ضغوط ترمب تُحرك مفاوضات «هدنة غزة» قدماً

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: اتفاق من دون حسم في بعض النقاط العالقة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلى جانبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المكتب البيضاوي يوم الأربعاء (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلى جانبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المكتب البيضاوي يوم الأربعاء (د.ب.أ)
TT

ضغوط ترمب تُحرك مفاوضات «هدنة غزة» قدماً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلى جانبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المكتب البيضاوي يوم الأربعاء (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلى جانبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المكتب البيضاوي يوم الأربعاء (د.ب.أ)

حرّكت ضغوط إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مسار المفاوضات غير المباشرة بين حركة «حماس» وإسرائيل، التي تستضيفها الدوحة، بهدف التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة لمدة شهرين وبدء اجتماعات حول إنهاء الحرب.

وقالت مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إن «تقدماً» حدث في المفاوضات بعد لقاء ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض، فيما رأى نتنياهو، في مقطع دعائي، بُث الأربعاء، لمقابلة أجراها مع قناة «فوكس نيوز»، أن «هناك احتمالاً كبيراً للتوصل إلى صفقة جزئية لوقف النار».

توازياً، قال ترمب إن هناك «فرصة جيدة جداً» لوقف إطلاق النار في غزة هذا الأسبوع أو الأسبوع المقبل. وتعوِّل «حماس» على ضغوط واشنطن على نتنياهو لإحراز الاتفاق الذي تشترط أن يكون مشمولاً بضمانة لوقف الحرب كلياً.

والتقى ترمب نتنياهو مرتين في يومين متتاليين (الاثنين والثلاثاء) وكان اللقاء الثاني، الذي استمر 90 دقيقة في البيت الأبيض، مخصصاً لملف غزة.

نتنياهو يتحدث خلال مأدبة عشاء مع ترمب في البيت الأبيض مساء الاثنين (إ.ب.أ)

وقبيل اجتماع الثلاثاء، الذي حضره أيضاً نائب الرئيس جي دي فانس، قال ترمب إنه ونتنياهو يرغبان في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، وأضاف أنه يعتقد أن حركة «حماس» ترغب في ذلك أيضاً.

وفي وقت سابق، وصل وفد قطري إلى البيت الأبيض وأجرى محادثات استمرت عدة ساعات مع كبار المسؤولين، وفق موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي. وتتولى قطر ومصر والولايات المتحدة الوساطة بين إسرائيل و«حماس».

تقدُّم لكن من دون حسم

ومع تأكيد المصادر من «حماس» على «إحراز تقدم في كثير من النقاط العالقة»؛ فإنها حذرت من أنها «لم تُحسم بشكل نهائي، وأن المفاوضات ما زالت مستمرة، ويبذل الوسطاء جهوداً كبيرة لمحاولة تقريب وجهات النظر».

ورفضت المصادر الكشف عن تفاصيل النقاط التي أُحرز فيها «التقدم»، مكتفيةً بتأكيد أن «الأمر مرهون بإسرائيل التي ما زالت تماطل في حسم بقية القضايا المختلَف عليها بشكل نهائي».

وشرحت المصادر أنها «تريد إبقاء التفاصيل قيد الكتمان مؤقتاً، منعاً لإفشال المفاوضات من الطرف الإسرائيلي كما فعل سابقاً في عدة مرات». وفق قولها.

وقال المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، إن الإدارة الأميركية تأمل في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً بحلول نهاية الأسبوع.

أين نقاط الخلاف؟

وتتركز القضايا الإشكالية في آلية إدخال المساعدات الإنسانية، وتطبيق البروتوكول الإنساني المعتمد في اتفاق يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث ترفض إسرائيل إدخال مساعدات من جهات بخلاف مؤسسة غزة التي تدعمها مع أميركا.

كما تتملص إسرائيل من تحديد أماكن انسحاب الجيش الإسرائيلي ومواعيد عملية الانسحاب، إلى جانب ضمانة وقف الحرب بشكل نهائي.

