عرض وتهديد... واشنطن تسرّع مفاوضات «النووي» الإيراني

ترمب قال إن طهران «تريد التجارة»... وعراقجي: لم يصلنا شيء مكتوب

ترمب يختتم زيارته في أبوظبي 16 مايو 2025 (رويترز)
ترمب يختتم زيارته في أبوظبي 16 مايو 2025 (رويترز)
TT

عرض وتهديد... واشنطن تسرّع مفاوضات «النووي» الإيراني

ترمب يختتم زيارته في أبوظبي 16 مايو 2025 (رويترز)
ترمب يختتم زيارته في أبوظبي 16 مايو 2025 (رويترز)

يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب تسريع وتيرة المفاوضات مع طهران، بالضغط عليهم للدخول في الأجواء العملية للاتفاق حول البرنامج النووي، رغم أن المسؤولين الإيرانيين ما زالوا يحافظون على وتيرة متحفظة في التعامل مع واشنطن.

ويلوّح ترمب بأن فشل المفاوضات، أو كما يقول عدم اغتنام الفرصة السانحة في أسرع وقت، سيُعرّض إيران لخيارات سيئة؛ في إشارة إلى العمل العسكري.

وحثَّ ترمب، الجمعة، طهران على التحرك السريع للرد على عرض أميركي رسمي بشأن برنامجها النووي، محذراً من أن «أمراً سيئاً» قد يحدث إذا لم تستجب إيران.

وتتواصل المفاوضات النووية غير المباشرة بين الجانبين بوساطة سلطنة عمان، وسط تصعيد في المخاوف الإقليمية والدولية من اقتراب إيران من امتلاك قدرات تسليحية نووية، وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وأكد ترمب، في ختام جولته الخليجية من أبوظبي، أن واشنطن قدمت مقترحاً رسمياً لإيران عبر القناة العمانية، مضيفاً: «لديهم مقترح، والأهم من ذلك أنهم يعلمون أن عليهم التحرك بسرعة، وإلا فسيحدث أمر سيئ»، وفق تعبيره.

وعاوَدَ ترمب طريقته في إطلاق الرسائل المزدوجة بين ترغيب إيران وتهديدها. وصرّح، في مقابلة مع «فوكس نيوز» بأن «طهران تريد التجارة معنا، وأنا أستخدم التجارة لتحقيق السلام... وإذا عقدنا اتفاقاً، فسيكونون سعداء جداً».

وفي وقت سابق، قال الرئيس الأميركي إن «التوصل إلى اتفاق بات قريباً»، مشدداً على أن «إيران لا يمكن السماح لها بامتلاك سلاح نووي».

دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل إعلام على متن طائرة الرئاسة الأميركية بعد مغادرته أبوظبي (أ.ف.ب)

«صعبة لكنها مفيدة»

أكدت مصادر دبلوماسية إيرانية وغربية أن المفاوضات الجارية في سلطنة عمان، منذ أبريل (نيسان) 2025، والتي بلغت جولتها الرابعة، شهدت تطورات وُصفت بأنها «صعبة ولكنها مفيدة».

واستضافت إسطنبول، الجمعة، جولة جديدة من المحادثات بين إيران والثلاثي الأوروبي (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) لمناقشة المسار التفاوضي. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب أبادي، بعد المحادثات: «تبادلنا وجهات النظر بشأن آخِر ما وصلت إليه المباحثات غير المباشرة، وسنلتقي مجدداً، إذا لزم الأمر». وأكد أن بلاده مستعدة للشفافية في برنامجها النووي، مقابل رفع العقوبات.

في المقابل، نفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن تكون طهران قد تسلّمت مقترحاً أميركياً مكتوباً حتى الآن. وقال، من طهران: «حتى هذه اللحظة لم نتلق أي عرض أو نص مكتوب، مع أنه من الممكن لاحقاً أن يُنقل لنا شيء عبر الوسيط العماني». وأوضح أن طهران قدمت مقترحات مكتوبة، لكنها لم تتسلم رداً مقابلاً.

