ما بعد الضربات: إيران تكيّف أسلوبها القتالي

تُظهر لقطة التقطتها طائرة مسيّرة أفراد الأمن والإنقاذ الإسرائيليين وهم يعملون في موقع الارتطام عقب وابل الصواريخ الإيرانية بالقرب من بلدة أشتاول بمنطقة القدس فجر الأحد (رويترز)
تُظهر لقطة التقطتها طائرة مسيّرة أفراد الأمن والإنقاذ الإسرائيليين وهم يعملون في موقع الارتطام عقب وابل الصواريخ الإيرانية بالقرب من بلدة أشتاول بمنطقة القدس فجر الأحد (رويترز)
TT

ما بعد الضربات: إيران تكيّف أسلوبها القتالي

تُظهر لقطة التقطتها طائرة مسيّرة أفراد الأمن والإنقاذ الإسرائيليين وهم يعملون في موقع الارتطام عقب وابل الصواريخ الإيرانية بالقرب من بلدة أشتاول بمنطقة القدس فجر الأحد (رويترز)
تُظهر لقطة التقطتها طائرة مسيّرة أفراد الأمن والإنقاذ الإسرائيليين وهم يعملون في موقع الارتطام عقب وابل الصواريخ الإيرانية بالقرب من بلدة أشتاول بمنطقة القدس فجر الأحد (رويترز)

رغم الضربات المكثفة التي استهدفت قدراتها العسكرية منذ بداية الحرب، تُظهر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة أن إيران لا تزال تحتفظ بقدرة عملياتية تمكّنها من إلحاق أضرار مستمرة وفرض تكلفة ميدانية على خصومها، في مؤشر على تحوّل في نمط الاستخدام أكثر من تراجع في القدرات.

وقال الرئيس دونالد ترمب إن الولايات المتحدة قضت تقريباً على القدرات العسكرية الإيرانية، واصفاً إيران بأنها خصم منزوع الأنياب. ويقول الجيش الأميركي إن عدد الهجمات التي شنتها إيران انخفض بنحو 90 في المائة منذ الأيام الأولى للحرب، فيما يقول الجيش الإسرائيلي إنه جعل نحو 70 في المائة من مئات منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية غير صالحة للعمل.

لكن سلسلة الهجمات التي استهدفت إسرائيل ودول الجوار خلال الأيام القليلة الماضية ليست سوى أحدث دليل على أن إيران لا تزال تمتلك ما يكفي من الصواريخ والطائرات المسيّرة لزعزعة استقرار المنطقة وإلحاق تكلفة مؤلمة، في إشارة إلى أنها، خلافاً لتصريحات ترمب، لا تزال في قلب المعركة.

ولا يزال ملايين الإسرائيليين يهرعون إلى الملاجئ ليلاً ونهاراً للاحتماء من نيران الصواريخ الإيرانية. ويؤدي الروتين اليومي لصفارات الإنذار والانفجارات إلى بث الخوف والشلل. وأُصيب سبعة أشخاص في وسط إسرائيل يوم الخميس إثر وابل من الصواريخ، وفقاً لخدمة الطوارئ. وأظهرت لقطات مراقبة شخصين يفرّان من المكان قبل أن تنفجر سيارة فضية كانا يقفان بالقرب منها وتندفع في الهواء. وفي تل أبيب، قُتل رجل يوم الجمعة جراء شظية من صاروخ مزود برأس حربي عنقودي.

وحتى عند اعتراض الأسلحة الإيرانية، يمكن أن تتسبب في أضرار، إذ قُتل شخصان في أبوظبي يوم الخميس عندما أصابتهما شظايا سقطت من صاروخ تم اعتراضه.

وقال فرزين نديمي، محلل أمني في معهد واشنطن ومتخصص في شؤون إيران، إن الحملة الأميركية - الإسرائيلية كانت فعالة للغاية في استهداف القيادة الإيرانية، حيث قُتل كثير منهم ودُمرت منشآت عسكرية عدة، كما جرى تدمير سلاحي الجو والبحرية الإيرانيين إلى حد كبير.

