من «مقلاع داود» إلى «الشعاع الحديدي»... ماذا نعرف عن دفاعات إسرائيل ضد صواريخ إيران؟

القبة الحديدية الإسرائيلية تتصدى للصواريخ الإيرانية (إ.ب.أ)
القبة الحديدية الإسرائيلية تتصدى للصواريخ الإيرانية (إ.ب.أ)
TT

من «مقلاع داود» إلى «الشعاع الحديدي»... ماذا نعرف عن دفاعات إسرائيل ضد صواريخ إيران؟

القبة الحديدية الإسرائيلية تتصدى للصواريخ الإيرانية (إ.ب.أ)
القبة الحديدية الإسرائيلية تتصدى للصواريخ الإيرانية (إ.ب.أ)

تفخر إسرائيل بامتلاك أنظمة دفاع جوي متقدمة، لكنها تُختبَر حالياً في ظل التوترات المتزايدة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول)، عندما أطلقت «حماس» حرباً جديدة على إسرائيل، وانضمت إليها جماعات مسلحة أخرى.

ويُعتقد أن الجيش الإيراني يمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، والطائرات المسيّرة الرخيصة، وقد استخدمت إيران هذه الأنظمة ضد إسرائيل خلال هجمات في أبريل (نيسان) و1 أكتوبر، بعد مقتل شخصيات بارزة من «حماس» و«حزب الله».

ويتبادل «حزب الله» وإسرائيل النيران يومياً على الحدود، حيث يمتلك «حزب الله» ترسانة كبيرة من الصواريخ القادرة على استهداف مدن إسرائيلية ومرافق استراتيجية، ومنذ سيطرة «حماس» على غزة عام 2007، شنّت هجمات دورية على إسرائيل باستخدام صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، بينما أطلق الحوثيون المدعومون من إيران أيضاً صواريخ وطائرات مسيّرة نحو إسرائيل.

وقالت الولايات المتحدة، الأحد، إنها سترسل منظومة متطوّرة مضادة للصواريخ إلى إسرائيل مع قوات أميركية لتشغيلها، في مسعى لتعزيز الدفاعات الجوية الإسرائيلية في أعقاب هجمات صاروخية شنّتها إيران.

وأوضح الميجر جنرال باتريك رايدر، المتحدث باسم البنتاغون، أن عملية النشر جزء من «التعديلات الأوسع التي أجراها الجيش الأميركي في الأشهر القليلة الماضية» لدعم إسرائيل، والدفاع عن الجنود الأميركيين من هجمات إيران والجماعات المدعومة من إيران.

لكن نشر قوات عسكرية أميركية في إسرائيل أمر نادر خارج نطاق التدريبات؛ نظراً للقدرات العسكرية الإسرائيلية، فقد ساعدت القوات الأميركية في الأشهر القليلة الماضية إسرائيل في الدفاع عن نفسها، من السفن الحربية والطائرات المقاتلة في الشرق الأوسط عندما تعرّضت لهجوم إيراني.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، إن الولايات المتحدة تعرّض حياة جنودها «للخطر، من خلال نشرهم لتشغيل أنظمة الصواريخ الأميركية في إسرائيل».

ويتوقع أن تشنّ إسرائيل هجوماً على منشآت عسكرية إيرانية، رداً على الهجوم الصاروخي الأخير.

وقال مسؤولون إسرائيليون لموقع «أكسيوس» الإخباري، الأحد، إن المجلس الأمني لم يتخذ بعدُ قراراً نهائياً بشأن توقيت ونطاق الرد الإسرائيلي على الهجوم الإيراني.

وعارض الرئيس الأميركي جو بايدن استهداف المنشآت النفطية والنووية الإيرانية، لكن اقترب من تفاهُم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مكالمتهما، يوم الأربعاء الماضي، حول نطاق الرد المحتمل من إسرائيل ضد إيران.

