إيران تحذر من تدخل القوى الأجنبية في جنوب القوقاز

باشينيان: مشروع «مفترق طرق السلام» يفتح آفاقاً جديدة للتعاون بين طهران ويريفان

باشينيان (يسار) وبزشكيان خلال مراسم استقبال رسمية في يريفان اليوم (إ.ب.أ)
باشينيان (يسار) وبزشكيان خلال مراسم استقبال رسمية في يريفان اليوم (إ.ب.أ)
TT

إيران تحذر من تدخل القوى الأجنبية في جنوب القوقاز

باشينيان (يسار) وبزشكيان خلال مراسم استقبال رسمية في يريفان اليوم (إ.ب.أ)
باشينيان (يسار) وبزشكيان خلال مراسم استقبال رسمية في يريفان اليوم (إ.ب.أ)

أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال زيارة رسمية إلى يريفان، أن السلام في جنوب القوقاز يمثل «أولوية استراتيجية لإيران»، محذراً من أن أي تدخل خارجي قد يعقد الوضع، في ظل مخاوف طهران من النفوذ الأمني الأميركي بعد توقيع أرمينيا وأذربيجان اتفاق سلام برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل عشرة أيام.

ووصل بزشكيان، الاثنين، على رأس وفد رفيع إلى يريفان بعد عشرة أيام من توقيع أذربيجان وأرمينيا اتفاقيات، واستضاف رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، صباح الثلاثاء، في مقره مراسم استقبال رسمية، قبل إجراء محادثات ثنائية، أسفرت عن توقيع 10 مذكرات تعاون بين البلدين.

وقال باشينيان للرئيس الإيراني خلال مؤتمر صحافي مشترك إن الزيارة «شهادة على المستوى الرفيع للعلاقات بين البلدين». وأضاف خلال تصريحات لوسائل إعلام: «لقد تمكنّا بالفعل من مناقشة مجموعة واسعة إلى حدٍّ ما من القضايا، وأنا سعيد لأن انطباعي هو أن نتيجة هذه المناقشات تعزز ثقتنا المتبادلة أكثر»، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الأرمينية.

باشينيان (يمين) والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال مؤتمر صحافي في يريفان (إ.ب.أ)

بدوره، قال بزشكيان إن «المناقشات بناءة للغاية، والاتفاقات التي تم التوصل إليها سترى النور من كلا الجانبين». وأضاف: «لحسن الحظ، تتطور علاقاتنا في جميع المجالات، وآمل أنه خلال هذه المناقشات واللقاءات سنتمكن من تطوير هذه العلاقات أكثر».

لكن زيارة بزشكيان يخيم عليها قلق طهران من توقيع أرمينيا وأذربيجان، في وقت سابق من أغسطس (آب) الحالي، اتفاقاً في البيت الأبيض برعاية الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، يرمي إلى وضع حد لعقود من النزاع بين الجمهوريتين السوفياتيتين السابقتين. ونصّ الاتفاق على إنشاء «منطقة عبور» عبر أرمينيا تربط أذربيجان بجيب نخجوان التابع لها غرباً، على أن يُسمى «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». وبموجب الاتفاق، تحظى الولايات المتحدة بحقوق تطوير الممر المعروف كذلك بـ«ممر زنغزور».

وفي مؤتمر صحافي، أعلن بزشكيان دعم طهران لمفاوضات السلام بين يريفان وباكو، مؤكداً: «السلام في جنوب القوقاز هو أولوية استراتيجية لإيران، ونحن ندعم مفاوضات السلام بين أرمينيا وأذربيجان».

وشدد الرئيس الإيراني على ثبات موقف بلاده تجاه الحدود في القوقاز قائلاً: «نحن نرى أن أي تغييرات في هذه الحدود قد تؤدي إلى منافسات جيوسياسية»، مضيفاً أن «التكامل والصداقة هما أفضل عاملين لتعزيز الأمن والتنمية».

وصرح بزشكيان بأن إيران دافعت دائماً عن سلامة الأراضي الإقليمية لأرمينيا، وأنها تعارض استخدام أي قوة في المنطقة، مشيراً إلى أن «مشاكل جنوب القوقاز يجب أن تحلها دول المنطقة، وأن تدخل القوى الأجنبية قد يعقد الوضع أكثر».