«على عتبة النووي»

وحذّرت واشنطن من وصول البرنامج الإيراني إلى عتبة السلاح النووي. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن «الولايات المتحدة تُواجه لحظة حاسمة مع إيران»، مشيراً، في مقابلة من تركيا، إلى أن إيران باتت على بُعد خطوات بسيطة من امتلاك سلاح نووي، بعد تجاوزها نسبة التخصيب إلى 60 في المائة.

وأضاف روبيو: «إذا قررت إيران التحرك نحو التسليح، فيمكنها تحويل الـ60 في المائة إلى 90 في المائة بسرعة... وهذا يضعها على عتبة السلاح النووي»، مضيفاً أن البرنامج الإيراني يشكّل خطراً «أقرب مما يجعلنا نشعر بالراحة».

كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد أكدت، في تقريرٍ صدر في مارس (آذار) الماضي، أن إيران رفعت مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة من 182 كغم إلى 275 كغم، ما يعادل أكثر من 600 رطل.

وقال روبيو أيضاً إن ترمب يريد لإيران أن تكون دولة «سلمية ومزدهرة»، مضيفاً: «في النهاية، القرار بيد شخص واحد، وهو المرشد الأعلى في إيران، وآمل أن يختار طريق السلام والازدهار، لا طريق الدمار، وسنرى كيف ستسير الأمور».

عراقجي يتحدث للصحافيين على هامش اجتماع الحكومة (الرئاسة الإيرانية)

«غير قابل للتفاوض»

وحاولت إيران تحريك المياه الراكدة، وأعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لم تتلقّ، حتى هذه اللحظة، أي عرض أو نص مكتوب (للاتفاق من الجانب الأميركي)، مع أنه من الممكن لاحقاً أن يُنقل لنا شيء عبر الوسيط العماني.

ونقلت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، عن عراقجي أن طهران «خلال المفاوضات سلّمت مواقف، مرة أو مرتين بشكل مكتوب للطرف العماني، ولكن لم يجرِ تسلم أي وثيقة منها».

بدوره، قال رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قالیباف، على هامش مؤتمر اتحاد برلمانات الدول الإسلامية في إندونيسيا: «معركتنا مع أميركا وإسرائيل معركة مقدسة تقوم على مفهوم الحق والباطل». وأضاف: «يجب أن تكون جهود الشعوب الإسلامية ضد إسرائيل ذكية جداً».

ومع الإشارة إلى الجولة الجديدة من المفاوضات بين واشنطن وطهران، قال قاليباف: «إيران لن تسعى أبداً إلى تصنيع سلاح نووي، لكننا نستخدم هذا العلم في مجالات الطب، والبيئة، والزراعة وغيرها».

وتابع: «استخدام الطاقة النووية حق لنا، ونستخدمه في الصناعة الوطنية، ونعتقد أن هذه القدرة يجب أن تكون لجميع دول العالم الإسلامي».

وأكدت إيران، الأربعاء، أنها لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية، وأن برنامجها النووي لأغراض سلمية بحتة. وقال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي إن «أهداف إيران في مجال التكنولوجيا النووية شفافة وسلمية تماماً»، مكرراً أن تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة لا يعني نية عسكرية.

آلية الزناد

بالتزامن مع هذه التطورات، بحثت فرنسا وبريطانيا وألمانيا إمكانية تفعيل آلية «العودة السريعة» أو «الزناد»، المنصوص عليها في اتفاق 2015، والتي تتيح إعادة فرض العقوبات الأممية على إيران، في حال خرقها بنود الاتفاق.

وحذر عراقجي من هذه الخطوة، قائلاً إنها «ستخلق أزمة انتشار نووي تمس أوروبا بشكل مباشر»، وكتب، في مقال له بمجلة «لو بوان» الفرنسية، أن إيران «مستعدة لفتح فصل جديد مع أوروبا إذا اختار الغرب مسار التفاهم بدل التصعيد».

وكان ممثل المرشد الإيراني علي خامنئي في محافظة جيلان، رسول فلاحتی، قد قال إن «إيران من أقوى الدول في المنطقة، ويجب على الشعب أن يفتخر بأن ترمب، الذي هيمن على العالم، عاجز أمام عظمتنا».