ما أنظمة الدفاع الإسرائيلية؟

بطارية من نظام القبة الحديدية الإسرائيلي في محيط غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

القبة الحديدية

بحسب تقرير لوكالة «بلومبرغ»، تُعدّ القبة الحديدية من أشهَر وأكثر أنظمة الدفاع الجوي نشاطاً في إسرائيل. منذ عام 2011، وقد اعترضت هذه المنظومة آلافاً من الصواريخ التي أطلقتها جماعة «حزب الله»، ومسلحون فلسطينيون من قطاع غزة، وتم تطوير النظام من قِبل شركة «رافائيل» الإسرائيلية للتكنولوجيا الدفاعية، وتم إنتاجه بالتعاون مع شركة «رايثيون» الأميركية منذ عام 2014.

وصُمّمت القبة الحديدية للتصدي للمقذوفات والطائرات المسيّرة ذات المدى القصير، الذي يتراوح من 4 إلى 70 كيلومتراً (2.5 إلى 43 ميلاً)، وتقول القوات المسلحة الإسرائيلية، إن القبة الحديدية تعترض 90 في المائة من هذه المقذوفات التي تتجه نحو المناطق المأهولة بالسكان، وفي أبريل أعلنت القوات المسلحة الإسرائيلية أن النسخة البحرية المتنقّلة من القبة الحديدية، المعروفة باسم «C-Dome»، أصبحت فعّالة، ويمكن استخدامها لمواجهة هجمات «حزب الله» التي تستهدف حقول الغاز البحرية أو السفن.

مقلاع داود (صورة أرشيفية من مواقع عسكرية متخصصة)

مقلاع داود

في عام 2017، قامت إسرائيل بتركيب نظام اعتراضي متوسط إلى بعيد المدى يُعرف باسم «مقلاع داود» الذي تم تطويره بالتعاون بين «رافائيل» و«رايثيون»، وتم تصميم «داود» لاكتشاف وتدمير الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، بالإضافة إلى الطائرات المسيّرة، بمدى يصل إلى 200 كلم، ويغطي هذا النطاق جنوب لبنان وقطاع غزة.

صاروخ آرو 3 (أرشيفية - وزارة الدفاع الإسرائيلية)

السهم (آرو)

تمتلك إسرائيل أيضاً نظام الصواريخ المتقدمة «آرو»، الذي يتكون من آرو 2 وآرو 3، وقد صرّح المطوّرون أن نظام السهم قادر على اعتراض الصواريخ التي تُطلق من مسافة تصل إلى 2,400 كلم، ويمكنه القيام بذلك خارج الغلاف الجوي للأرض، حيث تقضي الصواريخ الباليستية بعيدة المدى جزءاً من وقت رحلتها.

جندي يقف أمام منصة صواريخ لمنظومة «ثاد» بعد وصول تعزيزات أميركية إلى منطقة الشرق الأوسط أكتوبر العام الماضي (الجيش الأميركي)

ثاد

وأعلن البنتاغون في 13 أكتوبر أنه سيقوم بنشر بطارية الدفاع الجوي «ثاد» (نظام الدفاع الجوي في مناطق الارتفاع العالي) في إسرائيل؛ استعداداً لعمليات الإطلاق الصاروخي المحتملة من إيران، وتم تصميم هذا النظام الذي تصنعه شركة «لوكهيد مارتن»؛ لتدمير الصواريخ الباليستية القصيرة والمتوسطة المدى على ارتفاعات عالية. وتتكون بطارية «ثاد» من 6 قاذفات مثبّتة على شاحنات، و8 صواريخ اعتراضية لكل قاذفة، ومعدات مرتبطة. في خطوة غير مسبوقة للسياسة العسكرية الإسرائيلية، وسيتم تشغيل المعدات جزئياً على الأقل بواسطة أفراد من الجيش الأميركي.

وتشكّل منظومة الدفاع الصاروخي للارتفاعات العالية (ثاد) جزءاً أساسياً من أنظمة الدفاع الجوي المتعدّدة الطبقات للجيش الأميركي، وتضاف إلى دفاعات إسرائيل الصاروخية القوية بالفعل، وتحتاج بطارية «ثاد» عادةً إلى نحو 100 جندي لتشغيلها، وهي تحتوي على 6 منصات إطلاق محمولة على شاحنات مع 8 صواريخ اعتراضية على كل منصة، ورادار قوي.

