أصداء واسعة لزيارة السيسي الأولى لتركياhttps://aawsat.com/%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9/5057972-%D8%A3%D8%B5%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%89-%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7
إردوغان استقبل السيسي بحفاوة خلال زيارته أنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)
تتواصل أصداء الزيارة الأولى للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لأنقرة، في وسائل الإعلام وعبر منصات التواصل الاجتماعي في تركيا، لما أحاط بها من مظاهر استقبال غير مسبوقة ومشاهد جذبت الانتباه.
وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ركزت بشكل كبير على الاستقبال الحافل من جانب الرئيس رجب طيب إردوغان، للرئيس السيسي وكسر قواعد البروتوكول مرتين في يوم واحد باستقباله عند باب الطائرة في مطار «إسنبوغا» في أنقرة وتوديعه بالطريقة ذاتها.
وأحدث الموكب الكبير الذي كان في استقبال السيسي ووداعه بالمطار، حيث اصطحبه إردوغان في سيارته الرئاسية ذهاباً وإياباً في أثناء الوصول والمغادرة، صدى واسعاً واجتذب عشرات الآلاف من التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي التي تؤكد أن عودة العلاقات بين مصر وتركيا «حدث تاريخي» وعودة إلى الطريق الصحيح.
كما لفتت تحية السيسي، الذي كان أيضاً أول رئيس مصري يزور تركيا منذ 12 عاماً، لحرس الشرف في قصر «بيشتبه» الرئاسي في أنقرة، خلال مراسم الاستقبال الرسمي لدى وصوله إليه، الانتباه بشدة، حيث توجه إليهم قائلاً: «شكراً عسكر»، لأن المألوف في التحية أن يقول الضيف: «مرحباً عسكر»، وقالت وسائل الإعلام إن السيسي آثر تحية الجنود باللغة العربية، وأن كلمة «شكراً» مفهومة أيضاً لدى الأتراك، لكن استخدامها في تحية الجنود كان أمراً جديداً ولافتاً.
وركز بعض الكتاب على استذكار السيسي لمؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، في بيانه عبر حساباته في منصات التواصل الاجتماعي، عند حديثه عن العلاقات التاريخية العميقة بين مصر وتركيا، مما عدَّها البعض رسالة إجلال لأتاتورك الذي أقام الجمهورية العلمانية في تركيا.
وعلق الكاتب في صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية، عبد القادر سيلفي، بأن العلاقات بين مصر وتركيا شهدت دائماً صعوداً وهبوطاً، لكنَّ حقبة جديدة، ليس فقط في العلاقات بين البلدين ولكن بالنسبة للمنطقة كلها، بدأت مع زيارة إردوغان للقاهرة وزيارة السيسي لأنقرة.
وقال سيلفي، في مقال الخميس، إن «المنطقة يعاد تصميمها وينبغي لتركيا ومصر أن تجلسا جنباً إلى جنب على الطاولة نفسها، يبدأ عصر جديد ليس فقط للعلاقات التركية - المصرية، بل لمنطقتنا أيضاً».
شرق المتوسط وليبيا
من جانبه، قال الكاتب في صحيفة «غازيته دوار»، فهيم طاش تكين، إن التطبيع مع مصر مهم بالنسبة لتركيا من أجل تعطيل معادلة الطاقة التي تطورت لصالح اليونان وقبرص، مما أدى إلى تدمير اتفاق الصلاحيات البحرية بين أنقرة وطرابلس، ويعتقد أن مصر لا تمانع في مساعدة تركيا، ومن المرجح أن يكون هناك اتفاق بينهما لا يثير الجدل.
ولفت إلى أنه في ليبيا، حيث يتواجه البلدان، فإن الوضع الحالي معقَّد للغاية بالنسبة لكل من تركيا ومصر، ومن الطبيعي أن يركز الطرفان على حماية مصالحهما «دون رفع الأيدي»، وأن الاتفاقيات الاستراتيجية التي وقَّعتها تركيا مع الحكومات الانتقالية في طرابلس ليس لها مستقبل إلا بعد إنهاء الانقسام في ليبيا وإقامة إدارة مشتركة.
وأضاف أنه بينما تستمر مصر في الإبقاء على تحفظاتها بشأن حسابات تركيا على الطاولة، فإنها تعتقد أن ليبيا الموحدة لن تكون قادرة على تجاهل مصر في المستقبل، ففي نهاية المطاف، هي جارة حدودية كبيرة، وكشف السيسي في مؤتمره الصحافي مع إردوغان، عن أن حساسيات القاهرة لم تتغير، وهي تتمثل في «إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وضمان الأمن، وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة من البلاد، وهي قضايا مهمة لمستقبل ليبيا».
إردوغان مستقبلاً السيسي بالقصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)
ورأى أن السياسة التي اتَّبعتها أنقرة في ليبيا سهَّلت الأمور للمجموعات التي خربت العملية الانتخابية، متسائلاً: «هل هناك حاجة لتعريفات إضافية للقوات الأجنبية المطلوب انسحابها؟»، وأجاب: «يبدو أن السيسي نجح في استخدام الكلمات بشكل جيد».
