«إسرائيل ترفض»... لماذا تتمسك السلطة بتفويض من «مجلس الأمن» لقوة غزة؟

مسؤول فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: التفويض يكرس الشرعية الدولية باعتبارها مرجعية وحيدة بدلاً من الهيمنة الأميركية أو الإسرائيلية

رجل فلسطيني برفقة طفليه داخل مبنى مدمر في مدينة غزة يوم الأحد (رويترز)
رجل فلسطيني برفقة طفليه داخل مبنى مدمر في مدينة غزة يوم الأحد (رويترز)
TT

«إسرائيل ترفض»... لماذا تتمسك السلطة بتفويض من «مجلس الأمن» لقوة غزة؟

رجل فلسطيني برفقة طفليه داخل مبنى مدمر في مدينة غزة يوم الأحد (رويترز)
رجل فلسطيني برفقة طفليه داخل مبنى مدمر في مدينة غزة يوم الأحد (رويترز)

تصرّ السلطة الفلسطينية على أن تحصل القوة الدولية التي يفترض أن تعمل في قطاع غزة ضمن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تفويضٍ من مجلس الأمن الدولي، في خطوة تؤيّدها غالبية دول العالم وتعارضها إسرائيل.

وقال منير الجاغوب، المستشار السياسي في دائرة شؤون المفاوضات بمنظمة التحرير الفلسطينية، إن «أي وجود لقوات في قطاع غزة يجب أن يستند إلى تفويض صريح من مجلس الأمن، بموجب الفصل السابع أو السادس؛ لأن ذلك يكرّس الشرعية الدولية باعتبارها مرجعية وحيدة لتلك القوات، بدلاً من الهيمنة الأميركية أو الإسرائيلية على القطاع».

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وأضاف الجاغوب لـ«الشرق الأوسط» أن «صيغة القوة المفوَّضة من مجلس الأمن ستضمن مشاركة فلسطينية وعربية، وتعطي القوات شرعية دولية تكون بمثابة تحصين وتمهيد لمسارٍ سياسي قادمٍ بخصوص القضية الفلسطينية».

ويستند مجلس الأمن إلى الفصل السادس عندما يتعلّق الأمر بتعرّض حفظ السلم والأمن الدوليين للخطر، حيث يصدر بمقتضى ذلك توصيات وقرارات، أما الفصل السابع فَيُتيح اتخاذَ تدابيرٍ قسرية بما فيها الإجراءات العسكرية وفق آليات تحددها المواد المدرجة تحت هذا الفصل.

«أرض محتلة لا إقليماً ذاتياً»

ويشرح الجاغوب أن قرار مجلس الأمن، حال صدوره، «سيحمي قطاع غزة كونه أرضاً فلسطينية محتلة، ويُبقيها ضمن الإطار القانوني، ويفوت الفرصة على أي ترتيبات إسرائيلية منفردة، ويمنع أي محاولة لاستخدام هذه القوات ذريعة لاعتبار قطاع غزة كياناً منفصلاً أو إقليماً ذاتياً».

وتابع أن «من المهم أيضاً أن يؤكد القرار للجميع أن هذه القوات الدولية شرعية وليست قوات احتلال، وأن لها مهاماً محددة مثل حفظ السلام والمراقبة وحماية المدنيين، كما أنها تعمل ضمن مدة محددة، باعتبارها ليست قواتٍ دائمة».

فتاة تمشي وسط أنقاض منزل دمره القصف الإسرائيلي في النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتتمسّك السلطة الفلسطينية بأن يكون وجود أي قواتٍ دولية في القطاع بقرارٍ من مجلس الأمن، على ألا تعمل هذه القوات في العمق وإنما على الحدود، باعتبار أن أمن القطاع يجب أن يظلّ من مسؤولية الفلسطينيين. وترفض السلطة أي شكل من أشكال «الوصاية أو الانتداب»، وتعتبر أن «دور لجنة السلام الدولية يقتصر على الرقابة والتدقيق في إطارٍ زمني محددٍ دون المساس بمؤسسات الدولة».

ولم تتشكّل هذه القوات حتى الآن، ولم تتضح مهامها أو نطاق انتشارها في قطاع غزة، لكن واشنطن بدأت مباحثاتٍ مع دول غربية وعربية وإسرائيل من أجل تشكيل هذه القوة في أسرع وقتٍ ممكنٍ.