الشعاع الحديدي

وتختبر القوات العسكرية الإسرائيلية نظاماً آخر يسمى «الشعاع الحديدي»، الذي يستخدم الليزر لاعتراض المقذوفات المُطلَقة على مسافات قريبة، بتكلفة أقل من تكلفة القبة الحديدية، ومن المتوقع ألا يكون «الشعاع الحديدي» جاهزاً للتشغيل قبل منتصف عام 2025.

هل يمكن تجاوز الدفاعات الإسرائيلية؟

الهجوم الإيراني في 1 أكتوبر لم يُسفر عن إصابات في إسرائيل، لكن عدداً من الصواريخ الباليستية تجاوز الدفاعات الجوية، مُسفراً عن أضرار تقدَّر بنحو 150 إلى 200 مليون شيكل (نحو 40 إلى 53 مليون دولار). وألحق «حزب الله» أضراراً في شمال إسرائيل باستخدام الطائرات المسيّرة، حيث أسفر هجوم في 13 أكتوبر عن مقتل 4 جنود، كما أدى هجوم الحوثيين على تل أبيب في 19 يوليو (تموز) إلى مقتل رجل بسبب «خطأ بشري» في الاعتراض.

وقد اعترف الجيش الإسرائيلي بأن دفاعاته، مثل القبة الحديدية، يمكن أن تُتجاوَز إذا تم إطلاق عدد كبير من المقذوفات في وقت واحد، حيث يتوقع أن يطلق «حزب الله» نحو 3000 صاروخ يومياً في حالة الحرب الشاملة.

وتم اختبار بعض أنظمة الدفاع الجوي الجديدة في إسرائيل مؤخراً في ساحة المعركة، وحقّق نظام «آرو 3» أول نجاح له في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 بإسقاط صاروخ أطلقه الحوثيون نحو جنوب إسرائيل، بينما أسقط نظام «ديفيد سلينغ» صواريخ من غزة خلال القتال في مايو (أيار) 2023، واستُخدم النظامان بنجاح أثناء قصف إيران على إسرائيل في أبريل، حيث اعترضت إسرائيل وحلفاؤها 99 في المائة من 300 طائرة مسيّرة وصاروخ، وساعدت الولايات المتحدة أيضاً في اعتراض الهجوم الذي وقع في 1 أكتوبر، وأكّدت أن الأضرار كانت محدودة، برغم أن بعض الضربات تجاوزت الدفاعات الجوية الإسرائيلية.


مقالات ذات صلة

تركيا تكثف مساعيها لتهدئة التوتر في إيران وإبعاد خطر التدخل الخارجي

شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب)

تركيا تكثف مساعيها لتهدئة التوتر في إيران وإبعاد خطر التدخل الخارجي

عبّرت تركيا عن قلقها إزاء الوضع في إيران وأكدت ضرورة إجراء حوار من أجل تخفيف التوترات في المنطقة وسط مخاوف من تدخلات خارجية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية متظاهرات يحملن صور الإيرانية مهدية أسفندياري في طهران أكتوبر الماضي للمطالبة بإطلاق سراحها من سجن فرنسي (أ.ف.ب)

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس الثلاثاء وسط تعقيدات

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس، الثلاثاء، وسط تعقيدات قانونية ودبلوماسية وطهران تسعى لـ«مقايضة» أسفندياري بالفرنسيين كوهلر وباريس المحتجزين في إيران.

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)

إيران تستعد لحرب محتملة في ظل تصاعد الاحتجاجات

هددت إيران، الأحد، باستهداف إسرائيل والقواعد والمراكز والسفن العسكرية الأميركية في المنطقة إذا تعرضت لضربة أميركية، في وقت دخلت فيه الاحتجاجات أسبوعها الثالث.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية محتجون يغلقون طرقاً خلال مظاهرة طهران الخميس (أ.ب)

طهران في مرمى التحذيرات الأميركية… وإسرائيل ترفع الجاهزية

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الأحد، دعم بلاده لما وصفه بـ«نضال الشعب الإيراني من أجل الحرية»، في وقت تتواصل فيه الاحتجاجات داخل إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - تل أبيب: «الشرق الأوسط»)
شؤون إقليمية مقاتلة من طراز «إف 35» خلال حفل تخرج لطياري سلاح الجو الإسرائيلي (رويترز)

