوبات على الاقتصاد. وقالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني الجمعة، إن السلطات «لا تنكر الضغوط الاقتصادية على الناس ولا حالات النقص». وأضافت أن العقوبات الأميركية أثرت في تأمين الموارد وتمويل مشروعات البنية التحتية وتنفيذها.

وتراجع الريال في السوق الحرة إلى نحو 2.2 مليون ريال للدولار، وهو أدنى مستوى مسجل، فيما تعهد محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي بالتدخل «في الوقت المناسب وبقوة» لمواجهة ما سماه «التقلبات غير الطبيعية».

وقال همتي إن الحرب مع الولايات المتحدة تسببت في اضطرابات غير طبيعية في سوق الصرف، لكنه نفى وجود نقص حاد في العملات الأجنبية المخصصة للاستيراد.

وبحسب البيانات الرسمية، بلغ متوسط التضخم خلال الاثني عشر شهراً الماضية 69.9 في المائة، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات والتبغ بوتيرة تقارب مثلي هذا المعدل.

وارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1 في المائة في الربيع، وانخفض عدد العاملين بنحو 450 ألف شخص مقارنة بالعام السابق.

وقال بزشكيان في وقت سابق إن إجمالي حجم التجارة الإيرانية تراجع بين 25 و35 في المائة، وإن الواردات تضررت بوتيرة أكبر من الصادرات.

وأظهرت بيانات شركة «كبلر» أن شحنات الخام الإيراني هبطت إلى نحو 260 ألف برميل يومياً، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل يومياً قبل عام، مع خروج كميات محدودة من الموانئ الإيرانية منذ فرض الحصار.

وقال أحد المصادر الإيرانية التي تحدثت إلى «رويترز» إن البلاد تملك مخزونات من البنزين تكفي لنحو شهرين إضافيين، فيما تضطر إيران إلى استيراد الوقود رغم إنتاجها الخام بسبب محدودية قدراتها التكريرية.

وتخشى القيادة الإيرانية أن يؤدي ارتفاع الأسعار وتراجع التجارة والضغط على دخول الأسر إلى تجدد الاضطرابات الداخلية.

وكانت زيادة مفاجئة في أسعار البنزين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 قد فجرت احتجاجات واسعة، بينما شهدت إيران احتجاجات جديدة بسبب المصاعب الاقتصادية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قبل اندلاع الحرب.

وتدرس الحكومة حالياً بدائل لخفض استهلاك البنزين من دون زيادة مباشرة للأسعار، تشمل تعديل نظام الحصص وربطه بالاستهلاك الفعلي، بالتزامن مع إجراءات لمكافحة التهريب وتقليص استهلاك المركبات الحكومية والسيارات القديمة.


مقالات ذات صلة

«الحرس الثوري» الإيراني يعلن إصابة 7 سفن بالخليج... ويحذر أميركا من رد أوسع

شؤون إقليمية  سفينة شحن تُبحر باتجاه مضيق هرمز (أ.ب)

«الحرس الثوري» الإيراني يعلن إصابة 7 سفن بالخليج... ويحذر أميركا من رد أوسع

ذكرت القوات البحرية التابعة ​لـ«الحرس الثوري» الإيراني أن 4 ناقلات كانت تشارك في عمليات ‌نقل ‌نفط ​في شمال ⁠الخليج تعرضت لضربات في آن واحد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مارة يلتقطون صوراً لممثل إيراني يرتدي قناعاً يجسد وجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل زنزانة رمزية مثبتة على لوحة دعائية في ساحة تجريش بطهران - الأربعاء (أ.ف.ب)

طهران ترفع السقف قبل القرار الأميركي

رفعت إيران سقف مواقفها السياسية والعسكرية، في انتظار قرار نهائي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الحرب، وسط مؤشرات على احتمال جولة ثالثة من المواجهة.

