مع اقتراب انتهاء مهلة ترمب... هل الخيار ضربة أخيرة أم تفاوض بالقوة؟

ترمب وإلى جانبه وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع في البت الأبيض يوم 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ترمب وإلى جانبه وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع في البت الأبيض يوم 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مع اقتراب انتهاء مهلة ترمب... هل الخيار ضربة أخيرة أم تفاوض بالقوة؟

ترمب وإلى جانبه وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع في البت الأبيض يوم 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ترمب وإلى جانبه وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع في البت الأبيض يوم 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

مع اقتراب انتهاء مهلة الأيام الخمسة التي لوّح بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبدو الحرب على إيران عند لحظة تقرير شكل النهاية أكثر من أصلها. فواشنطن لا تتحرك، كما يحاول بعض خصومها تصويرها، من موقع مأزق أو عجز، بل من موقع تفوق عسكري تريد تحويله إلى مكسب سياسي.

لذلك لم يعد السؤال الأساسي ما إذا كانت الحرب ستتوقف فوراً، بل كيف تريد الإدارة الأميركية أن تنهيها، عبر تصعيد إضافي أشد قسوة يفرض الوقائع بالقوة أم عبر تفاوض قسري تحت النار يفضي إلى وقف محدود للقتال وفتح مضيق هرمز، مع ترحيل الملفات الأصعب إلى مرحلة لاحقة.

والمعطيات التي يتداولها مسؤولون وخبراء في واشنطن توحي بأن إدارة ترمب لا تريد إغلاق أي من الخيارين الآن، بل تسعى إلى استخدام كل منهما لخدمة الآخر.

المهلة أداة لفرض النهاية

عمال إنقاذ يعملون على إخماد حريق جراء سقوط صاروخ إيراني على مدينة تل أبيب وسط إسرائيل (رويترز)

تهديد ترمب بفتح «أبواب الجحيم» لا يبدو مجرد تصعيد لفظي. فالمداولات داخل واشنطن تشير إلى أن البنتاغون يدرس خيارات إضافية إذا لم يظهر اختراق دبلوماسي سريع، من توسيع الضربات إلى فرض وقائع بحرية أو حماية الممرات الحيوية. لكن الأهم أن هذا التهديد يأتي بعد أسابيع من إنهاك واسع للقدرات الإيرانية، لا قبل ذلك.

ومعنى ذلك أن المهلة ليست مجرد ضغط نفسي، بل أداة لحسم القرار. فهل تكتفي واشنطن بما أنجزته عسكرياً وتحوّله إلى تفاوض، أم تعد أن الظروف نضجت لتوجيه ما تراه «الضربة الأخيرة»؟

وفي هذا السياق، قال فارزين نديمي، الباحث في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، لـ«الشرق الأوسط» إن الحرب «تبدو وكأنها تتصاعد» مع وصول مجموعات من مشاة البحرية الأميركية وعناصر من الفرقة 82 المحمولة جواً إلى المنطقة، بما يضيف «خياراً برياً» إلى الحملة الجوية والبحرية القائمة.

هذا التقدير مهم لأنه يكشف أن واشنطن لا تريد فقط توسيع الضغط الناري، بل الاحتفاظ أيضاً بخيارات ميدانية أكثر حساسية إذا لم يكن القصف وحده كافياً لفرض شروط النهاية.

ومن هنا، تبدو القراءة التي تتحدث عن «ورطة أميركية» مبالغاً فيها. صحيح أن إيران ما زالت قادرة على الإيذاء ورفع التكلفة، لكن ميزان القوة يميل بوضوح إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. لذلك تبدو المهلة أقرب إلى إنذار لتحديد شكل النهاية، لا إلى بحث مرتبك عن مخرج سريع.

من هرمز إلى جزيرة خرج

حاويات نقل تمر بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

لا تقتصر أهمية كلام نديمي على الإشارة إلى وصول قوات إضافية، بل تمتد إلى ما يفتحه ذلك من سيناريوهات. فهو يرى أن هذه القوات قد تُستخدم للسيطرة على الجزر والساحل المطل على مضيق هرمز، أو على جزيرة خرج، أو حتى للبحث عن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب الذي يُعتقد أنه مخبأ داخل إيران.

بهذا المعنى لا يعود الحديث عن «الضربة الأخيرة» محصوراً في القصف الجوي، بل يتسع ليشمل عقدة النفط والممرات البحرية والملف النووي معاً.