تقرير: طائرة إف 35 التي تعدّها إسرائيل «أعظم أسلحتها» قد تصبح «أكبر مشاكلها»

قالت صحيفة «إسرائيل هيوم» إن طائرة إف 35 الشبحية، التي منحت إسرائيل تفوقاً ساحقاً، أصبحت تحظى باهتمام خصومها، مما يُعرّض تفوق إسرائيل النوعي للخطر بسبب التأخير

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

إيران تغلق مؤقتا مجالها الجوي أمام معظم الرحلات 

طائرتان تابعتان للخطوط الجوية الإيرانية في مطار الخميني الدولي جنوب طهران (أرشيفية - ميزان)
طائرتان تابعتان للخطوط الجوية الإيرانية في مطار الخميني الدولي جنوب طهران (أرشيفية - ميزان)
TT

إيران تغلق مؤقتا مجالها الجوي أمام معظم الرحلات 

طائرتان تابعتان للخطوط الجوية الإيرانية في مطار الخميني الدولي جنوب طهران (أرشيفية - ميزان)
طائرتان تابعتان للخطوط الجوية الإيرانية في مطار الخميني الدولي جنوب طهران (أرشيفية - ميزان)

أفاد إشعار على موقع إدارة الطيران الاتحادية بأن إيران أغلقت مجالها الجوي مؤقتا أمام ​جميع الرحلات الجوية باستثناء الرحلات الدولية منها وإليها بتصريح رسمي اعتبارا من الساعة 2215 بتوقيت غرينتش أمس الأربعاء.

وذكر الإشعار أنه من المقرر أن يستمر الإغلاق لأكثر من ساعتين حتى 0030 بتوقيت غرينتش، مع احتمال تمديده. وقال مسؤول أمريكي أمس الأربعاء إن الولايات المتحدة تسحب بعض الأفراد من قواعدها في الشرق الأوسط، ‌وذلك بعد أن ‌قال مسؤول إيراني كبير إن ‌طهران ⁠حذرت ​جيرانها من ‌أنها ستستهدف القواعد الأميركية إذا تعرضت إيران لقصف أميركي.

ويمثل إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة بأعداد متزايدة في مناطق النزاع خطرا كبيرا على حركة الطيران. وقالت إنديغو، أكبر شركة طيران هندية، إن بعض رحلاتها الدولية ستتأثر بالإغلاق المفاجئ للمجال الجوي الإيراني. وعادت إلى موسكو رحلة تابعة لشركة إيروفلوت ⁠الروسية كانت متجهة إلى طهران بعد الإغلاق، وفقا لبيانات موقع فلايت ‌رادار24.

وأصدرت ألمانيا أمس الأربعاء توجيهات جديدة ‍تحذر فيها شركات الطيران في ‍البلاد من دخول المجال الجوي الإيراني، وذلك ‍بعد فترة وجيزة من قيام شركة لوفتهانزا بإعادة جدولة رحلاتها الجوية عبر الشرق الأوسط وسط تصاعد التوتر في المنطقة.

وتحظر الولايات المتحدة بالفعل على جميع الرحلات الجوية التجارية الأميركية التحليق فوق ​إيران ولا توجد رحلات جوية مباشرة بين البلدين.

وألغت شركات الطيران مثل فلاي دبي والخطوط الجوية ⁠التركية عددا من الرحلات الجوية إلى إيران في الأسبوع الماضي. وقالت لوفتهانزا أمس الأربعاء إنها ستتجنب التحليق في المجالين الجويين الإيراني والعراقي حتى إشعار آخر بينما ستسير رحلات نهارية فقط إلى تل أبيب وعمان من الأربعاء حتى الاثنين من الأسبوع المقبل حتى لا تضطر أطقم الطائرات إلى المبيت في المطارات. وأضافت في بيان أن بعض الرحلات قد تُلغى نتيجة لهذه الإجراءات.

وقالت شركة الطيران الإيطالية إيتا إيروايز، التي تعد مجموعة لوفتهانزا أحد المساهمين ‌الرئيسيين فيها، إنها ستعلق أيضا رحلاتها الليلية إلى تل أبيب حتى يوم الثلاثاء من الأسبوع المقبل.