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)
شؤون إقليمية جانب من الحدود الإيرانية - العراقية (أرشيفية - رويترز)

العراق يغلق منفذ الشيب الحدودي مع إيران

أفاد مصدران وكالة «رويترز» عند منفذ الشيب ‌الحدودي ‌العراقي ​مع ‌إيران، ⁠اليوم (​الأربعاء)، بأن العراق أغلق ⁠المنفذ أمام المسافرين ⁠والمركبات ‌حتى إشعار ​آخر.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث أثناء لقائه مع مواطنين في أحد مراكز التسوق قبيل الانتخابات الإسرائيلية في مدينة الرملة بإسرائيل يوم 19 أكتوبر 2026 (رويترز)

نتنياهو: ملتزمون بالإطاحة بالقيادة الإيرانية

قبل أسبوع من الانتخابات البرلمانية في إسرائيل، أصر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على أنه يظل ملتزماً بالإطاحة بالقيادة الإيرانية، وفقاً لبيان أصدره مكتبه.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (يمين) خلال استقباله نظيره الروسي سيرغي لافروف في طهران (إ.ب.أ)

عراقجي: التعاون بين طهران وموسكو في أعلى مستوياته التاريخية

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اليوم (الثلاثاء) إن التقارب بين روسيا وإيران بلغ أعلى مستوياته التاريخية.

«الشرق الأوسط» (طهران)

انتخابات إسرائيل... أحزاب صغيرة قد تملك مفاتيح الحكومة المقبلة

لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)
لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)
TT

انتخابات إسرائيل... أحزاب صغيرة قد تملك مفاتيح الحكومة المقبلة

لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)
لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)

لا يتوقف حسم الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) على الحزب الذي سيحصل على أكبر عدد من الأصوات فحسب، بل على قدرة كل معسكر على جمع أغلبية برلمانية تتيح له تشكيل الحكومة.

وفي ظل المنافسة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزينكوت، تبرز الأحزاب الصغيرة بوصفها عاملاً مؤثراً في حسابات ما بعد الاقتراع، في حين قد تؤدي نتائج الأحزاب القريبة من العتبة الانتخابية دوراً حاسماً في تحديد توازن القوى داخل الكنيست.

وحسب وكالة «أسوشييتد برس»، تمثل الانتخابات اختباراً لقيادة نتنياهو وطريقة تعامله مع هجوم 7 أكتوبر 2023 والحروب التي تلته.

لكن التحدي لا يقتصر على الفوز الانتخابي؛ إذ يتعين على الأحزاب التفاوض لتشكيل ائتلاف قادر على تأمين أغلبية في البرلمان المؤلف من 120 مقعداً.

حملة تلفزيونية يظهر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومنافسه الرئيسي مرشح المعارضة غادي آيزنكوت (أ.ب)

61 مقعداً... مفتاح تشكيل الحكومة

تعمل إسرائيل وفق نظام التمثيل النسبي؛ إذ يصوّت الناخبون للقوائم الحزبية، ثم تتفاوض الأحزاب على تشكيل ائتلاف حكومي. ووفقاً لـ«أسوشييتد برس»، لم يتمكن أي حزب في تاريخ إسرائيل من الحصول منفرداً على أغلبية مقاعد الكنيست؛ ما يجعل التحالفات ضرورة لتشكيل الحكومات.

ويشترط القانون الإسرائيلي حصول كل حزب على 3.25 في المائة على الأقل من الأصوات كي يتمكن من دخول الكنيست والفوز بمقاعد فيه. وبعد إعلان النتائج، يحتاج أي معسكر إلى تأمين دعم 61 نائباً على الأقل لتشكيل حكومة تحظى بالأغلبية البرلمانية.

وفي تحليل نشره موقع «تايمز أوف إسرائيل»، نقل الموقع عن استطلاعات رأي أن كلاً من معسكر نتنياهو والمعسكر المعارض بقيادة آيزينكوت يواجه صعوبة في الوصول إلى عتبة الـ61 مقعداً.

ولفت إلى أن بعض الأحزاب اليمينية تخوض الانتخابات وهي قريبة من العتبة الانتخابية؛ ما يثير احتمال خسارة أصواتها التمثيل البرلماني إذا لم تتجاوزها.

ويعني ذلك أن حزباً صغيراً قد لا يحتاج إلى الفوز بعدد كبير من المقاعد كي يصبح مؤثراً؛ فقد يتوقف عليه استكمال الأغلبية، أو يؤدي إخفاقه في دخول البرلمان إلى إضعاف المعسكر الذي كان يُفترض أن يدعمه.

إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي الإسرائيلي وزعيم حزب «عوتسما يهوديت» (إ.ب.أ)

حلفاء نتنياهو أمام اختبار العتبة الانتخابية

يواجه معسكر نتنياهو تحدياً يتمثل في تعدد الأحزاب اليمينية التي تخوض الانتخابات بصورة منفصلة. وذكر «تايمز أوف إسرائيل»، أن حزب «الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش وحزب «عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير لم يخوضا الانتخابات على قائمة مشتركة، كما بقي حزب «أمخا يسرائيل» بقيادة الضابط السابق أوفير فينتر خارج هذا التحالف.

