عراقجي: الدعوات للتفاوض مع إيران بدأت من جديد

قال إن طهران قادرة على الدفاع عن نفسها في حال فرض حرب ثانية

صورة نشرها موقع عراقجي الرسمي من حديثه أمام مؤتمر بمركز أبحاث الوزارة الخارجية الإيرانية في طهران اليوم
صورة نشرها موقع عراقجي الرسمي من حديثه أمام مؤتمر بمركز أبحاث الوزارة الخارجية الإيرانية في طهران اليوم
TT

عراقجي: الدعوات للتفاوض مع إيران بدأت من جديد

صورة نشرها موقع عراقجي الرسمي من حديثه أمام مؤتمر بمركز أبحاث الوزارة الخارجية الإيرانية في طهران اليوم
صورة نشرها موقع عراقجي الرسمي من حديثه أمام مؤتمر بمركز أبحاث الوزارة الخارجية الإيرانية في طهران اليوم

قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إن «الدعوات لاستئناف التفاوض مع إيران قد بدأت من جديد»، مشدداً على أن بلاده بعد مرور عدة أشهر على حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل «باتت أقوى دفاعياً مما كانت عليه، وقد أعيد ترميم قدراتها بالكامل»، وأنها «جاهزة» حتى في حال فرض حرب جديدة.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن عراقجي قوله في مستهل جلسة فرعية لمنتدى «طهران للحوار»، تحت عنوان «القانون الدولي تحت الهجوم... العدوان والدفاع عن النفس»، إن طهران «ملتزمة بالحلول السلمية والحوار»، مضيفاً أن مسار برنامجها النووي يمضي وفق قوانين الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقال الوزير إن «الهجوم العسكري الأخير على إيران، الذي كان في جوهره شكلاً من أشكال الهجوم على الدبلوماسية، أثبت أنه لا يوجد بديل عن الدبلوماسية»، مشيراً إلى أن «أيّاً من أهداف إسرائيل والولايات المتحدة لم يتحقق».

وكرر عراقجي الرواية الرسمية قائلاً إن «أحد أهداف الهجوم كان تدمير البرنامج النووي الإيراني»، مضيفاً: «قد تُستهدف منشآت وتدمر، لكن التكنولوجيا لا يمكن القضاء عليها بالقصف».

جاء ذلك في وقت ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن عراقجي وجّه رسالة خطية إلى رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، دون الكشف عن تفاصيل الرسالة.

ونقل الرسالة مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، الذي يزور الدوحة، حيث أجرى مشاورات مع وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز بن صالح الخليفي، تناولت التعاون الثنائي وسبل تعزيزها، فضلاً عن التطورات في قطاع غزة، بما في ذلك وقف إطلاق النار بين «حماس»، وإسرائيل.

صورة نشرها موقع عراقجي الرسمي من حديثه أمام مؤتمر بمركز أبحاث الوزارة الخارجية الإيرانية في طهران اليوم

وفي الأسبوع الماضي، نفت طهران رسمياً تلقي رسائل من واشنطن عبر الوسطاء، وذلك بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المسؤولين الإيرانيين يحاولون استئناف المفاوضات والتوصل إلى اتفاق. وقبل عطلة نهاية الأسبوع، أعاد ترمب التأكيد على سعي إيران لإبرام اتفاق جديد، وتفاخر مرة أخرى بضربات وجهتها الولايات المتحدة لثلاث منشآت رئيسية في برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني، في إطار الحرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران.

«قادرة على البقاء»

وأفاد عراقجي بأن الدعوات إلى التفاوض «بدأت من جديد بشكل طبيعي، بعد أن اتضح أن العمل العسكري لم يحقق أهدافه»، مشدداً على أن «التفاوض له إطار واضح».

وأشار المسؤول الإيراني إلى أن «إيران لم تغادر طاولة المفاوضات في أي وقت... الجمهورية الإسلامية كانت دائماً مستعدة للحوار»، لكن «التفاوض له قواعده وإطاره».

وقال عراقجي إن إيران «لم تخن المفاوضات يوماً»، مضيفاً أن «الأطراف المقابلة هي التي خانت الدبلوماسية». واعتبر أن الدبلوماسية «ما تزال قادرة على البقاء، ويمكن أن تشكّل الحل النهائي لتسوية الخلافات». وزاد أن الدبلوماسية «هي الخيار الأخير»، لكنها «يجب أن تمارس ضمن إطارها الطبيعي»، مشدداً على التزام الجمهورية الإسلامية «بالحلول السلمية والحوار، خصوصاً في قضايا المنطقة».