وجرت زيارة السيسي لتركيا، التي جاءت بدعوة من إردوغان رداً على زيارته للقاهرة في 14 فبراير (شباط) الماضي والتي أُعلن عنها في وسائل الإعلام التركية أكثر من مرة في مواعيد مختلفة قبل أن تتم الأربعاء، في أجواء ودية وإيجابية، وشهدت انعقاد أول اجتماعات المجلس الاستراتيجي رفيع المستوى للتعاون بين البلدين.
ووقَّع السيسي وإردوغان في ختام الاجتماع على البيان المشترك، وجرت الإشارة فيه إلى أن عام 2025 يوافق الذكرى المئوية لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين تركيا ومصر، وإرادة البلدين رفع الشراكة والتعاون بينهما في جميع المجالات إلى المستوى الاستراتيجي.
وأكد البيان، الذي نشرته كل من رئاسة دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية التركية، والرئاسة المصرية، في وقت متزامن في ختام زيارة السيسي، «أهمية استكشاف سبل جديدة للتعاون بين البلدين على أساس مبدأ المصلحة المتبادلة والتضامن، وأنهما يهدفان إلى تعزيز السلام والازدهار والاستقرار في محيطهما وخارجه، ويكرران التزامهما مبادئ وقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».
إردوغان والسيسي خلال المؤتمر الصحافي في أنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)
ووقع البلدان خلال اجتماع المجلس الاستراتيجي 17 مذكرة تفاهم.
وعبَّر البيان المشترك عن الارتياح لتوقيع مذكرات تفاهم في مجالات المالية والبيئة والتخطيط العمراني والصحة والطاقة والأعمال والزراعة والطيران المدني وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتعليم العالي والعمل والتوظيف والتعاون وتعزيز القدرات، والسكك الحديدية وسياسة المنافسة والتعاون بين الأكاديميات الدبلوماسية.
ولفت إلى أنهما قررا زيادة الجهود المشتركة من أجل تنويع وتعميق التعاون والتنسيق متعدد الأبعاد بين الطرفين من خلال تحديث الإطار القانوني الثنائي القائم في المجالات كافة بما يتوافق مع الاحتياجات، وأن «مجموعة التخطيط المشتركة» برئاسة وزيري خارجية البلدين ستبدأ العمل على مواصلة تحسين العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، على أن يجري إقرارها في الاجتماع القادم لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين.
السيسي وإردوغان شهدا توقيع مذكرات تفاهم للتعاون بين مصر وتركيا (الرئاسة التركية)
وأعرب البلدان عن رغبتيهما في زيادة حجم التجارة البينية إلى 15 مليار دولار سنوياً من خلال مواصلة تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية واستغلال الإمكانات القائمة، واتفقا على مواصلة تحسين البيئة الاستثمارية في بلديهما لرجال الأعمال، وقبلا اتخاذ الإجراءات اللازمة لإزالة المشكلات لدى الجانبين وتشجيع الاستثمارات الجديدة.
وعبَّر البلدان عن تطلعهما لمزيد من تعزيز التشاور حول المسائل الإقليمية بالإضافة إلى تطوير بناء القدرات في القارة الأفريقية، وموافقتهما على الاستمرار في التعاون الوثيق بالمنظمات الدولية والإقليمية، بما في ذلك الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، فضلاً عن تشجيع مزيد من الحوار والتعاون بين تركيا وجامعة الدول العربية، وعزمهما على تعزيز التعاون في إطار مجموعة الدول الإسلامية الثماني للتعاون الاقتصادي.
تزامناً مع جولة خليجية بدأها وزير الخارجية المصري، الأحد، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد بلاده لتقديم جميع أشكال الدعم حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة.
فتحية الدخاخني (القاهرة)
البيت الأبيض: الولايات المتحدة قادرة على «تدمير» جزيرة خرج الإيرانية متى شاءتhttps://aawsat.com/%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9/5253550-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D9%8A%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D9%82%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AA%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%B1-%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%AE%D8%B1%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D9%89-%D8%B4%D8%A7%D8%A1%D8%AA
صورة بالأقمار الصناعية لجزيرة خرج الإيرانية (إ.ب.أ)
واشنطن:«الشرق الأوسط»
TT
واشنطن:«الشرق الأوسط»
TT
البيت الأبيض: الولايات المتحدة قادرة على «تدمير» جزيرة خرج الإيرانية متى شاءت
صورة بالأقمار الصناعية لجزيرة خرج الإيرانية (إ.ب.أ)
قال البيت الأبيض، الجمعة، إن الولايات المتحدة قادرة على «تدمير» جزيرة خرج الإيرانية متى شاءت، وذلك عقب تقرير أفاد بأن إدارة دونالد ترمب تدرس خططاً لاحتلال الجزيرة النفطية أو فرض حصار عليها.
وتعليقاً على تقرير لموقع «أكسيوس»، قالت نائبة المتحدثة الصحافية باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية: «يمكن للجيش الأميركي تدمير جزيرة خرج في أي وقت إذا أصدر الرئيس الأمر بذلك».