انهيار شاب فلسطيني خلال تشييع جثمانِ أشخاصٍ قُتلوا خلال انتظارهم المساعدات خارج مستشفى الشفاء في غزة (أ.ف.ب)

لكن صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» نقلت، مساء الأربعاء، عن دبلوماسي عربي ومصدر مطلع، أن إسرائيل «قدمت مجموعة خرائط جديدة للوسطاء في الدوحة تُظهر انسحاباً جزئياً للجيش من قطاع غزة خلال الهدنة المقترحة الممتدة لفترة 60 يوماً». وذكر المصدران، اللذان لم تسمهما الصحيفة، أن هذه الخطوة جاءت عقب ضغوط من الولايات المتحدة للحد من الوجود الإسرائيلي في قطاع غزة.

وتقول المصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إن قضايا «المساعدات والانسحاب ووقف الحرب، طالب بها الوفد الفلسطيني المفاوض بالنيابة عن كل فصائل المقاومة، بإجراء تعديلات عليها، وحصل (تقدم كبير) في بعضها، لكنها تحتاج إلى وضع لمسات نهائية تُفضي إلى الانتهاء منها بشكل كامل».

وقدرت المصادر أن «الضغط الأميركي زاد للدفع إلى اتفاق، خصوصاً بعد اللقاء الأول الذي جمع ترمب ونتنياهو»، مشيرةً إلى أن «هذه الضغوط قد تُفضي إلى نتيجة أكبر».

وحسب هيئة البث الإسرائيلية العامة، فإنه «تم حل قضيتي المساعدات الإنسانية وضمانة إنهاء الحرب، فيما ما زال الخلاف قائماً بشأن إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي إلى مواقع محددة». ووفقاً للهيئة، فإن مؤسسات دولية ستتولى توزيع المساعدات في المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، في حين أن ضمانة إنهاء الحرب تتعلق باستمرار وقف إطلاق النار، ما دامت المفاوضات مستمرة.

وبيَّنت أن إسرائيل تصر على بقاء قواتها في محور «موراغ» الفاصل بين خان يونس ورفح جنوبي قطاع غزة، في محاولة منها لتنفيذ مخطط حشر السكان في رفح دون الخروج منها.

فلسطينية تبكي إلى جوار جثث ضحايا غارة إسرائيلية يوم الأربعاء في مستشفى بخان يونس جنوب غزة (رويترز)

ويدفع بهذا المخطط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، في محاولة منهما لإقناع وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، بالاستمرار في الحكومة مقابل تنفيذ هذه الخطة التي تهدف إلى الاستمرار في مخطط تهجير سكان قطاع غزة.

لكنَّ «حماس» تصر على انسحاب القوات الإسرائيلية بشكل تدريجي من محاور قلب القطاع (نتساريم وموراغ) خلال الهدنة المؤقتة، والبقاء في المحاور الحدودية مثل فيلادلفيا (بين غزة ومصر)، على أن تنسحب منه إسرائيل أيضاً في نهاية الحرب.

إحباط وقلق في إسرائيل

وفي إسرائيل، وعلى الرغم من تصريحات نتنياهو بوجود «احتمال كبير» لإبرام صفقة جزئية؛ فإن الإسرائيليين والفلسطينيون يشعرون بأنهم يقعون ضحية لحرب أعصاب تبدد الفرحة بوقف النار، وسط تساؤلات عن سبب امتناع ترمب عن إعلان وقف النار ما دامت المفاوضات إيجابية.

وتبرز في تفاصيل المفاوضات، على نحو واضح الصراعات الحزبية الإسرائيلية المرتبطة بمحاكمة نتنياهو والخلافات في الائتلاف الحكومي حول خدمة الشبان الحريديم (المتشددين) في الجيش، وتهديدات الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، بالانسحاب من الحكومة وفشل الجهود، حتى الآن، في ضم حزب بيني غانتس إلى الحكومة بديلاً عنهما.

ونُشرت في تل أبيب، الأربعاء، تصريحات لمقربين من نتنياهو وغيره من قوى اليمين تنتقد الرئيس ترمب لأنه يتباطأ في تنفيذ خطته لترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة، منذ عودته من جولته الخليجية.