ومن جانبه، أطلع باشينيان الرئيس الإيراني على تفاصيل الإعلان الموقع في واشنطن، إضافةً إلى الاتفاق المبدئي مع أذربيجان حول إحلال السلام وإقامة العلاقات بين الدولتين، مؤكداً أن هذه العملية من شأنها أن تفتح آفاقاً واسعة للتنمية الاقتصادية في المنطقة بأسرها.

وحاول باشينيان طمأنة الإيرانيين، قائلاً إن «صون الحدود الدولية وعدم انقطاع حركة النقل بين أرمينيا وإيران يمثلان مسألة حيوية للطرفين».

وفي السياق نفسه، أفاد: «أؤكد مرة أخرى بوضوح أن طرق النقل العابرة لأراضي أرمينيا ستكون خاضعة حصرياً لسيادة جمهورية أرمينيا، وأن أرمينيا وحدها هي التي ستكفل أمنها، وليس أي بلد ثالث».

وأوضح باشينيان أن رؤية بلاده تتجسد في مشروع «مفترق طرق السلام»، الذي لقي ترحيباً متكرراً من جانب ممثلي إيران على أعلى المستويات.

وقال باشينيان إن «أرمينيا والشعب الأرميني يثمنون الموقف الواضح للجمهورية الإسلامية إزاء وحدة أراضي أرمينيا وسيادتها وحرمة حدودها»، لافتاً إلى أن صون الحدود الدولية وضمان انسياب حركة النقل بين البلدين، «لهما أهمية حيوية لكل من أرمينيا وإيران».

وأوضح باشينيان أن «من أبرز التفاهمات التي توصلنا إليها مع أذربيجان مسألة إعادة فتح طرق النقل في المنطقة، على أساس الاحترام الكامل لسيادة الدول وولايتها القانونية وسلامة أراضيها».

وتوقع أن يؤدي تنفيذ الاتفاق إلى فتح أبواب جديدة للتعاون السككي بين أرمينيا وإيران، بما في ذلك عبر خط سكة حديد نخجوان - جولفا، وهو «ما سيمنح إيران منفذاً سككياً إلى أرمينيا ومن ثم إلى البحر الأسود».

وظهر الخلاف بين أرمينيا وأذربيجان في أواخر الثمانينات عندما انشقت منطقة ناغورنو قره باغ عن أذربيجان بدعم من أرمينيا. وناغورنو قره باغ منطقة جبلية في أذربيجان أغلبية سكانها من الأرمن. واستعادت أذربيجان السيطرة الكاملة على المنطقة في عام 2023 في هجوم عسكري، مما دفع جميع الأرمن المتبقين في الإقليم البالغ عددهم 100 ألف تقريباً إلى الفرار إلى أرمينيا.

وتوصلت أرمينيا وإيران إلى اتفاق لبناء جسر ثانٍ على حدودهما المشتركة. وأعلن باشينيان عن الاتفاق خلال مؤتمر صحافي مشترك مع بزشكيان.

وأشار رئيس الوزراء إلى أن التعاون مع إيران لا يقتصر على الحوار السياسي النشط، بل يشمل أيضاً مجالات متعددة مثل الاقتصاد، البنية التحتية، الطاقة، الصحة، الثقافة، والبيئة، حيث يتم وضع آفاق جديدة للتعاون عاماً بعد عام.

وبيّن باشينيان أن عدداً من مشاريع البنية التحتية المشتركة دخلت بالفعل حيز التنفيذ، معتبراً أنها ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لأرمينيا. ومن أبرز هذه المشاريع مقطع الطريق كاجاران - أغاراك بطول 32 كيلومتراً، الذي أُوكل تنفيذه إلى شركة إيرانية، معرباً عن ثقته بأن المشروع سينجز ضمن الإطار الزمني المحدد.