قاليباف… جنرال «الحرس» البارع في فن إعادة التموضعhttps://aawsat.com/%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9/5253547-%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D9%81%E2%80%A6-%D8%AC%D9%86%D8%B1%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%B9-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%86-%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D8%B6%D8%B9
قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)
لندن:«الشرق الأوسط»
TT
لندن:«الشرق الأوسط»
TT
قاليباف… جنرال «الحرس» البارع في فن إعادة التموضع
قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)
من بين رجال المرشد الإيراني الذين عبروا الحرب، والأمن، والسياسة، والاقتصاد، يبرز رئيس البرلمان، والقيادي في «الحرس الثوري» محمد باقر قاليباف بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات تعبيراً عن طبيعة نظام الحكم نفسه: نظام يكافئ الولاء، ويستثمر في رجال الميدان، ويمنح الناجين من معارك الداخل والخارج فرصاً متكررة لإعادة التموضع.
وعلى امتداد أربعة عقود، انتقل قاليباف من خنادق الحرب إلى قمرة القيادة، ومن قيادة الشرطة إلى بلدية طهران، ثم إلى رئاسة البرلمان، من دون أن ينجح في تحقيق طموحه الأكبر: الجلوس في قصر الرئاسة.
لكن فشل قاليباف في بلوغ المنصب الأول تنفيذياً لا يعني أنه خسر معركة النفوذ. على العكس، فإن مسيرته تكشف عن نموذج سياسي خاص داخل إيران: رجل دولة أمني الطابع، شديد الصلة بـ«الحرس الثوري»، قادر على تقديم نفسه تارةً بصفة الجنرال الحازم، وتارةً بصفة المدير التنفيذي، وتارةً ثالثة بصفة السياسي البراغماتي القريب من هموم الفئات البائسة. وبين هذه الوجوه المتعاقبة، بقي عنصر واحد ثابتاً: حرصه على البقاء داخل الدائرة الصلبة للنظام، لا على هامشها.
ابن مشهد الذي صعد مع جيل الحرب
ولد قاليباف عام 1961 في طرقبة قرب مشهد، المدينة التي خرج منها عدد كبير من رجال الدولة والأمن في الجمهورية الإسلامية. وكان انتماؤه الجغرافي إلى خراسان مهماً في بيئة سياسية تقوم، إلى جانب الآيديولوجيا، على الشبكات الشخصية، والروابط المحلية. فمشهد لم تكن مجرد مدينة دينية كبرى، بل كانت أيضاً خزاناً بشرياً لنخب النظام، وفيها تتقاطع المؤسسة الدينية مع دوائر الأمن و«الحرس الثوري».
دخل قاليباف الحياة العامة من بوابة الحرب العراقية-الإيرانية. مثل كثيرين من أبناء جيله، صاغت الحرب شخصيته السياسية، والأمنية، ومنحته رأسمال رمزياً ظل يرافقه في كل المناصب اللاحقة. انخرط أولاً في «الباسيج»، ثم في «الحرس الثوري»، وصعد بسرعة لافتة داخل التشكيلات القتالية، حتى بات من أصغر القادة سناً في سنوات الحرب. وتولى مسؤوليات في وحدات بارزة، مثل «نصر خراسان»، ونسج في تلك المرحلة علاقات مع أسماء ستصبح لاحقاً من أعمدة النظام، بينها الجنرال قاسم سليماني، وخليفته إسماعيل قاآني، وغيرهما من كبار قادة «الحرس».
قاليباف والرئيس الأسبق إبراهيم رئيسي شكلا أبرز نموذج لسيطرة أبناء محافظة خراسان على الجهازين التشريعي والتنفيذي (برلمان)
لم تكن حرب الثمانينات بالنسبة إلى قاليباف مجرد سيرة بطولية تروى في الحملات الانتخابية، بل كانت المدرسة التي أتاحت له دخول النخبة الحاكمة من أوسع أبوابها. فمن رحم تلك التجربة خرج جيل كامل من القادة الذين تحولوا لاحقاً إلى شبكة مصالح ونفوذ ممتدة بين المؤسسة العسكرية، والاقتصاد، والسياسة، وكان قاليباف من أكثرهم مهارة في تحويل رصيده العسكري إلى رصيد سياسي.
البوابة الصامتة للنفوذ
بعد انتهاء الحرب، لم يخرج قاليباف من المعادلة كما خرج آلاف المقاتلين. على العكس، انتقل مع «الحرس الثوري» إلى المرحلة التالية من بناء الجمهورية: التمدد داخل الاقتصاد، والدولة. وتولى قيادة مجموعة «خاتم الأنبياء»، الذراع الاقتصادية الأهم لـ«الحرس»، في مرحلة كان فيها هذا الكيان يتحول من مؤسسة هندسية مرتبطة بإعادة الإعمار إلى إمبراطورية اقتصادية تنافس القطاع الخاص، وتستحوذ على المشاريع الكبرى.