صاروخ إيراني يحلق باتجاه إسرائيل كما يظهر من الخليل في الضفة الغربية (رويترز)

وقال أيضاً: «من الناحية البصرية، فإن غرق الأسطول البحري، وتدمير سلاح الجو بالكامل يُعدان مقياساً مهماً جداً للنصر». وأضاف: «لكننا جميعاً نفهم أن المقياس الرئيسي لنجاح إيران هو قدرتها على الاستمرار في إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على إسرائيل والقواعد الأميركية ودول الخليج. ونعلم أنهم ما زالوا قادرين على القيام بذلك».

وقال مسؤول أميركي إن إيران لا تزال تمتلك على الأرجح آلاف الطائرات المسيّرة من طراز «شاهد»، وربما لا تزال تمتلك مئات الصواريخ الباليستية، رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية خلال الأسابيع الأربعة الماضية. لكنه حذّر من صعوبة التأكد من ذلك بسبب محدودية المعلومات الاستخباراتية.

وقد صيغت التصريحات العلنية للجيش الأميركي بعناية. فعلى سبيل المثال، قال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، إن «معدلات إطلاق إيران للطائرات المسيّرة والصواريخ انخفضت بنسبة 90 في المائة» نتيجة للضربات، وهو ما لا يعني تدمير هذه النسبة من الترسانة.

وترى كيلي غريكو، زميلة أولى في مركز ستيمسون، أن عدد الضربات قد لا يكون مهماً بقدر فاعلية استخدام إيران لترسانتها.

وقامت غريكو بتحليل بيانات مفتوحة المصدر حول الهجمات الإيرانية، ووجدت، مع التحذير من عدم دقة الأرقام، أن معدل الإصابة ارتفع مع تقدم الحرب، وتضاعف أكثر من مرتين منذ 10 مارس (آذار).

وقالت: «الخصوم يتكيفون». وأضافت: «هناك مؤشرات على أننا لا نواجه خصماً مهزوماً، بل نواجه خصماً يتكيف ويتعلم ويُلحق ضرراً كافياً لتنفيذ استراتيجيته».

ورجّحت أن يكون الجيش الأميركي قد أخطأ في تفسير انخفاض النشاط على أنه تراجع في القدرة، مشيرة إلى أن إيران ربما كانت تقلل عدد الإطلاقات بسبب إعادة التموضع أو تحسين الاستهداف، وليس نتيجة تدمير قدراتها. وقالت: «هذه الإدارة تركز كثيراً على عدد القنابل التي أُلقيت وعلى انخفاض وتيرة الضربات الإيرانية. إنهم يكررون رقم 90 في المائة». وأضافت: «هل يخفي هذا الرقم تحولاً في نهج إيران؟».

ولم تُظهر موجة الهجمات الإيرانية أي مؤشرات على التراجع خلال عطلة نهاية الأسبوع، إذ تسببت الصواريخ والمسيّرات بأضرار في أنحاء الخليج، بينها تعطيل رادار في مطار الكويت وإصابة عامل وإلحاق أضرار برافعة في ميناء عُماني. كما يشير استعداد الحوثيين لضرب إسرائيل إلى احتمال توسيع نطاق الهجمات.

ورغم أن الدفاعات الإسرائيلية اعترضت الغالبية العظمى من الصواريخ، فقد سجلت إيران ضربة رمزية عندما أصاب أحد الصواريخ مدينة ديمونة، على بُعد نحو 10 أميال من منشأة الأبحاث النووية والمفاعل، ما أدى إلى إصابة عشرات الأشخاص.

كما وجدت إيران ثغرة في الدفاعات الإسرائيلية بإطلاق صواريخ برؤوس عنقودية تنفجر فوق الأرض وتنشر عشرات القنابل الصغيرة على مسافات واسعة.

وعادة ما تسبب هذه القنابل أضراراً أقل من الصواريخ ذات الشحنة الكبيرة، لكنها قد تكون قاتلة في بعض الحالات.

