هل تختنق «رئة العراق» بالإنزال الاقتصادي على إيران؟

خبراء يرجّحون «تحديات صعبة» للنظام المصرفي في بغداد

صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في السوق الكبيرة بطهران 17 أغسطس الحالي (رويترز)
صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في السوق الكبيرة بطهران 17 أغسطس الحالي (رويترز)
TT

هل تختنق «رئة العراق» بالإنزال الاقتصادي على إيران؟

صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في السوق الكبيرة بطهران 17 أغسطس الحالي (رويترز)
صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في السوق الكبيرة بطهران 17 أغسطس الحالي (رويترز)

هدَّدت الولايات ‌المتحدة باستبعاد دول تواصل التجارة مع إيران من النظام المالي القائم على الدولار، وربما يكون العراق نموذجاً لكيفية تنفيذها ذلك التهديد.

وفرضت واشنطن بالفعل عقوبات على عدد من البنوك العراقية المتهمة بالتعامل مع طهران، لكنها تجنبت اتخاذ إجراءات من شأنها تدمير اقتصاد الحليف الاستراتيجي للبلدين.

وحذَّر الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب من أن أي دولة توفر لإيران دعماً اقتصادياً حيوياً ستواجه عواقب وخيمة. وقد يضع ذلك في دائرة الاستهداف الشركاء التجاريين الرئيسيين لإيران في السنوات القليلة الماضية، وهم الصين، والإمارات، وتركيا، والهند، وباكستان وسلطنة عُمان.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الاثنين شن «هجوم اقتصادي» على إيران عبر العقوبات، قائلاً إن شركاءها التجاريين سيُستهدفون، من دون أن يسميهم.

لكن كيف تؤثر الولايات المتحدة في الاقتصاد العراقي؟

تمارس الولايات المتحدة منذ غزوها العراق في 2003 سيطرة فعلية على إيرادات النفط العراقية بالدولار، من خلال بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك في المقام الأول؛ ما يمنح واشنطن نفوذاً استثنائياً على شؤون بغداد.

والعراق حليف نادر لكل من الولايات المتحدة وإيران ويحتفظ باحتياطيات تتجاوز 100 مليار دولار في الولايات المتحدة، ويعتمد بدرجة كبيرة على حسن نية واشنطن لضمان استمرار تدفق إيراداته النفطية وأمواله.

وفي أواخر 2024، أفادت «رويترز» بأن شبكة لتهريب زيت الوقود تدر ما لا يقل عن مليار دولار سنوياً لإيران ​ووكلائها ‌في ⁠العراق. وقد ​تواجه دول ⁠أخرى مجاورة لإيران تشارك في مخططات مماثلة تدقيقاً أميركياً بالمثل.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مستقبلاً رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف 19 أغسطس الحالي (إعلام حكومي)

مكانة الدولار

رغم أن الولايات المتحدة تملك نفوذاً قوياً بصورة استثنائية على العراق مقارنة مع الشركاء التجاريين الرئيسيين الآخرين لإيران، فإن مكانة الدولار بصفته ركيزة التجارة العالمية تجعل نطاق نفوذها هائلاً.

وفي أبريل (نيسان) أوقفت الولايات المتحدة شحنة نقد قيمتها 500 مليون دولار إلى العراق وعلقت جوانب من التعاون الأمني للضغط على بغداد بشأن الفصائل المدعومة من إيران، وفق «رويترز».

كما أفادت تقارير في يناير (كانون الثاني) بأن واشنطن هددت سياسيين عراقيين كباراً بفرض عقوبات، تشمل إيرادات النفط، إذا انضمت مثل هذه الجماعات إلى الحكومة المقبلة.

وسعت إدارات أميركية متعاقبة في السنوات القليلة الماضية إلى خنق هذا التدفق الدولاري ⁠من خلال فرض عقوبات على بنوك عراقية، مع استثناء بعض أكبر البنوك.

وبدا رئيس الوزراء العراقي ‌الحالي علي الزيدي مرشحاً عدَّته إدارة ترمب مقبولاً، في وقت مارست فيه واشنطن ضغطاً ‌متواصلاً على بغداد لكبح نفوذ طهران.