الجيش الإسرائيلي يرفع جهوزيته استعداداً لـ«كل السيناريوهات»

عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي)
عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي)
TT

الجيش الإسرائيلي يرفع جهوزيته استعداداً لـ«كل السيناريوهات»

عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي)
عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي)

على رغم أن تقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، يتجه إلى تنفيذ ضربة عسكرية محدودة ضد إيران، هدفها دفع النظام في طهران إلى طاولة المفاوضات، وليس تغيير النظام لصالح الاحتجاجات الشعبية الضخمة، وبالتالي ستتردد إيران كثيراً وقد تلجم نفسها وتمتنع عن الرد بضرب إسرائيل؛ فإن الأجواء في تل أبيب متوترة وتخيم عليها حالة من الحيرة والتلبك.

وبحسب ما أوردته هيئة البث العام الإسرائيلية (كان 11)، الأربعاء، فإن الاجتماع الذي عقده «الكابينت» (المجلس الوزاري المصغر الشؤون السياسية والأمنية في الحكومة)، برئاسة بنيامين نتنياهو، مساء الثلاثاء، تداول في مختلف السيناريوهات، ولكنه لم يستقر على سيناريو محدد حول حجم الأزمة.

ضبابية الأميركيين

ونقل عن مصدر رفيع قوله إن الأميركيين يحافظون على السر ولا يكشفون نواياهم بشكل دقيق. ويتركون الأمور ضبابية بشكل متعمد. ولذلك فإن على إسرائيل أن تكون متيقظة وعلى أهبة الاستعداد لمواجهة أخطر السيناريوهات.

وقالت القناة إن أجهزة الأمن الإسرائيلية قدمت للقيادة السياسية، صورة عن الوضع في إيران قالت فيها إن هناك ما لا يقل عن 4 آلاف مدني قتلوا حتى الآن في الاحتجاجات داخل إيران، مع تقدير بأن العدد الحقيقي قد يكون أعلى. وترى إسرائيل، بحسب التقرير، أن «مستوى العنف المرتفع المستخدم من قبل السلطات الإيرانية يُعد مؤشراً على قلق النظام من اهتزاز استقراره الداخلي»، في ظل اتساع رقعة الاحتجاجات وغياب قيادة مركزية لها.

ومن هنا جاء الاستنتاج بأن «أميركا ستضرب حتماً، في حال لم يتخل القائد الإيراني عن غطرسته ويلجم نفسه ويوقف البطش». لكن المصدر الذي اعتمدته القناة أكد أن الضربة الأميركية لن تكون عملية حربية ضخمة لكنها ستكون موجعة. وهنا يسأل السؤال حول طبيعة الرد الإيراني، وهل سيكون بمثابة كسر للقوالب والدخول في صدامات إقليمية مع الجميع، أم سيتحكم العقل ويتجهون لتحقيق المطلب الأميركي الأساسي، وهو العودة إلى مفاوضات الاتفاق النووي بطريقة إيجابية؟!

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع الكابينت الإسرائيلي في يناير 2025 (د.ب.أ)

رفع حالة التأهب

أما «القناة 12» الإسرائيلية، فشددت على أن أجهزة الأمن، وعلى رغم أنها «لن تفاجأ في حال وقوع ضربة إذا امتنعت طهران عن الرد بضرب إسرائيل»، فقد قررت رفع حالة التأهّب الأمني إلى المستوى الأقصى، خلال الساعات الأخيرة. وأكدت أن من يقرأ جيداً تصريحات ترمب بشأن إيران، ويطلع على الحراك الأميركي، يدرك أن الضربة الأميركية لا بد منها، وباتت أقرب من أي وقت مضى.

ونقلت عن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، قوله في اجتماع مغلق، أن الولايات المتحدة قد تتحرك في المرحلة الأولى عبر وسائل غير عسكرية، من دون تنفيذ ضربة عسكرية «صاخبة وعلنية»، كما أن السؤال المطروح حالياً لم يعد «هل» ستتحرك الولايات المتحدة عسكرياً، بل «متى».

