إيران تحذر من تدخل القوى الأجنبية في جنوب القوقاز

باشينيان: مشروع «مفترق طرق السلام» يفتح آفاقاً جديدة للتعاون بين طهران ويريفان

باشينيان (يسار) وبزشكيان خلال مراسم استقبال رسمية في يريفان اليوم (إ.ب.أ)
باشينيان (يسار) وبزشكيان خلال مراسم استقبال رسمية في يريفان اليوم (إ.ب.أ)
TT

إيران تحذر من تدخل القوى الأجنبية في جنوب القوقاز

باشينيان (يسار) وبزشكيان خلال مراسم استقبال رسمية في يريفان اليوم (إ.ب.أ)
باشينيان (يسار) وبزشكيان خلال مراسم استقبال رسمية في يريفان اليوم (إ.ب.أ)

أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال زيارة رسمية إلى يريفان، أن السلام في جنوب القوقاز يمثل «أولوية استراتيجية لإيران»، محذراً من أن أي تدخل خارجي قد يعقد الوضع، في ظل مخاوف طهران من النفوذ الأمني الأميركي بعد توقيع أرمينيا وأذربيجان اتفاق سلام برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل عشرة أيام.

ووصل بزشكيان، الاثنين، على رأس وفد رفيع إلى يريفان بعد عشرة أيام من توقيع أذربيجان وأرمينيا اتفاقيات، واستضاف رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، صباح الثلاثاء، في مقره مراسم استقبال رسمية، قبل إجراء محادثات ثنائية، أسفرت عن توقيع 10 مذكرات تعاون بين البلدين.

وقال باشينيان للرئيس الإيراني خلال مؤتمر صحافي مشترك إن الزيارة «شهادة على المستوى الرفيع للعلاقات بين البلدين». وأضاف خلال تصريحات لوسائل إعلام: «لقد تمكنّا بالفعل من مناقشة مجموعة واسعة إلى حدٍّ ما من القضايا، وأنا سعيد لأن انطباعي هو أن نتيجة هذه المناقشات تعزز ثقتنا المتبادلة أكثر»، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الأرمينية.

باشينيان (يمين) والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال مؤتمر صحافي في يريفان (إ.ب.أ)

بدوره، قال بزشكيان إن «المناقشات بناءة للغاية، والاتفاقات التي تم التوصل إليها سترى النور من كلا الجانبين». وأضاف: «لحسن الحظ، تتطور علاقاتنا في جميع المجالات، وآمل أنه خلال هذه المناقشات واللقاءات سنتمكن من تطوير هذه العلاقات أكثر».

لكن زيارة بزشكيان يخيم عليها قلق طهران من توقيع أرمينيا وأذربيجان، في وقت سابق من أغسطس (آب) الحالي، اتفاقاً في البيت الأبيض برعاية الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، يرمي إلى وضع حد لعقود من النزاع بين الجمهوريتين السوفياتيتين السابقتين. ونصّ الاتفاق على إنشاء «منطقة عبور» عبر أرمينيا تربط أذربيجان بجيب نخجوان التابع لها غرباً، على أن يُسمى «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». وبموجب الاتفاق، تحظى الولايات المتحدة بحقوق تطوير الممر المعروف كذلك بـ«ممر زنغزور».

وفي مؤتمر صحافي، أعلن بزشكيان دعم طهران لمفاوضات السلام بين يريفان وباكو، مؤكداً: «السلام في جنوب القوقاز هو أولوية استراتيجية لإيران، ونحن ندعم مفاوضات السلام بين أرمينيا وأذربيجان».

وشدد الرئيس الإيراني على ثبات موقف بلاده تجاه الحدود في القوقاز قائلاً: «نحن نرى أن أي تغييرات في هذه الحدود قد تؤدي إلى منافسات جيوسياسية»، مضيفاً أن «التكامل والصداقة هما أفضل عاملين لتعزيز الأمن والتنمية».