هل تراجع ترمب عن التهجير؟

وتحدثت مصادر إسرائيلية، قالت صحيفة «معاريف» إنها رسمية، بشأن «الخشية من أن يكون ترمب قد تراجع عن خطته بسبب ضغوط (عربية)». مؤكدةً أن «نتنياهو كان يؤكد هذه الخطة في واشنطن، أيضاً خلال اللقاءين مع ترمب، وأنه كان قد وضع خططاً لتنفيذها فصادق عليها رسمياً الحكومة والكابينت».

وحسبما أفادت به صحيفة «معاريف»، فإن «إسرائيل لا ترى في هذه المرحلة التزاماً عملياً من جانب واشنطن لدفع الخطة قدماً». وقالت الصحيفة إن مسؤولين في إسرائيل «يشعرون بخيبة أمل إزاء ما يعدونه تراجعاً أميركياً عن الاندفاع المتوقع لتنفيذ الخطة»، رغم أن ترمب لم يتخلّ عنها رسمياً، بل عاد وتحدث عنها بلهجة جديدة «من يريد أن يغادر سيغادر، ومن يريد أن يبقى سيبقى».

وحسب التقرير؛ «رغم التصريحات العلنية الداعمة لفكرة الهجرة، فإن الولايات المتحدة تتباطأ في الخطوات العملية المطلوبة، ولم تُظهر الالتزام الذي كانت إسرائيل تأمل أن تبديه، وتحديداً في إقناع دول باستقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين (الراغبين) في مغادرة قطاع غزة».

المعارضة تريد حسماً من واشنطن

وفي المعارضة الإسرائيلية انتقدوا ترمب لأنه لم يضرب بما يكفي على الطاولة أمام نتنياهو. وكتبت خبيرة الشؤون الأميركية، لورلي أزولاي، في «يديعوت أحرونوت»: «90 دقيقة في البيت الأبيض... لا تصريحات بعد اللقاء، ولا صور مشتركة، ولا حتى جدول مُعلن مسبقاً، لكن خلف الأبواب المغلقة كانت الملفات مشتعلة... الاجتماع تناول سيناريوهات (اليوم التالي) في غزة بعد الحرب، وكيف سيتم إنهاء المعركة دون السماح لـ(حماس) بالعودة؟».

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة فبراير 2025 (رويترز)

وقالت أزولاي إن «ما نشهده في البيت الأبيض هو مسرح للعبث، حيث طغت البلادة السياسية واحتفالات لا مبرر لها، فيما الدماء ما زالت تُراق في غزة. القمة التي تم تسويقها على أنها (سياسية مهمة) في واشنطن وأورشليم (القدس)، لم تكن في حقيقتها سوى (حفل نصر وهمي)، فلا نصر تحقق ولا سبب يدعو للاحتفال، بينما دائرة الدم في غزة تتسع بلا نهاية».

واختتمت: «ترمب تحدث عن رغبته في إنهاء الحرب، إلا أنه لم يطرق الطاولة بقوة كافية أمام نتنياهو -على الأقل ليس بعد».


مقالات ذات صلة

مقتل 7 في غارة جوية إسرائيلية على غزة بينهم القيادي بـ«حماس» محمد الحولي

المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)

مقتل 7 في غارة جوية إسرائيلية على غزة بينهم القيادي بـ«حماس» محمد الحولي

قال مصدر بحركة «حماس» إن قيادياً بارزاً بالجناح العسكري للحركة كان بين ​سبعة أشخاص لقوا حتفهم في غارتين جويتين إسرائيليتين

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب) play-circle

«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

أظهر رئيس لجنة إدارة غزة علي شعث تفاؤلاً لافتاً بإتمام عملية إعمار القطاع الفلسطيني في غضون 7 سنوات، بينما سعت إسرائيل إلى التقليل من خطوة بدء المرحلة الثانية.