ونقلت «رويترز» عن نيل كويليام، الزميل المشارك في مركز «تشاتام ​هاوس» للأبحاث الذي مقره بريطانيا، قوله إن الضغط الأميركي رفع تكاليف ‌التعاملات المالية مع إيران ومخاطرها؛ ما أجبر المؤسسات العراقية على تحسين الامتثال.

لكن هذا الضغط لم يقطع علاقات العراق الاقتصادية مع إيران، التي ‌تتجاوز النظام المالي، تاركاً بغداد عالقة بين اعتمادها على كل من واشنطن وطهران.

وقال كويليام: «لدى دول مثل الصين أو تركيا اقتصادات أكبر وقدرة أوسع على تحمل الضغوط، أما العراق فالبدائل والقدرة لديه أقل بكثير للصمود المالي».

وأضاف: «ينبع ضعفه بدرجة ما من حجم تجارته مع إيران، وبدرجة أكبر من اعتماده على استمرار الوصول إلى الهيكل المالي الذي تقوده الولايات المتحدة».

الحكومة العراقية أجرت تغييرات قيادية في البنك المركزي ضمن خطة لمواجهة الأزمة المالية (إعلام حكومي)

علاقات العراق التجارية مع إيران

تشير الأرقام الرسمية إلى أن تجارة ‌العراق مع إيران تجاوزت 10 مليارات دولار في 2025، مدفوعة في الأساس بصادرات إيران من الأغذية والسلع الاستهلاكية إلى السوق العراقية، لكنها انخفضت في 2026 بعد اندلاع حرب إيران؛ إذ ⁠زادت المخاطر الأمنية وتعطلت المعابر الحدودية ⁠وارتفعت تكاليف النقل.

وتنظر إيران منذ فترة طويلة إلى العراق بصفته «رئة» اقتصادية، وتمارس فيه نفوذاً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً كبيراً من خلال الفصائل المسلحة والأحزاب السياسية التي تدعمها. وحصلت كذلك على العملة الصعبة من العراق عبر الصادرات وتجنَّبت العقوبات الأميركية عبر نظامه المصرفي.

وتحتل الطاقة موقعاً محورياً في هذه العلاقة؛ إذ يدفع العراق لإيران ما بين أربعة وخمسة مليارات دولار سنوياً مقابل الغاز الطبيعي المستخدم في توليد الكهرباء، وفقاً لمسؤولين عراقيين في قطاع الطاقة، والذين حذَّروا من أن فرض إجراءات أميركية جديدة قد يعرّض هذه المدفوعات للخطر.

وقال توم كيتينغ، مدير مركز التمويل والأمن في معهد «رويال يونايتد سيرفيسز» البريطاني للأبحاث، إن العراق ظل لفترة طويلة طريقاً فعالاً لإيران للالتفاف على العقوبات، حسبما أوردته «رويترز».

وأضاف: «ومع زيادة تضييق الخناق على صلات إيران بالنظام المالي الدولي، سيتسنى استغلال نقاط الضعف القائمة بدرجة أكبر. وفي هذا الصدد، يمكن للعراق ونظامه المصرفي وقطاعه المالي غير الرسمي توقع مواجهة تحديات متزايدة».

لكنه قال إن تبني نهج يستند إلى المحفزات بدلاً من الإجراءات العقابية قد يكون أكثر فاعلية. وأضاف أنه يمكن للولايات ​المتحدة، على سبيل المثال، تقديم مساعدة فنية للبنك المركزي والحكومة ​في العراق على نطاق أوسع في إطار «استراتيجية تقوم على الجزرة بدلاً من العصا».

وتتحسب الولايات المتحدة أيضاً لتداعيات أوسع على النظام المالي. ورداً على سؤال عن سبب إحجامه عن معاقبة إيران مباشرة أو تسمية الدول المستهدفة، قال بيسنت: «ما الذي يدفعني إلى تفجير النظام المالي العالمي؟».


