إردوغان يؤكد المُضي نحو دستور جديد لتركيا ويؤيد الحوار مع أوجلان

اتهم المعارضة بـ«تسميم الديمقراطية»... ولمح لبقاء حزبه في السلطة حتى 2071

إردوغان متحدثاً أمام المؤتمر العام الثامن لحزب «العدالة والتنمية» في أنقرة الأحد (الرئاسة التركية)
إردوغان متحدثاً أمام المؤتمر العام الثامن لحزب «العدالة والتنمية» في أنقرة الأحد (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان يؤكد المُضي نحو دستور جديد لتركيا ويؤيد الحوار مع أوجلان

إردوغان متحدثاً أمام المؤتمر العام الثامن لحزب «العدالة والتنمية» في أنقرة الأحد (الرئاسة التركية)
إردوغان متحدثاً أمام المؤتمر العام الثامن لحزب «العدالة والتنمية» في أنقرة الأحد (الرئاسة التركية)

جدَّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عزمه وضع دستور جديد للبلاد، وأعطى، من جهة أخرى، إشارة إلى المُضي قدماً في الحوار مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان.

وقال إردوغان إنه سيجري هدم جدار الإرهاب من خلال اتحاد الأتراك والأكراد والعرب، معرباً عن أمله في أن ينتهي الإرهاب والعنف بشكل كامل في تركيا، والمنطقة برُمتها قريباً. وأضاف أن «تركيا بحاجة للتخلص من مشاكلها، وخاصة آفة الإرهاب، بينما يجري إنشاء عالم جديد، وسنتوحد أتراكاً وأكراداً وعرباً ونهدم جدار الإرهاب المشيَّد على دماء أبنائنا منذ 40 عاماً».

وشدد إردوغان، في خطاب، خلال المؤتمر العام العادي الثامن لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم، الذي أقيم في صالة الألعاب الرئاسية بأنقرة، الأحد، على أنه لا يمكن لأي دولة ديمقراطية أن تتسامح مع أسلحة الإرهاب أو تنظيماته السياسية أو امتداداته التي تظهر تحت ستار مجتمع مدني، ولا يمكن للإرهاب والسياسة، أو الإرهاب والديمقراطية أن يتعايشا معاً.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

دعم الحوار مع أوجلان

وقال إردوغان إن مبدأ «تركيا خالية من الإرهاب» هو تعبير عن إجماع وطني واسع النطاق يحظى بدعم كامل من المواطنين. وأثنى على المبادرة التي أطلقها حليفه رئيس حزب «الحركة القومية»، شريك حزب «العدالة والتنمية» في «تحالف الشعب»، دولت بهشلي، للحوار مع أوجلان، المسجون مدى الحياة في تركيا، ودعوته إلى إصدار نداء لحل الحزب وإلقاء أسلحته، وإعلان انتهاء مشكلة الإرهاب في تركيا. وأضاف إردوغان: «لقد كتب حزب (الحركة القومية) والسيد بهشلي، تحت سقف (تحالف الشعب)، اسميهما في التاريخ السياسي التركي بمواقفهما الرائدة في حل المشاكل المزمنة في بلدنا»، لافتا إلى أنه بمجرد القضاء على مشكلة الإرهاب، ستفتح أبواب عصر جديد، من الديمقراطية إلى التنمية، ومن الأخوة إلى التكامل الإقليمي.

مشاركة واسعة في المؤتمر الثامن لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم بتركيا الأحد (الرئاسة التركية)

وقال إن حزب «العدالة والتنمية» نجح، على مدى أكثر من 23 عاماً من حكمه للبلاد، في جعل جميع الفئات؛ من السنة المحافظين إلى العلويين، ومن الأكراد إلى الغجر، وكل المجموعات التي كانت مهمّشة في تركيا بالأمس، جزءاً لا يتجزأ من تركيا العظيمة والقوية.

الدستور الجديد

وتطرَّق إردغان، مجدداً، إلى مسألة وضع دستور جديد لتركيا، قائلاً: «إننا نحافظ على هدفنا المتمثل في تتويج ديمقراطيتنا بدستور جديد مدني وشامل».

وسبَقَ أن أكد إردوغان، أكثر من مرة كذلك عقب إعادة انتخابه رئيساً لتركيا في مايو (أيار) 2023، أن تركيا بحاجة إلى دستور مدني ليبرالي ديمقراطي شامل يخلصها من دساتير الانقلاب.

وفي المقابل، تقول المعارضة ومنتقدو إردوغان إن هدفه من وضع دستور جديد هو فتح الطريق أمامه الترشح لرئاسة البلاد، بعدما أصبح لا يحقُّ له، بموجب الدستور الحالي، الترشح مجدداً.

جانب من لقاء رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي مع وفد «الديمقراطية والمساواة للشعوب» الذي يتولى الحوار مع عبد الله أوجلان عقب لقائه به في محبسه (موقع حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب)

وكان بهشلي، الحليف الأوثق لإردوغان حالياً، قد أكد، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، صراحةً، أنه سيجري وضع دستور جديد لتركيا، وأن هدفه سيكون فتح الطريق لإردوغان للبقاء رئيساً في ظل النظام الرئاسي الذي طُبّق عام 2018.

هجوم على المعارضة

ولم يخلُ خطاب إردوغان من الهجوم على المعارضة، واتهامها بالتعاون مع المنظمات الإرهابية والقوى الخارجية من أجل الوصول إلى السلطة، قائلاً إن ذلك وضع البلاد، وجهاً لوجه، مع مشكلة «الديمقراطية السامة»، التي واجهناها، بشكل خطير، خاصة في الانتخابات الأخيرة (مايو 2023).