ملصقات لحملة انتخابية تظهِر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أ.ب)

وحسب التقرير، فإن اقتراب بعض هذه الأحزاب من العتبة الانتخابية يجعل نتائجها ذات أهمية تتجاوز حجمها المتوقع؛ إذ إن عدم دخول أحدها الكنيست قد يحرم معسكر نتنياهو من مقاعد كان يمكن أن تساعده في بناء ائتلاف حاكم.

وفي المقابل، لا يعني تجاوز هذه الأحزاب العتبة ضمان تشكيل حكومة؛ لأن الأمر يتوقف أيضاً على مجموع المقاعد التي يحصدها المعسكر بأكمله، وعلى قدرته على التوصل إلى اتفاقات مع شركائه المحتملين.

الأحزاب الحريدية... مطالب دينية

تُعدّ الأحزاب الحريدية (الأحزاب التي تمثل اليهود المتشددين)، وفي مقدمتها «شاس» و«يهدوت هتوراه»، من القوى التي يمكن أن تؤثر في مفاوضات تشكيل الحكومة. وتقول «أسوشييتد برس» إن الحزبين يعارضان إخفاق نتنياهو في إقرار قانون يضمن إعفاءات من الخدمة العسكرية لليهود المتشددين؛ وهو ملف أثار خلافات سياسية في إسرائيل.

وتشير الوكالة إلى أن هذه الأحزاب ركزت كذلك على الخدمات الاجتماعية والتعليمية المقدمة إلى مجتمعاتها. وقد تصبح هذه الملفات جزءاً من المساومات على تشكيل الحكومة، إذا احتاج أي من المعسكرين (المعسكر الذي يقوده نتنياهو والمعسكر المعارض له) إلى دعمها لضمان الأغلبية.

لكن الشراكة مع الأحزاب الحريدية قد تطرح تحديات أمام بعض القوى المعارضة، ولا سيما تلك التي تضع إنهاء الإعفاءات الواسعة من الخدمة العسكرية ضمن أولوياتها. لذلك؛ لا تقتصر المفاوضات على الاتفاق على هوية رئيس الوزراء، بل تشمل أيضاً التوصل إلى تفاهم بشأن القضايا التي قد تهدد تماسك الائتلاف.

رجل من التيار الأرثوذكسي المتشدد يمر بجانب لوحة إعلانية انتخابية لوزير الأمن القومي وزعيم حزب «عوتسما يهوديت» إيتمار بن غفير (إ.ب.أ)

وقد يشكّل ملف تجنيد الحريديم (اليهود المتشددين) عقبة أمام تشكيل الحكومة، في ظل الخلاف بشأن إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.

وقد تعهّد عدد من قادة المعارضة بإنهاء الإعفاءات الواسعة إذا تولوا الحكم، في حين أفادت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» بأن حزب «شاس» ربط مشاركته في الحكومة المقبلة بإقرار قانون يحافظ على هذه الإعفاءات.

الأحزاب العربية... مشاركة تتأثر بالتهميش

إلى ذلك، تحتل الأحزاب العربية موقعاً حساساً في حسابات تشكيل الحكومة، خصوصاً إذا جاءت النتائج متقاربة بين المعسكرين الرئيسيين. وذكرت «أسوشييتد برس» أن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل يمثلون نحو 20 في المائة من السكان، لكنها أشارت إلى أن المشاركة الانتخابية بينهم تتأثر بالتهميش وخيبة الأمل من السياسات القائمة.

وأضافت الوكالة أن نتنياهو ومنافسيه الرئيسيين أعلنوا رفضهم المشاركة في ائتلاف حكومي مع أحزاب عربية؛ خشية خسارة دعم ناخبين من اليمين. ومع ذلك، لفتت إلى أن تقارب النتائج قد يدفع الأطراف إلى إعادة النظر في بعض مواقفها، بما يمنح الأحزاب العربية فرصة للتأثير في اختيار رئيس الوزراء المقبل.

المعارضة أمام تحدي توحيد صفوفها

ولا تواجه الأحزاب المعارضة مشكلة منافسة نتنياهو فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى تجاوز اختلافاتها السياسية وتوحيد صفوفها وبرامجها لضمان تشكيل حكومة بديلة. وتشمل هذه القوى أحزاباً وسطية ويسارية وأخرى ذات توجهات أمنية متشددة؛ ما يجعل الاتفاق على برنامج مشترك وتوزيع الحقائب الوزارية اختباراً بحد ذاته.