وأشار باشينيان إلى أن ذلك ينسجم كلياً مع مشروع «مفترق طرق السلام»، مؤكداً أن رفع الحصار عن البنى التحتية الإقليمية ينبغي أن يسهم في تعزيز الحوار بين مختلف الشركاء.

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين) يتبادل الاتفاقيات الموقعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعهما في يريفان (إ.ب.أ)

وأضاف: «نظراً لازدياد حجم النقل بين بلدينا يوماً بعد يوم، فقد اتفقنا على بناء جسر ثانٍ على الحدود الأرمنية - الإيرانية».

وأوضح باشينيان أن أرمينيا وإيران حددتا هدفاً استراتيجياً يقضي برفع حجم التبادل التجاري أولاً إلى مليار دولار، ثم إلى ثلاثة مليارات دولار.

كما بحث الجانبان مشروع الخط الثالث لنقل الكهرباء بين أرمينيا وإيران، الذي يعد من أبرز المشاريع الحيوية في قطاع الطاقة. وأكد الطرفان اتفاقهما على ضرورة إنجازه في أقصر وقت ممكن، الأمر الذي سيمكن أرمينيا من زيادة صادراتها الكهربائية إلى إيران.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتلفزيون الرسمي، إن أرمينيا «قدمت تأكيدات بأن أراضيها لن تشكل تهديداً لإيران».

وأضاف عراقجي على هامش محادثات بزشكيان وباشينيان أن «الجانب الأرميني قدم شرحاً مفصلاً للغاية حول الاتفاقية الأخيرة في واشنطن فيما يتعلق بمناقشات العبور وطرق العبور، وقدم الضمانات اللازمة بأنه يراعي الخطوط الحمراء الإيرانية، ولن يسمح أبداً بأن تشكل أراضيه تهديداً لإيران».

ويواجه الرئيس الإيراني الذي يتحدر من تبريز ذات الأغلبية الأذربيجانية، انتقادات بسبب مواقفه من جنوب القوقاز. وعشية زيارة بزشكيان، كتب مستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، على منصة «إكس»: «لن نسمح بالمقايضة على أمننا القومي». واستخدم هاشتاغات: «ألاسكا وأوكرانيا والقوقاز»، في إشارة واضحة إلى اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، الجمعة الماضي.

وكان ولايتي عدّ أن الممر «مؤامرة» من شأنها أن تعرّض «أمن جنوب القوقاز للخطر»، وأضاف: «قد أكدت إيران أنها، سواء بالتنسيق مع روسيا أو من دونها، ستعمل على ضمان استقرار المنطقة»، محذراً بأنه «لن يتحول إلى ممر يملكه ترمب، بل سيكون مقبرة لمرتزقته». وقال ولايتي إن المناورات العسكرية التي أجريت في شمال غربي إيران أظهرت استعداد الجمهورية الإسلامية وتصميمها على منع أي تغييرات جيوسياسية.


مقالات ذات صلة

بعد أشهر من انقطاع الإنترنت... إيران تسمح لعدد من المحظيين باستخدام الشبكة

شؤون إقليمية معلمة إيرانية تُعطي دروساً عبر الإنترنت في مدرسة للبنات بطهران (أ.ف.ب) p-circle

بعد أشهر من انقطاع الإنترنت... إيران تسمح لعدد من المحظيين باستخدام الشبكة

بعد أشهر من انقطاع شبه تام للإنترنت خلال الحرب في بلاده، تمكن الموظف في المعلوماتية أمير حسن أخيراً من الاتصال بالشبكة، لكن فقط عبر خدمة خاصة أثارت انتقادات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية رجل دين إيراني يسير بجوار لافتة معادية لإسرائيل والولايات المتحدة كُتب عليها باللغة الفارسية «زئير الأسد أم صرير الفأر؟!» معلقة على مبنى حكومي في ساحة فلسطين وسط طهران (إ.ب.أ)

إيران تعدم خبيراً إلكترونياً بتهمة التجسس لحساب «الموساد»

أعدمت السلطات الإيرانية، الأربعاء، رجلاً في أوائل الثلاثينات من عمره بعد إدانته أمام «محكمة الثورة» بالتجسس لصالح إسرائيل ليكون السادس الذي يُعدم بالتهمة نفسها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية متظاهرون يرفعون صورة نسرين ستوده خلال وقفة احتجاجية في باريس (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