وبشأن أوضاع البلاد بعد الحرب الأخيرة، أعرب عراقجي عن ثقته بأن مستقبل الجمهورية الإسلامية «يبدو مشرقاً للغاية»، لافتاً إلى أن إيران «نجحت في تجاوز حرب شديدة للغاية»، وأن «أهداف النظام الإسرائيلي لم تتحقق بأي شكل».

«أقوى دفاعياً»

وأوضح أن الإسرائيليين «كانوا في الأيام الأولى للحرب يطالبون باستسلام إيراني غير مشروط، وفي الأيام الأخيرة يطلبون وقفاً غير مشروط لإطلاق النار»، معتبراً أن هذا التحول «كان نتيجة لقدرات إيران». وأضاف أن بلاده استعادت قدرتها الدفاعية «في غضون ساعات من اليوم الأول للحرب»، وأن هذه القدرة «توسعت يوماً بعد يوم»، مشيراً إلى أن «المجال الجوي لإسرائيل كان تحت سيطرة الصواريخ الإيرانية»، وأن إيران «تجاوزت الحرب بنجاح».

وأضاف في السياق نفسه أن «التكنولوجيا النووية الإيرانية ما تزال قائمة»، وأن «أي منشأة تتعرض للضرر يمكن إعادة بنائها». ولفت إلى أن إيران «أقوى دفاعياً مما كانت عليه»، مضيفاً أن بلاده «تعلمت دروساً كثيرة من الحرب، وتعرفت إلى نقاط ضعفها وقوتها ونقاط ضعف العدو وقوته». وقال إنه في حال تكرار الحرب اليوم «ستكون إيران قادرة على الدفاع بصورة أفضل وأقوى من الماضي»، معتبراً أن هذه الجاهزية «هي بحد ذاتها عامل ردع يمنع الحرب».

ورأى وزير الخارجية أن الحرب جاءت «نتيجة حساب خاطئ من العدو، الذي اعتقد أن إيران غير قادرة على الدفاع عن نفسها»، مضيفاً: «أما اليوم فنحن أقوى من ذي قبل، وهذه الجاهزية للحرب تشكّل عاملاً مهماً لمنع نشوب حرب جديدة».

«جاهزية لمسارين»

وأقر عراقجي بخسائر وتأثير العقوبات، لكنه رأى أنها «لم تقيّد قدرات إيران»، وأن لدى بلاده «القدرة على تجاوز هذه التحديات». وشدّد على أن الولايات المتحدة وسائر الأطراف «يجب أن يدركوا أن حل القضايا مع إيران لا يكون إلا بالدبلوماسية، وبالتعامل بلغة الكرامة والاحترام مع الشعب الإيراني».

وقال: «كما أثبتنا سابقاً، حين يخاطب الشعب الإيراني بلغة الاحترام والكرامة تكون المفاوضات ناجحة. أما إذا استخدمت لغة أخرى، فسنتحدث نحن أيضاً بلغة أخرى». وأضاف أن إيران اليوم، في ضوء حرب الأيام الـ12 والاتفاق النووي، أمام «تجربتين واضحتين: الأولى احتفل فيها العالم بنجاح الدبلوماسية ثم خانتها الولايات المتحدة، والثانية شهدت حرباً وردت إيران فيها بالمثل». وشدد على أن «إيران مستعدة لكلا المسارين».

وبموازاة كلمته المطولة، أجاب عراقجي على هامش المؤتمر عن أسئلة الصحافيين بشأن الانتقادات الموجهة لأداء الوزارة الخارجية وما وصف بـ«التراخي» في الملفات الرئيسية للسياسة الخارجية، بما في ذلك الخروج من المأزق التفاوضي والسعي لرفع العقوبات.

وألقى عراقجي بالكرة في ملعب الطرف الآخر، قائلاً إن لدى طهران مبادرات تفاوضية جاهزة، لكنها مشروطة بصون مصالح الشعب الإيراني، محذراً من أن أي مسار تفاوضي يتجاهل حقوق الإيرانيين أو يقوم على مطالب «متجاوزة» لن يلقى قبولاً داخلياً، مضيفاً أن النهج الأميركي الحالي «لا يعكس أي استعداد لحوار متكافئ». وشدد على أن إيران «لطالما دعمت الدبلوماسية»، لكنها لن تقبل إلا بمفاوضات «عادلة، استراتيجية، قائمة على المصالح المتبادلة».

وأشار إلى أن وزارة الخارجية حققت «إنجازاً غير مسبوق» في ملف آلية استعادة العقوبات (سناب باك)، بعدما أدى الانقسام داخل مجلس الأمن إلى اعتراف أميركي بأن «إيران قسمت العالم إلى أغلبية تؤيدها وأقلية تؤيد واشنطن».