توقعات الرد الإيراني

وفي هذا الإطار، أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأنه، و«ضمن حدود ما تسمح الرقابة العسكرية بنشره في هذه المرحلة»، فإن الجيش الإسرائيلي رفع من مستوى جاهزيته تحسباً لسيناريوهات تصعيد محتملة مع إيران، مشيرة إلى أن حالة التأهّب رُفعت في عدة تشكيلات عسكرية للتعامل مع سيناريوهات مختلفة. وقال مسؤول أمني إسرائيلي رفيع: «الرد الإيراني سيتحدد وفق طبيعة وحجم العملية الأميركية. فقد لا تؤدي عملية محدودة بالضرورة إلى رد ضد إسرائيل، لكن عملية واسعة قد تفرض رداً، ونحن مستعدون لذلك دفاعياً وهجومياً».

وأشار التقرير إلى أن الاستعدادات الإسرائيلية لا تقتصر على الجبهة الداخلية، بل تشمل أيضاً رفع مستوى الجهوزية في البعثات الدبلوماسية والمصالح الإسرائيلية حول العالم، خشية استهداف سفارات أو جاليات يهودية في حال التصعيد.

فتح الملاجئ

وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن العديد من البلديات الإسرائيلية، بالتنسيق مع الجبهة الداخلية، قررت فتح الملاجئ لحماية المواطنين من أي هجوم إيراني، وبينها بلدية ديمونة، التي يقع المفاعل النووي ضمن منطقة نفوذها. وأكدت أن الجيش أعد بطاريات القبة الحديدية وغيرها من وسائل الدفاع الجوي لتكون في أعلى جاهزية.

وأفادت القناة 13 بأن المنظومة الأمنية الإسرائيلية تُجري تنسيقاً وثيقاً مع الإدارة الأميركية خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، في ظل متابعة حثيثة للسيناريوهات المطروحة.

وأكدت القناة أن تقديرات الأجهزة الأمنية تميل إلى أن الاحتجاجات في إيران «تمتلك إمكانات غير مسبوقة قد تؤدي إلى زعزعة، بل وربما إسقاط، النظام الإيراني»، ولذلك فإن احتمال أن تقوم القيادة الإيرانية بتوجيه ضربات يائسة وارد. وقالت إنه بحسب المعطيات التي عُرضت على الوزراء في «الكابينت»، فإن 500 عنصر من أجهزة النظام الإيراني قتلوا خلال المواجهات مع المتظاهرين، ما يُعد «مؤشراً على تمرد واسع» يتجاوز ما شهدته موجات احتجاج سابقة.


الأوروبيون متمسكون برفض «التغيير بالقوة» في إيران

أورسولا فون دير لاين إلى جانب رئيسة حكومة آيرلندا كريسترون فروستدوتير في بروسك (إ.ب.أ)
أورسولا فون دير لاين إلى جانب رئيسة حكومة آيرلندا كريسترون فروستدوتير في بروسك (إ.ب.أ)
TT

الأوروبيون متمسكون برفض «التغيير بالقوة» في إيران

أورسولا فون دير لاين إلى جانب رئيسة حكومة آيرلندا كريسترون فروستدوتير في بروسك (إ.ب.أ)
أورسولا فون دير لاين إلى جانب رئيسة حكومة آيرلندا كريسترون فروستدوتير في بروسك (إ.ب.أ)

تجد الدول الأوروبية نفسها عاجزة عن التأثير في الأحداث الدامية التي تعيشها إيران في أسبوعها الثالث. وحتى اليوم، اكتفى الاتحاد الأوروبي على مستوى المجموعة والأعضاء فرادى، بالتنديد بما يحصل في شوارع المدن الإيرانية من قمع وعنف وقتل، فيما الأرقام متضاربة إزاء أعداد الضحايا.

جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، وصف صباح الأربعاء، في حديث لإذاعة «آر تي إل» ما يحصل بأنه «القمع الأكثر عنفاً في التاريخ المعاصر لإيران، ويجب أن يتوقف حتماً». ولكن لا يبدو أن باريس ستذهب أبعد من استدعاء السفير الإيراني لإيصال رسالة إلى السلطات الإيرانية لوضع حد لعنفها «على نحو حتمي».