السلطات الإيرانية تفرج عن المحامية الحقوقية نسرين ستوده

أفرجت السلطات الإيرانية، الأربعاء، عن المحامية الحقوقية نسرين ستوده بكفالة، بعد توقيفها ضمن حملة يقول ناشطون إنها تستهدف المجتمع المدني في ظل الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في نيروبي يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

السيسي يشدد على دعم بلاده الكامل لدول الخليج

أدانت مصر محاولة التسلل التي قام بها عدد من العناصر الإيرانية إلى جزيرة بوبيان بدولة الكويت والتي أسفرت عن إصابة أحد منتسبي القوات المسلحة الكويتية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الخليج جانب من العاصمة الكويتية (كونا)

السعودية تدين تسلل عناصر من «الحرس الثوري» إلى الكويت

أعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها بأشد العبارات تسلل مجموعة مسلحة من عناصر «الحرس الثوري» الإيراني إلى جزيرة بوبيان بهدف تنفيذ أعمال عدائية تجاه دولة الكويت.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

بعد أشهر من انقطاع الإنترنت... إيران تسمح لعدد من المحظيين باستخدام الشبكة

معلمة إيرانية تُعطي دروساً عبر الإنترنت في مدرسة للبنات بطهران (أ.ف.ب)
معلمة إيرانية تُعطي دروساً عبر الإنترنت في مدرسة للبنات بطهران (أ.ف.ب)
TT

بعد أشهر من انقطاع الإنترنت... إيران تسمح لعدد من المحظيين باستخدام الشبكة

معلمة إيرانية تُعطي دروساً عبر الإنترنت في مدرسة للبنات بطهران (أ.ف.ب)
معلمة إيرانية تُعطي دروساً عبر الإنترنت في مدرسة للبنات بطهران (أ.ف.ب)

بعد أشهر من انقطاع شبه تام للإنترنت خلال الحرب في بلاده، تمكن الموظف في المعلوماتية أمير حسن أخيراً من الاتصال بالشبكة، لكن فقط عبر خدمة خاصة أثارت انتقادات واسعة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وليس في إمكان ملايين الإيرانيين الوصول إلى الإنترنت منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط في 28 فبراير (شباط) بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران.

لكنّ حسن (39 عاماً) لم يتردّد عندما تلقّى رسالة تتيح له فرصة الحصول على الإنترنت، بشراء ما يُسمّى نظام «الإنترنت الاحترافي» المصمم لفئات معينة من المهنيين وأصحاب الأعمال.

ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كان الأمر بدافع الضرورة. أنا مضطر للحصول على الإنترنت حتى أضمن استمرار مدخولي»، مضيفاً أنه دفع نحو 11 دولاراً مقابل باقة أولية بسعة 50 غيغابايت.

حتى الخامس من أبريل (نيسان)، قدّر مرصد الإنترنت «نيتبلوكس» أن الانقطاع المتواصل منذ اندلاع الحرب للإنترنت هو «الأطول على مستوى دولة بالكامل تمّ تسجيله في أي بلد».

وترك هذا الانقطاع معظم السكان في ظلامٍ إلكتروني، باستثناء بعض المواقع المحلية المحدودة، والخدمات المصرفية، وتطبيقات معتمدة من الدولة.

وكانت الشبكة خاضعة أصلاً لقيود مشددة بعد موجة الاحتجاجات الشعبية المناهضة للسلطات التي حصلت في يناير (كانون الثاني). لكن مع اندلاع الحرب باتت الحكومة تستخدم الإنترنت كأداة تحكّم.

ويتّهم منتقدون السلطات بإنشاء نظام يحصر الخدمة بفئات محددة.

ويقول أمير حسن: «هذا النموذج القائم على تصنيف وتقسيم الإنترنت في إيران ليس نموذجاً جيداً... ومن الواضح أنه يهدف إلى جني الأموال».

ويضيف أن المستخدمين يضطرون للدفع أكثر مقابل استهلاك إضافي للإنترنت بأسعار أعلى من المعتاد.