نظير مجلي (تل أبيب) «الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ الناشط محمود خليل خريج جامعة كولومبيا (أ.ب)

محكمة استئناف أميركية ترفض قرار الإفراج عن الناشط المؤيد للفلسطينيين محمود خليل

قضت ​محكمة استئناف اتحادية، اليوم (الخميس)، بأن قاضياً لم يكن مختصاً أمر بالإفراج عن ‌خريج ‌جامعة ⁠كولومبيا ​محمود ‌خليل من مركز احتجاز المهاجرين

«الشرق الأوسط» ( فيلادلفيا)
خاص اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس) play-circle

خاص سامي نسمان... قصة ضابط عادته «حماس» وعاد ليدير أمن غزة

لم يكن أشد المتفائلين بتغيير واقع الحكم في غزة، يتوقع أن تشمل قائمة «لجنة إدارة غزة» أسماء شخصيات كانت توصف بأنها من أشد خصوم «حماس»، ومنها اللواء سامي نسمان.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صورة ملتقطة في 13 يناير 2026 في مدينة غزة (د.ب.أ)

مقتل فلسطينيين برصاص الجيش الإسرائيلي في رفح

لقي فلسطينيان حتفهما، ظهر الخميس، برصاص القوات الإسرائيلية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
TT

سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)

عرضت سويسرا القيام بدور وساطة دبلوماسية بين واشنطن وطهران، في وقت يتصاعد فيه التوتر على خلفية الاحتجاجات في إيران وتلويح أميركي بخيارات تصعيدية.

وأفادت وزارة الخارجية السويسرية، اليوم (الخميس)، بأن مدير إدارة الأمن الدولي ونائب وزير الخارجية، غابرييل لوشينغر، أجرى اتصالاً هاتفياً مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني.

وأوضحت الوزارة أن لوشينغر عرض، خلال المحادثة، أن تتولى سويسرا دور الوساطة للمساعدة في تهدئة الوضع الراهن.

ويأتي ذلك في ظل تصاعد التوتر منذ اندلاع الاحتجاجات الواسعة في إيران قبل أكثر من أسبوعين، إذ لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً بإمكانية التدخل عسكرياً.

وفي وقت سابق، قال مكتب لاريجاني، في بيان، إن الاتصال تناول العلاقات الثنائية وآخر التطورات الإقليمية، مشدداً على الدور البنّاء لسويسرا وسجلها الإيجابي في تسوية الأزمات بالطرق السلمية، لكنه قال إن بلاده «لن تكون غير فعّالة إزاء الخطاب التهديدي الأميركي».

وأضاف البيان الإيراني أن مستشار الأمن القومي السويسري أعلن استعداد بلاده الكامل للاضطلاع بدور بناء يسهم في خفض التوتر في الظروف الراهنة.

وتمثل سويسرا المصالح الأميركية في طهران، في ظل غياب تمثيل دبلوماسي مباشر لواشنطن هناك منذ عام 1980، عقب قطع العلاقات بين البلدين بعد أحداث عام 1979.


استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
TT

استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

ظهر رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وهو يستجوب بشكل مباشر موقوفين على هامش الاحتجاجات الأخيرة في إيران، ما يعزّز مخاوف منظمات حقوقية من استخدام سلطات طهران «الاعترافات القسرية».

وعرض التلفزيون الرسمي، الخميس، لقطات تظهر غلام حسين محسني إجئي، صاحب المسيرة الطويلة في الجهاز القضائي، والذي صدرت في حقه عقوبات من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، مستجوباً عدداً من الأشخاص الذين تتهمهم السلطات بأنهم «مثيرو شغب».

بثّ التلفزيون مشاهد تبيّن إجئي، وهو وزير سابق للاستخبارات وكبير المدعين العامين في طهران، مستجوباً امرأتين محتجزتين جرى إخفاء وجهيهما، وقد انهارتا بالبكاء أثناء الاستجواب، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

في اليوم السابق، أمضى إجئي خمس ساعات داخل أحد سجون طهران لتفحّص قضايا سجناء جرى توقيفهم خلال الاحتجاجات، وفق ما ذكر التلفزيون الرسمي الذي عرض لقطات له وهو يستجوب بعض المحتجزين.

وبحسب منظمات حقوقية، بثّ التلفزيون الرسمي العشرات من هذه «الاعترافات» لأفراد متهمين بالاعتداء على قوات الأمن، وأعمال عنف أخرى خلال المظاهرات.

وقالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» (إيران هيومن رايتس) ومقرها النرويج إن «وسائل الإعلام الحكومية بدأت ببثّ اعترافات قسرية للمتظاهرين في غضون أيام من اندلاع الاحتجاجات».