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق والمرشح للكنيست نفتالي بنيت خلال حملته الانتخابية في القدس (إ.ب.أ)

ووفقاً لـ«أسوشييتد برس»، يقود آيزينكوت حزب «ياشار»، في حين يضم حزب «معاً» تحالفاً بين نفتالي بنيت ويائير لابيد. وتتنافس هذه القوى مع أحزاب أخرى، بينها «إسرائيل بيتنا» بقيادة أفيغدور ليبرمان وحزب «الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان.

وأشار تقرير لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في هذا المجال، إلى أن استطلاعات الرأي لا تمنح أياً من المعسكرين مساراً واضحاً إلى الأغلبية. ويعني ذلك أن المعارضة قد تحتاج إلى تفاهمات تتجاوز التنسيق الانتخابي، لتشمل الاتفاق على القضايا الخلافية وتوزيع المسؤوليات داخل الحكومة.

لوحة دعائية انتخابية لحزب «الديمقراطيين» تظهر زعيم الحزب يائير غولان إلى جانب صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)

ماذا لو فشل المعسكران في جمع الأغلبية؟

إذا لم يتمكن أي من المعسكرين من تأمين 61 مقعداً، فقد تدخل إسرائيل مرحلة مفاوضات معقدة لتشكيل حكومة، أو تواجه احتمال استمرار المأزق السياسي. ووفقاً لوكالة «رويترز»، فإن النظام الحزبي المجزأ يمنح الأحزاب الصغيرة نفوذاً في تحديد هوية رئيس الوزراء، لكنه يجعل الحكومات عرضة للخلافات بين الشركاء.

وتوضح الوكالة أن الحكومات الإسرائيلية اعتمدت مراراً على ائتلافات متعددة الأحزاب، وأن الخلافات بشأن قضايا الدين والدولة والخدمة العسكرية يمكن أن تؤثر في استمراريتها. لذلك؛ لا يُقاس نجاح أي معسكر بعدد المقاعد وحده، بل بقدرته على الحفاظ على اتفاق سياسي قابل للاستمرار.

ماذا يحدث إذا فشلت الأحزاب في تشكيل الحكومة؟

ولا يعني تعثر المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة الإسرائيلية حدوث فراغ حكومي؛ إذ تواصل الحكومة القائمة (أي حكومة نتنياهو) أداء مهامها إلى حين تشكيل حكومة جديدة. لكن فشل الأحزاب في التوصل إلى اتفاق ائتلافي قد يطيل المرحلة الانتقالية ويؤخر تنفيذ السياسات والوعود الانتخابية، في ظل استمرار الخلافات بشأن توزيع الحقائب الوزارية والأولويات السياسية.

وبموجب القانون الإسرائيلي، يُمنح الشخص المكلّف بتشكيل الحكومة مهلة أولية مدتها 28 يوماً، يمكن تمديدها بما يصل إلى 14 يوماً. وإذا أخفق في مهمته، يمكن تكليف مرشح آخر بالمحاولة. أما إذا فشلت محاولات تشكيل الحكومة، فقد ينتهي المسار إلى حل الكنيست والدعوة إلى انتخابات جديدة؛ ما يضع الأحزاب أمام جولة أخرى من التنافس السياسي بدلاً من حسم الصراع على تشكيل الائتلاف.


حرب إيران المؤجلة... من يملك قرار إشعالها؟

مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم)
مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

حرب إيران المؤجلة... من يملك قرار إشعالها؟

مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم)
مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم)

بين استعدادات عسكرية إسرائيلية لضرب إيران، وتحفظ أميركي مرتبط بالانتخابات النصفية، تزداد التساؤلات عمّا إذا كانت المنطقة أمام هدنة تفرضها الحسابات الانتخابية، أم فرصة أخيرة لتسوية سياسية.

وفي حين يتوقع باحث في الشؤون الاستراتيجية مواجهةً واسعةً بحلول نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، يقلل باحثان من تأثير نتائج الانتخابات في قرارات ترمب ونتنياهو، عادين الحسابات الاستراتيجية العامل الحاسم. والسؤال المطروح في واشنطن وتل أبيب لم يعد مقتصراً على احتمال تجدُّد الحرب مع إيران، بل بات يتعلق بتوقيتها وحدودها وأهدافها. فالتقارير عن إعداد إسرائيل حملة قصف واسعة ضد أهداف إيرانية، ثم إرجائها بسبب اعتراض الرئيس دونالد ترمب، تعيد طرح معادلة حساسة: هل تنتظر الحرب انتهاء الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، أم أن تأجيلها يعكس تبايناً أعمق حول جدوى التصعيد؟

وبالفعل، تكتسب هذه التساؤلات أهميةً مع اقتراب الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، لكن آراء 3 خبراء أميركيين تكشف تبايناً بين التوقعات العسكرية والحسابات السياسية، لكنها تتقاطع عند نقطة أساسية: نتائج الانتخابات وحدها لن تحدد مصير المواجهة.