هنا يبرز مضيق هرمز بوصفه مركز الحسابات الأميركية. فالإدارة التي رفعت شعارات اقتصادية في الداخل لا تستطيع، من منظورها، ترك أحد أهم شرايين الطاقة العالمية تحت تهديد دائم.

وهذا ما عبّر عنه جوناثان سايح، الباحث في الشأن الإيراني في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، عندما قال لـ«الشرق الأوسط» إن مضيق هرمز «قضية حقيقية لهذه الإدارة»، وإنها تملك حافزاً واضحاً لإزالة هذا الاختناق «سواء عبر وقف إطلاق النار أو عبر انتقال منهجي في ميزان القوة داخل طهران».

وهذا يعني أن المسألة، بالنسبة إلى واشنطن، ليست عسكرية فقط، بل سياسية واقتصادية أيضاً.

لكن هذا المسار لا يأتي من دون أثمان. فنديمي يحذر من أن أي خطوة من هذا النوع ستؤدي إلى رد إيراني إضافي ضد القواعد الأميركية والدول المضيفة في المنطقة، أي إلى «تصعيد أفقي»، بالتوازي مع «تصعيد عمودي» في الحملة الجوية.

وبعبارة أخرى، فإن الانتقال من الضغط إلى فرض واقع ميداني لن يقود بالضرورة إلى نهاية سريعة، بل قد يدفع الحرب إلى مرحلة جديدة أطول وأكثر خطورة، ربما تمتد أسابيع إضافية إذا لم يتبلور مخرج سياسي أو إذا لم يتعرض النظام في طهران لهزة داخلية حاسمة.

التفاوض تحت النار

إيرانيون مفجوعون خلال تشييع أحد ضحايا الحرب في طهران (إ.ب.أ)

في المقابل، لا يمكن القول إن المسار السياسي أُغلق. فالاتصالات عبر الوسطاء لم تتوقف، ما يعني أن الحرب لم تلغِ الدبلوماسية، بل غيّرت طبيعتها.

لم يعد الأمر تفاوضاً عادياً بين خصمين يبحثان عن تسوية متوازنة، بل أصبح تفاوضاً اضطرارياً تحت ضغط النار، هدفه الأول وقف الانزلاق نحو تعطيل طويل للملاحة والطاقة ومنع توسيع الحرب إلى ما هو أبعد.

غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الطرفين لا ينظران إلى التفاوض بالطريقة نفسها. فواشنطن تريد أكثر من مجرد وقف إطلاق نار، إذ تريد ترتيبات تتصل بالبرنامج النووي، والصواريخ، وسلوك إيران الإقليمي، وحرية الملاحة.

أما طهران فستحاول انتزاع وقف للهجمات وضمانات تمنع استباحتها مجدداً، من دون أن تبدو وكأنها وقعت استسلاماً سياسياً. وهنا يضيف سايح بعداً مهماً حين يقول إن ترمب «سعى دائماً إلى الدبلوماسية قبل العمل العسكري، لأن إظهار أن كل الخيارات الأخرى استُنفدت يساعد على إضفاء شرعية على التصعيد»، أي أن التفاوض، في نظر هذه الإدارة، ليس بديلاً من القوة، بل هو جزء من طريقة استخدامها.

لكن سايح يلفت أيضاً إلى نقطة شديدة الأهمية، إذ يقول إن طهران «لم تساوم أبداً في زمن السلم أو خلال المفاوضات، وهي أقل ميلاً إلى ذلك عندما تكون هشة وضعيفة، لأن الأمر بالنسبة إليها يرسل إشارة ضعف».

وهذا يعني أن هشاشة إيران الحالية لا تجعل الاتفاق أسهل تلقائياً، بل قد تجعل النظام أكثر تصلباً؛ لأنه يرى في التنازل تحت القصف تهديداً مباشراً لبقائه وصورته الداخلية.

لذلك، فإن أي تفاهم قريب، إذا حصل، لن يكون على الأرجح «صفقة كبرى»، بل ترتيب هدنة أو وقف نار جزئي ومؤقت يجمّد أخطر الملفات بدلاً من حلها نهائياً.

الحلفاء ليسوا خارج المشهد

القاذفة الاستراتيجية الأميركية «ب1 لانسر» تقلع من قاعدة «فيرفورد» البريطانية يوم 26 مارس 2026 (أ.ب)

المفارقة أن ارتفاع التهديد الأميركي قد يرفع فرص تفاوض الحد الأدنى، لكنه في الوقت نفسه يضيّق هامش العودة إلى ما قبل الحرب.