وحمّل عراقجي الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية المسؤولية عن «إعادة العلاقات الدولية إلى قانون الغاب» عبر سياسات تقوم على الهجوم، وفرض الإملاءات، والمطالبة بالاستسلام، وتحديد ما يجب أن يحدث داخل الدول الأخرى، ما يفضي إلى الفوضى الدولية على حد تعبيره.

وقال عراقجي إن إيران ستواصل «المقاومة أمام الهيمنة»، وفي الوقت نفسه «التمسك بالدبلوماسية والحوار» لإرساء السلام، مشيراً إلى أن طهران ستمضي في «الحلول السلمية لكنها لن تتراجع أمام الضغوط أو الإملاءات». وأضاف أن بلاده «قادرة على الدفاع عن نفسها حتى في حال فرض حرب جديدة».

وأضاف: «سياستنا هي المقاومة في وجه النزعات الاستعلائية؛ لا للهيمنة، ونعم للدبلوماسية والحوار والتفاهم، وقد أثبتنا ذلك عملياً». وشدد على أن إيران حاولت خلال الأشهر الماضية منع تصعيد الحرب، لكن «الانحراف الإدراكي» في واشنطن قاد إلى الاعتقاد بإمكانية تحقيق الأهداف بالقوة العسكرية، قبل أن تعود الولايات المتحدة لاحقاً للبحث عن مكاسب عبر «استعراض التفاوض».

صورة نشرها موقع عراقجي من حديثه للصحافيين ويقف بجواره نائبه سعيد خطيب زاده على هامش منتدى «طهران للحوار» اليوم

وحول ما إذا كانت لدى إيران مقاربة جديدة للتفاوض مع واشنطن، أوضح عراقجي: «لم أقل إن لدينا خطة جديدة؛ لطالما أيدت الجمهورية الإسلامية الدبلوماسية والمفاوضات، ولكن المفاوضات العادلة، المبنية على استراتيجية واضحة، وعلى أساس المصالح المتبادلة، والتي تجرى بصورة منصفة وشريفة. أما النهج الحالي للإدارة الأميركية، فلا يُظهر بأي شكل من الأشكال استعداداً لمفاوضات متكافئة وعادلة يمكن أن تحقق مصالح متبادلة».

وأضاف: «ما شهدناه حتى الآن من الأميركيين هو في الحقيقة محاولة لفرض مطالب قصوى ومتجاوزة. وفي مواجهة مثل هذه المطالب، لا نرى أي مجال للحوار. ومع ذلك، فإن إيران كانت دائماً، ولا تزال، وستظل مستعدة للحوار؛ لكنها لن تشارك أبداً في مفاوضات يغلب عليها الطابع الإملائي».

أما عن احتمال إطلاق جولة جديدة من المفاوضات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوساطة مصر، قال عراقجي: «هناك دول مختلفة، ولا سيما في المنطقة، تبذل جهوداً لإرساء السلام والهدوء ومنع تصاعد التوتر، وتتواصل معنا في هذا الإطار. ونحن أيضاً نجري مشاوراتنا واتصالاتنا بشكل مستمر. كذلك فإن العلاقات والحوار مع الوكالة الذرية مستمران. سفيرنا في فيينا نشط للغاية، وقد التقى قبل ليلتين سفراء إيران وروسيا والصين مع المدير العام للوكالة في اجتماع مشترك». تابع: «هناك قواعد واضحة للتعاون مع الوكالة ينبغي الالتزام بها مع تغير الظروف الميدانية. وما دام هناك احترام هذه القواعد، فإن التعاون سيستمر».

«لا ثقة بالتفاوض»

وعلى هامش المؤتمر، قال نائب وزير الخارجية الإيراني، سعيد خطيب زاده، إن بلاده «لا تثق بالتفاوض مع الولايات المتحدة ما دامت واشنطن تعتمد وضعية مسلحة وتصعيداً عسكرياً»، متحدثاً عن استعداد إيران «لاتخاذ الإجراءات اللازمة في مواجهة الخدع التي يلجأ إليها الطرف المقابل».

وأضاف خطيب زاده الذي يترأس مركز أبحاث وزارة الخارجية: «التفاوض بينما الطرف الآخر يوظف كامل ترسانته العسكرية ضد دول أخرى، ويحشد موارده ويتخذ وضعيات تهديد، لا يمكن اعتباره مفاوضة محايدة». وأضاف أن ما يجري في مثل هذه الظروف «يتطلب الحذر الدائم والانتباه إلى نوايا وإجراءات الطرف المقابل».