ميرتس: النظام الإيراني ينهار

ما قامت به باريس فعلت مثله غالبية العواصم الأوروبية مثل برلين ولندن ومدريد وبرشلونة ولاهاي وبروكسيل، وكذلك المفوضية الأوروبية بلسان رئيستها أورسولا فون دير لاين، ومسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس. بيد أن فون دير لاين أضافت، في تغريدة على منصة «إكس»، أنها «سوف تقترح فرض عقوبات إضافية على المسؤولين عن عمليات القمع على وجه السرعة». وبما أن الأوروبيين يحملون «الحرس الثوري» مسؤولية القمع، فإن أصواتاً عديدة تطالب بوضعه على لائحة الإرهاب الأوروبية. لكن المسؤولة الأوروبية ردت، الثلاثاء، بأنه «ليست هناك أسس قانونية» تتيح مثل هذا التدبير مع تذكيرها بأن الاتحاد سبق له أن جمّد أصول «الحرس الثوري» وحظر منح تأشيرات سفر لعناصره على خلفية انتهاك حقوق الإنسان. وكانت فون دير لاين قد كتبت في تغريدة سابقة أن «أوروبا تقف بالكامل إلى جانب المتظاهرين المطالبين بالحرية». ومن جانبه، لم يتأخر البرلمان الأوروبي في إصدار قرار يمنع ممثلي إيران الرسميين من الولوج إلى مقره.

ما ينوي الاتحاد القيام به يتطابق مع خطط بريطانيا التي أعلنت وزيرة خارجيتها، إيفيت كوبر، الثلاثاء، أن لندن ستُقدم اقتراح قانون لـ«فرض عقوبات شاملة وإضافية» على إيران مع «استهداف قطاعات المال والطاقة والنقل وغيرها من الصناعات الرئيسية التي تُساهم في تعزيز برنامج طهران النووي». وحسب كوبر، فإن لندن «ستعمل بشكل أوثق مع الاتحاد الأوروبي وشركاء آخرين لدرس تدابير إضافية». أما ألمانيا، فإنها، وفق وزارة الخارجية، عازمة على تقليص حجم تجارتها مع إيران في إطار الضغط على سلطات طهران.

بيد أن المستشار الألماني فريدريتش ميرتس كان الأكثر عنفاً في تناوله الملف الإيراني إذ اعتبر، الثلاثاء، في تصريح خلال زيارته للهند أن النظام الإيراني «لا يستطيع البقاء في السلطة إلا من خلال العنف، وإنه عملياً في نهايته»، مضيفاً: «أعتقد أننا نشهد الآن بالفعل الأيام والأسابيع الأخيرة لهذا النظام». واتهم النظام بأنه «فاقد للشرعية»، كاشفاً عن أن وزراء خارجية ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة «على اتصال وثيق لضمان حدوث انتقال سلمي في إيران إلى حكومة ديمقراطية شرعية».

متظاهرون أمام السفارة الفرنسية في طهران يحملون صوراً لمواطنتهم مهدية أسفندياري التي تحاكم في باريس بتهم الإرهاب (أ.ف.ب)

لماذا المواقف المتساهلة

كثيرة هي التساؤلات حول «ميوعة» ردود الفعل الأوروبية على ما يحصل في إيران. فالتوصيف بالغ التشدد لكن الأفعال يرى كثيرون أن الأوروبيين على مستوى المسؤولية. وطالب نواب في البرلمان الأوروبي، ومنهم الفرنسي رافاييل كلوكسمان، المفوضية باتخاذ تدابير جذرية من غير الذهاب إلى حد المطالبة بالتدخل العسكري. ودعا برلمانيون إلى وقف كل المعاملات التجارية مع إيران وفرض عزلة دبلوماسية على طهران بما في ذلك قطع العلاقات الدبلوماسية، وتجميد أصول مسؤوليها، ومنعهم من الدخول إلى أوروبا، فضلاً عن المطالبة بتحقيق دولي محايد. وباختصار بعدم الاكتفاء بالتنديد والتصريح. وأكثر من جهة شددت على أن الاتحاد الأوروبي يمكن أن يمثل قوة ذات تأثير، وعليه استخدامها لوضع حد لما يجري في إيران.