سايح يلخص ذلك بقوله إن الخيارات المتاحة أصبحت عملياً اثنين: «إما تصعيد كبير يترك طهران ضعيفة عسكرياً مع احتمال احتجاجات شعبية، وإما صفقة. أما الوضع القائم فليس شيئاً مستعداً ليتحمله ترمب». وهذا يعني أن المهلة الحالية لا تستهدف فقط دفع إيران إلى الرد، بل إعلان أن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد مقبولة أميركياً.

وفي هذا السياق، يصبح موقف الحلفاء الأوروبيين أكثر تعقيداً مما يوحي به خطاب ترمب الغاضب تجاه أوروبا و«الناتو». فالحلفاء الغربيون لم يدخلوا الحرب بوصفهم أطرافاً قتالية مباشرة، لكنهم لم يغيبوا عن المشهد أيضاً.

القواعد الأوروبية، والبنى اللوجيستية، والدعم الاستخباراتي، والتسهيلات التشغيلية، فضلاً عن النقاشات الجارية بشأن حماية الملاحة في مضيق هرمز، كلها عناصر تجعل الحديث عن عزلة أميركية كاملة غير دقيق.

إلا أن كثيراً من هؤلاء الحلفاء لا يريدون الانخراط العلني في أي ائتلاف بحري أو عسكري واسع قبل اتضاح نهاية الحرب وشروطها، لأن المشاركة المباشرة الآن قد تجعلهم أهدافاً من دون أن يكونوا شركاء فعليين في القرار.

أما فيما يتعلق بالنفط والأسواق، فالصحيح أن هناك ضغطاً اقتصادياً وسياسياً حقيقياً، خصوصاً مع حساسية أسعار الوقود في الداخل الأميركي، لكن هذا الضغط لم يتحول إلى عجز استراتيجي.

كما أن بعض التقديرات ترى أن قضية الانتخابات النصفية ليست بهذه الأهمية الجذرية لترمب، فهو قادر على التعايش مع كونغرس معارض كما حصل مع رؤساء سابقين. وهو أيضاً ليس على بطاقة انتخابات 2028، ونفذ عملياً غالبية برنامجه السياسي.

في الخلاصة، الاحتمال الأرجح في الأيام المقبلة ليس سلاماً كاملاً ولا انفجاراً من دون ضوابط، بل أحد مسارين مترابطين، وهما: إما تصعيد أميركي إضافي مضبوط لفرض شروط تفاوضية جديدة، وإما تفاوض متعثر تحت النار يسبق ضربة أكبر أو يحاول تفاديها. لهذا قد تكون مهلة ترمب، في جوهرها، مهلة لتحديد الطريقة التي يريد بها إنهاء الحرب، لا مهلة للتراجع عنها.


مقالات ذات صلة

إذا فاز الديمقراطيون... 4 تغييرات محتملة في السياسة الخارجية الأميركية

الولايات المتحدة​ يدلي سكان منطقة مانهاتن السفلى بأصواتهم في مركز الاقتراع المقام في كلية مجتمع مانهاتن بحي تريبيكا (د.ب.أ)

إذا فاز الديمقراطيون... 4 تغييرات محتملة في السياسة الخارجية الأميركية

يقول محللون مستقلون إن الديمقراطيين لديهم فرصة سانحة للفوز في مجلس النواب الأميركي، وربما مجلس الشيوخ خلال انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر المقبل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأسبق باراك أوباما (رويترز) p-circle

أوباما يوجه انتقادات لاذعة لترمب خلال حملة انتخابية للديمقراطيين

انطلق الرئيس الأسبق باراك أوباما في جولة انتخابية لاتهام ترمب بالفساد والسخرية من استراتيجيته تجاه إيران وانتقاد البذخ في تجديدات البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ يظهر الدوار في طريق جامعة فلوريدا إيه آند إم في تالاهاسي (أ.ب) p-circle

إصابة 11 شخصاً في إطلاق نار قرب جامعة بولاية فلوريدا الأميركية

ذكرت السلطات في ولاية فلوريدا الأميركية أن إطلاق نار بالقرب ​من حرم جامعة في مدينة تالاهاسي، السبت، أسفر عن إصابة 11 شخصاً بطلقات نارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب يتحدَّث بجوار السيدة الأولى ميلانيا بعد الإدلاء بصوته في مكتب مشرف الانتخابات بمقاطعة بالم بيتش (رويترز) p-circle 00:36

ترمب يدلي بصوته مبكراً في الانتخابات النصفية بفلوريدا

أدلى الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بصوته في الانتخابات النصفية، السبت، قائلاً إنه صوت لجميع المرشحين الجمهوريين في فلوريدا قبل أن يتحدث بتجمع انتخابي في جورجيا.