وقال إن الولايات المتحدة هاجمت إيران «بعد ساعات فقط من تبادل الرسائل» بينما كانت طهران تستعد للجولة السادسة من المفاوضات في مسقط، موضحاً: «بينما كنا نتهيأ لاستئناف التفاوض، شنت واشنطن والكيان الصهيوني هجوماً منسقاً على البلاد».

ورأى أن «من ينسف طاولة التفاوض لا يمكنه الحديث عن الحوار»، مشيراً إلى أن واشنطن «لم تُبدِ أي استعداد لمفاوضات حقيقية قائمة على النتائج». وأضاف أن إيران «بذلت كل جهدها لمنع الحرب»، لكن ما حدث كان «نتيجة أوهام في واشنطن»، وأن الأميركيين يسعون الآن إلى تحقيق أهدافهم عبر «مسرحية اسمها التفاوض بعد الفشل العسكري». وأضاف أن طهران «مستعدة للتحرك ضمن إطار توجيهات القيادة (المرشد علي خامنئي)»، مضيفاً أن «المصالح العليا للشعب الإيراني» تبقى معيارها الأساسي.


مقالات ذات صلة

فيصل بن فرحان وعراقجي يبحثان التصعيد بالمنطقة

الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي (الشرق الأوسط)

فيصل بن فرحان وعراقجي يبحثان التصعيد بالمنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان خلال اتصال هاتفي تلقاه من نظيره الإيراني عباس عراقجي، التصعيد الأخير في المنطقة، والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين واشنطن وتل أبيب بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية لا تزال مستمرة

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز) p-circle

هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر إيران؟

حاولت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الجمع بين إبقاء الخيار العسكري جاهزاً، وتشديد الحصار الاقتصادي والبحري؛ لإجبار إيران على تقديم تنازلات...

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تصعيد في «هرمز» وسط تمسك طهران بشروطها

تتصاعد التوترات في مضيق هرمز مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط، ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في شهرين.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
شؤون إقليمية أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)

إيران تعزز انتشار قواتها الحدودية تحسباً لأي توغل

أعلنت إيران إبقاء عشرات الوحدات القتالية والإسنادية في مواقع متقدمة على حدودها، بالتزامن مع مراجعة خططها الدفاعية وتعزيز تحصيناتها العسكرية.

«الشرق الأوسط» (طهران- لندن)

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وبحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

وكان الكاتب الصحافي بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف أن مسؤولين أميركيين طلبوا من إسرائيل مهاجمة إيران. وكتب في صحيفة «معاريف» أن المسؤولين في البيت الأبيض لم يطلبوا ضربة أميركية أو هجوماً مشتركاً، بل أرادوا أن تنفذ إسرائيل العملية منفردة.

وأضاف كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة. كما أكد الصحافي الإسرائيلي، باراك رافيد، المحرر السياسي في «القناة 13» التلفزيونية، ما ورد في هذا التقرير.

حسابات انتخابية على جانبي الأطلسي

اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

وجاء الطلب الأميركي، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

وأوضح كسبيت أن واشنطن أرادت أن تتحمل إسرائيل الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وقال كسبيت إن الإدارة الأميركية اعتقدت أن الإسرائيليين هم الطرف الأكثر رغبة في شن الهجوم قبل انتخاباتهم، في حين قد تؤدي ضربة أميركية قبيل الانتخابات النصفية الأميركية إلى إلحاق ضرر سياسي بترمب.

ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه التكهنات بشأن دراسة الرئيس الأميركي احتمال استئناف الهجمات على إيران. ووفقاً لكسبيت، فإن ما تكشفه الاتصالات يشير إلى أن ترمب طلب، في مرحلة أولى، من إسرائيل توجيه الضربة بدلاً من أن تنفذها القوات الأميركية، قبل أن يجري كبح هذا المسار.

ولم تتضح، بحسب الكاتب، طبيعة موقف نتنياهو من هذه التطورات، لكنه أشار إلى أن جدول أعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الأسبوع الأخير تضمن سلسلة لقاءات وزيارات وصفها بالحساسة، في فترة اتسمت بكثافة النشاط الأمني.

إيران تعيد بناء ترسانتها

صواريخ إيرانية محمولة على شاحنات خلال عرض في قاعدة عسكرية شمال طهران في 17 أبريل 2024 (أ.ب)

وكانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت في تقرير نشرته، يوم السبت، أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وبحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

وكان ترمب قد أعلن، قبل نحو عام، أن الجيش الإيراني «دُمر بالكامل»، بينما صرح وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الولايات المتحدة قضت على قدرات الصناعات العسكرية في إيران.