وأتاحت له الخدمة استخدام «واتساب» و«تلغرام»، لكن من دون القدرة على الوصول إلى منصات رئيسية أخرى محجوبة منذ فترة طويلة في إيران مثل «إنستغرام» و«إكس» و«يوتيوب»، إلا باستخدام نظام «في بي إن (VPN)» (شبكة افتراضية خاصة) لتجاوز القيود.

وذكر آخرون أن بإمكانهم دخول الشبكة بمستويات متفاوتة، ما يشير إلى أن الخدمة ليست متطابقة لجميع المشتركين.

أشخاص يقفون خارج مقهى في طهران (رويترز)

«مواطن من الدرجة الثالثة»

ويعاني المستفيدون من هذه الخدمة الانتقائية من مضايقات اجتماعية، إذ تُوجَّه انتقادات إلى من يشترون الخدمة.

ويقول أمير حسن: «هناك أحكام أيضاً... الناس يقولون إنك ذهبت وأسهمت في ملء جيوب حكومة تقدّم هذا الأمر بشكل غير عادل».

مع ذلك، لم تُمنح هذه الخدمة الخاصة لجميع مَن ينتمون إلى الفئات المهنية التي تحتاج إليها.

ويقول بهروز محمودي بختياري، أستاذ اللغويات في جامعة طهران، إنه لم يتلقَّ رسالة تدعوه إلى الاشتراك. ولا يمكنه الوصول إلى الإنترنت بشكل موثوق إلا أثناء وجوده في الحرم الجامعي.

ويضيف: «بمجرد أن تخرج من الجامعة، تعود لتصبح مواطناً من الدرجة الثالثة، ولن يكون لديك أي اتصال بالإنترنت»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن أساتذة آخرين تلقوا عرض الاشتراك.

ووصفت وسائل إعلام هذا النظام بأنه «إنترنت طبقي». وانتقدت ما اعتبرته «تحويل الإنترنت من حقّ عام ومدني إلى امتياز يمكن تخصيصه».

ومع تصاعد الانتقادات، قالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني إن وضع الإنترنت سيعود إلى طبيعته «حالما ينجلي شبح الحرب».

وألقت باللوم على «الأعداء»، في إشارة إلى إسرائيل والولايات المتحدة، في خلق ظروف أمنية أجبرت الحكومة على فرض هذا القطع.

«لا يستحق العناء»

في السنوات الأخيرة، اعتاد المستخدمون في إيران الاعتماد على الشبكات الافتراضية الخاصة لتجاوز القيود المفروضة على منصات التواصل الاجتماعي الكبرى. لكن بالنسبة لكثيرين اليوم، حتى أولئك المؤهلين للاشتراك في خدمة الإنترنت الخاصة، أصبح دفع تكاليف خدمة «الإنترنت الاحترافي» عبئاً مالياً إضافياً. وتعاني العديد من الأسر ضغوطاً مالية متزايدة منذ بدء الحرب، مع تدهور وضع الاقتصاد الإيراني المنهك أصلاً جراء سنوات من العقوبات، أكثر فأكثر.

وقفز معدل التضخم إلى أكثر من 50 في المائة في الأسابيع الأخيرة، بينما فقد الريال جزءاً كبيراً من قيمته مقابل الدولار، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية.

ويقول مهدي، مصمم الغرافيك البالغ من العمر 34 عاماً: «كمية البيانات المقدمة، في رأيي، ليست مجدية اقتصادياً للمستخدمين مقارنة بالتكلفة».

مع ذلك، اشترى الخدمة من أجل عمله، لكنه أقرّ بأنه «ليس بوسع الجميع تحمّل تكلفة شراء» هذه الباقة.

ويقول كاوه (38 عاماً) الذي يعمل في مجال فني، إنه عُرض عليه أيضاً خيار الحصول على خطة «الإنترنت الاحترافي» لكنه رفضها، معتبراً أنها لا تستحق تكلفتها. وهو يدفع أصلاً مقابل خدمة «في بي إن» لتجاوز القيود.