«الشرق الأوسط» (فلوريدا)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يستبعد عودة مسبح البيت الأبيض

استبعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعادة إنشاء المسبح التاريخي في باحة البيت الأبيض، مؤكداً في منشور عبر منصته «تروث سوشيال»، السبت، أنه لن يعود أبداً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

انتخابات إسرائيل: نتنياهو يُشغل الجمهور بـ«شطارة»... لكنه يطلق الرصاص على قدميه

إسرائيليون يرفعون لافتات في مسيرة مناهضة للحكومة في تل أبيب مساء السبت (إ.ب.أ)
إسرائيليون يرفعون لافتات في مسيرة مناهضة للحكومة في تل أبيب مساء السبت (إ.ب.أ)
TT

انتخابات إسرائيل: نتنياهو يُشغل الجمهور بـ«شطارة»... لكنه يطلق الرصاص على قدميه

إسرائيليون يرفعون لافتات في مسيرة مناهضة للحكومة في تل أبيب مساء السبت (إ.ب.أ)
إسرائيليون يرفعون لافتات في مسيرة مناهضة للحكومة في تل أبيب مساء السبت (إ.ب.أ)

نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الأحد، صورة وهمية لتل أبيب وهي تحترق بقنبلة نووية ضربتها إيران. وصحيح أن الصورة مصنوعة بالذكاء الاصطناعي لكنها تتوافق مع طريقته التقليدية في إدارة المعركة الانتخابية الإسرائيلية التي تنطلق الثلاثاء؛ فالجمهور في إسرائيل مشغول بالنقاش حول موضوعات غير مريحة لنتنياهو، مثل إخفاقات الحكومة في «7 أكتوبر (تشرين الأول)» أو في إدارة الحرب المليئة بالأخطاء الفاحشة، والتي تتلخص في أنه لم ينجح في تحقيق أي هدف من أهداف الحرب، وأنه حتى في الحرب مع تنظيم صغير مثل «حماس» لم يستطع الحسم طيلة 3 سنوات، ومعه جيش ضخم مزوّد بأحدث تقنيات الحرب.

يريد نتنياهو، بـ«شطارة»، تغيير مسار النقاش وفرض موضوعات أخرى تُظهره قائداً ناجحاً. ولم يجد سوى إحراق تل أبيب موضوعاً يروّج من خلاله لفكرة أن الخطر الذي يُهدد إسرائيل مصدره إيران، وأنه، كما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «الوحيد» القادر على هزيمة إيران.

وهكذا، جاء في الإعلان الانتخابي، الذي تظهر في خلفيته صورة تل أبيب المحروقة بسلاح نووي: «دولة إسرائيل تعيش في خطر وجودي حقيقي وملموس. فإذا حصل الإيرانيون على السلاح النووي، فلن يعود هناك شيء ذو جدوى؛ إذ سيصبح كل شيء تافهاً أمام الخطر الوجودي الذي تشكّله إيران و(محورها الشيعي). أما العواصف التي يثيرونها ويفتعلونها (يقصد المعارضة)، فليس هدفها سوى التغطية على الأمر الوحيد الجوهري، وهو إنهاء المهمة مع إيران. بقي أمام إسرائيل عامان في ظل إدارة الرئيس ترمب، لكي نكمل، أنا وهو، مهمة القضاء على الخطر النووي الإيراني. فإذا لم نُكملها، فإن قنبلتين نوويتين تسقطان على وسط البلاد ستنسفان كل شيء».

صورة التُقطت بطائرة مسيّرة لإسرائيليين يشاركون في تجمّع مساء السبت في تل أبيب للمطالبة بلجنة تحقيق رسمية مستقلة حول هجوم 7 أكتوبر 2023 (رويترز)

وكما خطط نتنياهو، تحوّل هذا الموضوع إلى موضوع أساسي في الحملة الانتخابية، واضطر قادة المعارضة إلى التعاطي معه، وهم لا يصدقون أن رئيس الحكومة ينشر شيئاً كهذا. فهو نفسه كان قد صرّح، قبل 12 يوماً فقط، بأن «المعارضة تتجاهل حقيقة أننا قضينا على الخطر الإيراني». وقبل سنة فقط، قال إن حرب «الأيام الـ12» قضت على الخطر النووي. ثم، بعد بضعة أشهر، وفي نهاية حرب الأيام الـ39، قال إنه والرئيس ترمب تمكّنا من القضاء على الخطر النووي الإيراني. لكن هذا لا يمنعه من العودة إلى الحديث عن «خطر وجودي». والمعارضة تصيح: «الرجل يكذب. فشل في إنهاء المهمة في الوقت الملائم، ويحاول بثّ الفزع في الجمهور لكي يغطي على فشله».