رفض إسرائيلي

وقال مسؤولون أميركيون إن القيادة المركزية الأميركية تعمل على صياغة الخطة التي ستشمل أيضاً وحداتٍ من الشرطة الفلسطينية، ومن المتوقع أن تَعرضها الإدارة الأميركية خلال الأسابيع المقبلة.

لكن مقابل موقف السلطة الفلسطينية، ظهر اتجاهٌ رافضٌ في تل أبيب؛ إذ قالت هيئة البث الإسرائيلية «كان 11» إن إسرائيل «تحفّظت على إنشاء ونشر القوة الدولية عبر مجلس الأمن». وأكّدت القناة أن موقف إسرائيل جاء فيما تسعى الولايات المتحدة إلى تسريع تشكيل القوة متعددة الجنسيات في غزة، وهو ما أثار خلافاً مع الإدارة الأميركية.

ورفضت إسرائيل إنشاء القوة في غزة على غرار قوات «اليونيفيل» في لبنان، و«يوندوف» لمراقبة فضّ الاشتباك في الجولان.

ويضاف الخلاف الإسرائيلي - الأميركي حول طبيعة القوات إلى خلافٍ آخر بشأن نشر قواتٍ تركية؛ فواشنطن تريد مشاركة تركيا بينما تَرفض إسرائيل ذلك.

ولم يتم تحديد الدول التي ستشارك حتى الآن في القوة، لكن تقارير ذكرت أن مصر وتركيا وإندونيسيا وأذربيجان أبدت استعداداً للمشاركة، فيما رفض الأردن. وتشارك مصر والأردن وفرنسا وألمانيا السلطة الفلسطينية موقفها بشأن ضرورة الحصول على تفويضٍ من مجلس الأمن.

وأعلن مسؤولون كبار في هذه الدول ضرورة الحصول على تفويضٍ من مجلس الأمن، وقالوا إن العمل جارٍ مع واشنطن لضمان الحصول على هذا التفويض.

مناقشات أميركية - إسرائيلية

وستكون مسألة القوات الدولية في صلب نقاشاتٍ سيُجريها وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر هذا الأسبوع في واشنطن.

وقالت وسائل إعلامٍ إسرائيلية إن ديرمر، الذي سيلتقي كبار المسؤولين الأميركيين، بمن فيهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوث ترمب، سيحاول الاتفاق مع الأميركيين على «صيغة نهائية لا تشمل تفويضاً من مجلس الأمن تحت البند السابع أو السادس، وإنما إذا لزم الأمر تفويضاً محدوداً لا يعطي للأمم المتحدة دوراً عملياتياً مباشراً».

«قمة السلام» في شرم الشيخ ترسم ملامح مستقبل غزة (الرئاسة المصرية)

في غضون ذلك، نقل مصدر في وزارة الخارجية التركية، الأحد، أن من المتوقع أن يدعو الوزير هاكان فيدان في اجتماعٍ بإسطنبول، الاثنين، إلى اتخاذ ترتيباتٍ في أقرب وقتٍ ممكنٍ لضمان أمن الفلسطينيين وإدارتهم لقطاع غزة. وأضاف المصدر أن فيدان سيشدّد «على أهمية العمل المنسق من جانب الدول الإسلامية لكي يتطور وقف إطلاق النار إلى سلام دائم».

قلق من الجمود

وسيحسم التفويض المقترح من مجلس الأمن مشكلاتٍ لا حصر لها حول انضمام الدول. وقالت وسائل إعلام أميركية إن خطة نشر القوات تواجه مشكلاتٍ وقد تكون في خطر.

وأكد موقع «أكسيوس» وجود تحفظاتٍ بسبب الوضع الأمني المضطرب في غزة، وقال إن «نجاح الخطة يعتمد على موافقة إسرائيل وقبول (حماس) بالتخلي عن سلطتها في القطاع».

وقال مسؤول أميركي رفيع لـ«أكسيوس»: «من الأفضل أن نتحرك ببطء وننجز الأمر بشكلٍ صحيح لأننا لن نحصل على فرصة ثانية».

وقال أحد المخططين المشاركين: «إذا لم تكن لدينا منظومة أمنية وحوكمة موثوقة في غزة يوافق عليها الإسرائيليون، فسنجد أنفسنا عالقين في وضعٍ تكون فيه إسرائيل تهاجم باستمرار».