صورة من جواز سفر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف
وتعد هذه المحطة بالذات ضرورية لفهم قاليباف. فهي تكشف أن مسيرته لم تكن محصورة في الأمن، أو الحرب، بل مرت أيضاً عبر البنية الاقتصادية التي شكلها «الحرس الثوري» بعد الحرب. ومنذ ذلك الوقت، صار اسمه مرتبطاً بمنظومة ترى الدولة مجالاً لإدارة الموارد والنفوذ معاً، لا مجرد جهاز إداري محايد. وداخل هذه المنظومة، يكتسب رجال «الحرس» قيمة مضاعفة حين يجمعون بين السجل العسكري، والخبرة التنفيذية، والولاء السياسي.
ثم انتقل قاليباف إلى قيادة القوة الجوية في «الحرس» بين عامي 1997 و2000. وقدم نفسه في تلك المرحلة باعتباره ضابطاً حديثاً يجمع بين التخصص العسكري والانفتاح التقني، خصوصاً مع ما تردد عن تدريبات تلقاها في الخارج، واهتمامه بالطيران المدني، والعسكري. وفي الموازاة، حصل على الدكتوراه في الجغرافيا السياسية، في مسار بدا كأنه محاولة مبكرة لبناء صورة مركبة: رجل ميدان يحمل أيضاً لغة الإدارة، والدراسة.
قاليباف يجلس بجوار ابن مدينته مشهد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني على هامش مراسم حكومية (موقع البرلمان)
رسالة 1999... لحظة الانكشاف الأمني
إذا كانت الحرب قد صنعت قاليباف العسكري، فإن احتجاجات 1999 صنعت صورته الأمنية الأكثر رسوخاً. ففي تلك السنة، ومع انفجار الحركة الطلابية في طهران، ومدن أخرى، كان قاليباف بين أبرز قادة «الحرس» الذين وقعوا الرسالة الشهيرة إلى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، ملوحين بتدخل حاسم إذا لم توقف الحكومة الاحتجاجات. لم تكن تلك الرسالة مجرد موقف من أزمة داخلية، بل كانت إعلاناً مبكراً بأن «الحرس» يرى نفسه وصياً على المسار السياسي عندما يعتقد أن النظام مهدد.
لاحقاً، طاردت قاليباف تسجيلات وتصريحات نسبت إليه، وتفاخر فيها بأنه شارك بنفسه في قمع الطلاب، وأنه كان مستعداً للنزول إلى الشارع واستخدام العصا. وفي مناظرات انتخابات الرئاسة 2013، عاد ملفه الأمني إلى الواجهة حين ذكّره حسن روحاني برواية «الكماشة» الشهيرة، في إشارة إلى طريقة التعاطي مع الاحتجاجات الطلابية. ومنذ ذلك الوقت، بقي لقب «جنرال الكماشة» جزءاً من صورته العامة، لا سيما لدى خصومه من الإصلاحيين، والناشطين.
لم يكن هذا الإرث عبئاً داخل المؤسسة الحاكمة؛ بل كان في أحيان كثيرة مصدر قوة. ففي دولة تعطي الأولوية للأمن، والاستقرار، يمكن لسجل كهذا أن يُقرأ باعتباره دليلاً على الحزم، والانضباط، لا على القسوة فقط. ولهذا لم يمنع هذا الماضي صعوده اللاحق، بل ربما مهّد له.
قائد الشرطة... تشدد في المضمون
في عام 2000، عيّن المرشد علي خامنئي قاليباف قائداً للشرطة الإيرانية. كان التعيين ذا دلالة سياسية واضحة. فالرجل جاء من الحرس، وفي لحظة أراد فيها النظام إعادة ضبط الشارع بعد صعود الإصلاحيين، واحتجاجات الطلبة، بدا أنه يمثل الخيار الموثوق من بيت المرشد.
القائد السابق للوحدة الصاروخية أمير علي حاجي زاده يهمس في أذن قاليباف (أرشيفية-موقع البرلمان)
وخلال توليه هذا المنصب، سعى قاليباف إلى إظهار الشرطة بمظهر أكثر حداثة، وتنظيماً. أُدخلت تجهيزات جديدة، وبرز خطاب عن المهنية، والانضباط، وجرى تسويق صورته باعتباره قائداً تنفيذياً قادراً على تحديث المؤسسات. لكن هذا الوجه التحديثي لم يلغِ حقيقة أن عهده شهد أيضاً تشديداً أمنياً على الناشطين، والمثقفين، والصحافيين، فضلاً عن إعادة تفعيل دوريات الآداب العامة وشرطة الأخلاق في الفضاء الاجتماعي.
هنا ظهر التناقض الذي سيرافقه طويلاً: رجل يتحدث بلغة الإدارة الحديثة، لكنه يعمل من داخل منطق أمني صارم. يحاول أن يبدو إصلاحياً في الأدوات، بينما يظل محافظاً في الجوهر. وهذه الازدواجية ستكون لاحقاً منبع قوته، ونقطة ضعفه في آنٍ واحد.
الطيار يخسر أمام الشعبوي
دخل قاليباف السباق الرئاسي أول مرة عام 2005. وكانت تلك لحظة مفصلية، لأن الرجل قرر أن يختبر قدرته على التحول من قائد أمني إلى سياسي وطني. في حملته، بدا مختلفاً عن الصورة المتوقعة لضابط سابق في «الحرس». ظهر بلباس الطيار، وتحدث لغة إدارية وتنموية، وحاول استقطاب الطبقة الوسطى والمدن الحديثة، مقدماً نفسه بصفته تكنوقراطياً قادراً على الإنجاز.