الغزل في العزلة الدولية

ما يلفت النظر هو أن نتنياهو أثار موضوع احتراق تل أبيب بالنووي المزعوم، لكي يغطي على تصريح آخر فاشل شغل الإسرائيليين يوم السبت. ففي مقابلة مع «القناة 10» الاقتصادية، قال نتنياهو إن عهد المساعدات الأميركية لإسرائيل قد انتهى، وإن العالم الذي يكره إسرائيل يستعد لفرض عقوبات عليها بهدف الضغط عليها في القضية الفلسطينية.

وأضاف أنه صامد، ولن يتراجع عن سياسته، بل طلب من مساعديه إعداد خطة للتصدي للعقوبات التي قد تُفرض على البنوك الإسرائيلية، وذلك من خلال «اقتصاد التفافي». وقد فسّر قصده بأنه استخدام «العملات المشفرة» بديلاً عن البنوك التي تعمل ضمن منظومة البنوك العالمية.

وكما خطط نتنياهو مرة أخرى، أشعل فوراً ضجة كبرى، بهدف التغطية على موضوعات أخرى تشغل بال الجمهور ولا تريحه. وكُشف في تل أبيب أن مساعدي نتنياهو استدعوا رئيسة اتحاد الطلاب الجامعيين لإجراء مقابلة مع رئيس الحكومة، يردّ فيها على جميع أسئلتها وأسئلة زملائها الطلبة. وحُدّد الموعد في منتصف الليل، فحضرت، وعندما رأوا أنها تحمل ورقة دوّنت فيها الأسئلة، طلبوها منها، وراح مساعدوه يشطبون كل الأسئلة المتعلقة بهجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023؛ فهذا هو الموضوع الذي يهرب منه نتنياهو ويتهرّب من مواجهته.

لكن «شطارة» نتنياهو لم تُسعفه هذه المرة عند حديثه الغزلي عن العملات الرقمية؛ فالموضوع الذي طرحه كان أشبه بمن يُطلق الرصاص على قدميه، إذ أشعل الساحة الانتخابية ضده. وكان أول رد فعل هو الهلع بين الناخبين، إذ لم يكن أحد يتخيل أن تُوضَع إسرائيل ضمن منظومة عقوبات، جنباً إلى جنب مع دول منبوذة مثل «إيران وكوريا الشمالية».

متسوقون وسكان محليون يمرون بجانب كشك لبيع الخضراوات والفواكه في سوق في تل أبيب يوم الجمعة (د.ب.أ)

وأثارت هذه التصريحات انتقاداً نادراً من بنك إسرائيل، الذي قال إن «العملات المشفرة» لا يمكن أن تكون وسيلة لتجاوز العقوبات، وإن على القادة السياسيين التركيز على سياسات تجعل مثل ⁠هذه الإجراءات غير ضرورية.

وقال البنك: «المسار الصحيح للاقتصاد الإسرائيلي هو الحفاظ ‌على علاقاتنا الاقتصادية مع شركائنا التجاريين الرئيسيين، والتركيز على منع ‌فرض العقوبات وتأثيرها السلبي على الاقتصاد».

كما وقّع أكثر من 100 اقتصادي إسرائيلي، بينهم مسؤولون سابقون في بنك البلاد، والمحافظ السابق للبنك يعقوب فرينكل، وعدد من الحاصلين على جائزة نوبل، رسالة يوم الأحد، أعربوا فيها عن قلقهم إزاء مقترح نتنياهو. وقالوا إنه سيؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وانهيار مكانة إسرائيل الاقتصادية في العالم. وجاء في الرسالة: «كما رأينا في دول تعرّضت لعقوبات مماثلة، مثل جنوب أفريقيا وإيران وروسيا، فإن مستويات معيشة المواطنين الإسرائيليين ستتدهور بصورة حادة، وستتضرر بشدة قدرة الدولة على تمويل أمنها والدفاع عن نفسها في مواجهة أعدائها».