وصرح بزشكيان بأن إيران دافعت دائماً عن سلامة الأراضي الإقليمية لأرمينيا، وأنها تعارض استخدام أي قوة في المنطقة، مشيراً إلى أن «مشاكل جنوب القوقاز يجب أن تحلها دول المنطقة، وأن تدخل القوى الأجنبية قد يعقد الوضع أكثر».

ومن جانبه، أطلع باشينيان الرئيس الإيراني على تفاصيل الإعلان الموقع في واشنطن، إضافةً إلى الاتفاق المبدئي مع أذربيجان حول إحلال السلام وإقامة العلاقات بين الدولتين، مؤكداً أن هذه العملية من شأنها أن تفتح آفاقاً واسعة للتنمية الاقتصادية في المنطقة بأسرها.

وحاول باشينيان طمأنة الإيرانيين، قائلاً إن «صون الحدود الدولية وعدم انقطاع حركة النقل بين أرمينيا وإيران يمثلان مسألة حيوية للطرفين».

وفي السياق نفسه، أفاد: «أؤكد مرة أخرى بوضوح أن طرق النقل العابرة لأراضي أرمينيا ستكون خاضعة حصرياً لسيادة جمهورية أرمينيا، وأن أرمينيا وحدها هي التي ستكفل أمنها، وليس أي بلد ثالث».

وأوضح باشينيان أن رؤية بلاده تتجسد في مشروع «مفترق طرق السلام»، الذي لقي ترحيباً متكرراً من جانب ممثلي إيران على أعلى المستويات.

وقال باشينيان إن «أرمينيا والشعب الأرميني يثمنون الموقف الواضح للجمهورية الإسلامية إزاء وحدة أراضي أرمينيا وسيادتها وحرمة حدودها»، لافتاً إلى أن صون الحدود الدولية وضمان انسياب حركة النقل بين البلدين، «لهما أهمية حيوية لكل من أرمينيا وإيران».

وأوضح باشينيان أن «من أبرز التفاهمات التي توصلنا إليها مع أذربيجان مسألة إعادة فتح طرق النقل في المنطقة، على أساس الاحترام الكامل لسيادة الدول وولايتها القانونية وسلامة أراضيها».

وتوقع أن يؤدي تنفيذ الاتفاق إلى فتح أبواب جديدة للتعاون السككي بين أرمينيا وإيران، بما في ذلك عبر خط سكة حديد نخجوان - جولفا، وهو «ما سيمنح إيران منفذاً سككياً إلى أرمينيا ومن ثم إلى البحر الأسود».

وظهر الخلاف بين أرمينيا وأذربيجان في أواخر الثمانينات عندما انشقت منطقة ناغورنو قره باغ عن أذربيجان بدعم من أرمينيا. وناغورنو قره باغ منطقة جبلية في أذربيجان أغلبية سكانها من الأرمن. واستعادت أذربيجان السيطرة الكاملة على المنطقة في عام 2023 في هجوم عسكري، مما دفع جميع الأرمن المتبقين في الإقليم البالغ عددهم 100 ألف تقريباً إلى الفرار إلى أرمينيا.

وتوصلت أرمينيا وإيران إلى اتفاق لبناء جسر ثانٍ على حدودهما المشتركة. وأعلن باشينيان عن الاتفاق خلال مؤتمر صحافي مشترك مع بزشكيان.

وأشار رئيس الوزراء إلى أن التعاون مع إيران لا يقتصر على الحوار السياسي النشط، بل يشمل أيضاً مجالات متعددة مثل الاقتصاد، البنية التحتية، الطاقة، الصحة، الثقافة، والبيئة، حيث يتم وضع آفاق جديدة للتعاون عاماً بعد عام.

وبيّن باشينيان أن عدداً من مشاريع البنية التحتية المشتركة دخلت بالفعل حيز التنفيذ، معتبراً أنها ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لأرمينيا. ومن أبرز هذه المشاريع مقطع الطريق كاجاران - أغاراك بطول 32 كيلومتراً، الذي أُوكل تنفيذه إلى شركة إيرانية، معرباً عن ثقته بأن المشروع سينجز ضمن الإطار الزمني المحدد.