حرب تنتظر موعدها

كشفت صحيفة «فاينانشال تايمز»، الأربعاء، عن أنَّ نتنياهو أصدر تعليماته للجيش الإسرائيلي بإعداد حملة قصف واسعة ضد إيران، كان مقرراً تنفيذها في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، قبل إلغائها بعد اعتراض ترمب على استئناف العمليات قبل الانتخابات الأميركية.

وبحسب الصحيفة، شملت الخطة استهداف منشآت نووية وبنى تحتية مدنية، إضافة إلى مواقع تابعة للنظام. كما عرض مسؤولون إسرائيليون على وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، خلال زيارته غير المعلنة لإسرائيل الاثنين، قائمةً بالأهداف بالاستناد إلى معلومات استخباراتية جديدة.

وكان موقع «أكسيوس» قد كشف عن أن البنتاغون طلب استكمال الاستعدادات لعمليات عسكرية واسعة، من دون تحديد موعد لتنفيذها. ونقل عن مسؤولين أن هيغسيث وقيادة القوات الأميركية في المنطقة يدفعان باتجاه استئناف الضربات، بينما يفضِّل معظم مستشاري ترمب مواصلة العقوبات والضغوط الاقتصادية.

وتوحي هذه المعطيات بأن الخلاف يتعلق بتوقيت استخدام القوة ومدى الحاجة إليها، أكثر مما يتعلق بالأهداف النهائية. فواشنطن تريد انتزاع تنازلات إيرانية بشأن البرنامج النووي ومضيق «هرمز»، بينما تخشى إسرائيل أن يسمح استمرار المفاوضات لطهران بإعادة بناء قدراتها العسكرية.

سيناريوهات التصعيد

في تقدير أكثر تشاؤماً، يقول فرزين نديمي، الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية الإيرانية في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن جميع المؤشرات تتجه نحو مواجهة عسكرية كبيرة تشمل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وربما دولاً إقليمية أخرى، بحلول نهاية نوفمبر.

ومع ذلك، لا يستبعد نديمي نجاح الجهود الدبلوماسية المكثفة لمنع التصعيد، لكنه يرى فرص نجاحها ضئيلة للغاية. ويطرح سيناريو يبدأ بموجة جديدة من عمليات استهداف القيادات ومراكز القيادة والسيطرة، تليها ضربات للمنشآت النووية والصاروخية والدفاعات الجوية، وصولاً إلى حملة قصف شاملة ضد المواقع العسكرية والأمنية الإيرانية.

ترمب يستقبل نتنياهو لدى وصوله إلى الجناح الغربي بالبيت الأبيض بواشنطن في سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أما الانتقال إلى استهداف البنية التحتية ومنشآت النفط والغاز والبتروكيماويات، فيربطه بطبيعة الرد الإيراني. ويحذر نديمي من أن طهران قد تحاول هذه المرة بصورة أكثر جدية إغراق سفن حربية أميركية وإسقاط طائرات مأهولة، فضلاً عن استخدام صواريخ باليستية متوسطة المدى ذات مدى أبعد.

ويطرح احتمالاً أكثر خطورة يتمثَّل في توغل بري داخل الأراضي الكويتية أو السعودية انطلاقاً من العراق، باستخدام فصائل شيعية مرتبطة بالحشد الشعبي. ويبقى هذا الاحتمال سيناريو يطرحه الباحث، وليس مؤشراً مؤكداً إلى وجود خطة إيرانية لتنفيذه. وفي المقابل، يستبعد غزواً برياً أميركياً لإيران، مرجحاً أن تشبه المواجهة المقبلة حرب الأيام الـ39 السابقة.