طفل يجلس وسط أنقاض منزل دمره القصف الإسرائيلي في النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن ثمة قلقاً أوسع الآن من أن خطة فرض قوات دولية قد تواجه خطرَ الجمود.

وبحسب الموقع، فإن الدول الإسلامية والعربية تخشى الانخراط في مواجهة مع «حماس» عبر القوة الدولية؛ لأن ذلك قد يصورها على أنها «قوة بالوكالة لإسرائيل».

وقال ريتشارد جوان، الخبير في الأمم المتحدة: «هناك حاجة إلى فريق عملٍ لديه القدرة على استخدام القوة، وهو أمرٌ معقد من منظورٍ تشغيليٍ».


مقالات ذات صلة

هل تستعد إسرائيل لحرب جديدة «متعددة الجبهات»؟

شؤون إقليمية نتنياهو يرفع خريطة لإظهار ما سماه «لعنة محور الإرهاب الإيراني» خلال كلمته في الأمم المتحدة الجمعة (أ.ف.ب)

هل تستعد إسرائيل لحرب جديدة «متعددة الجبهات»؟

رغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حاول تهدئة طهران بالقول إنه "لا يخطط لمحاربتها"، ظهرت تقارير تفيد بأن جيشه يكثف استعداداته لحرب جديدة مفاجئة.

نظير مجلي (تل ابيب)
شؤون إقليمية رفع المشاركون بمسيرة دعم غزة في إسطنبول الأعلام الفلسطينية والتركية مطالبين بوضع حد للعنف في القطاع (أ.ب)

الآلاف يشاركون بمظاهرة دعماً لغزة في إسطنبول

شارك آلاف الأشخاص بمسيرة في إسطنبول بمناسبة رأس السنة دعماً لقطاع غزة، ملوّحين بالأعلام الفلسطينية والتركية ومطالبين بوضع حد للعنف في القطاع.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
المشرق العربي منحوتة رملية للفنان يزيد أبو جراد تمثل العام المقبل حيث يستعد الفلسطينيون النازحون لاستقبال العام الجديد في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الغزيون يودعون «كابوس» 2025... ويتطلعون بأمل إلى سنة أفضل

يستقبل الفلسطينيون من سكان غزة السنة الجديدة بكثير من التعب والحزن، لا بأجواء احتفالية، لكنّ لديهم أملاً ولو طفيفاً في أن تُطوى صفحة «الكابوس الذي لا ينتهي».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون أمام المباني المدمرة في أعقاب العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة غزة (رويترز)

محملة بأطنان المتفجرات... كيف دمرت إسرائيل مدينة غزة بناقلات جند مدرعة؟ (صور)

خلص تقرير لـ«رويترز» إلى أن إسرائيل نشرت على نطاق واسع قبل وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر سلاحاً جديداً تمثل في تحميل ناقلات جنود بأطنان من المتفجرات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري استعجال نزع سلاح «حماس» يعرقل جهود استكمال «اتفاق غزة»

تسريبات إسرائيلية عن اتفاق مع واشنطن على استعجال نزع سلاح حركة «حماس»، وحديث عن مهلة محتملة لنحو شهرين لإنهاء المهمة، وسط ترقب لبدء المرحلة الثانية المتعثرة.

محمد محمود (القاهرة)

تقرير: إسرائيل تدرس خطة إنشاء سجن محاط بالتماسيح

إسرائيل تخطط لإقامة سجن محاط بالتماسيح (أ.ب)
إسرائيل تخطط لإقامة سجن محاط بالتماسيح (أ.ب)
TT

تقرير: إسرائيل تدرس خطة إنشاء سجن محاط بالتماسيح

إسرائيل تخطط لإقامة سجن محاط بالتماسيح (أ.ب)
إسرائيل تخطط لإقامة سجن محاط بالتماسيح (أ.ب)

وصل نائب مفوض مصلحة السجون الإسرائيلية إلى مزرعة التماسيح في حيمات غادير، كجزء من خطة تستهدف إقامة سجن محاط بالتماسيح.

وذكرت قناة «آي 24 نيوز» الإسرائيلية، اليوم، أن زيارة المسؤول الإسرائيلي تستهدف القيام بجولة تعليمية لغرض إنشاء السجن الذي خطط له وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، والذي من المخطط أن يُحاط بالتماسيح، وهو مُستوحى من النموذج الأميركي للرئيس دونالد ترمب.