مقالات ذات صلة

اليابان تسعى لاتفاق مع شركاء آسيويين لتعزيز احتياطات النفط

الاقتصاد منظر جوي لقاعدة شيبوشي الوطنية لتخزين النفط باليابان (رويترز)

اليابان تسعى لاتفاق مع شركاء آسيويين لتعزيز احتياطات النفط

قال وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة في اليابان، إن البلاد تسعى إلى التوصل إلى اتفاق بشأن خطط عمل مع شركائها الآسيويين لتعزيز احتياطيات النفط في أنحاء المنطقة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد سفن راسية بالقرب من مضيق هرمز 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«فيتول»: 12 مليون برميل يومياً من النفط تغادر الشرق الأوسط

قال رئيس شركة «فيتول» إن نحو 12 مليون برميل نفط خام ومليوني برميل منتجات مكررة كانت تغادر منطقة الشرق الأوسط يومياً خلال الأيام السبعة إلى العشرة الماضية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفينة تتحرك بمحاذاة ناقلة ترفع العلم الهندي خلال تفريغها النفط الخام في محطة تفريغ بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

حرب إيران تدفع «آسيان» لزيادة التركيز على خطط أمن الطاقة

يواجه وزراء الطاقة في دول جنوب شرقي آسيا، الذين يجتمعون في مانيلا هذا الأسبوع، احتمال طول أمد حرب إيران، التي كشفت عن مواطن ضعف في منطقتهم...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد حقل نفط في منطقة ديبيس قرب مدينة كركوك العراقية (رويترز)

«شيفرون»: احتياطيات النفط والوقود تتضاءل مع استمرار حرب إيران

قال مايك ويرث الرئيس التنفيذي لشركة «شيفرون»، الثلاثاء، إن الاحتياطيات بسوق النفط والوقود تتضاءل، مع استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران للشهر الثامن

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد حفارات نفط تعمل في حقل كيرن ريفر بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

النفط دون 100 دولار مع انحسار المخاوف بشأن المعروض

عكست أسعار النفط اتجاهها، خلال الجلسة وتراجعت، إذ أسهمت صادرات الخام القوية من الشرق الأوسط وسحب مجموعة السبع من مخزونات الطوارئ في تهدئة الأسعار.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بريطانيا قد تطرد دبلوماسيين إسرائيليين حال إغلاق قنصليتها في القدس

صورة من أمام القنصلية البريطانية في القدس يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)
صورة من أمام القنصلية البريطانية في القدس يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

بريطانيا قد تطرد دبلوماسيين إسرائيليين حال إغلاق قنصليتها في القدس

صورة من أمام القنصلية البريطانية في القدس يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)
صورة من أمام القنصلية البريطانية في القدس يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

قالت أربعة مصادر لوكالة «رويترز» للأنباء، إن بريطانيا من المرجح أن تطرد دبلوماسيين إسرائيليين إذا نفذت تل أبيب قرار إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية هذا الأسبوع، على خلفية نزاع حول العقوبات التي تستهدف المستوطنات الإسرائيلية.

وكانت إسرائيل قد أمرت بريطانيا في الثامن من سبتمبر (أيلول) بإغلاق القنصلية في القدس الشرقية في غضون 30 يوماً وسحب دبلوماسييها من المدينة، بعد أن أعلنت بريطانيا أنها ستفرض حظراً على تجارة السلع المصنوعة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.

وذكرت المصادر أن المهلة المحددة لبريطانيا لإغلاق القنصلية تنتهي يوم الخميس، مما سيؤثر على نحو 30 دبلوماسياً بريطانياً يعملون هناك، إلى جانب أفراد أسرهم.


بعد 3 سنوات على «7 أكتوبر»... ماذا غيّرت إسرائيل في أجهزتها الاستخبارية؟

رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير (وسط) وإلى جانبه رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر (الثاني من اليمين) وعدد من كبار قادة الجيش داخل مركز القيادة العسكرية تحت الأرض التابع للجيش الإسرائيلي يوم 22 يونيو 2025 (الجيش الإسرائيلي)
رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير (وسط) وإلى جانبه رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر (الثاني من اليمين) وعدد من كبار قادة الجيش داخل مركز القيادة العسكرية تحت الأرض التابع للجيش الإسرائيلي يوم 22 يونيو 2025 (الجيش الإسرائيلي)
TT