حسابات واشنطن

لكن برايان كاتوليس، الباحث في شؤون السياسة الخارجية والمنطقة في معهد الشرق الأوسط، يقلل من أهمية نتائج الانتخابات في تحديد مسار الحرب. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن انتخابات التجديد النصفي لن تؤثر على الأرجح بصورة جوهرية في قرارات إدارة ترمب وإسرائيل بشأن إيران، لأن التهديدات التي تمثلها طهران ستبقى العامل الأساسي في تحديد الخطوات المقبلة. ويلفت إلى أن ترمب يمرُّ بأضعف مراحله السياسية خلال ولايتيه الرئاسيَّتين، مع تراجع شعبيته واحتمال خسارة الجمهوريين بعض مقاعدهم في الكونغرس.

صورة نشرها موقع «البرلمان الإيراني» من لقاء قاليباف وعاصم منير في طهران الثلاثاء

لكن ذلك لا يعني في رأيه، أن نتائج الانتخابات ستقيد قدرة الرئيس على التَّحرُّك عسكرياً، نظراً إلى الصلاحيات الواسعة للسلطة التنفيذية في قرارات الأمن القومي مقارنة بالكونغرس. ويحدد كاتوليس عاملين أكثر أهمية في حسابات الإدارة: النقص في بعض أنواع الذخائر والتجهيزات نتيجة المرحلة السابقة من الحرب، وما ترتب عليه من انكشاف أكبر للقوات الأميركية في المنطقة ومناطق أخرى، إضافة إلى التكلفة الاقتصادية لأي مواجهة جديدة.

وتكتسب هذه النقطة أهميةً مع استمرار التوتر حول مضيق «هرمز» وأسواق الطاقة، إذ قد يؤدي استئناف العمليات ضد المنشآت الإيرانية إلى اضطرابات إضافية في إمدادات النفط. أما إسرائيلياً، فيرى كاتوليس أن الخلافات بين القادة السياسيين تصبح أقل حدة عندما يتعلق الأمر بالتهديد الإيراني.

ما بعد صناديق الاقتراع

يذهب مايكل روبين، مدير تحليل السياسات في «منتدى الشرق الأوسط»، أبعد من ذلك، مستبعداً أن تحدث الانتخابات تغييراً في المعادلة السياسية الحاكمة لقرار الحرب. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ترمب سيبقى صاحب القرار بغض النظر عمَّا يحدث في الكونغرس. بل إنه قد يشعر بحرية أكبر في اتخاذ قرارات عسكرية بعد الانتخابات، مع غياب استحقاق رئاسي جديد بالنسبة إليه.

أما في إسرائيل، فيرى روبين أن المعارضة الواسعة لنتنياهو لا تعني وجود انقسام مماثل بشأن إيران. فثمة، بحسب تقديره، توافق واسع بين المرشحين الإسرائيليين من اليمين واليسار على طبيعة التهديدات المرتبطة بإيران وحماس و«حزب الله».

ويطرح مفارقة لافتة: قد يتمكَّن رئيس وزراء إسرائيلي آخر من التحرك بفاعلية أكبر من نتنياهو، لأن اعتراض بعض أعضاء الكونغرس والدبلوماسيين ووزراء الخارجية الأجانب يتركز على شخصية نتنياهو أكثر مما يتركز على إسرائيل نفسها. وبذلك، فإن خسارة نتنياهو الانتخابات لا تعني بالضرورة تراجع احتمال المواجهة، تماماً كما أن تراجع الجمهوريين في الكونغرس لا يمنح السلطة التشريعية قدرة تلقائية على منع الرئيس من استئناف العمليات.

في المحصلة، تبدو الانتخابات عاملاً مؤثراً في توقيت المواجهة أكثر من كونها محدداً لأهدافها. فالتأجيل الذي فرضه ترمب لا يعني التخلي عن الخيار العسكري، كما أن استعدادات إسرائيل لا تعني أن قرار الحرب اتخذ نهائياً. وتبقى المفاوضات المسار البديل، رغم استمرار الخلاف حول التنازلات النووية وشروط إنهاء الحرب. وقد يزيل انتهاء الانتخابات أحد أسباب التأجيل، لكنها لن تزيل العوائق العسكرية والاقتصادية والسياسية.

ويبقى السؤال عمّا إذا كانت واشنطن ستستخدم استعداداتها العسكرية لفرض تسوية، أم ستعدّ فشل المفاوضات مبرراً لاستئناف الحرب. وفي الحالتين، سيكون قرار ترمب، لا نتائج صناديق الاقتراع وحدها، العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الأزمة.