تل أبيب تفضل ضربة مشتركة

حريق بمبنى الصناعات الإلكترونية التابع لوزارة الدفاع الإيرانية بطهران بعد استهدافه في مارس 2026 (أ.ف.ب)

وفي إسرائيل، ترى القيادة السياسية والعسكرية أن استمرار المواجهة على النحو الحالي قد يبعث برسائل ضعف إلى طهران، ويعزز اعتقاد القيادة الإيرانية أن بإمكانها استغلال الضغوط التي تواجهها إدارة ترمب بسبب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار النفط لانتزاع تنازلات من واشنطن.

وتعتقد أوساط إسرائيلية أن طهران تستفيد من إطالة أمد المواجهة، وتتبنى موقفاً متشدداً في المفاوضات، من دون أن تبدي اهتماماً كافياً بالتداعيات الاقتصادية على مواطنيها بسبب الحصار البحري والاقتصادي. وترى هذه الأوساط أن استمرار الصمود الإيراني قد يدفع الإدارة الأميركية، في نهاية المطاف، إلى تقديم تنازلات.

وبناءً على ذلك، تؤيد هذه الأوساط توجيه ضربة عسكرية واسعة إلى إيران، لكنها تفضل أن تكون أميركية ـ إسرائيلية مشتركة، لا أن تتحمل إسرائيل وحدها تبعاتها العسكرية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الجدل المتصاعد في إسرائيل بشأن احتمال سعي نتنياهو إلى توظيف ضربة عسكرية لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، بما في ذلك احتمال تأجيل الانتخابات، دفع أجهزة أمنية إسرائيلية إلى إبداء تحفظات على الدخول في حرب قد يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح حزبية وشخصية لرئيس الوزراء.

وتفضل هذه الأجهزة، وفق المعطيات المتداولة، الانتظار بضعة أسابيع قبل اتخاذ قرار بالهجوم، بينما تواصل حوارها مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بشأن الخيارات العسكرية المحتملة. ويشمل التنسيق إعداد الخطط وتحديث بنك الأهداف، إلى حين اتخاذ القرارات السياسية اللازمة في تل أبيب وواشنطن.


إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
TT

إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)

​نقلت وسائل إعلام حكومية في إيران، الأحد، عن ‌الأمين العام ‌للمجلس ​الأعلى ‌للأمن القومي ⁠محسن ​رضائي قوله ⁠إن رد الولايات المتحدة على الشروط ⁠السبعة التي طرحتها ‌طهران ‌لإعادة ​فتح ‌مضيق ‌هرمز «غير كافٍ». وأضاف رضائي أن على واشنطن ‌توضيح القضايا التي لا تزال ⁠غامضة بالنسبة ⁠لطهران. وكان الوفد الإيراني المشارك في الاجتماع السنوي لقادة العالم بالأمم المتحدة، الشهر الماضي، قد اقترح اتفاقاً معجلاً يشبه مذكرة التفاهم التي انهارت بعد أيام من توقيع الولايات المتحدة وإيران عليها في يونيو (حزيران). ورُفض الاقتراح الجديد، لكن الجانبين واصلا التواصل عبر وساطة. كما هدد رضائي باستهداف «الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ومواقع أخرى في المنطقة» إذا اندلع قتال عنيف مجدداً.

ورأى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أول من أمس، أن نجاح المباحثات الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، يبقى رهناً بغياب «الضغط والتهديدات». وقال بزشكيان في كلمته خلال قمة رابطة الدول المستقلة في تركمانستان: «إن الحوار لا يكتسب معنى، ولا تتوافر له فرص النجاح إلا إذا قام على الاحترام المتبادل والالتزامات المتبادلة، وإذا كان خالياً من الضغوط والتهديدات». وكان بزشكيان قد التقى، الخميس، نظيره الروسي فلاديمير بوتين بعد وصولهما إلى تركمانستان للمشاركة في قمة رابطة الدول المستقلة، وهي منظمة تضم جمهوريات سوفياتية سابقة. وانطلقت القمة، الجمعة، في منتجع أفازا المطل على بحر قزوين. وتعد إيران وروسيا من أكثر دول العالم خضوعاً للعقوبات. وقال بوتين، وفق ما نقلت وكالات أنباء روسية: «نحن مستعدون لبذل كل ما بوسعنا للمساهمة في تسوية هذا الوضع»، معتبراً أن إيران بذلت «جهوداً حقيقية لإنهاء الحرب» التي اندلعت مع ضربات أميركية إسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط) الماضي.


هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر إيران؟

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)
TT

هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر إيران؟

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)

تتسارع مؤشرات التصعيد بين واشنطن وطهران على أكثر من جبهة، في وقت تحاول فيه إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الجمع بين إبقاء الخيار العسكري جاهزاً، وتشديد الحصار الاقتصادي والبحري؛ لإجبار إيران على تقديم تنازلات.

فبينما كشفت تقارير أميركية عن استعداد البنتاغون لخيارات تسمح باستئناف عمليات قتالية واسعة ضد أهداف إيرانية، أعلنت وزارة الدفاع رفع الحصيلة الرسمية للعسكريين الأميركيين الذين تُوفوا في العمليات المرتبطة بالحرب إلى 21، وعدد الجرحى إلى 865، وسط انتقادات في الكونغرس لطريقة إعلان الخسائر وتكلفة المواجهة.

وتزامن ذلك مع انتقال الحصار البحري ضد إيران إلى مرحلة أعلى صرامة، بعدما أعلنت «القيادة المركزية الأميركية» تعطيل سفينة حاولت مغادرة ميناء إيراني واختراق الحصار في خليج عُمان، في مؤشر على استعداد واشنطن لاستخدام القوة لوقف حركة الصادرات. وفي المقابل، واصلت طهران تهديد الملاحة في مضيق هرمز، بما يجعل الممر النفطي الأهم في العالم ضمن ساحات الضغط المتبادل.

وعلى الجبهة الاقتصادية، شددت وزارة الخزانة الأميركية العقوبات على «أسطول الظل» وشبكات نقل النفط وتمويله، في محاولة لإغلاق المنافذ التي استخدمتها إيران سنواتٍ للالتفاف على العقوبات. وتراهن واشنطن على أن تراجع عائدات النفط، وتضييق قنوات التعامل مع الصين والإمارات وتركيا، سيزيدان الضغوط على النظام.

وهكذا؛ تبدو الاستراتيجية الأميركية كأنها تتحرك على 3 مسارات متوازية: الاستعداد العسكري، وخنق صادرات النفط، وملاحقة الأموال وشبكات الالتفاف. لكن السؤال يبقى عمّا إذا كان تراكم هذه الضغوط قادراً على تحقيق ما لم تحققه القوة العسكرية؛ أي تغيير حسابات طهران الاستراتيجية.

وكان هذا السؤال محور ندوة نظمها برنامج «إيران إنترناشيونال إنسايت» بالشراكة مع مؤسسة «أميركا أبرود ميديا»، بمشاركة كيري بيتسوف، المسؤولة السابقة في «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» بوزارة الخزانة الأميركية، وباتريك كلاوسون، الباحث البارز مستشار الأبحاث في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، ومحمد ماشين تشيان، كبير المحللين الاقتصاديين في «إيران إنترناشيونال».

واتفق الخبراء الثلاثة على أن إيران تواجه ضغوطاً اقتصادية أعلى تعقيداً من جولات العقوبات السابقة، لكن تقديراتهم أظهرت فارقاً مهماً بين إضعاف قدرة النظام في الحصول على الموارد، وإجباره على تغيير أهدافه السياسية والأمنية.

النفط في قلب المعركة

وزير النفط الإيراني المستقيل محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

يرى كلاوسون أن أحد أهم المتغيرات في المواجهة الحالية يتمثل في تزامن القيود على صادرات النفط مع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة؛ مما يجعل قدرة طهران على امتصاص الضغوط أقل مما كانت عليه في مراحل سابقة.

وأشار إلى أن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أقر بتعذر تصدير النفط خلال المرحلة الأولى من الحصار، قبل أن تتمكن إيران من إيجاد وسائل لتصدير كميات محدودة. ووفق كلاوسون، فقد استطاعت طهران لمدة الاعتماد على النفط المخزن على متن ناقلات، إضافة إلى مخزونات موجودة في الصين، لكن هذه الكميات لا تمثل بديلاً دائماً عن تدفق الصادرات.

ولا تقتصر المشكلة على النفط؛ إذ تعتمد إيران بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي في إنتاج الطاقة. وقد تصبح الأضرار التي لحقت بمنشآت الغاز أخطر مع دخول فصل الشتاء، خصوصاً إذا اضطرت السلطات إلى زيادة الاعتماد على زيت الوقود الثقيل، أو «المازوت»، لتشغيل محطات الكهرباء.

وهنا تتحول أزمة الطاقة من مشكلة بشأن الإيرادات الحكومية، إلى أزمة تمس الصناعة والكهرباء والاستهلاك اليومي، بما يضاعف التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للمواجهة.