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمينه العام الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
غير أن هذه المحاولة انتهت بإخفاق واضح. فقد خرج من الجولة الأولى، بينما تقدم عليه محمود أحمدي نجاد، الذي نجح في مخاطبة الغضب الشعبي بلغة أكثر شعبوية، وأقل نخبوية.
كشفت تلك الهزيمة عن مشكلة مبكرة في مشروع قاليباف السياسي: قدرته على بناء صورة مهنية لم تكن تكفي وحدها للفوز في انتخابات يختلط فيها الولاء الآيديولوجي بالاستقطاب الاجتماعي، وخيارات مراكز القوة.
ومع ذلك، لم تؤدِ الهزيمة إلى خروجه من المشهد. فبعد أشهر قليلة، انتقل إلى منصب عمدة طهران، ليبدأ أطول مرحلة تنفيذية في مسيرته، وربما أكثرها تأثيراً في مستقبله.
بلدية طهران... شبهات الظل
على مدى 12 عاماً في رئاسة بلدية طهران، بنى قاليباف صورته الأكثر انتشاراً: «رجل الإنجاز». توسعت شبكة المترو، وأُطلقت مشاريع بنية تحتية ضخمة، وشُقت طرق، وأنفاق، وجسور، وحرصت آلة إعلامية واسعة على تقديمه بصفته نموذجاً للمدير الفعال الذي يفضّل العمل على الجدل الآيديولوجي.
داخل العاصمة، اكتسب الرجل سمعة مهمة بين مؤيديه بصفته مسؤولاً يعرف كيف يدير مؤسسات كبرى، ويتخذ قرارات سريعة. وقد حاول مراراً استخدام هذه السمعة لتوسيع قاعدته الوطنية، مقدماً نفسه على أنه تكنوقراط براغماتي قادر على الجمع بين الولاء للنظام والكفاءة التنفيذية.
لكن الوجه الآخر لبلدية قاليباف كان أكثر تعقيداً. فقد تراكمت خلال تلك السنوات اتهامات ثقيلة بالفساد، والمحسوبية. ظهرت قضية «الأملاك الفلكية» التي كشفت بيع عقارات تابعة للبلدية بمبالغ منخفضة إلى مسؤولين وشخصيات نافذة. وتلاحقت ملفات مرتبطة بـ«ياس هولدينغ» ومؤسسة تعاون «الحرس»، وبشبهات حول تحويلات مالية، وتعاقدات غير شفافة. كما أُلقي الضوء على ملفات طالت مقربين منه، وفي مقدمهم نائبه السابق عيسى شريفي، الذي أُدين لاحقاً في قضايا فساد كبيرة.
كذلك أُثير الجدل حول دور مؤسسات مرتبطة بعائلته، ومنها مؤسسة خيرية كانت زوجته من بين القائمين عليها، وحول اسم ابنه في ملفات أخرى. ثم جاءت فضيحة «سيسموني غيت» عام 2022 لتضيف إلى صورته عبئاً جديداً، حين أُثيرت ضجة واسعة حول رحلة عائلية إلى تركيا لشراء مستلزمات باهظة. وبصرف النظر عن المآلات القانونية، فإن تراكم هذه القصص عزز الانطباع بأن قاليباف، الذي تحدث طويلاً عن العدالة الاجتماعية والإدارة الجهادية، لم ينجح في التحرر من صورة السياسي الذي تحيط به شبكات المصالح، والامتيازات.
بين الأمن والبراغماتية...شخصية متعددة الوجوه
إذا كان هناك وصف يلخّص مسيرة قاليباف السياسية، فهو أنه رجل يعيد تصنيع نفسه باستمرار. ففي كل محطة انتخابية تقريباً قدّم نسخة مختلفة من شخصيته العامة. في 2005 كان «الطيار» التكنوقراطي. في 2013 ظهر بملامح أمنية أكثر وضوحاً، وبخطاب أقرب إلى المحافظين المتشددين. في 2017 حاول استلهام الشعبوية الاجتماعية، والحديث باسم «96 في المائة» في مواجهة «4 في المائة» من المستفيدين.
قاليباف يلقي كلمته الأخيرة إلى جانب رجل الدين المتشدد علي رضا بناهيان في مدينة مشهد يونيو 2024 (إ.ب.أ)
وفي 2024 تبنى نبرة أكثر هدوءاً، ومرونة، محاولاً الظهور بمظهر السياسي القادر على التفاوض، والانفتاح التكتيكي من دون الاصطدام بجوهر النظام.
هذا التلون لم يكن مجرد مهارة خطابية، بل يعد انعكاساً لقراءته الدقيقة لمزاج المؤسسة الحاكمة وحاجات كل لحظة. فهو لم يكن يوماً معارضاً من داخل النظام، ولا إصلاحياً بالمعنى السياسي، لكنه أدرك أن مجرد ارتداء عباءة الجنرال لا يكفي للوصول إلى الرئاسة. لذا كان يبدل لغته، ومظهره، وتحالفاته، من دون أن يخرج من الإطار العام للولاء.