وأضافت: «يقود نتنياهو دولة إسرائيل عن علم نحو المقاطعة والعزلة الاقتصادية الدولية، وكل ما لديه ليقدمه للاقتصاد الإسرائيلي هو حل محيّر، مقبول لدى المنظمات الإجرامية، ولن يفيد على الإطلاق».

كما وصف غادي آيزنكوت منافس نتنياهو الرئيسي في انتخابات الثلاثاء خطة العملات المشفرة بأنها «ضرب من الجنون»، وقال إنه يخشى أن تدفع «سياسة بيبي كوين» الشركات إلى الخارج وتقوض الأمن القومي.

ضربة قاسية وأخرى قاضية

وبدا لافتاً أن صحيفة «يسرائيل هيوم» اليمينية، التي تُعدّ بوقاً لنتنياهو، انتقدته هي الأخرى، إذ كتب مراسلها العسكري أن هذه الفكرة تشكّل مساساً أمنياً واستراتيجياً. وقال: «وجّه بنيامين نتنياهو إلى إسرائيل، أول من أمس، ضربتين في مقابلته مع «القناة 10»: الأولى قاسية، والثانية قاضية. الضربة الأولى، القاسية، هي إعلانه أن المساعدات الأمنية الأميركية لإسرائيل «انتهت». ويدور الحديث عن مساعدات تحصل عليها إسرائيل في إطار اتفاق السلام مع مصر. وقد بلغت هذه المساعدات، خلال العقد الماضي، 38 مليار دولار (من دون الإضافات)، استُخدمت لشراء وسائل قتالية متطورة، ولا سيما لسلاح الجو. ومن شأن إلغاء هذه المساعدات أن يمسّ بكل ذلك، ويجعل إسرائيل مجرد «دولة أخرى»، فضلاً عن الإخلال بالتفوق العسكري النوعي لإسرائيل».

إسرائيليان يحملان منشورات دعائية لحزب الوزير المتطرف إيتمار بن غفير في إحدى أسواق القدس الأحد (أ.ف.ب)

وواصل المراسل العسكري للصحيفة اليمينية تحليله بأن «الضربة القاضية هي أقوال نتنياهو عن وجوب الاستعداد لـ(عقوبات بنكية) مع (اقتصاد التفافي). ومعنى الأمر هو إعلان واعتراف بأن إسرائيل في طريقها لتصبح مثل إيران أو روسيا، غير أنه بخلاف هاتين الدولتين اللتين تحوزان مقدرات طبيعية عظيمة (ورغم ذلك يصعب عليهما العيش)، ليس لإسرائيل طريق للبقاء على قيد الحياة وحدها؛ فهي بحاجة ماسة إلى اقتصاد مفتوح على العالم، يعتمد على التجارة والأعمال البنكية المفتوحة، عديمة الحدود والقيود. وهذا وضع لا يمكن لإسرائيل أن تتحمله».

باختصار، حاول نتنياهو فرض موضوع نقاش آخر على الساحة الانتخابية، يُبعد الأنظار عن 7 أكتوبر، فجاء ببشرى تنذر بـ7 أكتوبر آخر، من نوع كارثي مختلف. وما إن استشعر الخطر حتى طرح موضوعاً آخر، هو تل أبيب المحروقة بالنووي.

ومع ذلك، ورغم كثافة الانتقادات، لا يمكن إغفال قدرات نتنياهو الانتخابية التي مكّنته من البقاء التاريخي في منصب رئيس الوزراء؛ فهو، بصورة أو بأخرى، «أكثر مَن يعرف جمهوره اليميني». فهناك من يؤيده بشكل أعمى، في السراء والضراء، والانتخابات وحدها ستُبيّن مدى دقة حدسه.


نتنياهو يحذّر إيران من محاولة عرقلة الانتخابات: «لا تختبرونا»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يحذّر إيران من محاولة عرقلة الانتخابات: «لا تختبرونا»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، إيران وحلفاءها من محاولة عرقلة الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة، الثلاثاء.

وقال نتنياهو في مقطع مصور: «لدينا مؤشرات استخباراتية تفيد بأن إيران ووكلاءها قد يحاولون تحدّينا عبر شن هجمات بهدف عرقلة الانتخابات»، مؤكداً أن الجيش مستعد لشن هجمات دفاعية وهجومية على السواء، وأضاف: «لا تختبرونا، ستتلقون ضربات تفوق التوقعات».