وقال مسؤولون وخبراء إن أفضل طريقة لاعتراض هذه الصواريخ هي تدميرها على ارتفاعات عالية، حيث يمكن أن تحترق بقاياها دون ضرر. إلا أن منظومات «آرو 3» المخصصة لذلك مكلفة ومحدودة العدد، فيما قد لا تتمكن الأنظمة الأدنى من منع إطلاق الذخائر.

وتعكس قدرة إيران على الرد تعافياً سريعاً بعد الهجوم الإسرائيلي الذي استمر 12 يوماً في يونيو (حزيران)، حين أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحقيق «نصر تاريخي» وتدمير القدرة الصاروخية الإيرانية.

ويرى محللون أن إسرائيل ربما قللت من سرعة إعادة بناء هذه القدرات.

وكما فعلت إسرائيل، لم تبق إيران مكتوفة الأيدي بعد تلك الحرب، بل استغلت الوقت للتحضير للصراع التالي.

وقالت ميري إيسين، وهي برتبة عقيد إسرائيلي متقاعد: «كان لديهم تسعة أشهر، مثلنا، للتخطيط». وأضافت أن قدرات إيران «تتدهور» لكنها لا تزال قائمة، وهو أقصى ما يمكن تحقيقه خلال أسابيع من القتال.

وقال نديمي: «رغم الضربات على قواعد الصواريخ ومناطق التجهيز والمصانع، فإن الإيرانيين لا يزالون قادرين على إطلاق نحو 20 إلى 30 صاروخاً يومياً، وبعضها كبير ويعمل بالوقود السائل». وأضاف: «ومع ذلك ما زالوا قادرين على ذلك».

ويشير ذلك، حسب محللين، إلى أن إيران لا تزال تستخدم شبكات الأنفاق المرتبطة بـ«مدن الصواريخ» ومستودعات المسيّرات، أو أنها تحتفظ بقواعد سرية لم تُكتشف، وإن كان ذلك أقل احتمالاً.

واتفق فرزان ثابت، الباحث في شؤون إيران وأنظمة الأسلحة في معهد جنيف، مع هذا التقييم، مشيراً إلى أن إيران، رغم تقليل عدد الإطلاقات، رفعت معدلات الاختراق واستهدفت مواقع أكثر حساسية، مثل قاعدة دييغو غارسيا أو ديمونة.

وفي وقت سابق من الحرب، أدت الهجمات المكثفة إلى اضطراب في الخليج وأسواق الطاقة العالمية. لكن فرزان ثابت أضاف: «بعد خلق هذا المستوى من عدم الاستقرار، لا تحتاج إلى آلاف الإطلاقات يومياً، بل يمكن تحقيق التأثير بعشرات الضربات الناجحة».

*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

بغداد تشتبه باستهداف إسرائيل قدرات جوية صينية لدى الفصائل

خاص صورة من فيديو نشرته فصائل عراقية لطائرة مُسيّرة استخدمتها في الهجوم على قاعدة أميركية

بغداد تشتبه باستهداف إسرائيل قدرات جوية صينية لدى الفصائل

أفادت مصادر بأن بغداد تشتبه في تعرُّض موقعَين لتخزين منظومات دفاع جوي محمولة على الكتف، صينية الصنع، لضربات جوية الأسبوع الماضي.

علي السراي (الرياض)
شمال افريقيا الرئيس السيسي خلال لقاء سابق مع غوتيريش على هامش «قمة بريكس» في الهند سبتمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

غوتيريش في مصر... حراك أممي بشأن أزمات المنطقة

زيارة جديدة للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى القاهرة، بدأت السبت، على أمل أن تسهم في حل أزمات المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)

الرئيس الإيراني يحمل أميركا مسؤولية فشل الاتفاق المؤقت

حمّل ​الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في تصريحات بثها ‌التلفزيون ‌الرسمي ​اليوم ‌السبت الولايات ⁠المتحدة ​مسؤولية فشل اتفاق ⁠مؤقت مع إيران.

«الشرق الأوسط» (طهران)
المشرق العربي صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)

واشنطن تشكك في قدرة بغداد على حماية الرعايا الأميركيين

حذرت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، من مخاطر العنف والخطف التي تواجه المواطنين الأميركيين في العراق، قائلة إن الحكومة العراقية لا تستطيع ضمان سلامتهم.