غير أن هذا التعدد في الوجوه حمل أيضاً تكلفة سياسية. فقد بدا لكثيرين بلا هوية ثابتة، أو على الأقل بلا خط سياسي متماسك. ولم يتمكن، رغم خبرته الطويلة، من كسب ثقة التيارات المحافظة كلها، ولا من اجتذاب الكتلة المترددة في المجتمع، ولا من طيّ صفحات ملفاته القديمة.
محاولات الرئاسة... حضور دائم وخسارات متكررة
عاد قاليباف إلى سباق الرئاسة في 2013، وكان أداؤه آنذاك أفضل من 2005، إذ حل ثانياً خلف حسن روحاني، لكنه خسر بفارق كبير. وفي تلك الحملة، بدا أن خلفيته الأمنية وسعيه إلى استقطاب المحافظين لم يكونا كافيين أمام مرشح نجح في تقديم نفسه بوصفه رجل التسوية والانفراج النووي.
في 2017، دخل السباق مجدداً، لكنه انسحب لصالح إبراهيم رئيسي تحت ضغط توحيد الصف المحافظ. يومها بدا واضحاً أن مراكز القوة لا تراه الخيار الأول داخل التيار المحافظ، وأن عليه أن يكتفي بدور المساند إذا اقتضت مصلحة المعسكر ذلك. وفي 2021 لم ينافس بجدية بعدما بدا أن الطريق مُعبد أمام رئيسي.
ثم جاءت انتخابات 2024 المبكرة بعد وفاة رئيسي، فعاد اسم قاليباف بقوة. غير أن عودته انتهت بإخفاق جديد، هذه المرة أمام منافس من داخل ما يُعرف بـ«جبهة الثورة» نفسها. كانت تلك الخسارة ذات دلالة خاصة، لأنها أظهرت أن الرجل الذي بنى مكانته على خبرته وتاريخه وشبكاته لم يعد قادراً على فرض نفسه حتى داخل المعسكر المحافظ بوصفه الخيار الطبيعي.
رئاسة البرلمان... موقع قوي في مؤسسة محدودة
في 2020، انتقل قاليباف إلى البرلمان، وسرعان ما تولى رئاسته. ومنذ ذلك الحين أعيد انتخابه أكثر من مرة، محافظاً على موقعه في قمة المؤسسة التشريعية. نظرياً، يمنحه هذا المنصب مكانة رفيعة، لأن رئيس البرلمان عضو في مجلس الأمن القومي، ومجلس التنسيق الاقتصادي، ويجلس على رأس أحد فروع السلطة.
قائد «الحرس الثوري» السابق حسين سلامي يتحدث في جلسة برلمانية برئاسة قاليباف في ديسمبر 2024 (تسنيم)
عملياً، فإن نفوذ البرلمان في إيران يبقى محدوداً قياساً بثقل مكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، ومجلس صيانة الدستور، وسائر المؤسسات فوق المنتخبة. ومع ذلك، وفرت رئاسة البرلمان لقاليباف منصة مؤسسية مهمة لإدارة التوازنات داخل التيار المحافظ، وبناء علاقات مع النواب، والحفاظ على حضوره اليومي في قلب القرار.
إعادة انتخابه لرئاسة البرلمان عام 2024، بعد أسبوع من وفاة رئيسي، حملت رسالة واضحة: الرجل ما زال يحظى بغطاء من داخل النظام، رغم الجدل الذي يحيط به. فهو ليس الشخصية الأكثر نقاءً آيديولوجياً، ولا الأقدر على استثارة الحماسة الشعبية، لكنه ما زال من رجال المؤسسة الموثوقين في مرحلة تبحث فيها المؤسسة الحاكمة عن تماسك داخلي أكثر من بحثها عن التجديد.
العلاقة مع خامنئي... سر البقاء
لا يمكن فهم استمرار قاليباف من دون التوقف عند علاقته العميقة بـ«الحرس الثوري»، وبالمرشد علي خامنئي. فالرجل ابن جيل الحرب، وابن خراسان، وابن المؤسسات التي صاغها خامنئي منذ توليه القيادة. هذه الصلات لا تعني بالضرورة تطابقاً كاملاً في كل الملفات، لكنها تفسر كيف نجا من عثرات كان يمكن أن تنهي أي مسيرة سياسية في نظام أقل تسامحاً مع الأخطاء، أو الفضائح.
كما أن قاليباف يمثل بالنسبة إلى جزء من المؤسسة نموذجاً مرغوباً: رجل يجمع بين الصرامة الأمنية والخبرة التنفيذية، ولا يفتقر إلى اللغة السياسية حين يحتاج إليها. وفي مرحلة تتزايد فيها أهمية «التكنوقراط الأمنيين» داخل النظام، يظل حضوره مفهوماً، حتى عندما لا يكون هو المرشح المفضل للرئاسة.