ووفق نموذج ترمب، يقع السجن الأميركي في منتزه إيفرجليدز الوطني بولاية فلوريدا، وهو مكان توجد فيه تماسيح بشكل طبيعي، لكنها ليست بالضرورة مُحاطة بجدران.

ومن المفترض أن يخلق خطر الهروب من السجن رادعاً بين السجناء.

وجرى طرح فكرة إنشاء سجن محاط بالتماسيح في اجتماع بين الوزير بن غفير ومفوض مصلحة السجون كوبي يعقوبي، في ظل زيادة الدوافع لدى السجناء للهروب من السجن.


بزشكيان: معيشة المواطنين «خط أحمر»

بزشكيان وإلى يمينه رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي يتوسطان قادة «الحرس الثوري» في مراسم الذكرى السادسة لمقتل الجنرال قاسم سليماني في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان وإلى يمينه رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي يتوسطان قادة «الحرس الثوري» في مراسم الذكرى السادسة لمقتل الجنرال قاسم سليماني في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
TT

بزشكيان: معيشة المواطنين «خط أحمر»

بزشكيان وإلى يمينه رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي يتوسطان قادة «الحرس الثوري» في مراسم الذكرى السادسة لمقتل الجنرال قاسم سليماني في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان وإلى يمينه رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي يتوسطان قادة «الحرس الثوري» في مراسم الذكرى السادسة لمقتل الجنرال قاسم سليماني في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن حكومته عازمة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية تستهدف القضاء على الريع والتهريب والرشوة، رغم ما وصفه بصعوبة هذا المسار، مشدداً على أن الحفاظ على معيشة المواطنين يمثل «خطاً أحمر» لحكومته، في وقت دخلت فيه موجة الاحتجاجات المعيشية في إيران يومها الخامس، واتسع نطاقها جغرافياً.

وحذّر بزشكيان من ضغوط تُمارس على وزراء ومسؤولين لإرباك مسار الإصلاحات وإحداث حالة من عدم الاستقرار، في ظل مطالب المحتجين بخطوات ملموسة لمعالجة الأزمة الاقتصادية وتراجع العملة.

وأضاف خلال مراسم رسمية في طهران لإحياء الذكرى السادسة لمقتل الجنرال قاسم سليماني، أن الحكومة ماضية في نقل الدعم من بداية سلسلة التوزيع إلى نهايتها وتحويله مباشرة إلى حسابات المواطنين، مؤكداً أن «العدالة لا تتحقق بمنح موارد البلاد لفئة محددة ومنحها الدولار المدعوم، ثم بيع السلع للمواطنين بسعر السوق».

وردّ الرئيس الإيراني على انتقادات طالت بعض التعيينات الحكومية، قائلاً إن حكومته لم تعتمد في اختيار مسؤوليها على العلاقات الشخصية أو الانتماءات السياسية، مضيفاً: «لم يأتِ أحد إلى هذه الحكومة بصفته صديقاً لي، وجميع أعضاء الحكومة جرى اختيارهم على أساس الكفاءة والتخصص».

وتأتي تصريحات بزشكيان في وقت دخلت فيه الاحتجاجات المعيشية يومها الخامس، مع انتقالها من طهران إلى مدن أصغر، وعودة التحركات الليلية، وسط تصعيد أمني وقضائي، وتوسع في حملة التوقيفات، وسقوط قتلى للمرة الأولى منذ بدء الموجة الحالية، بينهم مدنيون وعنصر من قوات «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري»، بحسب تقارير رسمية.

صورة نشرها حساب «الخارجية» الأميركية الناطق بالفارسية تُظهر انتشار قوات مكافحة الشغب الإيرانية وسط طهران

وكانت التحركات قد انطلقت من الأسواق والأنشطة التجارية احتجاجاً على تراجع الريال وغلاء الأسعار، قبل أن تتسع تدريجياً خارج العاصمة، مع تسجيل احتجاجات ومواجهات في محافظات عدة، من بينها جهارمحال وبختياري ولُرستان، إضافة إلى مدن في الغرب والوسط والجنوب، وفق مقاطع متداولة وتقارير إعلامية.

وفي موازاة المسار الأمني، تعاملت حكومة طهران مع الاضطرابات عبر طرح خيار الحوار، في مقاربة بدت أكثر ميلاً إلى التوافق مقارنة بكيفية تعاطيها مع معظم موجات الاحتجاج السابقة، في حين قال ناشطون إن السلطات عززت في الوقت نفسه انتشار قوات الشرطة في الشوارع.