نتنياهو أم آيزنكوت... إيران والاستيطان ثوابت تتجاوز الانتخابات الإسرائيلية

إعلان لقناة تلفزيونية إسرائيلية ستتولى تغطية الانتخابات في إسرائيل يظهر فيه نتنياهو وآيزنكوت (رويترز)
إعلان لقناة تلفزيونية إسرائيلية ستتولى تغطية الانتخابات في إسرائيل يظهر فيه نتنياهو وآيزنكوت (رويترز)
TT

نتنياهو أم آيزنكوت... إيران والاستيطان ثوابت تتجاوز الانتخابات الإسرائيلية

إعلان لقناة تلفزيونية إسرائيلية ستتولى تغطية الانتخابات في إسرائيل يظهر فيه نتنياهو وآيزنكوت (رويترز)
إعلان لقناة تلفزيونية إسرائيلية ستتولى تغطية الانتخابات في إسرائيل يظهر فيه نتنياهو وآيزنكوت (رويترز)

ربما تأتي الانتخابات الإسرائيلية المقررة الأسبوع المقبل بزعيم جديد للبلاد، لكنها لن تؤدي إلى زحزحة الثوابت الاستراتيجية؛ إذ يرى صُناع سياسات ومحللون إقليميون أن إيران ستظل الخصم ​الرئيسي، والقوة العسكرية ستبقى الأداة المفضلة والمقدمة على ما سواها، أما إقامة دولة فلسطينية فستبقى احتمالاً بعيد المنال، وفق تقرير لـ«رويترز».

ويعود ذلك إلى أن الفرضيات الاستراتيجية التي تستند إليها السياسة الإسرائيلية ترسخت بفعل الهجمات التي قادتها حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على تجمعات سكنية في جنوب إسرائيل، وبفعل الحروب في غزة ولبنان وإيران.

وإذا استُبعد التغيير، يقول محللون إن السياسة الأمنية لإسرائيل ربما تصبح أكثر تشدداً، إذ إن فوز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بدعم من حلفائه في الائتلاف اليميني المتطرف، قد يمنحه الجرأة لتصعيد الحرب مع إيران، وتشديد قبضة إسرائيل على الضفة الغربية المحتلة، وتهميش الدبلوماسية.

لوحات إعلانية تظهر نتنياهو وآيزنكوت (رويترز)

وترتكز العقيدة الأمنية الإسرائيلية حالياً على 3 دعائم أساسية، وهي كسر شوكة إيران، والسيطرة على مناطق عازلة وراء حدودها، واستخدام القوة لردع «الأعداء».

ويشير محللون إلى أن الخلاف الحقيقي يتعلق بالدرجة أو المستوى وليس الاتجاه، أي بمدى عدوانية إسرائيل في خوض حروبها، وإلى أي مدى ستوسع مستوطناتها في الضفة الغربية، وما إذا كان أي زعيم سيختار الدبلوماسية.

ولا يُنظر إلى الانتخابات المقررة الثلاثاء المقبل على أنها نقطة تحول محتملة، بل ‌اختبار لمعرفة ما إذا ‌كان الشرق الأوسط يتجه نحو مواجهة طويلة الأمد، تتأجج فيها نار الحرب وتخفت، بينما تظل النزاعات الكامنة ​دون ‌حل.

وقال أفيف ⁠بوشينسكي، المستشار ​السابق ⁠لنتنياهو: «إذا انتُخب نتنياهو، فسوف يفعل كل ما يعتقد أنه يريد فعله... سيواصل توسيع المستوطنات. وستستمر الحروب ضد إيران و(حماس) و(حزب الله)».

وأضاف: «ما ترونه الآن هو ما سترونه بعد الانتخابات، وربما بشكل أكثر عدوانية».

وأوضح أنه «ما دامت إيران في وضعها الراهن، فالحديث عن فلسطين مضيعة للوقت».

ويوم الأحد، قال نتنياهو إن على إسرائيل أن تعطي الأولوية «للمنع والهجوم وتقديمهما على الاحتواء والدفاع»، بما في ذلك شن ضربات استباقية لمنع التهديدات الناشئة، مع ترسيخ مكانة إسرائيل كقوة إقليمية وتعظيم استقلاليتها في مجال التسلح.

*لماذا يُستبعد تغيير المسار؟

تضع الانتخابات حزب «الليكود» اليميني بزعامة نتنياهو وحلفائه القوميين المتطرفين في مواجهة معارضة يقودها حزب «يشار» بزعامة القائد العسكري السابق غادي آيزنكوت.