حمزة مصطفى (بغداد)
الخليج وزراء خارجية المجموعة الرباعية يناقشون في إسطنبول عدداً من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك (واس) p-circle 00:26

«الرباعية» تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتطالب بوقف التصعيد في اليمن

أدانت السعودية وتركيا ومصر وباكستان التصعيد الذي تمارسه الميليشيات الحوثية الإرهابية في اليمن، بما في ذلك هجماتها على المملكة واستهداف المدنيين والبنية التحتية.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)

بغداد تشتبه باستهداف إسرائيل قدرات جوية صينية لدى الفصائل

صورة من فيديو نشرته فصائل عراقية لطائرة مُسيّرة استخدمتها في الهجوم على قاعدة أميركية
صورة من فيديو نشرته فصائل عراقية لطائرة مُسيّرة استخدمتها في الهجوم على قاعدة أميركية
TT

بغداد تشتبه باستهداف إسرائيل قدرات جوية صينية لدى الفصائل

صورة من فيديو نشرته فصائل عراقية لطائرة مُسيّرة استخدمتها في الهجوم على قاعدة أميركية
صورة من فيديو نشرته فصائل عراقية لطائرة مُسيّرة استخدمتها في الهجوم على قاعدة أميركية

أفادت مصادر بأن بغداد تشتبه في تعرُّض موقعَين لتخزين منظومات دفاع جوي محمولة على الكتف، صينية الصنع، لضربات جوية الأسبوع الماضي، في وقت يدرس فيه مسؤولون تقييماً استخبارياً يفيد بأنَّ الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران ربما استؤنفت بالفعل، قبل إعلان ساعة الصفر، لكن على الأراضي العراقية.

وكان «الحشد الشعبي» قد أعلن في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي السيطرة على حريق ناجم عن انفجار كدس للأعتدة التالفة داخل أحد مقاره في منطقة شرق القناة ببغداد، مشيراً إلى أن الحادث أسفر عن 5 مصابين بجروح طفيفة، ومؤكداً مواصلة التحقيق لكشف ملابساته.

ومرَّ أكثر من أسبوع على الحادث من دون إعلان نتائج التحقيق. بيد أن مسؤولاً في الحكومة العراقية، غير مخول بالتحدث علناً، قال إن الجهات المعنية لا تزال تبحث في ملابسات وقوعه.

دفاع جوي صيني

وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الموقعَين يُشتبه في أنهما تعرَّضا لهجوم دمَّر شحنةً كبيرةً من منظومات الدفاع الجوي الصينية الصنع، كانت قد وصلت حديثاً من إيران ونُقلت إلى فصائل عراقية موالية لطهران.

وأوضح مصدر، أن «الفصيل المسلح الذي حدَّد هذا الموقع لتخزين أنظمة الدفاع الجوي كان يعتقد أن الوصول إليه أو اكتشافه صعب للغاية»، مضيفاً أن «الهجوم المشتبه به وقع بعد وقت قصير من وصول الشحنات إلى موقعي التخزين».

وكشف مصدر آخر عن أن الانفجار جاء بعد سلسلة انفجارات بدأت في الأول من أكتوبر، واستهدفت مخازن تابعة لفصائل في مناطق متفرقة حول بغداد، بينها مستودعات تضم طائرات مسيّرة مخصصة للهجمات الانتحارية والاستطلاع.

وحسب المصادر، فقد نشطت فصائل مسلحة عدة، خلال الأسابيع القليلة الماضية، في نقل منظومات حديثة للدفاع الجوي وطائرات مسيّرة من إيران إلى العراق وتخزينها في مواقع تابعة لها.

وكانت تقارير غير مؤكدة قد تحدَّثت عن نقل شحنات سرية من الصين إلى إيران تضم منظومات دفاع جوي محمولة على الكتف، تعمل بالتوجيه الحراري ومخصصة للتصدي للطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، بما فيها المروحيات والطائرات المسيّرة.