وأشار باشينيان إلى أن ذلك ينسجم كلياً مع مشروع «مفترق طرق السلام»، مؤكداً أن رفع الحصار عن البنى التحتية الإقليمية ينبغي أن يسهم في تعزيز الحوار بين مختلف الشركاء.

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين) يتبادل الاتفاقيات الموقعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعهما في يريفان (إ.ب.أ)

وأضاف: «نظراً لازدياد حجم النقل بين بلدينا يوماً بعد يوم، فقد اتفقنا على بناء جسر ثانٍ على الحدود الأرمنية - الإيرانية».

وأوضح باشينيان أن أرمينيا وإيران حددتا هدفاً استراتيجياً يقضي برفع حجم التبادل التجاري أولاً إلى مليار دولار، ثم إلى ثلاثة مليارات دولار.

كما بحث الجانبان مشروع الخط الثالث لنقل الكهرباء بين أرمينيا وإيران، الذي يعد من أبرز المشاريع الحيوية في قطاع الطاقة. وأكد الطرفان اتفاقهما على ضرورة إنجازه في أقصر وقت ممكن، الأمر الذي سيمكن أرمينيا من زيادة صادراتها الكهربائية إلى إيران.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتلفزيون الرسمي، إن أرمينيا «قدمت تأكيدات بأن أراضيها لن تشكل تهديداً لإيران».

وأضاف عراقجي على هامش محادثات بزشكيان وباشينيان أن «الجانب الأرميني قدم شرحاً مفصلاً للغاية حول الاتفاقية الأخيرة في واشنطن فيما يتعلق بمناقشات العبور وطرق العبور، وقدم الضمانات اللازمة بأنه يراعي الخطوط الحمراء الإيرانية، ولن يسمح أبداً بأن تشكل أراضيه تهديداً لإيران».

ويواجه الرئيس الإيراني الذي يتحدر من تبريز ذات الأغلبية الأذربيجانية، انتقادات بسبب مواقفه من جنوب القوقاز. وعشية زيارة بزشكيان، كتب مستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، على منصة «إكس»: «لن نسمح بالمقايضة على أمننا القومي». واستخدم هاشتاغات: «ألاسكا وأوكرانيا والقوقاز»، في إشارة واضحة إلى اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، الجمعة الماضي.

وكان ولايتي عدّ أن الممر «مؤامرة» من شأنها أن تعرّض «أمن جنوب القوقاز للخطر»، وأضاف: «قد أكدت إيران أنها، سواء بالتنسيق مع روسيا أو من دونها، ستعمل على ضمان استقرار المنطقة»، محذراً بأنه «لن يتحول إلى ممر يملكه ترمب، بل سيكون مقبرة لمرتزقته». وقال ولايتي إن المناورات العسكرية التي أجريت في شمال غربي إيران أظهرت استعداد الجمهورية الإسلامية وتصميمها على منع أي تغييرات جيوسياسية.


مقالات ذات صلة

وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

شؤون إقليمية دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)

وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

تلامس حرب إيران شهرها الثاني، بينما تتصاعد جهود دبلوماسية تتصدرها مصر وتركيا وباكستان، لوقف التصعيد وسط تهديدات أميركية وإسرائيلية وإيرانية متبادلة بالتصعيد.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية حافلة إيرانية تُنزل لاجئين أفغاناً عند نقطة الصفر على حدود إسلام قلعة بولاية هرات 24 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

«الأمم المتحدة» توجه نداء لجمع 80 مليون دولار للاجئين في إيران

وجّهت «الأمم المتحدة» نداء لجمع تبرّعات بقيمة 80 مليون دولار لوكالات مختلفة فيها بغية الاستجابة «للحاجات الإنسانية المُلحة» لنحو مليونيْ لاجئ في إيران.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية دخان يتصاعد بعد قصف على طهران في 5 مارس 2026 (أ.ف.ب)

تقديرات أميركية: تدمير ثلث ترسانة إيران الصاروخية

لا تستطيع الولايات المتحدة التأكد بشكل قاطع إلا من أنها دمّرت نحو ثلث ترسانة الصواريخ الإيرانية الضخمة، مع اقتراب الحرب من إتمام شهرها الأول.