وتأتي هذه التصريحات في ظلِّ تصاعد التهديدات الأميركية والإسرائيلية بشنِّ هجمات جديدة على إيران، بعدما قال الرئيس دونالد ترمب، أول من أمس، إن واشنطن «قد تنفِّذ عمليةً أخرى صغيرة من (إبيك فيوري)»، في إشارة إلى الحملة الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وأنهى وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 8 أبريل (نيسان) بين إيران والولايات المتحدة، أعنف مراحل القتال، باستثناء تبادل متقطع لإطلاق النار في مضيق هرمز الاستراتيجي ومحيطه، الذي يُعدُّ ممراً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية. وشهدت هذه المواجهات العسكرية هدوءاً في الأسابيع الأخيرة.


هجوم 7 أكتوبر يزعزع الأمل بالسلام في كيبوتس «ناحال عوز» الإسرائيلي

أعضاء من اليمين الإسرائيلي ينتمون إلى منظمة «نحالا» الاستيطانية يحضرون درساً في حقل بالقرب من كيبوتس «ناحال عوز» جنوب إسرائيل (أ.ف.ب)
أعضاء من اليمين الإسرائيلي ينتمون إلى منظمة «نحالا» الاستيطانية يحضرون درساً في حقل بالقرب من كيبوتس «ناحال عوز» جنوب إسرائيل (أ.ف.ب)
TT

هجوم 7 أكتوبر يزعزع الأمل بالسلام في كيبوتس «ناحال عوز» الإسرائيلي

أعضاء من اليمين الإسرائيلي ينتمون إلى منظمة «نحالا» الاستيطانية يحضرون درساً في حقل بالقرب من كيبوتس «ناحال عوز» جنوب إسرائيل (أ.ف.ب)
أعضاء من اليمين الإسرائيلي ينتمون إلى منظمة «نحالا» الاستيطانية يحضرون درساً في حقل بالقرب من كيبوتس «ناحال عوز» جنوب إسرائيل (أ.ف.ب)

ما زال داني رحاميم يؤمن بفكرة السلام، بخلاف كثيرين من جيرانه في كيبوتس ناحال عوز الإسرائيلي المعروف بتأييده التقليدي لليسار، والذين فقدوا الأمل بتحسُّن العلاقات مع سكان قطاع غزة بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وهذا الرجل البالغ 72 عاماً، والذي أمضى 50 عاماً منها في ناحال عوز، هو المتحدث باسم هذا الكيبوتس الواقع على بُعد بضع مئات من الأمتار فقط من غزة.

على طول الحدود مع القطاع، كانت تجمُّعات عدّة من الكيبوتسات المؤيدة تقليدياً لليسار، في الخطوط الأمامية لهجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023. ويشكِّل اليسار أقليةً محدودةً في إسرائيل منذ سنوات، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

يظهر أعضاء من اليمين الإسرائيلي ينتمون إلى منظمة «نحالا» الاستيطانية في كنيس مؤقت أُقيم داخل موقع استيطاني مُنشأ حديثاً بحقل بالقرب من كيبوتس «ناحال عوز» جنوب إسرائيل (أ.ف.ب)

قُتل 16 شخصاً من أصل 400 هم سكان ناحال عوز. ويقول داني رحاميم إن وجود قاعدة عسكرية قريبة أسهم في الحدّ من عدد القتلى مقارنة بكيبوتسَي كفار عزة وبئيري المجاورَين، حيث قُتل 64 شخصاً في الأول و102 في الثاني.

ويشير إلى أنّ «الناس تغيّروا. معظمهم لم يتحوَّلوا إلى اليمين، لكنهم لم يعودوا يؤمنون بإمكان تحسُّن العلاقات مع جيراننا» في غزة.

ويأتي حديثه قبل أيّام من أوّل انتخابات تشريعية تُنظَّم منذ الهجوم الذي عزَّز التَّشدُّد في صفوف الرأي العام الإسرائيلي.

ويكرّر هذا الناشط الذي لطالما دعا إلى السلام: «أنا لا أستسلم»، جالساً تحت عريشة مزهرة في منزله، حيث غطَّت طبقة جديدة من الطلاء آثار الرصاص على الجدران. وغالباً ما يردّ عليه أبناؤه بالقول: «أنت ساذج».