ونفت وزارة الخارجية الصينية، في 28 يوليو (تموز) الماضي، «بشكل قاطع تقارير تحدَّثت عن صفقات بيع أو إرسال صواريخ ومنظومات دفاع جوي لإيران من صنع الصين».

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لرفاق لهم قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

إعادة تموضع

وتزامن نشاط الفصائل مع مشاركة عدد منها في التشكيلة الحكومية التي يقودها علي الزيدي، بعدما أُشيع أن ضوءاً أخضر أميركياً أتاح لها المشاركة، بعدما حصلت على تمديد لمهلة حصر السلاح ينتهي في 30 يونيو (حزيران) 2027.

وقال شخصان مقربان من قائد فصيل مسلح لـ«الشرق الأوسط» إن «جماعات موالية لإيران كانت تستغل الهدنة المعلنة مع الأميركيين لإعادة التموضع ونقل أسلحة استراتيجية».

إسرائيل قد تكون وراء الهجوم

ولا تزال طريقة تنفيذ الضربات غير واضحة، سواء كانت بطائرات مقاتلة أم مسيّرات. وتحدثت تقارير متضاربة عن طلعات لمقاتلات إسرائيلية، بدعم من طائرات للتزود بالوقود، عبر المجال الجوي العراقي قرب الحدود مع إيران، من دون تأكيد مستقل لهذه المعلومات.

إلا أن مسؤولاً أمنياً أبلغ «الشرق الأوسط» أن السلطات في بغداد لديها ما يكفي للاعتقاد بأن إسرائيل وراء استهداف المخازن، لكنها لم تتوصل بعد إلى كيفية تنفيذ الضربات.

وقال مسؤول عراقي، إن الحكومة منشغلة بالتحقيق في الحادث بسبب حجم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالموقعين والمناطق المحيطة بهما، مؤكداً أنها لا تملك حتى الآن معلومات حاسمة تحدِّد الجهة المُنفِّذة للهجوم.

وأضاف أن رئيس الوزراء علي الزيدي وكبار القادة العسكريِّين يعملون على جمع مزيد من المعلومات بشأن الهجوم، وما إذا كان مرتبطاً بتقارير عن خروقات إسرائيلية للأجواء العراقية بدأت بعد انسحاب قوات التحالف في 30 سبتمبر (أيلول) 2026.

لم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه المعلومات أو من وصول هذه المنظومات إلى العراق.

وسعت «الشرق الأوسط» إلى الحصول على تعليق من المتحدث باسم الحكومة العراقية ومسؤولين في الإعلام الأمني بشأن القصف وطبيعة الأضرار، وما إذا كانت التحقيقات قد توصَّلت إلى مؤشرات تحدِّد الجهة المنفِّذة، لكنها لم تتلقَّ رداً حتى إعداد هذا التقرير.

راجمة صواريخ تابعة لإحدى الميليشيات العراقية (إعلام الحشد الشعبي)

الحرب ربما بدأت

وقال مستشار سياسي بارز إن الهجوم يعكس تقييماً لدى دوائر استخبارية عراقية مفاده بأن استئناف الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران ربما بدأ بالفعل، لكن بصورة صامتة وغير معلنة عبر الساحة العراقية، من خلال استهداف خطوط إمداد الفصائل المسلحة، وقطع مسارات نقل العتاد إليها، تحسباً لمشاركتها في أي مواجهة إقليمية جديدة.

وقال قيادي في «الإطار التنسيقي» إن قادة أحزاب حاكمة كانوا يرجِّحون منذ أسابيع أن استئناف الحرب بين واشنطن وطهران سيبدأ من تدمير مقدرات الفصائل العراقية بالكامل.

وركزت الفصائل العراقية بصورة لافتة على مسألة خرق الأجواء العراقية حين أُعلنت هدنة تزامنت مع انسحاب القوات الأميركية. وأعلن الأمين العام لـ«كتائب حزب الله»، في 30 سبتمبر، التزامه بوقف العمليات العسكرية، لكنه استثنى ما وصفها بـ«الهجمات المرتبطة بالطيران والخرق الجوي المعادي»، إلى حين استكمال الدفاعات الجوية الحكومية.