ويقول إنه لن يدفع ثمن «قدر ضئيل من الحرية يُمنَح لبعضنا كمنّة، وبسعر يساوي عشرة أضعاف السعر العادي».


هاجس الجزر يستنفر إيران

عناصر من مشاة البحرية الأميركية خلال تدريبات إنزال بالحبال من مروحية «سي هوك» فوق السفينة الهجومية «يو إس إس تريبولي» في 8 مايو (أ.ف.ب)
عناصر من مشاة البحرية الأميركية خلال تدريبات إنزال بالحبال من مروحية «سي هوك» فوق السفينة الهجومية «يو إس إس تريبولي» في 8 مايو (أ.ف.ب)
TT

هاجس الجزر يستنفر إيران

عناصر من مشاة البحرية الأميركية خلال تدريبات إنزال بالحبال من مروحية «سي هوك» فوق السفينة الهجومية «يو إس إس تريبولي» في 8 مايو (أ.ف.ب)
عناصر من مشاة البحرية الأميركية خلال تدريبات إنزال بالحبال من مروحية «سي هوك» فوق السفينة الهجومية «يو إس إس تريبولي» في 8 مايو (أ.ف.ب)

برزت تحذيرات إيرانية أمس من تحرك عسكري أميركي - إسرائيلي أوسع، وسط مخاوف وهواجس من أن تستهدف العمليات السيطرة على بعض الجزر في الجنوب.

وقال رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي، إن طهران تريد تحويل مضيق هرمز إلى «رافعة قوة»، فيما قال عضو اللجنة، علاء الدين بروجردي، إن إيران «لن تخسر مكسب مضيق هرمز»، ولن تفاوض على التخصيب.

وأجرى «الحرس الثوري»، وسط حالة شبيهة بالاستنفار، تدريبات على إسقاط مروحيات أميركية، في ثاني أيام مناوراته بطهران. وقال قائد «الحرس» في طهران، حسن حسن زاده، إن قواته مستعدة لتنفيذ أي عملية بـ«أقصر وقت ممكن».

وصعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته تزامناً مع زيارته لبكين، قائلاً إن إيران «إما أن تتوصل إلى اتفاق جيد وإما ستواجه الدمار».

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن قواتها أجبرت 67 سفينة مرتبطة بإيران على تغيير مسارها ضمن إنفاذ الحصار.

وتُعول طهران على نقل المواجهة إلى اجتماعات مجموعة «بريكس» في الهند اليوم، بدعم من حليفتها موسكو.

وفي المقابل، تسرّع أوروبا تحركها نحو مضيق هرمز، بعدما أعلنت إيطاليا إرسال كاسحتَي ألغام إلى محيط الخليج، فيما تقود بريطانيا وفرنسا مشاورات لمهمة بحرية دفاعية في المضيق.


أوروبا توسّع تحركها نحو «هرمز» بمهمة دفاعية مشروطة

حاملة الطائرات شارل ديغول والسفن المواكبة لها تعبر قناة السويس باتجاه خليج عدن في 6 مايو ضمن مهمة مرتبطة بأمن الملاحة (البحرية الفرنسية)
حاملة الطائرات شارل ديغول والسفن المواكبة لها تعبر قناة السويس باتجاه خليج عدن في 6 مايو ضمن مهمة مرتبطة بأمن الملاحة (البحرية الفرنسية)
TT

أوروبا توسّع تحركها نحو «هرمز» بمهمة دفاعية مشروطة

حاملة الطائرات شارل ديغول والسفن المواكبة لها تعبر قناة السويس باتجاه خليج عدن في 6 مايو ضمن مهمة مرتبطة بأمن الملاحة (البحرية الفرنسية)
حاملة الطائرات شارل ديغول والسفن المواكبة لها تعبر قناة السويس باتجاه خليج عدن في 6 مايو ضمن مهمة مرتبطة بأمن الملاحة (البحرية الفرنسية)

أعلنت إيطاليا، الأربعاء، أنها سترسل سفينتين حربيتين إلى محيط الخليج، في خطوة جديدة ضمن تحرك أوروبي متصاعد لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، تقوده بريطانيا وفرنسا، ويبحث الاتحاد الأوروبي توسيعه عبر مهمة «أسبيدس» البحرية في البحر الأحمر.