وأضاف: «هناك من يفكر مثل الملوك القدامى ويقول إنه لا ينبغي لنا امتلاك الطاقة النووية»، على حد تعبيره.

كما عَدَّ ممثل خامنئي في محافظة قم، محمد سعيدي، أن «التمسك بالتخصيب يحمل رسالة واضحة للعالم، ويُظهر أن إيران، رغم الضغوط الخارجية، لن تتنازل أبداً عن حقها المشروع في هذا المجال».

وأكد ترمب، في عدة محطات من جولته الخليجية، أن «الضغوط القصوى» ستستمر، وأن بلاده لا تستبعد أي خيار، بما فيه العسكري، إذا لم تثمر المفاوضات، لكنه أشار، في المقابل، إلى أن واشنطن قدمت لطهران «غصن زيتون»، وأن العرض الأميركي «لن يبقى قائماً إلى الأبد».


مقالات ذات صلة

ترمب يهنئ منتخب أميركا بالفوز العريض على باراغواي في المونديال

رياضة عالمية ترمب يهنئ منتخب أميركا بالفوز العريض على باراغواي في المونديال

ترمب يهنئ منتخب أميركا بالفوز العريض على باراغواي في المونديال

هنأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب منتخب بلاده بعد الفوز العريض على باراغواي بنتيجة 4 / 1 في افتتاح مشوار الفريقين ببطولة كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

ترمب سيحضر الأربعاء عشاء في قصر فرساي

يستضيف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره الأميركي دونالد ترمب على مأدبة عشاء في قصر فرساي، الأربعاء

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، يستمر الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

تحليل إخباري 4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

يميل الخبراء في واشنطن إلى الاعتقاد بأنَّ الاتفاق المرتقب مع إيران سيبقي 4 عقد أساسية معلقةً دون تسوية حاسمة وواضحة.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جيمس تالاريكو خلال لقاء انتخابي في سان أنتونيو (أ.ف.ب)

الديمقراطي جيمس تالاريكو يفرض نفسه منافساً جدياً في تكساس «قلعة الجمهوريين»

يخوض المرشحان الديمقراطي والجمهوري سباقاً حقيقياً للفوز بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس.

«الشرق الأوسط» (سان أنتونيو)

«اتفاق إيران» الإلكتروني على الأبواب


صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
TT

«اتفاق إيران» الإلكتروني على الأبواب


صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب

أصبح التوقيع الإلكتروني على «اتفاق إيران» على الأبواب بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس ‌في ‌منشور على «تروث سوشيال»، أنه من المقرر ‌توقيع ‌الاتفاق اليوم (الأحد)، وأن ‌مضيق هرمز سيصبح «مفتوحاً للجميع» فور اكتمال التوقيع.

كما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أن واشنطن وطهران توصلتا إلى «نص نهائي لمذكرة التفاهم بينهما»، وقال في منشور على «إكس»، السبت: «أصبحنا أقرب إلى الاتفاق من أي وقت مضى، مع توقع إتمامه خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف أن باكستان تستعد الآن للتوقيع إلكترونياً على الاتفاق الإطاري الذي ستعقبه محادثات فنية خلال أسبوع.

لكن متحدثاً من «الخارجية الإيرانية»، قال: «علينا الانتظار لمعرفة الموعد المحدد للتوقيع الذي لن يكون غداً (الأحد)»، مرجحاً حصوله في الأيام المقبلة.

في الأثناء نقلت «رويترز» عن مسؤول في الإدارة الأميركية قوله إن واشنطن توصلت إلى «اتفاق قوي» مع إيران، وإنها ‌ستشارك في فتح مضيق هرمز عبر ‌إزالة الألغام بمجرد اكتمال التوقيع.


4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
TT

4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)

يميل الخبراء في واشنطن إلى الاعتقاد بأنَّ الاتفاق المرتقب مع إيران سيبقي 4 عقد أساسية معلقةً دون تسوية حاسمة وواضحة.