ترد مصادر أوروبية في باريس بتأكيد أن الأوروبيين «يقومون بما هم قادرون عليه»، وهم ينطلقون من مبدأين: الأول، رفض اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية. والثاني، اعتبارهم أن تغيير الأنظمة السياسية مسألة داخلية ولا يمكن أن يتم بواسطة تدخلات خارجية.

وتشير هذه المصادر إلى التجارب الفاشلة التي حصلت في أفغانستان والعراق وليبيا التي تبين كلها «عبث فرض تغيير الأنظمة» بواسطة التدخلات العسكرية، في إشارة واضحة لنوايا أميركية. وقال برتراند بيزانسينو، السفير الفرنسي السابق في منطقة الخليج لـ«الشرق الأوسط»، إن الأوروبيين «يدركون محدودية الدور الذي يمكن أن يلعبوه. العقوبات استنفدوها مع تفعيل آلية الزناد (سناب باك) في مجلس الأمن، كما أن إيران غير آبهة بما يقومون به، وما يهمها إيجاد وسيلة لكسب الوقت لتهدئة الرئيس ترمب والتوصل معه إلى تفاهم يضمن بقاء النظام».

كذلك يتخوف الأوروبيون من «فراغ اليوم التالي» في إيران في حال سقوط النظام وغياب وجه معارض يفرض نفسه، ومن انعدام التنسيق داخل الحركة الاحتجاجية. كذلك يرون أن «أي تصعيد يمكن أن يضرب استقرار المنطقة (الشرق الأوسط) المهزوزة أصلاً». وتتطابق الرؤية الأوروبية مع المخاوف الخليجية من تصعيد عسكري في المنطقة وفق ما صدر عن عدة مسؤولين خليجيين. وقال الناطق باسم الخارجية الفرنسية بعد ظهر أمس، إن إحدى أولويات باريس «التحضر لكل الاحتمالات الممكنة ومنها التدخلات الخارجية (في إيران) وتجنب التصعيد الإقليمي الذي لا نريده». وكانت هذه النقطة بالذات من ضمن الرسائل التي أوصلها وزير الخارجية بارو إلى نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر بالتأكيد على ضرورة تجنب التصعيد.

رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لوكورنو متحدثاً إلى النواب في البرلمان (إ.ب.أ)

فرنسا و«الحذر البالغ»

يعي الجميع أن الاتحاد الأوروبي يتكون من 27 دولة يصعب غالباً التوفيق بينها بخصوص السياسة الخارجية حيث تسعى كل منها للمحافظة على مصالحها. وفي الوقت الراهن، تبدو باريس الأكثر تراجعاً. ورداً على من يتهم الحكومة بـ«الحذر البالغ» قال رئيسها، سيباستيان لو كورنو، في كلمة أمام البرلمان، الاثنين، إن ما يهم باريس هو «الوضع الهش والمقلق للغاية» لسيسيل كوهلر وجاك باريس، المحتجزَين منذ أكثر من ثلاث سنوات، تحت الإقامة الجبرية في السفارة الفرنسية بطهران، مضيفاً أن «الجمهورية الفرنسية تقف إلى جانب الشعب الإيراني». وبنظره، فإن الحذر «يفضي أيضاً إلى عدم إغفال الأساس، أي المحافظة على قيمنا (...) وحماية الشعب الفرنسي أينما كان، بما في ذلك الجالية الفرنسية في إيران، وحماية مصالح فرنسا في المنطقة». وتجدر الإشارة إلى المحاكمة الجارية حالياً في باريس للإيرانية مهدية أسفندياري المتهمة بتمجيد الإرهاب، التي تريد طهران مقايضتها بكوهلر وباريس.

وكان اتصال هاتفي آخر قد حصل بين بارو ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بعد الانتقادات الأوروبية لأداء السلطات الإيرانية مع المتظاهرين. وكتب الأخير في منشور عبر تطبيق «تلغرام»، الأربعاء، أنه خلال المكالمة الهاتفية مساء أمس الثلاثاء، ناقش مع نظيره الفرنسي «الأحداث» الأخيرة في بلاده.