«الشرق الأوسط» (لندن_واشنطن)
شؤون إقليمية سفن شحن قرب مضيق هرمز 11 مارس 2026 (رويترز)

«الحرس الثوري» يعلن إعادة 3 سفن حاولت عبور مضيق هرمز

أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، الجمعة، أنه أعاد ثلاث سفن حاولت عبور هرمز أدراجها، مجدداً التأكيد أن المضيق مغلق أمام حركة الملاحة من وإلى موانٍ مرتبطة بـ«العدو».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز) p-circle 00:44

روسيا تنفي تزويد إيران بمعلومات استخباراتية

رفضت الحكومة الروسية المزاعم التي تتردد بأنها تزود إيران بمعلومات استخباراتية تستخدم في استهداف المنشآت العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

روبيو: نتوقع أن تنتهي حرب إيران في غضون أسابيع

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)
TT

روبيو: نتوقع أن تنتهي حرب إيران في غضون أسابيع

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)

​قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اليوم الجمعة، ‌إن ‌الولايات ​المتحدة ‌تتوقع ⁠أن ​تنتهي عمليتها في ⁠إيران في غضون «أسابيع، وليس ⁠أشهر»، ‌وذلك عقب ‌اجتماعه مع ​وزراء ‌خارجية ‌مجموعة السبع في فرنسا.

وشدد روبيو على أن واشنطن قادرة على تحقيق أهدافها في إيران من دون تدخل أي قوات برية. وقال إنه تم «تبادل الرسائل والإشارات من النظام الإيراني حول رغبته في التحدث عن أمور معينة».

وأشار وزير الخارجية الأميركي إلى أن إيران ربما تقرر إنشاء نظام تحصيل رسوم على مضيق هرمز، وقال إنه يجب على العالم منع إيران من تقاضي الأموال لقاء السماح بعبور السفن للمضيق.


وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
TT

وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)

تلامس حرب إيران شهرها الثاني، بينما تتصاعد جهود دبلوماسية تتصدرها مصر وتركيا وباكستان، لوقف التصعيد وسط تهديدات أميركية وإسرائيلية وإيرانية متبادلة بالتصعيد رغم أحاديث المفاوضات المتواصلة من الرئيس دونالد ترمب، التي لا تقرها طهران.

ذلك الحراك يراه وزير مصري سابق ومحلل مختص بالشأن الإيراني تحدثا لـ«الشرق الأوسط» يحمل «تفاؤلاً حذراً»، خاصة أن فرص نجاحه محدودة لكن ليست مستحيلة، مشيرين إلى أن الأطراف الثلاثة يملكون قدرة على جذب طرفي الصراع رغم التحديات والتهديدات الموجودة.

اتصالات للوسطاء مستمرة

وجرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، ونظيره الأميركي، ماركو روبيو، تناول «المستجدات الإقليمية في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة».

وأعرب الوزير الأميركي عن «تقدير الإدارة الأميركية للقيادة المصرية، وللدور البنَّاء الذي تقوم به مصر في الوساطة، وخفض التصعيد بالمنطقة»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية».

وأشار عبد العاطي إلى «الجهود الصادقة التى تبذلها مصر وتركيا وباكستان لتحقيق التهدئة، ودفع الأطراف المعنية لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

وسبق ذلك اتصالان هاتفيان بين عبد العاطي ووزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، ونظيره التركي، هاكان فيدان، لبحث «الجهود والاتصالات المكثفة التي تضطلع بها الدول الثلاث بغية بدء مسار التفاوض المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، وتعزيز خيار الدبلوماسية والحوار بدلاً من التصعيد العسكري»، وفق بيان ثانٍ لـ«الخارجية المصرية»، الجمعة.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء الموقف»، معرباً عن «أمله أن تسفر الجهود المصرية التركية الباكستانية المشتركة والمستمرة الأيام المقبلة إلى خفض التصعيد، وبدء مسار متدرج للتهدئة يسفر عن إنهاء الحرب».