وتتعلق العقبة الأولى بتسلسل الخطوات في تنفيذ الاتفاق: هل تفتح إيران المضيق أولاً، أم تخفِّف واشنطن حصارها البحري وتفرج عن بعض الأموال المُجمَّدة؟

طهران تطالب بمكاسب اقتصادية مبكرة، بما في ذلك أموال مجمَّدة وتخفيف للعقوبات، بينما تصرُّ واشنطن على ألا تحصل إيران على فوائد ملموسة قبل تنفيذ التزامات واضحة. هذه النقطة حساسة سياسياً للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سبق أن انتقد بشدة أي إفراج مالي مبكِّر لإيران في الاتفاقات السابقة.

أما العقبة الثانية، فهي الملف النووي نفسه. الاتفاق الأولي يكتفي غالباً بتعهُّد عام من إيران بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، لكنه لا يحسم مستقبل التخصيب، ولا مصير المخزون العالي التخصيب، ولا آليات التفتيش. وهذا ما يثير خشية من أن تتحوَّل مهلة الـ60 يوماً إلى فرصة لإيران لإعادة ترتيب أوراقها لا إلى مسار تفكيك حقيقي.

العقبة الثالثة تتصل بالصواريخ والمسيّرات والوكلاء الإقليميِّين. فبحسب مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي والباحث في معهد واشنطن، يبدو أنَّ الاتفاق يقوم على مقايضة مركزية: فتح «هرمز» مقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.

لكن سينغ يرى أن الاتفاق على الأرجح لا يعالج برنامج الصواريخ والمسيّرات إلا بصورة محدودة، ولا يتضمَّن أكثر من إعلان نيات بشأن الملف النووي، تاركاً القضايا الأوسع إلى مفاوضات لاحقة.

ويبقى لبنان العقدة الرابعة. فإيران تريد إدخال وقف الحرب هناك ضمن التسوية، بما يشمل «حزب الله» والوجود الإسرائيلي في الجنوب. لكن هذا يضع واشنطن أمام معضلة: كيف تمنع انهيار الاتفاق من دون أن تظهر كأنها تقيِّد حرية إسرائيل في مواجهة «حزب الله»؟

إسرائيل قلقة من اتفاق ناقص

وتبدو إسرائيل الطرف الأكثر تشككاً في الاتفاق المرتقب. فبالنسبة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لم تكن الحرب على إيران تهدف فقط إلى وقف التصعيد في «هرمز»، بل إلى ضرب البرنامج النووي، وتقييد الصواريخ، وإضعاف شبكة الوكلاء، وربما تغيير ميزان القوة داخل إيران نفسها. لذلك، فإنَّ اتفاقاً يوقف الحرب من دون تحقيق هذه الأهداف سيبدو في الداخل الإسرائيلي تنازلاً كبيراً.

وقد أبلغ ترمب رئيسَ الوزراء بنيامين نتنياهو، وفق ما نُقل عن مسؤولين أميركيين، أنَّ الاتفاق قريب، وأنَّ «وقت إنهاء الحرب» قد حان.

لكن القبول الإسرائيلي يبدو اضطرارياً أكثر منه اقتناعاً. فوزير الدفاع، يسرائيل كاتس، شدَّد على أنَّ إسرائيل تحتفظ بحقها في العمل منفردة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، كما أكد أنَّها لن تنسحب تلقائياً من مواقع في لبنان لمجرد أنَّ الاتفاق الأميركي ـ الإيراني يتضمَّن وقفاً للتصعيد هناك.

ويرى روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن في الندوة نفسها، أن لبنان كان الساحة التي حاولت إيران استخدامها لدق إسفين بين واشنطن وتل أبيب، عبر ربط مسار «حزب الله» بالمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. وبحسب تقديره، فإنَّ اتفاقاً محدوداً يقتصر على تمديد وقف النار وحل مسألة «هرمز» سيترك أسئلةً جوهريةً بلا إجابة، وسيُشكِّل مشكلةً سياسيةً وأمنيةً كبرى لنتنياهو.