أما ماشين تشيان، فيرسم صورة أشد قتامة لحجم الضغوط المالية، مقدراً أن ما بين 21 و23 مليار دولار من عائدات الصادرات لم تعد إلى إيران، وأن استمرار الحصار قد يحرمها من عشرات المليارات الإضافية من الإيرادات النفطية.

وتكمن أهمية هذه الخسائر في أن النفط لا يمول الموازنة الحكومية فقط، بل يوفر أيضاً العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد، ويساعد السلطات في الدفاع عن العملة المحلية، وتمويل المؤسسات العسكرية والأمنية وشبكات النفوذ الإقليمي.

«تجار العقوبات» المستفيدون من الالتفاف

يعترض «الصقور» على رفع العقوبات عن إيران من دون تنازلات منها (رويترز)

لكن النقاش الذي شهدته الندوة تجاوز السؤال التقليدي عن مقدار النفط الذي تستطيع إيران بيعه، إلى سؤال أعقد: مَن المستفيد داخل إيران من العقوبات نفسها؟

يرى ماشين تشيان أن سنوات العقوبات أوجدت طبقة من الوسطاء المختصين في الالتفاف على القيود الدولية، سواء أكان عبر تهريب النفط، أم استخدام الشركات الوهمية، أم إدارة التحويلات المالية المعقدة. وأطلق عليهم وصف «تجار العقوبات»، في إشارة إلى رجال أعمال ووسطاء راكموا ثروات من العمولات الكبيرة التي يحصلون عليها مقابل نقل الأموال والسلع عبر قنوات غير رسمية.

وتطرح هذه الظاهرة مفارقة مهمة؛ إذ إن العقوبات التي يُفترض أن تضغط على النظام قد تؤدي، في الوقت نفسه، إلى نشوء جماعات اقتصادية تستفيد من استمرارها. وكلما ازدادت صعوبة التجارة الرسمية، ارتفعت قيمة الأشخاص والشركات القادرين على تجاوز القيود.

وهنا تبرز النقطة التي ركزت عليها بيتسوف، انطلاقاً من خبرتها السابقة في «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» بوزارة الخزانة الأميركية. ففي تقديرها، ينبغي عدم قياس نجاح العقوبات بعدد الأفراد والشركات المدرجين على قوائمها، بل بقدرة واشنطن على تنفيذها فعلياً وضرب الشبكات التي تتيح للنظام الحصول على الأموال.

وحذرت بأن العقوبات التي لا تُنفذ بفاعلية قد تنتهي بتحميل المواطنين الإيرانيين العبء الأكبر، بينما تستمر النخب المرتبطة بمراكز القوة في الاستفادة من الاقتصاد غير الرسمي. ولذلك؛ تركز الاستراتيجية الأعلى فاعلية، من وجهة نظرها، على الوسطاء والبنوك والشركات وشبكات النقل التي تمثل حلقة الوصل بين الاقتصاد الإيراني والأسواق العالمية.

الصين منفذ تحت الضغط

وزير الخارجية الإيراني ونظيره الصيني في بكين يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

تحتل الصين موقعاً مركزياً في هذه المعادلة، بعدما أصبحت السوق الأهم للنفط الإيراني. لكن بيتسوف تحذر من النظر إلى هذه العلاقة بوصفها شرياناً مفتوحاً تستطيع طهران الاعتماد عليه دون قيود. فالمصافي الصينية المستقلة تشتري النفط الإيراني بأسعار مخفضة، بينما تبقى أجزاء من العائدات داخل النظام المالي الصيني وباليوان؛ مما يحد من قدرة إيران على استخدامها بحرية. كما تتجنب المؤسسات المالية الصينية الكبرى التعرض للعقوبات الأميركية؛ مما يدفع إيران نحو بنوك أصغر وشركات وسيطة وقنوات مالية أعقد.

وتساعد هذه المعطيات، وفق كلاوسون، في تفسير أهمية الحصار البحري. فبدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع المؤسسات المالية الصينية الكبرى، تستطيع الولايات المتحدة استهداف حركة النفط نفسها قبل وصوله إلى المشترين. وبذلك يصبح «الحصار» أداة مكملة لـ«العقوبات»: يستهدف الأول حركة السلعة، فيما تستهدف الثانية حركة الأموال.

وتشير الإجراءات التي اتخذتها دول في المنطقة ضد الشركات والوسطاء المرتبطين بإيران إلى تقلص المساحات التي كانت تستخدمها طهران للوصول إلى النظام المالي العالمي. وبالتالي، لا تقتصر المشكلة بالنسبة إلى إيران على العثور على دولة مستعدة للتعامل معها، بل تتمثل أيضاً في إيجاد نظام مالي وتجاري قادر على استيعاب حجم اقتصادها من دون الخضوع للضغط الأميركي.