وقال وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروزيتّو إن روما سترسل وحدتين من كاسحات الألغام إلى مواقع أقرب نسبياً من المضيق، في إطار «تموضع مسبق» يبدأ من شرق البحر المتوسط، ثم البحر الأحمر، لكنه شدد أمام البرلمان على أن أي مهمة محتملة في مضيق هرمز لن تتم إلا بعد موافقة مسبقة من المشرعين، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح كروزيتّو أن الشرط المسبق لنشر القوات ليس وقف إطلاق النار الحالي، بل «هدنة حقيقية وموثوقة ومستقرة»، أو «سلام دائم» إن أمكن، مشيراً إلى أن وصول كاسحات الألغام إلى المنطقة سيستغرق أسابيع.

وجاءت الخطوة الإيطالية بعد اتهامات أميركية لإيران بزرع ألغام في المضيق، في ظل استمرار تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب وإعادة فتح الممر الحيوي.

مهمة أوروبية أوسع

وأعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، الثلاثاء، أن التكتل يبحث توسيع مهمة «أسبيدس» البحرية، التي أُطلقت عام 2024 لحماية الملاحة في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين، لتشمل مضيق هرمز بعد انتهاء الحرب في إيران.

وقالت كالاس، عقب اجتماع لوزراء دفاع الاتحاد الأوروبي في بروكسل، إن «أسبيدس» تسهم بالفعل في حماية الملاحة في البحر الأحمر، لكن أنشطتها «يمكن أن تمتد أيضاً إلى المضيق».

وأضافت أن بعض الدول تعهدت بتقديم مزيد من السفن للمهمة، ما قد يشكل عاملاً مساعداً إذا اتُّخذ قرار بتوسيع نطاقها.

ويعكس النقاش الأوروبي محاولة للعب دور في إعادة تنشيط الملاحة بمجرد انتهاء النزاع، بعدما أدى الحصار الإيراني لمضيق هرمز، الذي يمر عبره في الظروف العادية نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، إلى رفع أسعار الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد.

وكان وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي رفضوا، في مارس (آذار) الماضي، مقترحات لتوسيع مهمة البحر الأحمر. لكن تداعيات الحرب الأميركية على إيران وما نتج عنها من انكماش اقتصادي عالمي أعادت الملف إلى جدول البحث الأوروبي.

قيادة بريطانية فرنسية

تقود بريطانيا وفرنسا المحادثات بشأن تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات لتأمين الملاحة في هرمز. وكانت لندن أعلنت، السبت، أنها سترسل المدمرة «إتش إم إس دراغون»، الموجودة حالياً في البحر الأبيض المتوسط، إلى الشرق الأوسط، استعداداً لمهمة في المضيق «عندما تسمح الظروف».

وقال متحدث باسم وزارة الدفاع البريطانية إن التموضع المسبق للمدمرة يأتي ضمن «تخطيط دقيق» يهدف إلى ضمان جاهزية المملكة المتحدة، ضمن تحالف متعدد الجنسيات بقيادة مشتركة من لندن وباريس، لتأمين المضيق عند توافر الظروف المناسبة.

والثلاثاء، قالت بريطانيا إنها ستسهم في المهمة بمعدات ذاتية التشغيل لكشف الألغام، ومقاتلات «تايفون»، والمدمرة «دراغون».

وأعلن وزير الدفاع البريطاني جون هيلي هذه المساهمة خلال قمة عبر الإنترنت شارك فيها أكثر من 40 وزير دفاع من الدول المعنية، مشيراً إلى أن المهمة ستبدأ العمل «عندما تسمح الظروف بذلك».

وقال هيلي في بيان: «مع حلفائنا، ستكون هذه المهمة المتعددة الجنسيات دفاعية ومستقلة وذات مصداقية».

وتشمل الحزمة البريطانية أنظمة ذاتية التشغيل لكشف الألغام البحرية وإزالتها، وزوارق مسيرة عالية السرعة، ومقاتلات «تايفون» لتنفيذ دوريات جوية، والمدمرة «دراغون»، وهي مدمرة دفاع جوي في طريقها بالفعل إلى الشرق الأوسط.