عراقجي يتسلم رسالةً نقلها وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران (الخارجية الإيرانية)

اتفاق لا يحسم جوهر الأزمة

المطروح حتى الآن ليس اتفاقاً شاملاً ينهي أسباب الحرب، بل مذكرة تفاهم تفتح مرحلةً تفاوضيةً جديدةً. فالصيغة المتداولة تقوم على وقف القتال، وإعادة فتح مضيق «هرمز» أمام الملاحة، وتراجع الولايات المتحدة عن حصارها البحري للموانئ والتجارة الإيرانيتَّين، على أن تبدأ بعد ذلك مفاوضات تمتد نحو 60 يوماً حول البرنامج النووي والعقوبات والضمانات المطلوبة.

وتقول واشنطن إنَّ الاتفاق يجب أن يتضمَّن تعهداً إيرانياً بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، مع التزام لاحق بتفكيك عناصر البرنامج النووي، والتخلص من مخزون اليورانيوم العالي التخصيب. لكن طهران تبدو حريصةً على ترك الملفات النووية الأكثر حساسية إلى المرحلة النهائية، بما يمنحها هامشاً للمناورة. لذلك، فإنَّ التفاؤل بقرب التوقيع لا يعني أنَّ الخلافات انتهت، بل إنَّ الطرفين توصَّلا إلى صيغة تؤجِّل الأصعب.


«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
TT

«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)

أعلن حزب «العمال الكردستاني» تمسكه بإطلاق سراح زعيمه السجين عبد الله أوجلان، والاعتراف القانوني بالهوية الكردية، كشرطين أساسيين لتحقيق السلام مع تركيا، ورفض التركيز على قضية نزع أسلحة الحزب من جانب واحد، مؤكداً أن الأمر يتطلب تنازلات سياسية شاملة من الدولة.

وبينما يتصاعد النقاش في تركيا بشأن «قانون إطاري» مقترح لـ«عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، أو ما تطلق عليها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب»، أكد عضو اللجنة التنفيذية في منظومة «المجتمع الكردستاني» (الكيان الجامع للتنظيمات الكردية، بما فيها «العمال الكردستاني») القائد العام لـ«قوات الدفاع الشعبي» (الجناح العسكري للحزب)، مراد كارايلان، أن إطلاق سراح أوجلان والاعتراف القانوني بالهوية الكردية شرطان أساسيان لتحقيق السلام مع تركيا.

شرطان أساسيان

ورفض كارايلان في تصريحات لـ«وكالة أنباء فرات» القريبة من الحزب، نقلتها وسائل إعلام تركية السبت، فكرة أن يقوم حزب «العمال الكردستاني» بنزع أسلحته من جانب واحد دون تقديم تنازلات سياسية شاملة من جانب الدولة التركية.

القيادي في حزب «العمال الكردستاني» مراد كارايلان (رويترز)

وقال: «يجب أولاً إطلاق سراح (القائد آبو/ أوجلان)»، لافتاً إلى ضرورة توضيح وضعه، بشكل جذري، قبل إحراز أي تقدم في مفاوضات السلام؛ لأن أي تسوية جديدة تتطلب أن يتولى دور «المفاوض الرئيسي» والمحاور الأساسي فيها.

وأضاف: «لكي يتم إلقاء السلاح، يجب أن يقود أوجلان بنفسه هذه العملية، أو بعبارة أخرى، يجب أن يكون حراً»، رافضاً في الوقت ذاته التركيز الضيق على عملية نزع السلاح، وحذر من أن الحزب لن يقبل تشريعات تقوم على هذا الأمر فقط.

ولم تقتصر مطالب «العمال الكردستاني»، التي عبر عنها كارايلان، على مصير أوجلان فقط؛ إذ أكد أن التوصل إلى حل دائم يتطلب تحولاً جذرياً في عقلية الدولة التركية، مطالباً بالاعتراف القانوني المكتوب بوجود الشعب الكردي ضمن قوانين الجمهورية.

مجموعة من عناصر حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في جبل قنديل بشمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)

وأشار كارايلان إلى أنه إذا أوفت تركيا بالشرطين الأساسيين (تحرير أوجلان والاعتراف القانوني بالأكراد)، فإن حزب «العمال الكردستاني» سينظر حينها في «قانون اندماج ديمقراطي» من شأنه أن يُسهل عملية الحل.