وأضافت: «إنّ بثّ اعترافات انتُزعت تحت الإكراه، والتعذيب قبل بدء الإجراءات القانونية يُعدّ انتهاكاً لحقّ المتهمين في مبدأ قرينة البراءة»، أي إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

في مثال آخر، ذكرت منظمة «هرانا» (HRANA) الحقوقية، ومقرها في الولايات المتحدة أن فتاتين مراهقتين اعتُقلتا في مدينة أصفهان بوسط البلاد ظهرتا في «اعترافات قسرية» قالتا فيهما إنهما تلقّتا أموالاً من أحد الأشخاص للمشاركة في الاحتجاجات.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يؤدي القسم إلى جانب رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (التلفزيون الرسمي)

ويأتي استخدام هذه الاعترافات في ظلّ حملة قمع الاحتجاجات التي تقول منظمات حقوقية إنها خلّفت آلاف القتلى في مسيرات بدأت احتجاجاً على الوضع المعيشي، وتحوّلت لترفع شعارات سياسية مناهضة للنظام والمرشد الإيراني علي خامنئي.

التحرك «بسرعة»

في أحدث اللقطات، ظهر إجئي جالساً في غرفة محاطاً بمسؤولين آخرين وخلفهم صورة لخامنئي، والمرشد الإيراني الأول الخميني، فيما كانت المعتقلة جالسة على كرسي مقابل.

يتواصل مشهد الاعترافات المصوّرة بعرض لقطات تظهر هذه المرأة المتهمة بتوجيه رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهي تقول: «لقد فعلتُ شيئاً لا أستطيع أن أغفره لنفسي». يسألها إجئي بصوت خافت وهو يضم يديه: «لماذا... ومن أجل من؟».

كذلك تظهر الاعترافات امرأة أخرى متهمة بإلقاء كتل خرسانية على قوات الأمن في طهران من شرفة منزلها.

ورداً على إلحاح إجئي بالسؤال عن «اليوم» الذي قامت فيه بالفعلة المنسوبة إليها، و«كيف عرفت أنهم ضباط؟»، تجيب المرأة: «لا أعرف ما حدث، لماذا فعلتُ هذه الحماقة؟». ولم يُقدَّم أي دليل إضافي على تورطهما بالأفعال المفترضة المنسوبة إليهما.

في العام 2024، وصفت منظمة «متحدون ضد إيران النووية» التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، إجئي الذي تعهّد بـ«محاكمات سريعة» للمعتقلين، بأنه «منفذ قاسٍ لأحكام إيران، ولا يكترث لحقوق الإنسان».

كما تتهمه جماعات معارضة بالتورط في الإعدام الجماعي للسجناء السياسيين في إيران عام 1988.

وقالت منظمة «مراسلون بلا حدود» غير الحكومية المعنية بحرية الإعلام، إن إجئي «لطخ يديه بدماء الصحافيين»، مشيرة إلى أنه في عام 2004 عضّ صحافياً من كتفه أثناء مناظرة.

وقال إجئي، الأربعاء، «إذا قام أحد بحرق شخص أو قطع رأسه ثم حرق جسده، علينا أن نقوم بعملنا بسرعة». وأضاف: «مع أي تأخير، لن يكون للأمر التأثير نفسه».


عراقجي يقود تحركاً دبلوماسياً متعدد المسارات في مواجهة الضغوط الغربية

صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء
صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء
TT

عراقجي يقود تحركاً دبلوماسياً متعدد المسارات في مواجهة الضغوط الغربية

صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء
صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء

واصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تحركاته الدبلوماسية على أكثر من مسار، مكثفاً الاتصالات مع نظرائه الإقليميين والدوليين لشرح موقف طهران من التطورات الداخلية والتوترات المحيطة بها، والتأكيد على التزام طهران بـ«ضمان أمن مواطنيها ورفض أي تدخل خارجي»، في وقت تتسع فيه التحذيرات الدولية من انعكاسات إقليمية للأزمة.