ويوم السبت، قالت الجماعة التي تسمي نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق»، إنها «وثَّقت 171 خرقاً جوياً نفَّذتها طائرات قتالية وتجسسية منذ مطلع أكتوبر 2026».

وقال القيادي في «الإطار» لـ«الشرق الأوسط»، إن مسؤولين في «الحرس الثوري» الإيراني كانوا قد وجَّهوا قادة فصائل عراقية بمزيد من التحضيرات لإنشاء خط دفاعي «ضد الطيران المقاتل المعادي».


الرئيس الإيراني يحمل أميركا مسؤولية فشل الاتفاق المؤقت

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الإيراني يحمل أميركا مسؤولية فشل الاتفاق المؤقت

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)

حمّل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في تصريحات بثها التلفزيون الرسمي، اليوم السبت، الولايات المتحدة مسؤولية فشل اتفاق مؤقت مع إيران لكنه قال إنه ينبغي بذل محاولة جديدة لإبرامه.

وأضاف بزشكيان: «كنا نجري مفاوضات، لكن الأميركيين أفسدوا كل شيء... وما زلت أعتقد أنه ينبغي لنا المضي قدماً وإبرام الاتفاق».

وتستعدّ واشنطن لسيناريو صراع طويل الأمد مع طهران، في وقت تتزايد فيه التقارير عن احتمال شنّ ضربات جديدة ضد إيران، قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي أو بعدها، رغم تأكيد الرئيس دونالد ترمب إمكان انتهاء الحرب قريباً.

الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال تجمع انتخابي في «ترويست أرينا» يوم 17 أكتوبر 2026 في هايلاند هايتس بولاية كنتاكي (أ.ب)

وأكد السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز أن بلاده تستعد لاحتمال استمرار الصراع مع إيران فترة طويلة، رغم آمال واشنطن في أن تؤدي الضربات والعقوبات الاقتصادية إلى انتزاع تنازلات من طهران بشأن البرنامج النووي وإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز.

من جانبه، قال ترمب إن واشنطن قادرة على السيطرة على إيران والاستيلاء على نفطها. ولم يستبعد السفير الأميركي لدى تركيا توم براك احتمال شنّ ضربة أميركية ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، مشيراً إلى أن ترمب أتاح لطهران فرصاً متكررة للتوصل إلى اتفاق.


«الخوف دافعهم الأكبر»... ارتفاع التصويت بين فلسطينيي إسرائيل قد يهدد بقاء نتنياهو

لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
TT

«الخوف دافعهم الأكبر»... ارتفاع التصويت بين فلسطينيي إسرائيل قد يهدد بقاء نتنياهو

لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

تستعد إسرائيل لتنظيم انتخابات يوم الثلاثاء المقبل، ويبرز دور أصوات فلسطينيي الداخل، الذين يشكّلون نحو 20 في المائة من السكان وقد تؤدي مقاعدهم في الكنيست دوراً مؤثراً في تحديد شكل الحكومة المقبلة. لكن قدرتهم على التأثير في المشهد السياسي تبقى مرهونة بمدى استعداد أحزاب المعارضة اليهودية للتحالف معهم، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم بدعم من اليمين المتطرف.

وقال أحمد الطيبي، عضو الكنيست منذ أكثر من عقدين ورئيس حزب «الحركة العربية للتغيير» (تعال) لصحيفة «الغارديان»: «نحن مصممون على القيام بكل ما يلزم لإسقاط هذه الحكومة، وارتفاع نسبة المشاركة في التصويت داخل المجتمع العربي إحدى الأدوات المهمة لتحقيق هذا الهدف».

ويُظهر معظم استطلاعات الرأي أن ائتلاف نتنياهو سيخسر أغلبيته في الكنيست المؤلف من 120 مقعداً، لكن تكتل المعارضة الإسرائيلية اليهودية لن يتمكن هو الآخر من بلوغ عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة.

النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي يوسف جبارين وسط مؤيدين خلال اجتماع لـ«القائمة المشتركة» -التي تقودها أحزاب عربية (أ.ف.ب)

أصوات الفلسطينيين في إسرائيل قد تحسم معركة تشكيل الحكومة

من المتوقع أن يحصل فلسطينيو الداخل على ما بين 12 و15 مقعداً، موزعة بين حزب «القائمة العربية الموحدة» (رعم)، وتحالف «القائمة المشتركة» الذي يضم 3 أحزاب أصغر، أحدها حزب «تعال».

ورغم أن حسابات تشكيل الحكومة تبدو واضحة، فإن معظم أحزاب المعارضة الإسرائيلية اليهودية استبعدت تشكيل ائتلاف مع سياسيين عرب، فيما يبذل نتنياهو وحلفاؤه كل ما في وسعهم لجعل أي تحالف من هذا النوع أمراً سامّاً سياسياً.

وتتضمن الحملات الانتخابية العنصرية التي تسعى إلى إثارة الخوف، ملصقات تحمل عبارة «إما اليمين أو فلسطين»، فيما ابتكر آخرون في المعسكر اليميني شعار «بيبي أو طيبي»، في إشارة إلى لقب نتنياهو واسم أحمد الطيبي، رغم ضآلة احتمال تولي الأخير حتى منصب وزاري ثانوي.

ولم يشهد تاريخ دولة إسرائيل سوى وزيرين فلسطينيين؛ إذ شغل غالب مجادلة حقيبة الرياضة لمدة عامين، فيما تولى عيساوي فريج مسؤولية التنسيق الإقليمي لأكثر بقليل من عام.

أنصار يصفقون لمرشحي «القائمة المشتركة» - التحالف السياسي الذي يقوده العرب - أحمد الطيبي ويوسف جبارين وسامي أبو شحادة (أ.ف.ب)

هل تتراجع المعارضة الإسرائيلية عن رفض التحالف مع الأحزاب العربية؟

مع ذلك، هناك سابقة حديثة للتراجع عن التعهدات بعدم التعاون مع الفلسطينيين؛ ففي عام 2021، قاد منصور عباس، رئيس حزب «رعم»، حزبه إلى المشاركة في ائتلاف حكومي تاريخي مع نفتالي بينيت، الذي ينتمي الآن إلى تكتل المعارضة. وكان نتنياهو نفسه قد بدأ في وقت سابق مفاوضات لتشكيل ائتلاف مع عباس.

ويعمل محمد، وهو أحد الناخبين المحتملين، في شركة للتكنولوجيا المتقدمة، حيث يدير موظفين يهوداً وعرباً على حد سواء، ويرى في هذا النموذج صورة لما يمكن أن يكون عليه مستقبل مختلف لإسرائيل.

وعلى الرغم من خيبة أمله إزاء استبعاد معظم أحزاب المعارضة الإسرائيلية اليهودية تشكيل ائتلاف مع الأحزاب الفلسطينية، فإنه يتفهم الحسابات السياسية وراء هذا الموقف، ويتوقع أن يتغير بعد ظهور النتائج.

وقال: «في نهاية المطاف، كل شيء يتعلق بالحسابات، أليس كذلك؟ واحد زائد واحد يساوي اثنين. لا يستطيعون فعل أي شيء من دون هذه المقاعد. لذلك لا بد لهم من التوصل إلى نوع من الاتفاق، وسيفعلون ذلك».

الفلسطينيون بين المعارضة الإسرائيلية ورفض السياسات اليمينية

لكن التحالف مع المعارضة الإسرائيلية اليهودية لا يخلو من التحديات بالنسبة إلى السياسيين الفلسطينيين؛ فلا يدعو أي من أحزاب المعارضة إلى حل الدولتين، فيما يعارض معظمها بشدة إقامة دولة فلسطينية، وتؤيد غالبية هذه الأحزاب حركة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة.

وقال الطيبي: «إنه الاختيار بين السيئ والأسوأ. أي حكومة جديدة لن تكون على هواي، لكنني أختار بين نتنياهو، وبتسلئيل سموتريتش، وإيتمار بن غفير، والمعارضة».