تفاؤل حذر

ويرى رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية ووزير الخارجية الأسبق السفير محمد العرابي، أنه رغم الوساطة الجارية والرغبة في حدوث وقف إطلاق نار سريع فإنه يجب تبنِّي حالة من «التفاؤل الحذر الشديد».

وأوضح العرابي أن عملية التفاوض قد لا تخرج عن كونها تكتيكاً متبادلاً من كلا الطرفين؛ حيث تسعى إيران من خلالها إلى كسب المزيد من الوقت، وتحقيق نوع من التهدئة، في حين تحاول الولايات المتحدة تصوير نفسها في موقف المنتصر.

وزير الخارجية المصري في لقاء سابق مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة (الخارجية المصرية)

ويرى رئيس «المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية»، والخبير في الشؤون الإيرانية، الدكتور محمد محسن أبو النور، أن هذه الدول الثلاث تمتلك مزايا نسبية تجعلها مؤهلة لهذا الدور، فمصر تحتفظ بقنوات تقليدية متوازنة مع واشنطن وعلاقات غير تصادمية مع طهران، وتركيا تمتلك خبرة تفاوضية طويلة وتوازناً دقيقاً بين عضويتها في «الناتو» وعلاقاتها الإقليمية، بينما تتمتع باكستان بصلات أمنية وتاريخية مع الطرفين، خصوصاً في ما يتعلق بالملف النووي والتنسيق الإسلامي.

ويرى أن ترحيب ماركو روبيو بهذه الجهود يعكس إدراكاً داخل بعض الدوائر الأميركية أن خيار الضغط الأقصى بلغ حدوده، وأن استمرار المواجهة المفتوحة قد يقود إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه، لافتاً إلى أن هذا الترحيب يمنح الوساطة غطاءً سياسياً مهماً، ويشير إلى أن واشنطن ربما تكون مستعدة لاختبار قنوات غير تقليدية لنقل الرسائل واستكشاف نقاط التلاقي.

سجالات بطريق الوساطة

تحركات الوساطة الثلاثية تأتي وسط تبادل بين طهران وواشنطن بشأن سجال المفاوضات، والتلويح باستمرار الحرب.

وقال الرئيس الأميركي إنه «لا يهتم» بالتوصل إلى اتفاق إذا لم تكن الشروط مناسبة، مضيفاً: «لدينا أهداف أخرى نريد ضربها قبل أن نغادر».

في المقابل، قال وزير الخارجية عباس عراقجي للتلفزيون الرسمي إن بلاده «لا نية لديها للتفاوض»، مضيفاً أن سياسة طهران هي «الاستمرار في المقاومة». مستطرداً: «تُنقل رسائل أحياناً... لكن لا يمكن أبداً اعتبار ذلك حواراً أو مفاوضات نريد إنهاء الحرب بشروطنا وضمان عدم تكرارها».

مبنى سكني في طهران تضرر جراء غارة جوية وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران (رويترز)

وليس التحدي فقط في أن «الفجوة بين الموقفين الإيراني والأميركي لا تزال بعيدة تماماً»، ولكن في موقف إسرائيل التي لا تنظر إلى موضوع الاتفاق بشكل إيجابي، وهي مستعدة لإفشاله عبر استمرار غاراتها وهجماتها على أهداف إيرانية، بحسب العرابي.

وأوضح العرابي أنه في إيران لا يوجد صوت واحد موحد يعبر عن الموقف الرسمي، وفي الولايات المتحدة يتخذ الرئيس قراراً منفرداً بتمديد الفترات الزمنية لوقف الضرب لمنشآت الطاقة، بينما يتبنى نتنياهو أسلوباً مغايراً بالإصرار على استمرار الضربات.