ولا يرى المحلل الفلسطيني غسان الخطيب أي احتمال لحدوث تحول جذري في السياسة تجاه الفلسطينيين، إذ تتنافس الأحزاب السياسية الإسرائيلية على إظهار مواقف أكثر تشدداً في وقت يتجه فيه الرأي العام أكثر نحو اليمين.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

وقال: «من المحتمل أن تكون هناك تغييرات بالأسلوب أو بالشكل أو بالمظهر، لكن دون أن يكون هناك تغيير ⁠برأيي في جوهر السياسة... جوهر السياسة أنه لا للدولة الفلسطينية، ونعم لمزيد من الاستيطان... هذا موضوع نتفق عليه جميعاً».

وقد تسعى حكومة ‌يقودها معارضو نتنياهو إلى إصلاح مكانة إسرائيل الدولية من خلال كبح بعض أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ‌أو المضي في توسيع الاستيطان ولكن بقدر أقل من الصخب. لكن الخطيب أوضح أن هذه التغييرات في ​رأيه ستكون تحولاً في الأسلوب وليس في الجوهر.

ورداً على أسئلة من «رويترز» ‌بشأن إيران والضفة الغربية، قال متحدث باسم «الخارجية» الأميركية إن واشنطن ستواصل الضغط على طهران.

وأكد أنه «ما دامت إيران تكرس إيراداتها من الطاقة لتمويل هجمات ضد حلفائنا، وتدعم ‌الإرهاب في جميع أنحاء العالم، وتمارس أنشطة أخرى تزعزع الاستقرار، فإننا سنستخدم كل الأدوات المتاحة لدينا لمحاسبة هذا النظام».

وذكر أن الولايات المتحدة لا تؤيد قيام إسرائيل بضم الضفة الغربية.

وأضاف: «استقرار الضفة الغربية يعزز أمن إسرائيل، ويتماشى مع هدف هذه الإدارة بشأن تحقيق السلام في المنطقة».

من جهته، قال مايكل يونغ، من مركز كارنيغي للشرق الأوسط، إن المؤسسة الأمنية في إسرائيل وجزءاً كبيراً من الطبقة السياسية الإسرائيلية يتشاركان في رؤية استراتيجية مشتركة، تتمحور حول مواجهة إيران، والحفاظ على استراتيجية «الدفاع المتقدم» والردع العسكري، مما يقلل احتمالات حدوث تحولات سياسية كبيرة.

«الأخطبوط السام»

يتساءل بعض صناع السياسات في المنطقة عما إذا ⁠كانت المواجهة بين إسرائيل وإيران قد أصبحت ⁠الأساس والركيزة التي تقوم عليها منظومة الأمن في الشرق الأوسط، بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات.

وعززت إشادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنتنياهو عندما وصفه بأنه «رئيس وزراء محارب عظيم» التوقعات بأن الزعيم الإسرائيلي سيسعى إلى حسم الحملة ضد طهران إذا احتفظ بالسلطة.

ويوضح نتنياهو أن طموحاته تتجاوز احتواء إيران بل تمتد إلى الإطاحة بحكامها من رجال الدين.

وذكر خلال حفل تخرج ضباط بالجيش، يوم الأربعاء، أنه «لا توجد سوى طريقة واحدة لإزالة هذا التهديد نهائياً، وهي الإطاحة بالنظام في إيران»، وأضاف أن هذه هي التوجيهات التي يصدرها للجيش وجهاز المخابرات (الموساد) والأجهزة الأمنية الأخرى.

وقال في خطاب آخر ألقاه هذا الأسبوع إن «إتمام المهمة يعني الإطاحة بالنظام الإرهابي في إيران، رأس الأخطبوط السام».

لكنّ محللين عسكريين وسياسيين يتساءلون عما إذا كان هناك أي شيء أقل من غزو بري أميركي إسرائيلي سيجبر طهران على التخلي عما تعتبره مصالحها الأمنية الجوهرية فيما تراه معركة وجودية.

فبعد صمودها على مدى أشهر من الحرب، ربما تراهن إيران على قدرتها على الصمود لفترة أطول من خصومها مع الاستمرار في ممارسة الضغط من خلال حلفائها الإقليميين.

وقال يونغ: «هذا مستنقع»، وأضاف: «يمكن للإيرانيين أن يصمدوا لفترة أطول من ترمب».

وقال محللون إن «حزب الله» في لبنان وحركة «حماس» في غزة أصابهما الضعف، لكن الشبكة الأوسع للجماعات المتحالفة مع إيران ما زالت صامدة، وقد يعزز الصراع عزم طهران على السعي وراء رادع نووي.