وأدى حجم الموت والدمار في غزة، والتطهير العرقي في الضفة الغربية، وتصاعد العنصرية والتمييز داخل إسرائيل، إلى ترسيخ مخاوف عميقة من التداعيات التي قد تترتب على تولي وزراء من اليمين المتطرف السلطة لـ4 سنوات أخرى.

وقال سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» (بلد): «الدافع الأكبر هو الخوف؛ فهو أكثر فاعلية وأهمية من أحزابنا السياسية أو حملاتنا الانتخابية أو أي شيء آخر. الناس مسيّسون إلى حد كبير، ويدركون الخطر الذي سيترتب على عودة هؤلاء المجرمين إلى الحكم».

النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي يوسف جبارين وسط مؤيدين خلال اجتماع لـ«القائمة المشتركة» -التي تقودها أحزاب عربية (أ.ف.ب)

لماذا تتراجع المشاركة الانتخابية بين الفلسطينيين في إسرائيل؟

تراجعت المشاركة الانتخابية في الماضي، لأن بعض الناخبين فقدوا الثقة في نظام يرونه منحازاً ضد الفلسطينيين وممثليهم.

وفي الشهر الماضي، دفعت المحكمة العليا الإسرائيلية أبو شحادة فعلياً إلى الانسحاب من السباق الانتخابي، على خلفية مقال تناول هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول) التي قادتها حركة «حماس». وأثار القرار انتقادات واسعة؛ إذ عُدّ تكريساً لمعايير مختلفة لحرية التعبير بين المواطنين اليهود والفلسطينيين في إسرائيل.

في المقابل، لم يُقبل طلب استبعاد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بسبب استخدامه لغة عنصرية، شملت الدعوة إلى التطهير العرقي.

وهناك فلسطينيون آخرون يقاطعون الانتخابات من منطلق مبدئي؛ فقد شرحت نغم زبيدات، الصحافية في صحيفة «هآرتس»، أسباب معارضتها للتصويت في مقال نشرته في وقت سابق من العام الحالي.

وكتبت: «لا أصوّت لأنني أرفض إضفاء الشرعية على نظام يتعامل مع حقوقي بوصفها منّة، ومع سلامتي بوصفها أمراً اختيارياً، ومع إنسانيتي بوصفها موضعاً للمساومة. أرفض أن أكون ممتنة للفتات، بينما يجري محو الفلسطينيين؛ ببطء هنا وبعنف في أماكن أخرى».

مخاوف من عودة اليمين المتطرف

لكن الانتخابات هذا العام تكتسب إلحاحاً متزايداً، لأن عودة ائتلاف من اليمين المتطرف إلى السلطة، ستمنحه تفويضاً متجدداً لتسريع سياساته المتعلقة بالتطهير العرقي والضم، وفق ما قال أمجد عراقي، كبير المحللين المعنيين بإسرائيل وفلسطين في مجموعة الأزمات الدولية لصحيفة «الغارديان».

وفي كفر قاسم، يذكّر موعد الانتخابات السكان بهشاشة وضع الفلسطينيين؛ فبعد يومين من التصويت، تحيي البلدة ذكرى واحدة من أشهر المجازر في تاريخ إسرائيل، حين قتل حرس الحدود عام 1956 تسعة وأربعين رجلاً وامرأة وطفلاً، بعدما أطلقوا النار عليهم بسبب مخالفتهم حظر تجول لم يكونوا يعلمون أنه فُرض عليهم.

وقال عراقي: «من المنظور الفلسطيني، يمكن القول إن هذه الانتخابات تتعلق أساساً بالحد من الأضرار».

وأضاف: «هناك شعور بضرورة إثبات الحضور وإسماع الصوت وإظهار الوجود في مواجهة اليمين المتطرف، وذلك بمجرد التوجه إلى صناديق الاقتراع. لا يوجد وضوح بشأن ما سيحدث بعد ذلك، لكنني أعتقد أن هذا يعكس مدى شعور كثيرين بالعجز».