كما دخلت وسائل الإعلام الإيرانية، ولا سيما وكالتَي «فارس» و«تسنيم» التابعتين لـ«الحرس الثوري»، على خط تغطية الاحتجاجات منذ اليوم الثاني، في مسعى لإعادة تأطير المشهد، عبر التركيز على محدودية نطاق التحركات، وإبراز رواية تفصل بين المطالب المعيشية وما تصفه بمحاولات «استغلال» أو «اختراق» أمني.

وفي هذا السياق، قالت وكالة «فارس» الخميس إن مستوى الحضور في الشوارع خلال الاحتجاجات الأخيرة كان أقل مقارنة بجولات سابقة، رغم اتساع حالة الاستياء من الغلاء وعدم الاستقرار الاقتصادي.

وذكرت الوكالة أن الشرطة تعاملت مع التحركات بـ«ضبط نفس»، وسعت إلى تجنب الاحتكاكات غير الضرورية ومنع تصعيد التوتر.

وأضافت «فارس» أن السلطات ترى فارقاً بين هذه التحركات وما تشهده دول أخرى، مشيرة إلى ما تصفه بوجود شبكات معارضة مدعومة من الخارج، خصوصاً الولايات المتحدة وإسرائيل، ومعتبرة أن غالبية المحتجين لم تنخرط في مسارات عنيفة.

وفي المقابل، تحدثت الوكالة عن «تحركات محدودة» لعناصر وصفتها بـ«المشاغبة»، وقالت إن بعضها كان منظماً ومدرباً، وإن التعامل الأمني معها جاء في إطار منع الانزلاق إلى الفوضى، مؤكدة أن «إدارة الاحتجاجات ميدانياً ويقظة الشارع» أسهمتا، وفق تعبيرها، في احتواء التوتر خلال هذه المرحلة.

شرطة مكافحة الشغب تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق متظاهرين خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية في طهران (إ.ب.أ)

وبحسب «فارس»، فقد تدرب هؤلاء على أساليب تحريض المواطنين وتحويل مسار الاحتجاجات السلمية، وكان لافتاً وجود نساء بين من تصفهم بـ«القادة». كما أشارت إلى أن خطط المشاغبين تقوم على إبقاء التجمعات حتى ساعات متأخرة من الليل، معتبرة أن هذه الأوقات «لا تندرج ضمن الاحتجاجات المدنية»، بل تهدف إلى «إثارة الفوضى وانعدام الأمن».

وختمت الوكالة بالقول إن المعلومات المتوافرة تفيد بأن عدداً من خلايا الشغب التي أُوقفت أخيراً كانت قد تلقت تدريبات منظمة، وكُلفت بإثارة الاستفزازات بهدف دفع الشرطة إلى ردود فعل عنيفة وتأجيج الأوضاع، معتبرة أن «المقاربة المهنية للشرطة ويقظة المواطنين» شكّلتا عاملين أساسيين في إحباط السيناريوهات العنيفة، والحفاظ على الأمن الوطني خلال هذه المرحلة.

وتأتي هذه التطورات في لحظة حرجة للمؤسسة الحاكمة، في ظل عقوبات غربية، وتضخم مرتفع، وتراجع حاد في قيمة العملة؛ إذ فقد الريال أكثر من ثلث قيمته أمام الدولار خلال العام الماضي، في حين تجاوز معدل التضخم السنوي 50 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، وفق الإحصاءات الرسمية، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكلفة المعيشة... وهي عوامل تربطها تقارير اقتصادية مباشرة باندلاع موجة الاحتجاجات الحالية.


الوحدة الدينية بالجيش الإسرائيلي تعود لعملياتها في سوريا

قوات إسرائيلية تتحرك داخل المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا في مرتفعات الجولان يوم 10 ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
قوات إسرائيلية تتحرك داخل المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا في مرتفعات الجولان يوم 10 ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
TT

الوحدة الدينية بالجيش الإسرائيلي تعود لعملياتها في سوريا

قوات إسرائيلية تتحرك داخل المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا في مرتفعات الجولان يوم 10 ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
قوات إسرائيلية تتحرك داخل المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا في مرتفعات الجولان يوم 10 ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)

استبدل الجيش الإسرائيلي قواته العاملة في الجنوب السوري، من الكتيبة «55» إلى كتيبة «الحشمونائيم» الدينية، التي تضم جنوداً من التيار الحريدي المتزمت دينياً.