ووصف الوضع الجيوسياسي الراهن بأنه «عملية استثنائية» سيُحدد فيها مصير الشعب الكردي خلال السنوات القليلة المقبلة، مشيراً إلى ضرورة صياغة استراتيجية موحدة للفصائل الكردية لمنع القوى الخارجية من فرض مخططات إقليمية غير مرغوب فيها.

ولفت كارايلان إلى تصريحات أوجلان السابقة، التي نقلها وفد «إيمرالي» التابع لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد، والتي قال فيها: «لا ينبغي لأحد أن يسيء فهم الأمر؛ لم نتوصل إلى اتفاق مع أي طرف. إنها عملية نضال».

تحدٍّ للحكومة التركية

وتشكل تصريحات كارايلان تحدياً للحكومة التركية؛ لأن الاعتراف القانوني بالهوية الكردية والإفراج عن شخصية مدانة بتهمة «الخيانة والانفصالية» (أوجلان)، من شأنهما أن يُثيرا ردود فعل داخلية عنيفة، لا سيما من القوميين، في وقت يقترب فيه موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في 2028، والتي قد يجري تقديم موعدها لتجرى مبكراً في خريف 2027.

أفادت تقارير باستعجال إردوغان وضع اللوائح القانونية المتعلقة بعملية السلام قبل العطلة الصيفية للبرلمان (الرئاسة التركية)

في الوقت ذاته، ذكرت تقارير صحافية تركية أن الرئيس رجب طيب إردوغان أصدر تعليمات بالتحرك لوضع التشريعات الخاصة بعملية «تركيا خالية من الإرهاب» (السلام)، قبل عطلة البرلمان الصيفية التي تبدأ في يوليو (تموز) المقبل.

وكشفت التقارير نقلاً عن مصادر بالحكومة أن عملية تسليم كهوف وأسلحة حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق قد استؤنفت، وأن اجتماعاً عُقد في سجن «إيمرالي» بين مسؤولين في الحكومة وأوجلان.

وحسب المصادر، فإن اللوائح القانونية المقترحة، التي لا تشمل سوى أعضاء حزب «العمال الكردستاني»، قد تتحول إلى «عفو عام»؛ نظراً لانتهاكها مبدأ المساواة؛ إذ إنه من المستحيل تجنب قيام المحكمة الدستورية بإلغاء «القانون الإطاري» إذا لم يتم تطبيقه على جميع السجناء، ما يعني إطلاق سراح المدانين بجرائم قتل النساء والاغتصاب، ومرتكبي الاعتداءات على الأطفال، والمحتالين، وأعضاء حركة «الخدمة» التابعة للداعية الراحل فتح الله غولن، المتهمة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وهو ما سيكون أسوأ رسالة يمكن توجيهها قبل الانتخابات.

نزع الأسلحة كأساس

ورداً على مطالبات الجانب الكردي بتسريع وضع «القانون الإطاري»، قال رئيس البرلمان نعمان كورتولموش إنه لتسريع العملية يتعين على أجهزة الأمن تفعيل آليات رقابة قابلة للقياس والتحقق من نزع أسلحة «المنظمة الإرهابية» (حزب العمال الكردستاني)، ثم استكمال العملية بإقرار القوانين اللازمة في البرلمان.

رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش (حساب البرلمان في «إكس»)

وأضاف كورتولموش، في تصريحات، أن تقدماً أُحرز في العملية، وأن المسألتين اللتين كانتا تشكلان عقبتين أمام «العمال الكردستاني» في عملية إلقاء السلاح قد أُزيلتا، وهما اندماج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في مؤسسات الدولة السورية، وعدم تنفيذ مشروع تسليح «حزب الحياة الحرة الكردستاني» (بيجاك)، للمشاركة في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ولفت إلى أنه سيعقد لقاء مع رئيس المخابرات التركية، إبراهيم كالين، للاستماع مباشرة إلى آخر المستجدات والمعلومات المتوفرة لديه حول نزع أسلحة «العمال الكردستاني».