إردوغان خلال افتتاح المؤتمر الثامن لحزب «العدالة والتنمية» في أنقرة الأحد (الرئاسة لتركية)

وعَدَّ إردوغان أن حزبه، الذي وصفه بأنه منظمة سياسية تمكنت من التجديد والتغيير والتطوير والارتقاء باستمرار منذ تأسيسها قبل 24 عاماً، كان هو الحل لكل قضية تواجه تركيا وشعبها، وأن الحزب و«تحالف الشعب» (أحزاب «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية» و«الوحدة الكبرى» و«هدى بار»)، ونظام الحكم الرئاسي، الذي طُبّق عام 2018 ويواجه انتقادات حادة بوصفه سبباً للمشاكل التي تواجهها تركيا، وخاصة المشاكل الاقتصادية، تشكل العقبة الكبرى أمام الوصاية وعدم الاستقرار السياسي والديمقراطية السامة.

تجديد «العدالة والتنمية»

ولفت إردوغان إلى استمرار التجديد في حزب «العدالة والتنمية»، عبر تغيير 3 أرباع رؤساء فروعه في الولايات، ونحو ثلثيْ رؤساء الفرع في المناطق خلال المؤتمر العادي الثامن، الذي أعيد فيه تنصيبه رئيساً للحزب لأنه كان المرشح الوحيد لرئاسته.

وشهد المؤتمر أيضاً تغييراً واسعاً في المجلس التنفيذي المركزي للحزب، بإضافة 39 عضواً جديداً؛ بينهم لاعب كرة القدم المشهور، الألماني من أصل تركي، مسعود أوزيل، والذي لعب بقميص منتخب ألمانيا حتى اعتزاله.

ولمح إردوغان إلى وضع استراتيجية لحزب «العدالة والتنمية» حتى عام 2071، مطالباً فرعَي النساء والشباب بالحزب بالعمل على حشد الشعب التركي وراء «رؤية 2053» أولاً، ثم 2071.

ووجّه حزب «العدالة والتنمية» الدعوة إلى 9 أحزاب لحضور المؤتمر العام، وهي الأحزاب المشارِكة معه في «تحالف الشعب» (الحركة القومية والوحدة الكبرى وهدى بار)، إلى جانب 6 أحزاب معارضة هي: «الشعب الجمهوري»، و«الجيد»، و«السعادة»؛ وهي من أحزاب البرلمان، و«الرفاه من جديد»، و«اليسار الديمقراطي»، و«الوطن»، وهي من الأحزاب غير الممثلة بالبرلمان.

لم يجرِ توجيه الدعوة إلى باباجان وداود أوغلو لحضور مؤتمر حزب «العدالة والتنمية» (موقع حزب المستقبل التركي المعارض)

ولم يوجه الحزب الدعوة إلى حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيِّد للأكراد، وهو ثالث أكبر أحزاب البرلمان، وحزبَي «الديمقراطية والتقدم» برئاسة على باباجان، و«المستقبل» برئاسة أحمد داود أوغلو، وهما من رفاق درب إردوغان منذ تأسيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في 2001، قبل الانشقاق عنه بعد نحو 20 عاماً؛ لاختلافهما مع إردوغان في أسلوب إدارته للحزب والبلاد.

حضر المؤتمر ممثلون عن 98 سفارة، من أصل 139 سفارة في تركيا، وكان 62 من المشاركين سفراء، و34 ممثلين للبعثات الأجنبية.


مقالات ذات صلة

تركيا: حديث عن تصنيف عناصر «الكردستاني» لدمجهم في «عملية السلام»

شؤون إقليمية مسلحون من حزب «العمال الكردستاني» في جبل قنديل بشمال العراق (رويترز)

تركيا: حديث عن تصنيف عناصر «الكردستاني» لدمجهم في «عملية السلام»

كشفت مصادر تركية عن توجه إلى تصنيف عناصر حزب «العمال الكردستاني» إلى 4 فئات لتحقيق الاندماج في إطار «عملية السلام».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أكراد يحتفلون بعيد «نوروز» في ديار بكر جنوب شرقي تركيا السبت رفعوا صورة كبيرة لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان وهو يقرأ رسالة طالب فيها بحل الحزب ونزع أسلحته في 27 فبراير 2025 (حساب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب - «إكس»)

أوجلان يؤكد على «السلام» بتركيا ويرى فرصة لتجاوز فوضى الشرق الأوسط

جدد زعيم حزب العمال الكردستاني السجين في تركيا عبد الله أوجلان تأكيده استمرار عملية السلام التي بدأت بدعوته العام الماضي لحل الحزب وإلقاء أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية حزب «العمال» الكردستاني يلوِّح بعودة مسلحيه إلى نشاطهم حال عدم اتخاذ تركيا خطوات جادة في إطار عملية السلام (أ.ب)

«العمال» الكردستاني يحذر تركيا من تحول مسار السلام

لوَّح حزب «العمال» الكردستاني بإمكانية تحول مسار عملية السلام بتركيا ما لم تتخذ حكومتها خطوات لإيجاد حل جذري للقضية الكردية، والإفراج عن زعيمه عبد الله أوجلان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد في رسالة تهنئة بعيد الفطر المضي قدماً في عملية السلام مع الأكراد (الرئاسة التركية)

إردوغان يؤكد عزم تركيا على المضي في «عملية السلام» مع الأكراد

أكد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، عزم بلاده على المضي قدماً في عملية السلام مع الأكراد التي تمر عبر حل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية احتشد آلاف الأتراك في ميدان ساراتشهانه أمام مبنى بلدية إسطنبول ليل الأربعاء - الخميس في ذكرى اعتقال رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو مطالبين بإطلاق سراحه (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: المعارضة تتعهد هزيمة إردوغان في الانتخابات المقبلة

تعهدت المعارضة التركية انتزاع السلطة من الرئيس رجب طيب إردوغان في أول انتخابات مقبلة وحل مشاكل البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تركيا تفاوض دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من عوائل «داعش» في «روج»

اثنتان من زوجات عناصر «داعش» خلف أسوار مخيم «روج» شمال شرقي سوريا (أ.ب)
اثنتان من زوجات عناصر «داعش» خلف أسوار مخيم «روج» شمال شرقي سوريا (أ.ب)
TT

تركيا تفاوض دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من عوائل «داعش» في «روج»

اثنتان من زوجات عناصر «داعش» خلف أسوار مخيم «روج» شمال شرقي سوريا (أ.ب)
اثنتان من زوجات عناصر «داعش» خلف أسوار مخيم «روج» شمال شرقي سوريا (أ.ب)

كشفت مصادر تركية عن مفاوضات مع دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من الجنسية التركية من مخيم «روج» في الحسكة شمال شرقي سوريا خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت تقارير بأنه بعد إخلاء مخيم الهول يُزعم أن نساءً وأطفالاً أتراكاً انضموا إلى تنظيم «داعش» بدأوا الوصول إلى تركيا، وأن بعض النساء عبرن الحدود مع أطفالهن بطريقة غير شرعية، بينما تسعى أخريات للاستفادة من «قانون التوبة الفعال» بعد التعاقد مع محامين داخل تركيا.

وبحسب التقارير التي تداولتها وسائل إعلام تركية، فإن معظم النساء موجودات في إدلب، وبعضهن عبرن الحدود، وأخريات سلمن أنفسهن وعبرن عن رغبتهن في الاستفادة من قانون «التوبة الفعالة» والإدلاء بمعلومات عن بنية تنظيم «داعش» ونشاط أعضائه في سوريا.

مفاوضات مع دمشق

وذكرت صحيفة «كيسة دالغا» أنه نتيجة للمفاوضات بين أنقرة ودمشق، ستعيد السلطات التركية أكثر من 250 امرأة من زوجات عناصر «داعش» وأطفالهن المحتجزين في مخيم «روج» خلال الأشهر المقبلة.

اثنتان من زوجات عناصر «داعش» خلف أسوار مخيم «روج» شمال شرقي سوريا (أ.ب)

وتم تسليط الضوء على مخيم «روج» الذي يضم زوجات وأرامل «داعش» وأطفالهن، بعد دخول القوات الحكومية السورية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي شمال شرقي البلاد، وسيطرتها على مخيم الهول من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وإغلاقه ونقل قاطنيه الأجانب إلى العراق.

ويقع مخيم «روج»، الذي يعد ثاني أخطر مخيم بعد «الهول»، في أقصى شمال شرقي سوريا بالقرب من المثلث الحدودي الواصل بين تركيا والعراق وسوريا.

ويتميز بأن قاطنيه من النساء اللواتي تزوجن مسلحين قاتلوا في صفوف «داعش» لسنوات، وبعضهن لعبن أدواراً قيادية في «جهاز الحسبة»، الذراع الأمنية النسائية ذائعة الصيت آنذاك وكانت تتبع التنظيم الإرهابي، لينتهي بهنّ المطاف للعيش في هذا المخيم المغلق ورعاية أطفال غالبيتهم يتامى.

لفت تقرير لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى ضرورة إنقاذ الأطفال الموجودين في مخيم «روج» (أ.ف.ب)

وبحسب خبراء الأمم المتحدة، يضم مخيم روج نحو 3 آلاف امرأة وطفل، ويشكل الأطفال ما نسبته 65 في المائة من قاطنيه، كما أن أكثر من 850 طفلاً من الذكور محرومون من حريتهم في السجون وغيرها من مرافق الاحتجاز الأخرى، بما في ذلك ما يُعرَف بمراكز إعادة التأهيل، في جميع أنحاء شمال شرقي سوريا، بحسب تقرير لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ومقرها جنيف، صدر في فبراير (شباط) 2023.

ودعا خبراء الأمم المتحدة جميع الدول والجهات الفاعلة الأخرى في شمال شرقي سوريا إلى ضمان حماية هؤلاء الأطفال ومصلحتهم.

برامج للتأهيل

وفي تركيا، قال رئيس المرصد الدولي للتطرف، الدكتور حلمي دمير: «على حد علمي، لا توجد لدينا بيانات تشير إلى وجود برنامج لإعادة تأهيل أو نزع التطرف يُنفذ في تركيا للنساء والأطفال المنتمين لتنظيم (داعش)».

تعيش زوجات وأطفال مسلحي «داعش» ظروفاً قاسية في مخيم «روج» شمال شرقي سوريا (أ.ب)

وأضاف أنه على علم ببعض الدراسات التي أجرتها هيئة الشؤون الدينية ووزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية حول هذه القضية، استناداً إلى تقارير إخبارية، لكنه لا يملك أي معلومات تفيد بتنفيذ برنامج لنزع التطرف مع عدد محدد من النساء والأطفال، على مدى فترة زمنية محددة، ويتضمن بيانات واضحة وقابلة للتحقق.

وبرامج نزع التطرف هي استراتيجيات وقائية وعلاجية تهدف إلى إعادة تأهيل الأفراد المتطرفين أو المعرضين للخطر، وتعزيز صمودهم أمام الفكر المتطرف العنيف، وتشمل إعادة الدمج الاجتماعي، والتعليم الرقمي، والحوار.

استعادة «داعشيين» من العراق

في سياق متصل، أعلنت السلطات العراقية أن أنقرة وافقت على تسلم أتراك من بين آلاف المعتقلين المنتمين لتنظيم «داعش» الذين نقلوا إلى العراق من سوريا بعد إغلاق معسكرات وسجون عناصر التنظيم هناك.

تنفيذ عمليات نقل لعناصر «داعش» من شمال شرقي سوريا إلى العراق في فبراير الماضي (رويترز)

واستقبل العراق معتقلين في عملية جرى تنظيمها بالتنسيق مع الولايات المتحدة، عقب انسحاب «قسد» وإغلاقها معسكرات وسجوناً ظلت تؤوي أشخاصاً يشتبه في انتمائهم لتنظيم «داعش» لما يقرب من عقد.

وأعلنت بغداد أنها ستحاكم المشتبه بهم بتهم تتعلق بـ«الإرهاب»، وفقاً للنظام القضائي العراقي، لكنها دعت مراراً دولاً أخرى إلى تسلم رعاياها من هؤلاء المعتقلين.

وقال مصدر دبلوماسي تركي، الشهر الماضي، إن أنقرة تقدر الجهود الأخيرة التي بذلتها بغداد لنقل أكثر من 5 آلاف و700 معتقل من تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق.

وأضاف: «يبدو أن هناك مواطنين أتراكاً بين هؤلاء المعتقلين... تركيا مستعدة للتعاون مع السلطات العراقية بشأن المواطنين الأتراك».

وتابع: «يجب أن تكون جهود العراق مثالاً يحتذى به للمجتمع الدولي ومن الضروري أن تستعيد جميع الدول مقاتليها الأجانب».

وتشير التقديرات إلى وجود نحو 180 تركياً من عناصر (داعش) نقلوا إلى العراق، بينهم مطلوبون لتورطهم في تفجيرات وأعمال إرهابية في تركيا.

وأدرجت تركيا تنظيم «داعش» على لائحتها للتنظيمات الإرهابية عام 2013، ونفذ التنظيم أو نسب إليه هجمات تسببت في مقتل أكثر من 300 شخص في الفترة من 2015 إلى 2017، ونفذت القوات التركية عمليات داخل تركيا وفي سوريا استهدفت القضاء على تهديداته.


خطط لإنشاء «فيلق أطلسي متعدد الجنسيات» في تركيا

نشر حلف شمال الأطلسي منظومتي «باتريوت» في تركيا لحماية مجالها الجوي مع اندلاع حرب إيران (رويترز)
نشر حلف شمال الأطلسي منظومتي «باتريوت» في تركيا لحماية مجالها الجوي مع اندلاع حرب إيران (رويترز)
TT

خطط لإنشاء «فيلق أطلسي متعدد الجنسيات» في تركيا

نشر حلف شمال الأطلسي منظومتي «باتريوت» في تركيا لحماية مجالها الجوي مع اندلاع حرب إيران (رويترز)
نشر حلف شمال الأطلسي منظومتي «باتريوت» في تركيا لحماية مجالها الجوي مع اندلاع حرب إيران (رويترز)

أكدت مصادر بوزارة الدفاع التركية وجود خطط لحلف شمال الأطلسي (ناتو) من أجل إنشاء مركز قيادة جديد متعدد الجنسيات في تركيا. ويأتي هذا بعدما نشر الحلف منظومتي «باتريوت» على الأراضي التركية بعد إسقاط صواريخ إيرانية يومي 9 و13 مارس (آذار) الحالي.

ونقلت صحيفة «جمهوريت» التركية عن مصادر، الاثنين، أن ما تردد بشأن هذا المشروع صحيح، وأنه انطلق العام الماضي، لكن لم تتخذ خطوات فعلية بعد. وذكر الكاتب بالصحيفة باريش ترك أوغلو، أن ضابطاً في حلف «الناتو» نشر معلومات عن الفيلق الجديد عبر حسابه في موقع «لينكد إن»، الذي يستخدم فيه حرفين من اسمه ولقبه «هـ. ي».

الكشف عن مشروع «الناتو»

أشار الضابط إلى أنه حضر مؤتمراً لقادة فيالق القوات البرية الأميركية (لاندكوم) يومي 29 و30 يناير (كانون الثاني) الماضي، ممثلاً عن «الفيلق متعدد الجنسيات في تركيا» لمناقشة تنفيذ خطط حلف «الناتو» الدفاعية. وكتب الضابط، الذي نشر صورة من الاجتماع: «أفتخر بالمساهمة في تأسيس (الفيلق متعدد الجنسيات التركي)، وبصفته مقراً جديداً لهيكل قوات (الناتو)، فسيؤدي دوراً محورياً في تعزيز قدرة الحلف على الردع والدفاع، وتحسين قابلية التشغيل البيني متعدد الجنسيات، ودعم الجاهزية العملياتية».

منشور لضابط في «الناتو» عبر حسابه في «لينكد إن» حول «الفيلق متعدد الجنسيات في تركيا» التابع للحلف (صحيفة «جمهوريت» التركية)

وقال ترك أوغلو: «تُظهر صورة اجتماع (الناتو)، التي نشرها ضابط في الخدمة الفعلية، الشارة التي يضعها على كتفه اليمنى... في الواقع، كتب كثير من الجنود الأجانب العاملين في (الناتو) رسائل تهنئة تحت منشور هـ. ي». وأشار إلى أن الضابط نفسه نشر في منشور آخر شعار الفيلق الجديد في تركيا، وهو عبارة عن «نسر سلجوقي برأسين يتوسطه علم تركيا» مع كلمتي: «شجاعة» و«عزم» على جانبيه. وذكر ترك أوغلو أنه توجه إلى وزارة الدفاع في البداية، عندما ترددت مزاعم بشأن المشروع، بسؤال عما إذا كان يتم إنشاء هذا الفيلق وما إذا كانت له علاقة بالتطورات في المنطقة وحرب إيران، لكن مصادر في الوزارة نفت علمها بالمشروع.

وأضاف أنه بدأ بتعميق البحث وتوصل إلى ما نشره الضابط، ثم عاود الاتصال بوزارة الدفاع، موضحاً أن الضابط «هـ. ي» نشر معلومات على شبكة تواصل اجتماعي تضم أكثر من مليار مشترك، وطلب مجدداً رداً على سؤاله، وأنه تلقى رداً هذه المرة بعد ساعات.

شعار «الفيلق متعدد الجنسيات» في تركيا التابع لـ«الناتو» الذي نشره ضابط في الحلف عبر «لينكد إن» (صحيفة «جمهوريت» التركية)

تأكيد رسمي

وقال ترك أوغلو إن مصدراً مسؤولاً بوزارة الدفاع التركية، أكد أن الوزارة وافقت على إنشاء مقر قيادة متعدد الجنسيات تابع لـ«الناتو» في تركيا، وأن هذا العمل ينفذ في إطار التخطيط الإقليمي للحلف. وتابع أن العمل عليه بدأ العام الماضي، لكن لم يتم إنشاؤه بعد، ولا يمكننا الجزم بإنشائه. وأضاف المصدر: «كما أن الشعار المنشور ليس نهائياً، وأن مقر القيادة لا علاقة له بالأزمة الإيرانية الأخيرة، والمشروع يُنفذ بالفعل في إطار (الناتو)، لكننا نحن من نقوم به؛ إنه مشروع محلي لا يزال في مرحلة التأسيس».

وقال ترك أوغلو: «كما ذُكر أن الوزارة غير مرتاحة لنشر ضابط (الناتو) «هـ. ي» المعلومات في هذه المرحلة». ومن المقرر أن تستضيف تركيا قمة قادة «الناتو» في العاصمة أنقرة يومي 7 و8 يوليو (تموز) المقبل.

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته خلال اجتماع وزراء خارجية الحلف في أنطاليا جنوب تركيا العام الماضي (أ.ف.ب)

وقال الأمين العام للحلف مارك روته، في بيان نشره في أغسطس (آب) 2025، إن «تركيا حليف قوي لـ(الناتو) لأكثر من 70 عاماً، وقدمت مساهمات لا تقدر بثمن لأمننا المشترك، ونشكرها لاستضافة هذا الحدث». وذكر أن قادة دول الحلف سيواصلون، خلال القمة المقبلة، جهودهم لجعل «الناتو» تحالفاً أقوى وأكثر عدالة وفاعلية، مضيفاً: «وهكذا سيكون الحلفاء جاهزين للرد على التحديات الخطيرة التي تواجه أمنهم الجماعي».

«الناتو» عزز دفاعات تركيا

ونشر «الناتو» منظومتي دفاع جوي أميركيتين من طراز «باتريوت»، قام بنقلهما من قيادة القوات الجوية الحليفة في رامشتاين بألمانيا، على أراضي تركيا لتأمين مجالها الجوي، بعد إسقاط دفاعاته في شرق البحر المتوسط صواريخ باليستية انطلقت من إيران باتجاه تركيا عقب اندلاع الحرب مع أميركا وإسرائيل.

وكان «الناتو» يحتفظ بمنظومة «باتريوت» واحدة مملوكة لإسبانيا، في قاعدة إنجرليك الجوية في أضنة جنوب تركيا، ونشر منظومة في مالاطيا، شرق تركيا قرب الحدود مع إيران، حيث تقع قاعدة رادارات كورجيك التابعة للحلف، وذلك بعد إسقاط أول صاروخ إيران أطلق من إيران باتجاه تركيا في 4 مارس الحالي.

منظومة «باتريوت» التابعة لإسبانيا في قاعدة إنجرليك في جنوب تركيا (أ.ف.ب)

ونشر الحلف منظومة ثانية في قاعدة إنجرليك إلى جانب المنظمة التابعة لإسبانيا، بعد إسقاط صاروخين آخرين في 9 و13 مارس، وبذلك أصبحت هناك 3 منظومات «باتريوت» تابعة للحلف في تركيا، بعدما سبق وسحبت دول أعضاء في 2029، منظومات نشرت بالقرب من الحدود السورية في 2015 عقب اندلاع الحرب الداخلية هناك.

واشتكت تركيا مراراً من عدم تلبية الولايات المتحدة وحلفاء «الناتو» طلباتها للحصول على منظومات «باتريوت»، ما دفعها لاقتناء منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس - 400» في عام 2019، لكنها لم تتمكن من تشغيلها بسبب اعتراض واشنطن و«الناتو» بسبب مخاطرها على أنظمة الحلف، كما تعرضت لعقوبات أميركية في إطار قانون «مكافحة خصوم أميركا بالعقوبات» (كاتسا)، وتم إخراجها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلة «إف - 35» الأميركية، وحرمت من الحصول عليها أيضاً.


بغداد «ملعب المخابرات»... وحرب إيران الأخيرة

عَلم لـ«كتائب حزب الله» في بغداد 21 مارس الحالي مع إعلان الجماعة هجمات ضمن الحرب بين إيران والولايات المتحدة (أ.ف.ب)
عَلم لـ«كتائب حزب الله» في بغداد 21 مارس الحالي مع إعلان الجماعة هجمات ضمن الحرب بين إيران والولايات المتحدة (أ.ف.ب)
TT

بغداد «ملعب المخابرات»... وحرب إيران الأخيرة

عَلم لـ«كتائب حزب الله» في بغداد 21 مارس الحالي مع إعلان الجماعة هجمات ضمن الحرب بين إيران والولايات المتحدة (أ.ف.ب)
عَلم لـ«كتائب حزب الله» في بغداد 21 مارس الحالي مع إعلان الجماعة هجمات ضمن الحرب بين إيران والولايات المتحدة (أ.ف.ب)

بعد أيام من اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، تدفق ضباط من «قوة القدس» الإيرانية إلى العراق لإدارة «معارك استنزاف»، وإنشاء وحدة تحكم مساندة لـ«الحرس الثوري»؛ تحسباً لتطورات ميدانية في طهران، في حين تحولت بغداد «ملعب جواسيس» لحرب استخبارية موازية، وفق مصادر جمعتها «الشرق الأوسط».

وتكشف معلومات عن أن «الأيام التالية لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي شهدت انقطاعاً للاتصالات بين ضباط ومنسقين إيرانيين وقادة فصائل عراقية، قبل أن تعيد الشبكة عملها بحلول اليوم الثالث من الحرب»، في 3 مارس (آذار) 2026.

وعلى دفعات، دخل ضباط إيرانيون إلى العراق للإشراف على عمليات ضد المصالح الأميركية وحلفائها، بمساعدة مستشارين إيرانيين يعملون منذ سنوات داخل البلاد، لإدارة شبكات أفقية معقدة من مسلحين عراقيين من فصائل متعددة.

تهدف هذه العمليات إلى «توزيع الفوضى في المناطق التي توجد فيها مصالح أميركية»، ومن ثم «فرض سيطرة إيرانية صريحة على العراق بعد انتهاء الحرب»، وفق مصادر سياسية وأمنية.

مع ذلك، يقول خبراء إن الهدف من العمليات دفاعي لحماية مستودعات ومعسكرات تضم صواريخ ومسيَّرات وفَّرتها طهران لاستخدامها في مراحل لاحقة من الحرب، خصوصاً أن «التعويل على الفصائل العراقية لا يرقى إلى مهام حربية استراتيجية»، كما هو الحال مع «حزب الله» اللبناني.

وقالت مصادر على صلة باجتماعات فصائل عراقية موالية لإيران إن «الضباط الإيرانيين أنشأوا غرفة عمليات في بغداد لخلق نمط جديد من الردع مع الأميركيين، وتهيئة عاصمة بديلة لـ(الحرس الثوري) في حال ازدادت الأمور سوءاً في طهران».

إلا أن مهمة الإيرانيين في بغداد تعرضت لمخاطر أمنية «بسبب انكشافها»؛ إذ أسفرت هجمات مميتة تُنسب إلى الولايات المتحدة عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم، وفق شهادات جمعتها «الشرق الأوسط» من شخصيات سياسية وأمنية وعناصر في فصائل عراقية.

متظاهر في بغداد يحمل صورة المرشد الإيراني علي خامنئي بعد إعلان مقتله 28 فبراير الماضي (رويترز)

ماذا حدث؟ مقتل خامنئي

على الأرجح، تدفقت الدفعة الأولى من ضباط «قوة القدس»، الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري»، بعد أيام من مقتل المرشد في 28 فبراير (شباط) 2026، رغم أن مصادر عراقية أفادت بأن انتقال عدد منهم سبق ذلك، بالتزامن مع تحركات لضباط إيرانيين يحملون جوازات سفر عراقية ولبنانية، انتقلوا أيضاً إلى بيروت.

كان ما يُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» قد بدأ مبكراً بتنفيذ 16 عملية باستخدام عشرات الطائرات المسيّرة داخل العراق وخارجه، وفق بيان صدر في 28 فبراير 2026، بعد ساعات من مقتل خامنئي.

وتضم هذه المجموعة ميليشيات بارزة مثل «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» و«كتائب سيد الشهداء»، إلى جانب تشكيلات تظهر وتختفي خلال فترات التصعيد، مثل «أصحاب أهل الكهف» و«سرايا أولياء الدم»، ويُعتقد أنها واجهات ثانوية لعمليات تنفذها جماعات موالية لإيران.

مع عودة الاتصالات في الأسبوع الأول من الحرب، قال مسؤول عراقي إنه حاول الاستفسار من نظرائه الإيرانيين عن توقعاتهم لمسار الحرب وتداعياتها، إلا أنهم أجابوا بأنهم «لا يملكون ما يقولونه حالياً، لانشغالهم بالثأر وإيذاء الأميركيين».

هكذا، استقر الضباط الإيرانيون، وفقاً لمصدر مقرب من الفصائل، في منازل آمنة ومقار محصنة في بغداد والنجف وديالى والبصرة، في حين وفّر قادة الفصائل التغطية الأمنية لتحركاتهم.

وقال قيادي في فصيل شيعي إن «الإيرانيين حشدوا الجماعات التي أسسوها واستثمروا فيها سنوات طويلة لمعركة حاسمة».

وحسب تقييم شخصين من فصيلين مسلحين، فإن الانخراط في الحرب هذه المرة يفوق ما جرى بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023؛ بسبب الاعتقاد بأن «سقوط النظام في إيران يعني نهاية وجود هذه الجماعات في العراق».

وقال أحدهما: «الغضب والرغبة في الانتقام لمقتل خامنئي شكّلا دافعاً قوياً»، في حين أشار الآخر إلى أن «هذه الجماعات صُممت لحرب كهذه، ولا يمكن لقادتها رفض أوامر المؤسسين الإيرانيين في لحظة تهديد وجودي».

لكن المصادر لاحظت أن الهجمات التي نُفذت «إيرانية في جوهرها»، وأن الفصائل كانت مجرد غطاء محلي.

ويرى عقيل عباس، وهو باحث متخصص في السياسة الأميركية، أن «ما تقوم به الفصائل المسلحة في جوهره هو أفعال لـ(الحرس الثوري) الإيراني، مستفيدة من الواجهة المحلية التي توفرها هذه الجماعات».

رئيس الوزراء محمد شياع السوداني يتوسّط رئيس «الحشد» فالح الفياض ورئيس أركانه أبو فدك (إعلام حكومي)

«شبح غير مرئي بين ملاكمين»

قال مسؤول حكومي إن «فرص إبعاد الجماعات المسلحة عن نيران الحرب تتضاءل مع طول أمدها، وزيادة حاجة إيران إلى استنزاف الأميركيين».

وأضاف أن «الدولة تبدو كأنها شبح غير مرئي بين ملاكمين على الحلبة؛ لأن أي مواجهة مع الفصائل تعني عملياً مواجهة مع إيران، أو حرباً أهلية بين جماعات شيعية».

وقال قيادي في فصيل مسلح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحرب الإقليمية جعلت الأمور أكثر وضوحاً: مَن هو الطرف الأقوى في بغداد»، في إشارة إلى الفصائل.

وتركزت الهجمات في مراحلها الأولى على السفارة الأميركية في بغداد وقنصليتها في أربيل، إضافة إلى قواعد عسكرية، قبل أن تتوسع لتشمل رادارات الجيش العراقي وأنظمة الاتصالات الحكومية.

ويُعتقد أن هذه الهجمات أسقطت أكثر من 15 منظومة رادار أميركية وفرنسية كان العراق قد تعاقد عليها منذ 2022 بقيمة تقارب 350 مليون دولار.

وقالت المصادر إن الهدف كان «تعطيل أنظمة رصد الطائرات المسيَّرة»، في حين أشار قيادي شيعي إلى أن الإيرانيين ضغطوا لإخراج هذه المنظومات من الخدمة بسبب مخاوف من استخدامها في رصد تحركاتهم.

ورفض متحدثون عسكريون في وزارة الدفاع وقيادة العمليات المشتركة طلبات للتعليق عما إذا توفرت معلومات بشأن خسائر الرادارات، والجهات المتورطة بتدميرها.

وقال مصدر إن «التعليمات التي تلقتها الفصائل تشدد على قطع الصلات المعلوماتية والميدانية بين الأجهزة الأمنية الحكومية والولايات المتحدة».

وتركزت هجمات على قاعدة «فيكتوري» للدعم اللوجيستي قرب مطار بغداد، التي كانت تضم قوات أميركية ومنشآت معيشة ومخازن عسكرية، إلى جانب معسكر عراقي لتدريب ضباط سلاح الجو العراقي. وقال ضابط من الجيش العراقي، لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض المسيَّرات الملغمة انفجرت في مرافق خدمية يستخدمها عسكريون عراقيون، لكنها على تماسٍ مع الأميركيين.

دورية تابعة لأحد ألوية «الحشد الشعبي» في ميدان تدريب بالعراق (إعلام الهيئة)

خطة لا مركزية

يهدف انتقال الضباط الإيرانيين أيضاً إلى إنشاء وحدة سيطرة بديلة في «بلد حليف يوفر غطاءً سياسياً وأمنياً». قالت مصادر إن جزءاً من عمليات «الحرس الثوري» في العراق يقلل الضغط الناتج من الضربات الأميركية - الإسرائيلية داخل إيران. وأضافت أن «العراق يوفر منظومة اتصالات أسرع مما هي عليه في طهران مع المجموعات الإقليمية، وسيكون بالنسبة لـ(الحرس الثوري) آخر ملعب إقليمي».

ويُعتقد أن البنية الأمنية الإيرانية مصممة للعمل بشكل لا مركزي. وقال مصدر شيعي إن «الخطة تشمل حماية نخبة من الضباط في حال تصاعد الاغتيالات داخل إيران».

وأفادت المصادر بأن الإيرانيين فعّلوا «خطة بديلة» تعتمد على خلايا مختلطة من الفصائل يصعب تعقبها، سبق إعدادها خلال سنوات.

وتزامنت عمليات الفصائل المكثفة في بغداد وأربيل بالدرجة الأساس مع ظهور لافت لقائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني، في أول بيان له منذ مقتل خامنئي؛ إذ أشاد بحلفاء طهران في «جبهة المقاومة» لقتالهم الولايات المتحدة وإسرائيل في الصراع الجاري.

ورغم أن قاآني أشار إلى «استقلالية» هذه الجماعات، فإنه استعاد السيطرة على محور متعدد الأطراف ضمن شبكة مرنة لا مركزية.

ويقول حامد السيد، وهو سياسي عراقي، إن قاآني أعلن في هذا البيان «وظيفته الأساسية في الحرب، وهي إدارة شبكات النفوذ خارج إيران»، وبالنسبة لأهمية العراق تستدعي «إدارة إيرانية للفصائل لأن التطورات في هذا البلد تهدد المكاسب السياسية المرتبطة بالنظام في إيران».

ورغم أن هذه المعادلة ليست جديدة، كما يقول السيد، فإن «الجديد فيها هو تكثيفها وربطها بسياق حرب إقليمية أوسع».

وتقول المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن الخطة الإيرانية الآن تعمل في نطاق شمولي أكثر يهدف إلى «نشر الألم وتوزيع والفوضى في مساحات مختلفة من النزاع، بما في ذلك المناطق التي تعتقد أنها خارج الصراع الآن».

صورة وزَّعها المكتب الإعلامي للحكومة 22 مارس الحالي تظهر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني (يمين) يتفقد الأضرار بعد هجوم بطائرة مسيّرة استهدف مبنى تابعاً لجهاز المخابرات في بغداد

بغداد «ملعب الجواسيس»

تزامن التصعيد العسكري مع «حرب استخبارية مكثفة داخل بغداد»، على حد وصف المصادر، بلغت ذروتها في استهداف مواقع حساسة، منها منشآت تابعة لجهاز المخابرات.

وقالت المخابرات العراقية، في 21 مارس، إن ضابطاً من الجهاز قُتل في هجوم «إرهابي نفَّذته جهات خارجة عن القانون». بعد يومين من الحادث، قالت «كتائب حزب الله» إن 90 في المائة من ضباط الجهاز مخترقون، في حين كان لافتاً تسمية ضابط بعينه مسؤولَ «زمرة تسرب المعلومات» إلى جهات خارجية.

وقال ضابط عراقي طلب عدم ذكر اسمه لحساسية الأمر إن «الموقع الذي تعرَّض للقصف أصاب منظومة اتصالات مشفرة وبرج ساتلايت». وأشار إلى أن المبنى المستهدف «ليس المقر الرئيسي للجهاز، بل هو منشأة عمليات فنية خاصة».

وقالت مصادر إن الفصائل المسلحة لديها شكوك قوية في أن جهاز المخابرات إحدى منشآت حكومية قليلة لا تزال تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الأميركيين، وأن جناحاً في الجهاز على الأغلب «يقوم بتزويدهم بالمعلومات والإحداثيات حول تحركات الفصائل والإيرانيين».

وأوضحت المصادر أن «جهاز المخابرات وقع تحت ضغوط مركبة خلال الحرب الأخيرة، وأن حرباً استخبارية تندلع بالتوازي مع الحرب القائمة تجري بين عملاء إيرانيين وضباط في جهاز استخبارات، وأميركيين من الـ(سي آي إيه) يتصيدون المعلومات ضد بعضهم، وأن بغداد تحولت ملعب جواسيس مميتاً في بعض الأحيان». وقال مصدر إن «هذه المجموعات تراقب بعضها بعضاً، منذ اندلاع الحدب، من شارع إلى شارع في بغداد».

وأكد الضابط العراقي أن «العلاقة بين الجهاز وأطراف مسلحة تدهورت قبل شهور حين تم اعتراض اتصالات لأفراد شبكة تضم إيرانيين وعراقيين كانوا يخططون لعمليات في العراق». وقال إن «الواقعة عمّقت الانقسام بين الإيرانيين والمخابرات».

مع ذلك، يشكك كثيرون في رواية أن «الإيرانيين وراء الهجوم»، ويعزون الأمر إلى انقسام سياسي بين قادة جماعات سياسية شيعية انعكس على أداء الجهاز الذي يصارع منذ سنوات للبقاء بعيداً عن الصراعات.

فخ «جرف الصخر»

قادت تحركات الإيرانيين مع الفصائل المسلحة إلى فخ استخباري تقليدي؛ إذ سهلت أنشطتهم المفتوحة على الأميركيين رصدها، وفق تقديرات يتداولها عناصر من تلك الفصائل.

وأكدت مصادر أن ضربة يُعتقد أنها أميركية لبلدة جرف الصخر جنوب بغداد، مطلع مارس 2026، كانت أول استهداف أميركي مباشر لنشاط «الحرس الثوري» في العراق بعد مقتل خامنئي.

وجرف الصخر أحد أهم معاقل الفصائل العراقية منذ عام 2014، ويُعتقد أنها تحولت قاعدة عسكرية استراتيجية للفصائل تضم معسكرات وسجوناً ومخازن ومعامل للصواريخ والمسيَّرات.

ويعتقد الباحث عقيل عباس أن تلك «الضربة هي الأهم في سياق الحرب في العراق؛ لأنها استهدفت وحدات السيطرة والتحكم».

وقالت مصادر، من بينها أشخاص على صلة بالفصائل، إن جرف الصخر تحولت من موقع استراتيجي لحلفاء إيران إلى عبء استخباري يهدد عصب العمليات الأمنية والاقتصادية لهذه المجموعات.

ولاحقاً، عُدَّت ضربات في الكرادة والجادرية بأنها «استهدفت قيادات إيرانية بارزة»، ويشير عباس إلى أن «ضربة الجادرية وحدها كانت تهدف إلى قطع الرؤوس التي تدير العمليات في جرف الصخر».

وفرضت الفصائل المسلحة قيوداً على هوية القتلى في الموقعين، غير أن الهجوم على منزل الجادرية يحظى باهتمام بسبب ما يشاع أن غالبية القتلى من كبار الضباط والمنسقين الإيرانيين.

وقال شاهد عيان من سكان الجادرية، لـ«الشرق الأوسط»، إن المنزل كان مخصصاً بالفعل لشخصيات إيرانية منذ سنوات، وإن الأهالي كانوا يتوقعون أنهم من طاقم السفارة الإيرانية.

وفي أعقاب هذه الهجمات، أعلنت «كتائب حزب الله» هدنة مشروطة من طرف واحد بوقف استهداف السفارة الأميركية مقابل وقف الهجمات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت، لكن «أصحاب أهل الكهف» خرقت الهدنة سريعاً بعد يومين.

ولاحقاً، قالت بيانات منسوبة لجماعات مسلحة إن الولايات المتحدة طلبت هدنة تسمح لقواتها بالإجلاء. وتداول ناشطون مقربون من إيران مقاطع فيديو ليلية تزعم أنها توثق انسحاب عجلات أميركية من العراق براً إلى الأردن.

ورفضت الخارجية الأميركية والسفارة في بغداد طلب التعليق على وجود مفاوضات غير مباشرة مع الفصائل المسلحة في العراق.

لكن مسؤولاً دبلوماسياً أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «العمليات العسكرية التي تُنفذها الولايات المتحدة من الجو ضد أهداف معادية، حليفة لإيران في العراق، سوف تستمر حتى تحقيق الهدف وهو تفكيك قدراتها العملياتية».

أنصار «الحشد الشعبي» يشيّعون أحد عناصره الذي قضى بغارة أميركية في العراق (إعلام الهيئة)

المعركة الأخيرة

دعا هادي العامري، زعيم «منظمة بدر»، وهي جناح سياسي لديها ألوية عسكرية، «الحشد الشعبي» إلى «التعبئة الجماهيرية» استعداداً لـ«معركة الحق ضد الباطل». وقد خسرت «بدر» كثيراً من عناصرها بهجمات أميركية استهدفت مواقع في صلاح الدين وكركوك.

ولا يرجّح الباحث عقيل عباس أن تصل هذه «التعبئة» إلى حرب مفتوحة إلى جانب الإيرانين. ويعتقد أن «أهمية الفصائل العراقية لوجيستية بالدرجة الأولى، تتمثل في تخزين الصواريخ والمسيَّرات التي يمكن أن تستخدمها إيران إذا تعرضت لضغط كبير داخل إيران أو على جبهة (حزب الله)، ويُدار ذلك من قِبل (الحرس الثوري)».

ويرى عقيل عباس أن «الفصائل لا تمثل ثقلاً قتالياً حاسماً بحد ذاتها، لكنها تشكل أداة تشغيل بيد (الحرس الثوري)»؛ ما يعزز فرضية أن الهدف النهائي هو استخدام العراق منصةَ ضغط.

خلافاً لذلك، لدى قيادات شيعية في بغداد تصور راسخ بأن «الحرس الثوري» يجهز بغداد لـ«معركة أخيرة» قد يحتاجها في سياق الحرب مع الولايات المتحدة. وقال أحد هؤلاء لـ«الشرق الأوسط» إن «واحدة من دروس هذه الحرب، وفقاً لمنظور (الحرس الثوري)، أن عليه إجراء تغييرات حادة على مستوى النظام السياسي والأمني في العراق، باتجاه إلغاء قواعد الاشتباك مع نفوذ اللاعبين الدوليين».

وقال قيادي شيعي، إن «الفصائل الشيعية كانت ترغب منذ سنوات في تأميم ما تبقى من المواقع الأمنية

تتقاطع هذه القراءة مع تقديرات مصادر مطلعة تفيد بأن طهران تسعى، في حال غياب تسوية سياسية مع واشنطن، إلى فرض واقع سيطرة صريحة يعيد تشكيل معادلة الحكم في العراق، وقال قيادي شيعي، إن هذا يفسر «لماذا منع الإيرانيون تشكيل حكومة عراقية قبل انتهاء الحرب».