يكاد معسكر السلام يغيب عن المشهد السياسي الإسرائيلي. ويتصدَّر منع قيام دولة فلسطينية وعود رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو الانتخابية، في حين يتعهّد منافسه الرئيسي، الوسطي غادي آيزنكوت، باتخاذ موقف أشدّ معارضة لقيامها.

«أعرف لمَن لن أصوّت»

على بُعد بضعة ممرّات من منزل داني رحاميم، تسكن ابنته مع صديقتها وابنيها. ويتنقّل أكبر الطفلين، الذي سيبلغ الرابعة قريباً، بدراجته بين الممرّات، بينما تختلط زقزقة العصافير بالطنين المتواصل لطائرات المراقبة المسيّرة.

وتقول صديقة ابنته: «يبدو المكان هادئاً، لكن الجثث كانت منتشرة في كل مكان».

إسرائيليون يتجمعون لحضور مراسم وضع حجر الأساس لبناء حي جديد في كيبوتس «ناحال عوز» جنوب إسرائيل (أ.ف.ب)

ترتدي نعمة صادوق رحاميم (37 عاماً) قميصاً أسود تكريماً لأحد جيرانها الذين قُتلوا، وتضع قلادة تحمل نجمة داود، ويظهر الغضب في عينيها.

وتقول: «ما أريده ممّن سيتولّون قيادة بلدنا هو أمن حقيقي. أريد شخصاً يضمن ألّا يتكرّر ما حدث».

في كل جولة عنف سابقة، حين كانت الصواريخ تسقط على الكيبوتس والقنابل على غزة، كانت تفكّر في معاناة «جيرانها». أما اليوم، فتقول: «بات من الصعب عليّ التمييز بين (حماس) وبقية السكان».

ويمرّ نداف بيريز (44 عاماً)، وهو موظف في مستشفى لطالما صوّت لأحزاب اليسار أو أقصى اليسار. وقبل الهجوم، كان يشارك في مشروع لإنشاء عيادة لعلاج مرضى من غزة، على غرار مبادرات مماثلة في أماكن أخرى من المنطقة. لكن المسؤول في المجلس الإقليمي الذي أطلق المبادرة قُتل في الهجوم.

ويقول نداف بيريز: «تساءلت إن كان الإرهابيون الذين قتلوه يدركون أنهم برصاصهم يقتلون أيضاً فكرة مستقبل أفضل».

ويشرح بيريز أن مشاعره «تجاههم» باتت ملتبسة منذ ذلك الحين. ويضيف: «هذا محزن، لكنني لم أعد أكترث كثيراً بما يحدث في غزة».

إسرائيليون يسيرون بجوار منزل بُني حديثاً في كيبوتس «ناحال عوز» جنوب إسرائيل (أ.ف.ب)

وفي القطاع الذي دمَّرته 3 سنوات من الحرب، يواصل الجيش الإسرائيلي شنَّ ضربات دامية بصورة شبه يومية، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم قبل عام.

أما بشأن انتخابات الثلاثاء، فيقول نداف بيريز إنه «لم يحسم قراره بعد». ويضيف بغضب مكتوم، من دون أن يسمّي بنيامين نتانياهو: «أعرف لمَن لن أصوِّت. لن أصوِّت لرئيس الوزراء الذي كان في منصبه يوم 7 أكتوبر، ولم يأتِ إلى هنا قط، ولم يتحمَّل مسؤوليته يوماً، ولم يعتذر أبداً».

أمّا داني رحاميم، فسيصوِّت للمرشح اليساري يائير غولان، «الوحيد الذي يقول إن علينا العمل مع الأحزاب العربية».

ومن نقطة مراقبة تطلّ على غزة، يشير إلى السياجات التي اخترقها المهاجمون بسهولة بالغة في 7 أكتوبر، ثم إلى أقرب منازل القطاع، على بُعد 750 متراً، وقد تحوَّلت إلى ركام، وإلى مدينة غزة المُدمَّرة في البعيد. ويتردَّد صوت رصاص.

قبل أكثر من 10 سنوات، أُصيبت ابنته الصغرى، وكانت مراهقة آنذاك، بنوبة هلع في أثناء قصف. وسألته: «إذا كان دويّ القصف يصلنا بهذه القوة، فكيف يتحمّله أطفال غزة؟». ويقول: «قلت لنفسي يومها إنني ربما أحسنت» في تربيتها.

لكنها تغيّرت هي أيضاً، ولم تعد تتحدث عن الأطفال في غزة، حيث قُتل أكثر من 21 ألفاً و500 طفل منذ أكتوبر 2023، بحسب «يونيسف».