المرشد الإيراني يلتقي مع مسؤولين ويبدو خلفه بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مارس العام الماضي (أ.ب)
ومع ذلك، فإن علاقته بالحرس ليست ضمانة مطلقة. فداخل هذه المؤسسة نفسها أجيال، واتجاهات، وتنافسات. وقد أظهرت محطات عدة أن دعماً من بعض دوائر «الحرس» لا يعني بالضرورة إجماعاً عليه، وأن شخصيات أخرى أكثر تشدداً، أو أقل إثارة للجدل قد تتقدم عليه عندما يتعلق الأمر باختيار رجل المرحلة.
لم يكن دور قاليباف في بلدية طهران إدارياً فقط. ففي احتجاجات 2009 التي اندلعت بعد إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد، ظهر مرة أخرى بوصفه واحداً من رجال النظام الموثوقين في لحظات الخطر. وعلى الرغم من أن منصبه كان مدنياً هذه المرة، فإن اسمه ارتبط بالمساعدة في احتواء الاضطرابات داخل العاصمة، وبالتنسيق مع مؤسسات الدولة والأمن لإبقاء المدينة تحت السيطرة. وقد زاد ذلك من رصيده لدى التيار المحافظ، لأنه أكد أن انتقاله إلى العمل البلدي لم يغيّر موقعه الحقيقي داخل بنية السلطة، بل منحه واجهة مدنية لدور أمني وسياسي أوسع.
هذه القدرة على الجمع بين الإدارة والانضباط الأمني هي بالضبط ما جعل بعض دوائر النظام تنظر إليه باعتباره صالحاً لمهمات متعددة. فهو ليس خطيباً عقائدياً من طراز المحافظين الأشد صلابة، وليس أيضاً رجل مساومات يذهب بعيداً في المرونة. إنه، في نظر مؤيديه، موظف كبير لدى الجمهورية: يعرف كيف يدير مؤسسة، وكيف يضبط طاقمها، وكيف يلتزم بالسقف الذي يرسمه المرشد.
قاليباف ومحسن رضائي القيادي في "الحرس الثوري" ومستشار المرشد الإيراني (موقع رئيس البرلمان-أرشيفية)
حين فاز قاليباف بمقعد طهران في انتخابات 2020، كان ذلك في سياق عزوف انتخابي واسع، واستبعاد كثيف للمنافسين، وهو ما تكرر بدرجات مختلفة في انتخابات 2024. لذلك فإن صعوده النيابي لم يكن نتيجة موجة شعبية جارفة، بل ثمرة ترتيب سياسي سمح للمحافظين بإحكام السيطرة على البرلمان. لكن هذه الحقيقة لم تنتقص من أهمية المنصب بالنسبة إليه. ففي نظام تتوزع القوة بين المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة، يمكن لرئاسة البرلمان أن تتحول إلى نقطة تمركز مهمة، حتى لو تراجعت فعالية المؤسسة نفسها. ومن هذا الموقع، حافظ قاليباف على حضوره في ملفات الاقتصاد والسياسة الداخلية، وعلى صلته اليومية بمراكز النفوذ التي تحتاج دائماً إلى شخص يجمع بين الخبرة، والانضباط، والطموح.
مشروعه السياسي إلى أين؟
بعد أربعة عقود من الصعود والتحول، تبدو مفارقة قاليباف واضحة. فهو رجل نجح في كل شيء تقريباً؛ إلا في الوصول إلى المنصب الذي أراده أكثر من أي شيء آخر. قاد وحدات في الحرب، وأدار مؤسسات أمنية، ورأس أكبر بلدية في البلاد، واعتلى رئاسة البرلمان، وبنى شبكة سياسية وإعلامية واسعة، لكنه ظل عند عتبة الرئاسة، لا داخلها.
ما يميزه ليس فقط طول البقاء، بل قدرته على التكيف. فهو يعرف كيف يخاطب المؤسسة بلغة الولاء، وكيف يخاطب الجمهور بلغة الإدارة، وكيف يوظف خبرته العسكرية لتثبيت صورته رجل دولة، من دون أن يتحول إلى منظر آيديولوجي صرف. لكن هذا التكيف نفسه هو ما جعل صورته مهتزة أحياناً؛ إذ بدا كأنه يملك وجوهاً كثيرة من غير أن يستقر على وجه نهائي مقنع.
صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو 2024
في المحصلة، يمثل قاليباف نموذجاً دالاً على طبيعة نظام الحكم في مرحلتها الراهنة: نظام لا يفرز فقط رجال العقيدة الخالصة، بل أيضاً رجال البقاء، والمرونة، وإعادة التموضع. وهو، بهذا المعنى، ليس استثناءً داخل النظام، بل أحد أكثر أبنائه تعبيراً عنه.
رجل خرج من الحرب حاملاً شرعيتها، ودخل السياسة محملاً بطموح لا يهدأ، وراكم في الطريق إنجازات، وخصومات، وملفات ثقيلة، ثم انتهى إلى موقع يكفي لضمان بقائه داخل الصف الأول، لكنه لا يكفي لتحقيق حلمه الأكبر.
وربما تكمن قوة قاليباف الحقيقية هنا تحديداً: لا في كونه رجل الحسم النهائي، بل في كونه أحد آخر الناجين الكبار من الجيل الأول في النظام، والقادرين حتى الآن على تبديل المواقع والوجوه، من دون أن يسقطوا خارج الخريطة.