وستحظى المساهمة البريطانية بدعم تمويلي جديد يبلغ 115 مليون جنيه إسترليني، أي نحو 155.5 مليون دولار، يخصص لأجهزة مسيرة لكشف الألغام وأنظمة للتصدي للمسيرات.

وتسعى لندن، من خلال هذه الحزمة، إلى طمأنة قطاع الشحن التجاري بشأن التزامها بحرية الملاحة وسط تصاعد التوتر في المنطقة. ولدى بريطانيا بالفعل أكثر من ألف عسكري في المنطقة ضمن عمليات دفاعية قائمة، تشمل فرقاً للتصدي للطائرات المسيرة وأسراب مقاتلات نفاثة.

ماكرون يطرح مبادرة

في المقابل، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن باريس ستطلق «مبادرة في الأمم المتحدة» لاقتراح إطار تمهيدي لمهمة «محايدة وسلمية» لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز مستقبلاً.

وقال ماكرون، في مقابلة أجرتها معه قناتا «تي في 5» و«فرانس 24» ومحطة «إذاعة فرنسا الدولية»، في ختام قمة فرنسية - أفريقية في نيروبي، إن مضيق هرمز يجب أن يُعاد فتحه «من دون شروط، ومن دون أي رسوم عبور، عبر رفع كل أشكال الحصار».

ودعا ماكرون إلى الحزم في الحوار مع طهران، وندد بما وصفه بـ«تصعيد في التصريحات» من الجانبين الأميركي والإيراني.

كما دعا إلى «وقف لإطلاق النار يتم الالتزام به بالكامل»، معتبراً أن «من غير المقبول» عدم الالتزام بوقف إطلاق النار في لبنان.

وتقترح فرنسا والمملكة المتحدة، اللتان تقودان تحالفاً بحرياً لدول غير منخرطة في القتال، إطلاق مهمة متعددة الجنسيات لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، بعد موافقة إيران والولايات المتحدة على رفع حصارهما، وبالتشاور مع واشنطن وطهران.

ومن المفترض أن تُترجم المبادرة الفرنسية في الأمم المتحدة بمشروع قرار في مجلس الأمن يحدد إطار هذه المهمة المحتملة.

وتسعى باريس إلى إقناع طهران وواشنطن بفصل ملف هرمز عن بقية عناصر النزاع وعن المفاوضات مع إيران. ويعطل إغلاق هذا الممر البحري الاستراتيجي تصدير الشحنات النفطية من الخليج، ويدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، بما يؤثر في الاقتصاد العالمي.

وشدد ماكرون على أن «إعادة فتح هرمز هي الأولوية المطلقة»، مؤكداً أنها يجب أن تتحقق «قبل معالجة القضايا الأخرى عبر التفاوض».

وفي موازاة ذلك، قال ماكرون إنه لا بد من استئناف الحوار بين واشنطن وطهران والأوروبيين حول البرنامجين «النووي والباليستي» لإيران.

وأضاف: «أؤيد طرح إشراك كل دول المنطقة، الأكثر تأثراً بما نعيشه حالياً، والتي تتأثر أيضاً بما يمكن أن تحدثه بعض الميليشيات من زعزعة للاستقرار داخل بلدانها».

وقدمت الولايات المتحدة والبحرين مشروع قرار يدعو إيران إلى الوقف «الفوري لكل هجماتها وتهديداتها» ضد السفن، و«لكل محاولات تعطيل» حرية الملاحة في هذا المضيق الاستراتيجي. لكن مشروع القرار قد يسقط باستخدام روسيا حق النقض ضده.

وفي المقابل، حذرت إيران بريطانيا وفرنسا من أن قواتها المسلحة سترد بشكل «حاسم وفوري» على أي نشر لقطع حربية في المضيق.

ويجعل ذلك المهمة الأوروبية المقترحة رهينة توازن دقيق بين التحضير العسكري، والشرط السياسي، ومخاطر التصعيد في واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم.