تركيا اتفقت مع الأردن والعراق وسوريا على «تحالف رباعي» ضد «داعش»

مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»: أنقرة تستهدف انسحاباً أميركياً ووقف دعم المسلحين الأكراد

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان متحدثاً خلال ندوة حول المرحلة الانتقالية في سوريا ضمن مؤتمر ميونيخ للأمن بحضور وزير الخارجية في الإدارة السورية أسعد الشيباني (الخارجية التركية)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان متحدثاً خلال ندوة حول المرحلة الانتقالية في سوريا ضمن مؤتمر ميونيخ للأمن بحضور وزير الخارجية في الإدارة السورية أسعد الشيباني (الخارجية التركية)
TT

تركيا اتفقت مع الأردن والعراق وسوريا على «تحالف رباعي» ضد «داعش»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان متحدثاً خلال ندوة حول المرحلة الانتقالية في سوريا ضمن مؤتمر ميونيخ للأمن بحضور وزير الخارجية في الإدارة السورية أسعد الشيباني (الخارجية التركية)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان متحدثاً خلال ندوة حول المرحلة الانتقالية في سوريا ضمن مؤتمر ميونيخ للأمن بحضور وزير الخارجية في الإدارة السورية أسعد الشيباني (الخارجية التركية)

اتفقت تركيا والأردن والعراق وسوريا على آلية للتعاون المشترك ضد تنظيم «داعش» الإرهابي ترمي أنقرة من خلاله إلى تحقيق هدف آخر يتعلق بوقف الدعم الأميركي لوحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها ذراع حزب «العمال الكردستاني» في سوريا، والتي تقود «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).

وكشفت مصادر دبلوماسية تركية، لـ«الشرق الأوسط»، عن اتفاق الدول الأربع على تشكيل آلية للتحرك المشترك ضد «داعش»، على مستوى وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء أجهزة المخابرات ستعقد أول اجتماعاتها في عمان خلال فبراير (شباط) الحالي.

وقالت المصادر إن تركيا تتحرك في الوقت نفسه لوقف الدعم الأميركي لوحدات حماية الشعب الكردية لتطويق حزب «العمال الكردستاني» عبر جهود مشتركة مع كل من العراق وسوريا وإيران، لافتة إلى زيارة رئيس جهاز المخابرات التركي، إبراهيم كالين، إلى طهران الأسبوع الماضي.

خطة شاملة

وأوضحت المصادر أن تركيا والأردن والعراق وسوريا تعمل على إعداد خطة تعاون شاملة في مجال الحرب ضد تنظيم «داعش»، يتم من خلالها التنسيق الوثيق بين وزارات الخارجية والدفاع وأجهزة المخابرات في مجالات أمن الحدود وتبادل المعلومات الاستخبارية والقيام بالعمليات المشتركة، كأمر حيوي لمنع ظهور التنظيم في المنطقة مجدداً.

نائب وزير الخارجية التركي نوح يلماظ خلال إحدى جلسات المؤتمر الدولي حول سوريا في باريس (الخارجية التركية)

وقال نائب وزير الخارجية التركي، نوح يلماظ، خلال مشاركته في المؤتمر الدولي حول سوريا في باريس، الخميس الماضي، إن تركيا تعمل على تشكيل تحالف رباعي ضد «داعش» يضم تركيا والعراق والأردن وسوريا، لمنع التنظيم من تهديد المنطقة مجدداً. وأشار إلى مزاعم حول سحب الولايات المتحدة قواتها من سوريا، مؤكداً أن القرار أميركي، وأن تركيا قدمت مقترحات ملموسة لتلبية الاحتياجات الأمنية الأميركية، بما في ذلك إدارة سجون أعضاء «داعش».

وأضاف أن التحالف الرباعي سيشمل تبادل المعلومات الاستخبارية والعمليات المشتركة، معرباً عن استعداد تركيا لدعم الإدارة السورية في إدارة سجون «داعش».

ولا يزال آلاف من أعضاء تنظيم «داعش» المعتقلين في سجون شمال شرقي سوريا يشكلون تهديداً للأمن الإقليمي. وتطالب تركيا بتسليم هذه السجون، التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) المدعومة أميركياً، إلى الإدارة السورية الجديدة، مع استعدادها لدعم حراستها. وكان وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، قد دعا خلال زيارته للعراق في يناير (كانون الثاني) الماضي إلى تشكيل «تحالف إقليمي» يضم تركيا والعراق وسوريا والأردن لمحاربة «داعش»، بهدف القضاء على وجود التنظيم وتجفيف مصادر تمويله وضمان استقرار المنطقة.

نزع الذريعة الأميركية

وعد مراقبون أن أهمية الاقتراح التركي بشأن «التحالف الرباعي» تكمن في الحجة التي تستند إليها أميركا في مواصلة دعم وحدات حماية الشعب الكردية، كحليف وثيق في الحرب على «داعش»، حيث تبرر وجود قواتها في سوريا وتحالفها العسكري مع «قسد»، التي تقودها الوحدات الكردية، بهذه الحجة.

ومع سعي الإدارة السورية برئاسة الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، لدمج «قسد» في الجيش السوري الجديد، أكد مسؤولون أميركيون أن أمن السجون التي يُحتجز فيها آلاف من مسلحي «داعش» توفره «وحدات حماية الشعب الكردية» وأن حل «قسد» من شأنه أن يضعف القتال ضد «داعش» بشكل كبير ويؤدي إلى انتشار إرهابه مرة أخرى.

ويرى مراقبون أن الاقتراح التركي بإنشاء «تحالف رباعي» يهدف إلى تقويض الحجة الأميركية التي تعتمد عليها لدعم «وحدات حماية الشعب الكردية» في الحرب ضد «داعش»، حيث تُبرر واشنطن وجود قواتها في سوريا وتحالفها مع «قسد» بضرورة مكافحة الإرهاب. وفي الوقت الذي تسعى فيه الإدارة السورية لدمج «قسد» في الجيش السوري الجديد، يؤكد مسؤولون أميركيون أن «قسد» هي الضامن لأمن السجون التي تحتجز آلاف عناصر «داعش»، وأن حل هذه الوحدات قد يُضعف الحرب ضد التنظيم ويعيد انتشاره.

قوات أميركية في الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

وقال الكاتب البارز في صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية، سادات أرغين، إنه يمكن الافتراض أن فيدان نسق المسألة مسبقاً مع الشرع عندما طرح هذا الاقتراح على المسؤولين في بغداد وعمان. وأضاف أن توقيت المبادرة التركية مهم، خاصة بعد تولي الرئيس الأميركي دونالد ترمب منصبه في 20 يناير الماضي، حيث قدّمت تركيا الحجة لإدارة ترمب الجديدة لدعم سحب القوات الأميركية من سوريا.

وكان ترمب، الذي أراد سحب القوات الأميركية من سوريا خلال رئاسته الأولى بين عامي 2017 و2020، قد أصر على أن تتخذ وزارة الدفاع (بنتاغون) والكونغرس مثل هذا القرار في الحرب ضد «داعش»، وتراجع عن قراره بعد أن واجه اعتراضات استندت إلى أن سحب القوات سيعطل الإجراءات ضد «داعش».

ويرى أرغين أن الاقتراح التركي يهدف إلى التأثير على قرار واشنطن في مراجعة سياستها تجاه سوريا، مع توقعات بأن يطرح الرئيس إردوغان هذا المقترح في أول لقاء مع ترمب.

الحل الإقليمي

وأضاف أن هذا الاقتراح له بعد آخر يتمثل في تعزيز خطاب «الملكية الإقليمية» الذي يؤكد عليه فيدان منذ فترة، بالدفاع عن أطروحة مفادها أن دول المنطقة يجب أن تأخذ المشاكل في جغرافيتها على عاتقها وتعمل على حلها، وبالتالي منع الجهات الفاعلة من خارج المنطقة من التدخل في مشاكلها.

لقاء بين وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأميركي ماركو روبيو على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (الخارجية التركية)

والتقى فيدان، على هامش مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن، للمرة الأولى، نظيره الأميركي الجديد، ماركو روبيو، كمال التقى وزيري الخارجية؛ الأردني أيمن الصفدي، والسوري أسعد الشيباني، ورئيس إقليم كردستان العراق، نيجرفان بارزاني.

وطرح فيدان مسألة سجون «داعش» والذرائع الأميركية بدعم «الوحدات الكردية» لأنها تتولى مهمة حراستها، خلال جلسة عقدت السبت في إطار مؤتمر ميونيخ، تحت عنوان «بداية حقبة جديدة لدمشق: التوقعات من عملية الانتقال في سوريا» شارك فيها الشيباني، قائلاً: «القضية الوحيدة المتبقية بالنسبة لنا فيما يتعلق بالأمن في سوريا هي التخلص من «وحدات حماية الشعب»، امتداد حزب «العمال الكردستاني»، ونتوقع من أصدقائنا في دمشق معالجة هذه القضية.

قوات أميركية خلال تدريبات مشتركة مع «قسد» في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

وأضاف أن «هذه الهياكل تختبئ وراء ذريعة محاربة (داعش)، لا توجد حرب ضد (داعش)، وهم يقدمون خدمات السجون للجيش الأميركي لأنه لا يوجد مكان آخر لوضع سجناء (داعش) فيه».

وأكد أنه «لا يمكن السماح لهؤلاء الأشخاص باحتلال ثلث سوريا، والجلوس على حقول النفط والغاز وسرقة البلاد، دون أن تستفيد الحكومة المركزية وملايين السوريين الآخرين من النفط والغاز... يجب أن ينتهي هذا...هذا لا يشكل تهديداً للأمن القومي بالنسبة لتركيا فحسب، بل يمثل أيضاً مشكلة كبيرة لمنطقتنا».

وأضاف فيدان: «لا يمكننا أن نتسامح مع الميليشيات المسلحة في سوريا لأننا رأينا أن هذه التجربة لم تجلب سوى الفوضى وعدم الاستقرار إلى المنطقة، والإدارة الجديدة في دمشق تتخذ الخطوات الصحيحة لجمع المجموعات المسلحة تحت سقف جيش وطني، ونحن نتابع العملية عن كثب».

تحرك مع إيران

وفي جلسة أخرى، أكد رئيس المخابرات التركية، إيراهين كالين، أهمية عملية الانتقال في سوريا، وأهمية رفع العقوبات المفروضة على البلاد من أجل تنميتها، وشدد على عدم السماح بوجود المنظمات الإرهابية مثل «داعش» وحزب «العمال الكردستاني»، وامتداداته، في المنطقة.

وفيما يعد سعياً تركياً لتوسيع دائرة التحالف الإقليمي ضد «داعش» و«العمال الكردستاني» وامتداداته، قام كالين، الأسبوع الماضي، بزيارة لإيران، حيث التقى وزير الاستخبارات، إسماعيل خطيب، وأمين مجلس الأمن القومي، على أكبر أحمديان.

وقالت مصادر تركية إن التعاون ضد حزب «العمال الكردستاني» وتنظيم «داعش» والتطورات في سوريا وأزمة غزة كانت من أبرز الموضوعات التي بحثها كالين خلال الاجتماعات، وأن الجانبين قررا «زيادة تبادل المعلومات الاستخبارية ضد التنظيمات الإرهابية».


مقالات ذات صلة

تفجير «داعش» كنيسة مار إلياس في دمشق... اعترافات عناصر موقوفين

المشرق العربي عناصر أمن سوريون خلال حملة اعتقالات يوم 23 يونيو بعد تفجير كنيسة مار إلياس في اليوم السابق بدمشق (أ.ف.ب)

تفجير «داعش» كنيسة مار إلياس في دمشق... اعترافات عناصر موقوفين

عدد عناصر التنظيم المعتقلين بلغ ‏نحو 1300 عنصر، بينهم قيادات بارزة، وتم خلال الفترة الماضية تدمير 34 خلية ‏للتنظيم.‏

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عناصر من قوى الأمن الداخلي خلال إجراءات أمنية سابقة مطلع العام (أرشيفية - قوى الأمن)

«أمير داعش» الأمني في سوريا مقيم «شبه دائم» في لبنان

في عملية استباقية، سجل الأمن اللبناني إنجازاً مهماً، تمثل بالقبض على مسؤول أمني بارز في تنظيم «داعش».

يوسف دياب (بيروت) يوسف دياب (بيروت)
أفريقيا صورة جماعية لقادة دول «إيكواس» خلال قمتهم في أبوجا بنيجيريا يوم 15 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

مفوضية الاتحاد الأفريقي: مالي تواجه الإرهاب نيابة عن أفريقيا ونحن نقف معها

رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي يبدأ من مالي جولة في دول الساحل... ويعتبر تعليق عضويتها في المؤسسات الأفريقية لم يكن رغبة في عزلها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - رويترز)

إيران تعدم رجلين أُدينا بالارتباط بتنظيم «داعش»

ذكرت وكالة «ميزان» التابعة للسلطة القضائية الإيرانية، اليوم (الثلاثاء)، إن إيران أعدمت رجلين أُدينا بالانتماء إلى خلية مسلحة مرتبطة بتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (طهران)
المشرق العربي اعتقال الخلية المسؤولة عن تفجيرات السابع من يوليو في دمشق أدى إلى الكشف عن مخبأ سري خصصته الخلية لتخزين المتفجرات (الداخلية السورية)

التحقيقات تثبت مسؤولية «داعش» عن تفجيرات دمشق أثناء زيارة ماكرون

أثبتت تحقيقات مدعومة بتحليل تسجيلات ‏كاميرات المراقبة واعترافات الموقوفين، مسؤولية «داعش» عن التفجير الذي نُفذ في السابع من يوليو الحالي.‏

«الشرق الأوسط» (دمشق)

البرلمان الإسرائيلي يقر قانوناً مثيراً للجدل بشأن وسائل الإعلام

أحد الاجتماعات في «الكنيست» الإسرائيلي (موقع الكنيست)
أحد الاجتماعات في «الكنيست» الإسرائيلي (موقع الكنيست)
TT

البرلمان الإسرائيلي يقر قانوناً مثيراً للجدل بشأن وسائل الإعلام

أحد الاجتماعات في «الكنيست» الإسرائيلي (موقع الكنيست)
أحد الاجتماعات في «الكنيست» الإسرائيلي (موقع الكنيست)

صدق البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، الخميس، على قانون مثير للجدل بشأن وسائل الإعلام.

ووفقا لوزير الاتصالات شلومو كارهي، فإن الإصلاح يهدف إلى تحرير القطاع الذي كان خاضعا للتنظيم في السابق من خلال تقليص الإجراءات الروتينية

وتعزيز المنافسة.

ومع ذلك، يخشى المنتقدون أن يمكن هذا القانون حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اليمينية الدينية من ممارسة النفوذ على وسائل الإعلام.

كما يخشون زيادة الضغوط على القنوات التلفزيونية والإذاعية المنتقدة للحكومة.

وينص القانون على إنشاء هيئة جديدة للإعلام يكون للحكومة فيها نفوذ أكبر بكثير في التعيينات. ويجادل المؤيدون بأن وسائل الإعلام الإسرائيلية تميل إلى اليسار أو الليبرالية، وأن وجهات النظر المحافظة غير ممثلة بشكل كاف. ولذلك يعتقدون أن وجود بيئة تنافسية أكثر توازنا أمر ضروري.

ولم يتضح بعد ما إذا كانت المحكمة العليا ستبطل القانون كليا أو جزئيا عقب الطعون القانونية. ووفقا لتقارير وسائل الإعلام الإسرائيلية، فقد تم بالفعل تقديم التماسات ضد القانون الجديد إلى المحكمة.

وبما أنه من المقرر حل البرلمان اليوم الجمعة تمهيدا للانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول)، فإن الائتلاف الحاكم يدفع حاليا لإقرار العديد من الإجراءات المثيرة للجدل بموجب إجراءات معجلة.

ويوم الأربعاء الماضي، قلص الكنيست بشكل كبير من صلاحيات المدعية العامة جالي بهاراف ميارا.


الجيش الأميركي يبدأ ليلة خامسة من الضربات على إيران


 إطلاق ذخيرة من موقع غير محدد خلال ضربات قالت القيادة المركزية الأميركية إنها استهدفت إيران(رويترز)
إطلاق ذخيرة من موقع غير محدد خلال ضربات قالت القيادة المركزية الأميركية إنها استهدفت إيران(رويترز)
TT

الجيش الأميركي يبدأ ليلة خامسة من الضربات على إيران


 إطلاق ذخيرة من موقع غير محدد خلال ضربات قالت القيادة المركزية الأميركية إنها استهدفت إيران(رويترز)
إطلاق ذخيرة من موقع غير محدد خلال ضربات قالت القيادة المركزية الأميركية إنها استهدفت إيران(رويترز)

أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، الخميس، أن القوات الأميركية بدأت موجة جديدة من الضربات على أهداف داخل إيران، في خامس ليلة متتالية من العمليات العسكرية، بهدف مواصلة إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية.

وقالت «سنتكوم» إن الضربات بدأت عند الساعة الثانية بعد الظهر بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، من دون أن تقدم على الفور تفاصيل إضافية عن المواقع المستهدفة أو طبيعة الأهداف.

وفي إيران، أفاد التلفزيون الرسمي بأن مناطق في بندر عباس، جنوب البلاد، تعرضت للقصف بـ«مقذوفات أميركية»، بينما تحدثت وكالات أنباء إيرانية عن ضربات استهدفت محيط جزيرة قشم القريبة من مضيق هرمز.

ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن السلطات المحلية وقوع «ضربة صاروخية أميركية في محيط جزيرة قشم»، فيما قالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن مواقع في محيط الجزيرة تعرضت للقصف بـ«مقذوفات من العدو الأميركي».

وسمع دوي ثلاثة انفجارات على الأقل في غرب بندر عباس قبالة مضيق هرمز. وذكر التلفزيون الرسمي أن بندر عباس تعرضت لهجمات أميركية مساء الخميس، ونقل عن السلطات المحلية أن الضربات لم تسفر عن سقوط ضحايا.

وأشارت معلومات أولية إلى وقوع انفجارات في مدينتي بوشهر، والأحواز جنوب غرب البلاد.

معدات عسكرية تتعرض للاستهداف في موقع غير محدد، وفق لقطات نشرتها القيادة المركزية الأميركية للضربات على إيران (رويترز)

وجاءت الجولة الجديدة مع استمرار القتال بين واشنطن وطهران حول مضيق هرمز، حيث تركزت الضربات الأميركية خلال الأيام الماضية على منشآت عسكرية وساحلية وجزر قريبة من الممر المائي.

وقال المتحدث الأعلى باسم القوات المسلحة الإيرانية، أبو الفضل شكارجي، للتلفزيون الرسمي، إن «الأمن الكامل» في مضيق هرمز لن يتحقق إلا بخروج القوات الأميركية من المنطقة، مؤكداً أن طهران «لن تتراجع أبداً» عن موقفها في المضيق.

وأضاف شكارجي أن العقيدة العسكرية الإيرانية تقوم على «مهاجمة العدو بقوة»، معتبراً أن خصوم إيران كانوا سيقضون عليها فوراً لو امتلكوا القدرة على ذلك، وأن ما وصفه بدعم الشعب يمثل أحد عناصر قوة البلاد.

وحذر من أن أي ضرر يلحق بالبنية التحتية الإيرانية سيقابل باستهداف «جميع البنى التحتية في المنطقة».

وقال أيضاً إن إيران تتمسك بخروج الولايات المتحدة من المنطقة، مضيفاً أن المقاتلات الأميركية «لم تغادر مضيق هرمز يوماً واحداً منذ إعلان وقف إطلاق النار»، واعتبر أن استمرار هذا الوجود «يمثل إعلان حرب».

وفي واشنطن، قالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الرئيس دونالد ترمب لا يزال منفتحاً على الدبلوماسية مع إيران رغم تجدد الأعمال العدائية.

وأضافت في مؤتمر صحافي أن ترمب «يحمّل الإيرانيين المسؤولية عندما ينكثون بالالتزامات التي تعهدوا بها تجاه الولايات المتحدة»، لكنها أكدت أنه «يبقى دائماً منفتحاً على الدبلوماسية».


فانس يتحدث عن «براغماتيين»… لكن القرار في طهران بيد شبكة المرشد

بزشكيان يترأس اللجنة العليا لـ«الثورة الثقافية» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني الخميس (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يترأس اللجنة العليا لـ«الثورة الثقافية» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني الخميس (الرئاسة الإيرانية)
TT

فانس يتحدث عن «براغماتيين»… لكن القرار في طهران بيد شبكة المرشد

بزشكيان يترأس اللجنة العليا لـ«الثورة الثقافية» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني الخميس (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يترأس اللجنة العليا لـ«الثورة الثقافية» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني الخميس (الرئاسة الإيرانية)

وصف جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، العلاقة مع طهران بأنها «رقصة دبلوماسية دقيقة» تقوم على الضغط الاقتصادي وسياسة «العصا والجزرة». وذلك في وقت قال الرئيس دونالد ترمب، الأربعاء، إن إيران «ترغب بشدة» في التوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة، وإن واشنطن ستقرر ما إذا كانت ستستجيب لذلك.

وقدم فانس في مقابلة تفسيراً للصراع داخل النظام الإيراني يقوم على وجود جناحين؛ «براغماتيين» يريدون مواصلة التفاوض والتوصل إلى اتفاق مع واشنطن، و«متشددين» يسعون إلى إفشال هذا المسار، معتبراً أن مذكرة التفاهم لا تزال تسير في اتجاه إيجابي رغم تصاعد الضربات المتبادلة.

لكن الصورة داخل مؤسسات الدولة الإيرانية، خصوصاً بعد مقتل المرشد علي خامنئي، وعدد من كبار المسؤولين، تبدو أكثر تعقيداً. فالخلافات موجودة بالفعل، إلا أنها لا تدور بين إصلاحيين ومحافظين بالمعنى التقليدي، كما لا يمكن اختزال القرار في موقف حكومة أو تيار سياسي، إذ تتداخل في صناعته مؤسسات أمنية وعسكرية وسياسية يقودها المرشد الإيراني، فيما يحتفظ «الحرس الثوري» بثقل حاسم داخل هذه المنظومة.

فانس يقف إلى جانب ويتكوف وكوشنر في سويسرا في 21 يونيو 2026 (أ.ب)

صياغة قرار التفاوض

منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط)، تزايدت الأسئلة حول عملية صنع القرار في إيران، وعلى رأسها العودة إلى طاولة التفاوض، وتوقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة. وقدم الرئيس مسعود بزشكيان أوضح رواية حتى الآن عن كيفية اتخاذ قرار التفاوض، عندما أجاب في يونيو (حزيران) على انتقادات مذكرة التفاهم، قائلاً إن جميع القادة العسكريين والأمنيين المشاركين في اجتماعات المجلس الأعلى للأمن القومي أيدوا هذا المسار.

وبعدما نفى مكتبه عدة مرات استقالته بسبب إبعاده عن مسار التفاوض، قال بزشكيان إن قائد عمليات هيئة الأركان المشتركة، وقائدي الجيش و«الحرس الثوري»، والأجهزة الأمنية، «كانوا جميعاً حاضرين، وتحدثوا بصوت واحد، ووقعوا جميعاً على القرار».

وأكد مشرعون إيرانيون لاحقاً أن قادة الجيش و«الحرس» يشاركون في اجتماعات المجلس ويتمتعون بحق التصويت، بينما تحدث مسؤولون حكوميون عن موافقة 12 عضواً من أصل 13 على مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.

وتتعارض هذه المعطيات عن الانطباع السائد بأن التفاوض كان مشروعاً حكومياً واجه معارضة المؤسسة العسكرية. فالقرار، بحسب الرواية الرسمية نفسها، صدر بعد توافق داخل أعلى مؤسسة أمنية في البلاد، التي تضم الرؤساء السياسيين وقادة الأجهزة العسكرية والأمنية معاً.

كما كشف بزشكيان أن حكومته خصصت عشرين مليون برميل نفط للوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» خلال الحرب، إضافة إلى موارد من النقد الأجنبي، في محاولة لتأكيد أن الحكومة والقوات المسلحة عملتا ضمن غرفة قرار واحدة، وليس على طرفي نقيض.

رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي يهمس في أذن قاليباف على هامش مراسم تأبين المرشد السابق علي خامنئي مساء الثلاثاء (البرلمان الإيراني)

الكلمة الأخيرة للمرشد

ورغم الدور المحوري الذي يؤديه المجلس الأعلى للأمن القومي، فإن صلاحياته لا تلغي الموقع الحاسم للمرشد الإيراني.

فبحسب الدستور الإيراني، تصبح قرارات المجلس نافذة بعد مصادقة المرشد، الذي يشغل أيضاً منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويحتفظ بالقرار النهائي في ملفات الحرب والسلام والأمن القومي.

وتعمل لجنة الدفاع العليا، المرتبطة بالمجلس الأعلى للأمن القومي، على إدارة الملفات العسكرية الكبرى والتوصية بالقرارات المتعلقة بالعمليات والحرب، ضمن هيكل يخضع في نهاية المطاف لسلطة المرشد. وأعيد العمل باللجنة أو مجلس الدفاع العليا بعد حرب يونيو (حزيران) 2025 بأوامر من المرشد السابق.

وأكد بزشكيان هذه المعادلة عندما قال إن المرشد الجديد، مجتبى خامنئي منح الحكومة الإذن بمتابعة المفاوضات، مضيفاً أن المفاوضات «كانت ستتوقف فوراً لو صدر أمر بعدم إجرائها».

غير أن الطريقة التي صيغت بها موافقة المرشد فتحت الباب أمام قراءات متباينة. وتضمن البيان الذي أعرب خامنئي الأبن عن تأييده للمفاوضات، إشارة إلى أنه كان يملك «من حيث المبدأ رأياً آخر» قبل أن يسمح بالمضي في الاتفاق، وهو ما استند إليه معارضو التفاوض للقول إن القيادة وافقت على مضض، بينما ركزت الحكومة على أن الإذن النهائي هو الذي يحكم السياسة الرسمية.

ومنذ تعيينه في منصب المرشد، زاد غياب المرشد عن الظهور المباشر من صعوبة حسم هذا الجدل. وتحولت البيانات المنسوبة إليها إلى مساحة مفتوحة للتفسيرات المتباينة والتأويل، بينما حاول كل طرف تقديم نفسه بوصفه الأقرب إلى إرادة القيادة.

«الحرس الثوري»... كتلة واحدة؟

تكشف التطورات الأخيرة أيضاً أن «الحرس الثوري» ليس كتلة سياسية متجانسة. فداخله تيارات تختلف في تقدير كلفة الحرب، وحدود التصعيد، وجدوى التفاوض، وإن كانت تتحرك جميعها داخل الإطار العام الذي يرسمه المرشد.

ويبرز رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف مثالاً على هذا التعقيد. فقاليباف خرج من «الحرس الثوري»، وتولى مناصب عسكرية وأمنية قبل دخوله العمل السياسي، ويعد أحد أبرز وجوه التيار المحافظ، ومع ذلك تحول بعد الحرب إلى أحد أكثر المدافعين عن مذكرة التفاهم واستمرار المفاوضات.

وتشير مواقفه، إلى جانب تصريحات بزشكيان، إلى أن البراغماتية داخل النظام الإيراني لا تعني الانتماء إلى التيار الإصلاحي، بل تعكس في كثير من الأحيان تقديراً مختلفاً لموازين القوة وكيفية إدارة الصراع مع الولايات المتحدة.

وفي المقابل، تركزت المعارضة الأشد داخل جبهة «بايداري»، وبعض الشخصيات السياسية المتنفذة، والأصوات البرلمانية والدينية والإعلامية، التي اعتبرت أن الاتفاق قدم تنازلات كبيرة، وذهبت إلى حد اتهام الحكومة ورئيس البرلمان بتهميش مؤسسات أخرى في عملية صنع القرار.

صلاحيات محدودة

ورغم تأكيد بزشكيان أن قرار التفاوض اتخذ بإجماع المؤسسات الأمنية والعسكرية، فإنه وجد نفسه في واجهة المواجهة السياسية والإعلامية، في ظل صلاحياته المحدودة مقارنة بصلاحيات المرشد.

واضطر بزشكيان وفريقه مراراً إلى الدفاع عن شرعية المفاوضات، والتشديد على أنها جاءت بتفويض من المرشد وبتأييد المجلس الأعلى للأمن القومي، كما رفع من مستوى انتقادات، عندما وجه لوماً هذا الأسبوع إلى التلفزيون الرسمي بسبب ما وصفه بمحاولة الإيحاء بوجود انقسام بين الحكومة والقوات المسلحة.

وقال إن تصوير الجيش و«الحرس الثوري» في جهة، والحكومة في جهة أخرى، يخدم خصوم إيران، مشدداً في الوقت نفسه على أنه يعد نفسه جزءاً من المؤسسة التي تدير المواجهة العسكرية، وليس طرفاً منفصلاً عنها.

وقبل ذلك، تعرض قاليباف لحملة مماثلة، كان أبرز فصولها قطع مقابلة تلفزيونية مسجلة كان يدافع خلالها عن مذكرة التفاهم، قبل أن يعاد بثها كاملة لاحقاً بعد جدل واسع.

وتعكس هذه الوقائع أن الخلاف يتسع داخل الأجهزة الإيرانية، حول تفسير القرار الذي صدر، ومن يملك حق الحديث باسمه، ومن يمثل إرادة القيادة بصورة أدق.

على ضوء ذلك فإن توصيف فانس يبسط بنية أكثر تعقيداً، إذ إن القرار الإيراني لم يحدد عبر مواجهة بين تيار محافظ في قلب أجهزة صنع القرار وتيار إصلاحي على الهامش، ولا حتى بين الحكومة يقودها رئيس محسوب على الإصلاحيين أو أجهزة متنفذة للغاية مثل «الحرس الثوري».

وتتشكل قرار تتعلق بال يتشكل داخل منظومة تتوزع فيها الأدوار بين المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية، على رأسها «الحرس الثوري»، بموازاة المنافسة بين أجنحة مختلفة داخل هذه المؤسسات نفسها حول كيفية إدارة الصراع مع واشنطن.

ولهذا، فإن مستقبل المفاوضات لن يتوقف على انتصار «البراغماتيين» على «المتشددين»، بقدر ما سيتحدد بقدرة هذه المنظومة على الحفاظ على التوافق الذي أنتج قرار التفاوض، وباستمرار موافقة المرشد، الذي يبقى صاحب الكلمة الأخيرة في قضايا الحرب والسلام.

ويجمع مراقبون خلال السنوات الأخيرة، على أن ثنائية الإصلاحيين والمحافظين فقدت كثيراً من وزنها على تفسير توازنات السلطة في إيران، بعدما انتقلت الخلافات الأساسية إلى داخل المؤسسات الحاكمة نفسها. ومع اتساع نفوذ «الحرس الثوري» بعد الحرب، بات التنافس يتركز على الوسيلة الأقدر على صون النظام وضمان استمراره، بين من يفضل خفض كلفة المواجهة عبر التفاوض، ومن يرى في الاحتفاظ بأوراق الضغط العسكرية ضمانةً لشروط أفضل.