ويمتد أثر الضغوط، وفق المشاركين، إلى شبكة حلفاء طهران في المنطقة. وأشارت بيتسوف إلى مؤشرات على ضغوط مالية تواجه «حزب الله» اللبناني في الوفاء ببعض التزاماته المالية والاجتماعية، فيما يرى ماشين تشيان أن قدرة إيران في المحافظة على بعض علاقاتها الإقليمية تعتمد جزئياً على استمرار تدفق الأموال.

لكن تراجع الموارد لا يعني تلقائياً انهيار هذه الشبكات. فالجماعات التي بنت، على مدى سنوات، مصادر تمويل محلية ومصالح اقتصادية خاصة، يمكنها الاحتفاظ بقدرتها على العمل حتى مع تراجع الدعم الإيراني؛ وإن بمستوى أقل. ويُبرز ذلك المعضلة بين تقليص القدرات وإنهاء النفوذ.

هل يتغير سلوك النظام الإيراني؟

تتباين تقديرات الخبراء بشأن قدرة الضغوط الاقتصادية على إحداث تحول سياسي أو استراتيجي في طهران.

تحذر بيتسوف من افتراض أن تدهور الوضع الاقتصادي سيؤدي تلقائياً إلى تغيير في سلوك النظام. فالتاريخ يقدم نماذج لأنظمة استطاعت تحميل مجتمعاتها تكاليف اقتصادية كبيرة مع المحافظة على أولوياتها الأمنية. لكنها ترى أن الضغط يصبح أكبر تأثيراً عندما يصل إلى المؤسسات والنخب التي يعتمد عليها النظام نفسه، خصوصاً إذا بدأت قدرة الدولة على دفع الرواتب، وتوفير الامتيازات، وتمويل الأجهزة المرتبطة بها، في التراجع.

أما كلاوسون، فيرى مساحة أكبر للمساومة. ويشير إلى أن القيادة الإيرانية سبق أن تراجعت عن مواقف أعلنت في البداية أنها غير قابلة للتفاوض، ولذلك لا يستبعد قبول طهران بتنازلات في «الملف النووي» إذا أصبحت تكلفة الرفض مرتفعة بما يكفي. ومن بين السيناريوهات التي طرحها إمكان قبول تعليق تخصيب اليورانيوم لفترة زمنية، خصوصاً في ظل الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية.

في المقابل، يبدو ماشين تشيان أكبر تشككاً في إمكانية تحقيق تحول استراتيجي شامل بالضغط الاقتصادي وحده. فمن وجهة نظره، يرتبط «البرنامج النووي» و«النفوذ الإقليمي» بطبيعة النظام الإيراني ورؤيته دورَه، وليس بمجرد حسابات اقتصادية يمكن تغييرها مقابل تخفيف العقوبات.

ويلخص هذا الاختلافُ المعضلةَ التي تواجه واشنطن. فالولايات المتحدة تستطيع رفع تكلفة السياسات الإيرانية، وخفض عائدات النفط، وملاحقة الوسطاء، وتقييد الوصول إلى الدولار والأسواق الدولية، وربما إضعاف قدرة طهران على تمويل حلفائها. لكنّ أياً من هذه الإجراءات لا يضمن وحده أن تختار القيادة الإيرانية تغيير أهدافها، بدلاً من خفض الإنفاق الداخلي وتحميل المجتمع تكلفة المواجهة.

ومع ارتفاع الخسائر الأميركية واستمرار الاستعداد العسكري في المنطقة، يبرز سؤال بشأن الخطوة التالية إذا لم ينجح الحصار والعقوبات في تغيير حسابات طهران. ويتفق الخبراء الثلاثة على أن العقوبات لا يمكن عدّها بديلاً بسيطاً عن الحرب، بل هي جزء من معركة استنزاف أوسع تتوقف نتائجها على دقة الاستهداف، وتعاون الشركاء، وإغلاق منافذ الالتفاف، والأهم قدرة الضغط الاقتصادي على الوصول إلى دوائر صنع القرار.

وبذلك؛ قد لا يكون المقياس الحقيقي لنجاح استراتيجية واشنطن عدد براميل النفط التي تمنع إيران من بيعها، ولا حجم الأموال التي تُجمدها، بل ما إذا كانت هذه الخسائر ستغير في نهاية المطاف الحسابات التي تتخذ طهران على أساسها قراراتها النووية والعسكرية والإقليمية.