ويعتقد أبو النور أن طهران تنظر عادة إلى مثل هذه الوساطات من زاوية كسر العزلة، وتخفيف الضغوط دون تقديم تنازلات جوهرية، وهو ما يجعل نجاح الوساطة مرهوناً بقدرتها على خلق حوافز متبادلة، وليس مجرد إدارة الأزمة إعلامياً أو مرحلياً.

لكنه يشير أيضاً إلى أن هذه الوساطة تواجه جملة من التهديدات البنيوية، منها تعارض الأهداف الاستراتيجية بين واشنطن وطهران؛ فالأولى تسعى إلى تقييد النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني، بينما ترى الثانية أن هذه الملفات تمثل أدوات قوة سيادية لا يمكن التفاوض عليها بسهولة، بخلاف تعدد ساحات الاشتباك غير المباشر، وهو ما يجعل أي تصعيد ميداني قادراً على إفشال المسار الدبلوماسي في لحظة.

ويخلص أبو النور إلى أن فرص نجاح المفاوضات تظل «محدودة لكنها غير مستحيلة»، ذلك أن نجاح الوساطة لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق شامل، بل قد يتمثل في تحقيق اختراقات جزئية مثل خفض التصعيد، أو فتح قنوات اتصال مباشرة، أو الاتفاق على قواعد اشتباك غير معلنة.


ترمب ينتظر رداً من إيران على مقترح السلام اليوم

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب ينتظر رداً من إيران على مقترح السلام اليوم

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

قال مصدر مطلع، لوكالة «رويترز» للأنباء، إنه من المتوقع أن يتوافر، في وقت لاحق من اليوم الجمعة، رد من إيران على مقترح السلام الأميركي، الذي يهدف إلى إنهاء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

وذكر المصدر أنه جرى إبلاغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكبار مسؤولي البيت الأبيض عبر وسطاء بأن الرد الإيراني سيصل، على الأرجح، اليوم الجمعة.

وقال ترمب، الخميس، إنه سيمدّد، مرة أخرى، المهلة لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز أو تدمير محطاتها للطاقة، وذلك بعد أن رفضت طهران، في وقت سابق، اقتراحه المؤلَّف من 15 بنداً لإنهاء الحرب التي شنّها مع إسرائيل.

وهدَّد ترمب، خلال اجتماع للوزراء في البيت الأبيض، الخميس، بزيادة الضغط على إيران إذا لم تُبرم اتفاقاً. وكتب لاحقاً على وسائل التواصل الاجتماعي أنه سيعلِّق تنفيذ الهجمات التي هدد بها على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان) 2026 الساعة 20:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة (منتصف ليلة السابع من أبريل بتوقيت غرينتش).

وأضاف، في منشور على منصته «تروث سوشيال»: «المحادثات جارية، وعلى الرغم من التقارير المغلوطة التي تنفي ذلك وتُروّجها وسائل الإعلام الكاذبة وغيرها، فإنها تسير على نحو جيد».

وتقول إيران إنها لا تُجري أي محادثات مع واشنطن، ولم يحدد ترمب الجهة التي يقول إن الولايات المتحدة تتفاوض معها في إيران، التي قُتل فيها كثير من كبار المسؤولين في الحرب.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن لديه معلومات بوجود اتصالات غير مباشرة، وإن هناك ترتيبات لعقد اجتماع مباشر. وأضاف: «يبدو أن ذلك سيكون قريباً جداً في باكستان».

ونقلت باكستان، التي تربطها علاقات جيدة مع إيران، مقترح واشنطن المكوَّن من 15 بنداً لطهران، كما أبدت استعدادها لاستضافة الاجتماعات.

وفي 23 مارس (آذار)، أعلن ترمب تعليق جميع الضربات التي هدد بها ضد محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة لمدة خمسة أيام. وقال، في منشور أمس، إن المهلة الجديدة تأتي استجابةً لطلب إيراني.