بعد 3 سنوات على «7 أكتوبر»... ماذا غيّرت إسرائيل في أجهزتها الاستخبارية؟

رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير (وسط) وإلى جانبه رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر (الثاني من اليمين) وعدد من كبار قادة الجيش داخل مركز القيادة العسكرية تحت الأرض التابع للجيش الإسرائيلي يوم 22 يونيو 2025 (الجيش الإسرائيلي)
رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير (وسط) وإلى جانبه رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر (الثاني من اليمين) وعدد من كبار قادة الجيش داخل مركز القيادة العسكرية تحت الأرض التابع للجيش الإسرائيلي يوم 22 يونيو 2025 (الجيش الإسرائيلي)

بعد ثلاث سنوات على هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أدخلت إسرائيل سلسلة من التغييرات على عمل أجهزتها الاستخبارية، شملت إعادة ترتيب بعض الأولويات، وتعديلات في جمع المعلومات وتحليلها والتدريب والتنسيق بين الأجهزة. وجاءت هذه الإجراءات في أعقاب تحقيقات داخلية تناولت أوجه القصور التي سبقت الهجوم، فيما يتطلب تقييم حجم هذه التغييرات وفاعليتها التمييز بين ما أعلنته المؤسسات الإسرائيلية وما يمكن التحقق من نتائجه عملياً.

وظهر أحدث التوجهات المعلنة، الأحد، عشية الذكرى الثالثة للهجوم، عندما عرض الجيش الإسرائيلي أمام كبار ضباطه ما وصفها بـ«الدروس المستخلصة من «7 أكتوبر»». وحسب «تايمز أوف إسرائيل»، شملت التوجهات الاستعداد لاحتمال وقوع هجوم مفاجئ على أكثر من جبهة، وأخذ قدرات الخصم في الحسبان إلى جانب تقدير نيّاته، فضلاً عن تحديث سيناريوهات التهديد كل ستة أشهر. وفي الجانب الاستخباري، أعاد الجيش التأكيد على أولوية الإنذار ضمن مهام مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان».

فلسطينيون يعبرون إلى الجانب الإسرائيلي من السياج الحدودي بين قطاع غزة وإسرائيل بعد اختراق مسلحين الحدود يوم «7 أكتوبر» 2023 (رويترز)

أين أخفقت الاستخبارات الإسرائيلية؟

جاءت هذه التغييرات بعد تحقيقات رسمت خلال العامين الماضيين صورة أكثر تفصيلاً لأسباب الإخفاق. ووفق تقرير نشرته «تايمز أوف إسرائيل» عام 2025، استناداً إلى تحقيقات «أمان»، حددت المديرية ثلاثة جوانب رئيسية للخلل: سوء تقدير استراتيجية «حماس» وخططها وقدراتها، وعدم إصدار إنذار بهجوم وشيك خلال الأيام التي سبقته، إلى جانب قصور في جمع المعلومات عن نيات الحركة وخططها. وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة لم تكن مرتبطة فقط بكمية المعلومات المتاحة، وإنما أيضاً بطريقة قراءتها وتحويلها إلى تقدير لمستوى التهديد.

وعززت مراجعة أجراها فريق خبراء عيّنه رئيس الأركان إيال زامير هذه الخلاصة. وبعد مراجعة 25 تحقيقاً ومقابلة نحو 80 مسؤولاً، قال الفريق إن معلومات متنوعة ومهمة كانت متاحة ليلة الهجوم، وكان يمكن أن تقود، لو جرى تحليلها بصورة مختلفة، إلى رفع مستوى الإنذار. كما أشار إلى مشكلات في الثقافة التنظيمية وطريقة فهم «حماس» والتعامل مع خطة أطلقت عليها الاستخبارات الإسرائيلية الاسم الرمزي «جدار أريحا»، وهي وثيقة حصلت عليها إسرائيل قبل الهجوم بأكثر من عام وتضمنت تصوراً لهجوم واسع عبر حدود غزة، ظهرت عناصر عديدة منه لاحقاً في هجوم «7 أكتوبر».

الإنذار في صلب عمل «أمان»

أحد أوضح التغييرات المعلنة يتعلّق بمكانة الإنذار داخل «أمان». ففي سبتمبر (أيلول) 2025، قال زامير خلال زيارة للوحدة 9900 إن المديرية تمر بعملية تغيير تستند إلى دروس «7 أكتوبر»، واضعاً الإنذار في صلب مهمتها. وحسب الجيش، كانت إعادة ترتيب الأولويات قد بدأت بالفعل خلال العامين السابقين.