وقد انتشرت القوة على الحواجز العسكرية والمواقع التسعة التي أقامها الجيش الإسرائيلي في المنطقة التي احتلها في ديسمبر (كانون الأول) من سنة 2024، بعد سقوط نظام بشار الأسد.

وكانت هذه القوات ترابط في المرتفعات السورية المحتلة قبيل الحرب على غزة، لكنها استُدعيت للقيام بمهمات عسكرية في القطاع، ثم في الضفة الغربية. وأعيدت إلى سوريا، ثم نُقلت منها إلى غزة. والآن تمت إعادتها من جديد.

مركبات عسكرية إسرائيلية تمر عبر سوريا بالقرب من خط وقف إطلاق النار بين مرتفعات الجولان المحتلة وسوريا كما شوهدت من مجدل شمس في مرتفعات الجولان يوم 15 ديسمبر 2024 (رويترز)

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان نشره الخميس، إن هذه الكتيبة التابعة لـ«لواء المشاة» باشرت تنفيذ أنشطة ميدانية بعد خضوعها لسلسلة تدريبات عسكرية، شملت عمليات قتالية وعمليات شرطية (عمليات تفتيش محددة الهدف)، وجمع معلومات استخباراتية، بزعم إزالة التهديدات الأمنية وضمان أمن المدنيين في إسرائيل، وتقصد بهم المستوطنين اليهود في منطقة الجولان المحتلة منذ عام 1967.

وأضاف البيان أن «اللواء» سيواصل العمل في «ساحات مختلفة»، مع التأكيد على توفير الظروف التي تتيح للجنود «الحريديم» الحفاظ على نمط حياتهم الديني في أثناء الخدمة العسكرية.

ويأتي هذا الانتشار بعد أيام من إعلان الجيش الإسرائيلي، في 28 ديسمبر 2025، انتهاء مهام لواء الاحتياط رقم «55» في سوريا، بعد أكثر من 100 يوم من النشاط الميداني المتواصل، مشيراً إلى اختتام مهامه في المنطقة.

يقول زعماء «الحريديم» إن إجبار طلبة المعاهد الدينية على الخدمة العسكرية ينذر بتدمير هويتهم (أ.ب)

و«الحريديم» هم تيار يهودي يعتبر الأكثر تشدداً دينياً داخل المجتمع الإسرائيلي؛ إذ يقوم نمط حياتهم على التزام صارم بتعاليم التوراة، ورفض مظاهر الحداثة الغربية، بما في ذلك الاختلاط الاجتماعي والتكنولوجيا ووسائل الإعلام، مع العيش في مجتمعات مغلقة نسبياً. وقد أقيمت الكتيبة الخاصة بهم للخدمة سنتين (وليس ثلاثاً مثل بقية الجنود)، وحرصوا على عدم الاختلاط مع جنود غير متدينين، في إطار طمأنة قيادتهم الدينية بأنهم سيبقون متدينين بعد الخدمة ولن يتعلموا العلمانية.

طفل يتابع جنوداً إسرائيليين ينفذون دورية في بلدة جباثا الخشب السورية بالمنطقة العازلة التي تشرف عليها الأمم المتحدة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولكن غالبية القيادات الحريدية ترفض منذ تأسيس إسرائيل أن يخدم أبناؤها في الجيش؛ إذ يعتبرونه مؤسسة علمانية تمثل مشروعاً سياسياً يتعارض مع الشريعة اليهودية، ويهدد الهوية العقائدية لـ«الحريديم». وبسبب هذا الموقف تم الاتفاق معهم على منظومة عمل تعفي كل من يتعلم الدين منهم. لكن القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية تحاول تغيير هذه المنظومة. وهناك قرار في محكمة العدل العليا يلزم الجيش باستدعاء أكثر من 60 ألف شاب حريدي إلى الخدمة.

وعندما سئل قادتهم عن سبب رفضهم، وكيف يقبلون أن يمتنع شبانهم عن خدمة العلَم في وقت الحرب، أجابوا: «لو كنا نحن في الحكم لأقمنا سلاماً مع العرب وما احتجنا إلى جيش». غير أن المجندين بينهم يتصرفون مثل بقية الجنود في الجيش الإسرائيلي؛ كجيش احتلال، ومن خلال عداء للعرب.