وفي هذا السياق، بحث عراقجي في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي، آخر التطورات في إيران، مشيراً إلى أن طهران «ملتزمة بحماية أمن مواطنيها» في مواجهة ما وصفه بـ«تصاعد العنف المرتبط بالاحتجاجات»، وفق بيان للخارجية الإيرانية.

وقال إن طهران ستواصل التعامل بحزم مع «الإرهاب الداعشي المدعوم من النظام الإسرائيلي والولايات المتحدة»، معرباً عن تقديره لموقف بكين الداعم لإدانة الإرهاب، ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون الإيرانية.

كما انتقد عراقجي، خلال الاتصال، استخدام الولايات المتحدة للأدوات الاقتصادية والتعريفات التجارية للضغط على الدول النامية، داعياً إلى تعزيز التعاون بين دول «الجنوب - الجنوب» لحماية مصالح شعوبها في مواجهة الضغوط الغربية.

من جانبه، أكد وانغ يي أن الصين، «بوصفها دولة صديقة لإيران»، تدعم سيادتها الوطنية وأمنها، وستواصل الدفاع عن «المواقف المشروعة والمنطقية لإيران» في المحافل الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن.

وعلى المسار الإقليمي، أجرى عراقجي اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، شدد خلاله على أن إيران «ستدافع بقوة عن سيادتها الوطنية في مواجهة أي تدخل خارجي»، وأدان ما وصفه بـ«التصريحات الاستفزازية والتدخلية للمسؤولين الأميركيين».

وفي موقف إقليمي آخر، أعلنت تركيا معارضتها لأي عمل عسكري ضد إيران. وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن أنقرة «تعارض أي عملية عسكرية على الإطلاق»، معتبراً أن الاحتجاجات في إيران «ليست انتفاضة ضد النظام» بل مظاهرات مرتبطة بالأزمة الاقتصادية، ومحذراً من أن زعزعة استقرار إيران «ستؤثر على المنطقة بأسرها».

وأكد فيدان، في مؤتمر صحافي، استمرار الجهود الدبلوماسية لحث واشنطن وطهران على حل الخلافات عبر الحوار أو الوساطة.

كما شملت اتصالات عراقجي الجانب المصري؛ إذ بحث مع وزير الخارجية بدر عبد العاطي التطورات الإقليمية والدولية، وأوضح خلال الاتصال أن الاحتجاجات «دفعت نحو العنف بفعل عناصر مرتبطة بالخارج»، وأدان «التصريحات التحريضية الأميركية»، بوصفها تدخلاً في الشؤون الداخلية. وأعرب الجانب المصري عن أسفه للأحداث، مؤكداً أهمية التنسيق الإقليمي لتعزيز الاستقرار، وفق بيان للخارجية الإيرانية، مساء الأربعاء.

وفي موازاة ذلك، تواصلت تحركات دبلوماسية أوسع شملت اتصالاً بين مستشار الأمن القومي السويسري غابرييل لوشينغر ونظيره الإيراني علي لاريجاني، إضافة إلى اتصالات مصرية مكثفة مع أطراف إقليمية ودولية لخفض التصعيد.

وجاءت هذه الجهود فيما دعت دول عدة رعاياها إلى مغادرة إيران، وأوصت سلطات طيران أوروبية بتجنب أجوائها مؤقتاً، وسط أجواء إقليمية مشحونة وعدم يقين بشأن المسار المقبل للأزمة.

وتتواصل الضغوط الأميركية والأوروبية على طهران، وسط مزيج من التلويح بالعقوبات والتحذير من خيارات أشد قسوة إذا استمرت حملة القمع في الداخل. وتؤكد واشنطن أنها تراقب التطورات «عن كثب» مع إبقاء جميع الخيارات مطروحة.

وبالتوازي، كثفت عواصم أوروبية تحركاتها الدبلوماسية، من استدعاء سفراء وإغلاق بعثات مؤقتاً، إلى دعوات صريحة لمواطنيها بمغادرة إيران.

وعكست التحركات الغربية سعياً لزيادة الكلفة السياسية على طهران دولياً، في وقت تحاول فيه الإدارة الأميركية والدول الأوروبية موازنة الضغوط مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تمتد تداعياتها إلى الإقليم بأكمله.