لكن التغيير الذي ظهر بصورة أوضح في 2026 يتعلق بكيفية التفكير في المفاجأة نفسها. فالدروس التي عرضها الجيش في 4 أكتوبر الجاري تدعو إلى الاستعداد لهجوم مفاجئ حتى في حال فشل الردع والإنذار، وإلى النظر إلى ما يستطيع الخصم فعله وليس فقط إلى ما تعتقد الاستخبارات أنه يريد فعله. وهذا التحوّل يستهدف إحدى المشكلات التي ظهرت قبل «7 أكتوبر»، حين أسهم الاعتقاد بأن «حماس» لا تريد حرباً واسعة في تفسير مؤشرات ميدانية ضمن هذا التصوّر.

عناصر من الوحدة 8200 التابعة لمديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان» خلال العمل على تحليل البيانات (الجيش الإسرائيلي)

عودة إلى المصادر البشرية والمفتوحة

طالت المراجعة أيضاً أدوات جمع المعلومات. ﻓ«معهد دراسات الأمن القومي» الإسرائيلي «INSS» أشار، في تحليله للإخفاق، إلى اعتماد كبير على اعتراض الاتصالات والقدرات التقنية، مقابل ضعف نسبي في بعض المصادر البشرية والمفتوحة، أي المعلومات المتاحة علناً، مثل وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي والمنشورات والبيانات العامة.

وفي هذا السياق، عاد الاهتمام بوحدة «حتساف» التابعة لمديرية الاستخبارات العسكرية «أمان»، والمتخصصة في جمع المعلومات من المصادر المفتوحة، والتي شمل عملها تاريخياً متابعة وسائل الإعلام العربية، ثم توسع ليشمل شبكات التواصل الاجتماعي. وكانت الوحدة قد أُغلقت عام 2021، قبل أن تبدأ «أمان» في مارس (آذار) 2023، أي قبل نحو سبعة أشهر من هجوم «7 أكتوبر»، عملية إعادة إنشائها بصيغة جديدة. وعند وقوع الهجوم، كانت عملية إعادة تشكيل الوحدة لا تزال جارية، قبل أن يتوسع نشاطها خلال الحرب، وفق تقرير لصحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية.

وفي الاستخبارات البشرية، وسّعت الوحدة 504 التابعة لـ«أمان» نشاطها المتعلق بغزة. وتنقل «جيروزاليم بوست» عن مصادر عسكرية أن الوحدة كانت أقل نشاطاً في القطاع خلال السنوات السابقة للهجوم، فيما كان جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) يتولى جانباً كبيراً من جمع المعلومات البشرية هناك. وبعد «7 أكتوبر»، عززت الوحدة 504 انتشارها ومواردها المخصصة لهذا الملف.

تغييرات داخل «الشاباك» والتنسيق مع «أمان»

بدوره، أعلن «الشاباك» تغييرات في طريقة إدارة ملف غزة بعد تحقيقه الداخلي. وحسب «جيروزاليم بوست»، قسّم الجهاز عمليات جمع المعلومات في القطاع إلى مناطق جغرافية أصغر، على نحو أقرب إلى النموذج الذي يستخدمه في الضفة الغربية، كما عدّل آليات التعاون مع الوحدة 8200 التابعة لمديرية الاستخبارات العسكرية «أمان»، والمتخصصة في اعتراض الاتصالات وجمع المعلومات عبر الوسائل الإلكترونية وتحليلها، بهدف زيادة تبادل المعلومات.

ومع ذلك، يصعب الحكم حتى الآن على أثر هذه التغييرات. فالصحيفة تشير إلى أن «الشاباك» والوحدة 8200 كانا يتبادلان المعلومات على نطاق واسع قبل «7 أكتوبر» أيضاً. ومن ثم، فإن زيادة التنسيق بينهما لا تعني بالضرورة أن المشكلة كانت في حجم المعلومات المتبادلة، إذ أظهرت التحقيقات أن جانباً من الإخفاق ارتبط أيضاً بكيفية قراءة المعلومات وتقدير دلالاتها.

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يعقد اجتماعاً لتقييم الوضع الأمني بحضور رئيس الأركان إيال زامير ورئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر وقادة عسكريين كبار في تل أبيب يوم 7 مارس 2026 (رويترز)

مراجعة أساليب العمل والتفكير

ومن بين التغييرات المعلنة أيضاً مراجعة بعض جوانب الثقافة التنظيمية داخل الاستخبارات. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، قال رئيس الأركان إيال زامير، خلال المؤتمر السنوي لقسم الأبحاث في «أمان»، إن التغييرات الجارية تشمل الثقافة الاستخبارية ونهج العمل والحوار بين الرتب والتدريب. ودعا إلى تعزيز التفكير النقدي وتعدد الآراء داخل المديرية، وإلى إفساح المجال أمام ضباط الاستخبارات لتحدي المسلّمات المهنية السائدة.

تغييرات استخبارية تحت الاختبار

تطول التغييرات المعلنة جوانب متعددة من العمل الاستخباري الإسرائيلي، لكن تحديد أثر كل منها يبقى صعباً في ظل محدودية المعلومات المتاحة عن عمل الأجهزة ونتائج الإجراءات التي اتخذتها.

وتحذّر دراسة نشرها «مركز مكافحة الإرهاب» في الأكاديمية العسكرية الأميركية «ويست بوينت» من اختزال إخفاق «7 أكتوبر» في سبب واحد، وتشير إلى تداخل الافتراضات الاستراتيجية والانحيازات المعرفية ومشكلات جمع المعلومات وتحليلها. كما أن جزءاً من المعلومات المتعلقة بالإخفاق لا يزال غير متاح علناً، مما يضع حدوداً لأي تقييم نهائي.

وبعد ثلاث سنوات على هجوم «7 أكتوبر» تُظهر المراجعات التي أجرتها إسرائيل تغييرات في جوانب عدة من العمل الاستخباري؛ من الإنذار المبكر وجمع المعلومات، إلى التنسيق بين الأجهزة وأساليب التحليل والتدريب. وتأتي هذه التغييرات في إطار مراجعة أوجه القصور التي كشفت عنها التحقيقات في الهجوم. لكن الحكم على نتائجها لا يزال مبكراً، وستتضح فاعليتها بصورة أكبر عند مواجهة تهديدات وأزمات جديدة، واختبار قدرة الأجهزة على رصدها وتحليل المعلومات بشأنها والتحذير منها في الوقت المناسب.


عشية ذكرى «7 أكتوبر»... كاتس يوجه الجيش بحالة «التأهّب القصوى»

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

عشية ذكرى «7 أكتوبر»... كاتس يوجه الجيش بحالة «التأهّب القصوى»

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم (الثلاثاء)، أنه وضع الجيش في حالة تأهّب قصوى «لأي سيناريو محتمل»، عشية الذكرى السنوية لهجوم حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، محذراً من أن سكان غزة سيدفعون «ثمناً باهظاً» في حال تعرّض الجيش لأي هجوم.

وجاء في بيان صادر عن مكتب كاتس أن التعليمات صدرت «في ضوء معلومات استخباراتية بشأن نوايا حركة (حماس) لمحاولة تنفيذ هجمات وعمليات إرهابية ضد قواتنا في غزة في ذلك اليوم».

وأضاف البيان: «إذا تم المساس بقواتنا، لا قدّر الله، فإن من سيدفع الثمن الباهظ سيكون (حماس) وسكان غزة، بما يفوق كل تناسب».

وأسفر هجوم «حماس» غير المسبوق على إسرائيل عن مقتل 1221 شخصاً، حسب حصيلة أعدّتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، استناداً إلى أرقام إسرائيلية رسمية. كما اقتاد المسلحون 251 رهينة إلى غزة، كان 44 منهم قد فارقوا الحياة.

وردّت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة النطاق على غزة، خلّفت دماراً هائلاً وأسفرت عن مقتل 74 ألفاً و200 شخص على الأقل، وفق وزارة الصحة في القطاع التابعة لـ«حماس»، التي تعتبر الأمم المتحدة أرقامها موثوقة.

ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، قتلت القوات الإسرائيلية 1460 شخصاً في غزة، حسب وزارة الصحة في القطاع.

وخلال مشاركته في مراسم إحياء الذكرى الثالثة للهجوم أمس الاثنين، تعهّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بألّا تحكم «حماس» قطاع غزة، متوعداً بمواصلة استهداف كل من شارك في الهجوم أو احتجز رهائن في غزة.