الحرب مع إسرائيل
وفي الحربين اللتين شكّلتا أخطر اختبار للنظام الإيراني في سنواته الأخيرة، برز قاليباف بوصفه واحداً من رجال الطوارئ داخل بنية السلطة. ففي حرب الأيام الاثني عشر في يونيو (حزيران) 2025، سعى إلى تقديم نفسه بصفته وجهاً من وجوه «الصمود» المؤسسي، وقال لاحقاً إن تلك المواجهة «قدّمت إيران 50 عاماً إلى الأمام»، في محاولة لتحويل لحظة الاستنزاف إلى سردية تعبئة واستنهاض.
صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو 2024
ثم عززت تصريحات وزير التراث رضا صالحي أميري هذه الصورة حين قال إن قاليباف «ارتدى لباس القتال» في غياب بعض القادة، وحضر في ساحة المواجهة لمساندة الرئيس والحكومة. لكن الحرب التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) 2026، وقُتل فيها المرشد علي خامنئي، دفعت رئيس البرلمان إلى موقع أكثر حساسية؛ إذ بدا، في لحظة ارتباك نادرة داخل هرم النظام، حلقة وصل بين المؤسستين السياسية والأمنية، مستفيداً من تاريخه في «الحرس الثوري»، ومن شبكاته المتجذرة داخل الدولة.
بذلك، لم تكن الحرب مع إسرائيل مجرد اختبار جديد لقاليباف، بل مناسبة كشفت وظيفته الأعمق في أجهزة صنع القرار: رجل الأزمات الذي يعود كلما ضاقت الدائرة، واحتاج النظام إلى وجه يجمع بين خبرة الميدان وحسابات السلطة.
إسرائيل تندد بـ«جنون» إيران بعد سقوط شظايا قرب الأماكن المقدسة في القدسhttps://aawsat.com/%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9/5253546-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%AA%D9%86%D8%AF%D8%AF-%D8%A8%D9%80%D8%AC%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%B3%D9%82%D9%88%D8%B7-%D8%B4%D8%B8%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D9%82%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%83%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D8%B3%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D8%B3
إسرائيل تندد بـ«جنون» إيران بعد سقوط شظايا قرب الأماكن المقدسة في القدس
باحة المسجد الأقصى وقبة الصخرة في القدس (أ.ف.ب)
ندّدت إسرائيل، الجمعة، بـ«جنون النظام الإيراني»، في أعقاب حادث في البلدة القديمة في القدس، أفادت جهات أمنية بأنّه ناجم عن سقوط صاروخ إيراني بينما أشارت أخرى إلى شظايا صاروخ.
وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، في منشور على منصة «إكس»، إنّ «الهدية الإيرانية لمناسبة عيد الفطر هي صواريخ على (المسجد) الأقصى»، الواقع على بعد بضع مئات الأمتار من موقع الحادث.
وأضاف أنّ «الهجوم الإيراني على الأماكن المقدسة للديانات الثلاث يكشف عن جنون النظام الإيراني الذي يدّعي التديُّن».
The Iranian “gift” for Eid al-Fitr: Missiles on Al-Aqsa.The Iranian attack on the holy sites sacred to all three religions reveals the madness of the Iranian regime, which claims to be religious. pic.twitter.com/UqHnFv5uF1
وشاهد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» أضراراً في المكان الذي يبعد بضعة مئات من الكيلومترات عن المسجد الأقصى وحائط البراق وكنيسة القيامة.
وقال الجيش الإسرائيلي في منشور على منصة «إكس»: «تأثرت البلدة القديمة، بالقرب من جبل الهيكل، بشظايا صاروخ إيراني».
من جانبه، أشار قائد الشرطة في البلدة القديمة دفير تميم، إلى أنّ الانفجار نجم عن «اصطدام صاروخ وليس عن شظايا صاروخ اعتراضي».
وأضاف أنّ فريق تفكيك المتفجّرات كان يتحقق من نوع الصاروخ.
وتسبب انفجار في إحداث حفرة داخل البلدة القديمة، بينما تناثر حطام على الطريق المحيط، وذلك بعد تحذير من صواريخ أُطلقت من إيران.
وأفاد أحد سكان المنطقة المجاورة «وكالة الصحافة الفرنسية» بأنّه رأى شيئاً يسقط من السماء قبل سماع دوي انفجار قوي ورؤية دخان يتصاعد في الهواء.
وأشارت الشرطة، في بيان، إلى إخلاء شخص واحد بعد إصابته بجروح طفيفة في الانفجار.
وقالت ديفورا أبرامسون (48 عاماً)، وهي من سكان المنطقة، إنّ الانفجار «أدى إلى تناثر قطع من الحطام في الحقل المجاور، على مسافة بعيدة جداً من مكان سقوطه». وأضافت: «الأمر مخيف».
يأتي هذا الحادث، بعدما أفادت الشرطة الإسرائيلية في وقت سابق هذا الأسبوع عن سقوط شظايا في المنطقة عقب هجوم صاروخي إيراني آخر.
ومنذ بدء الحرب بهجوم أميركي - إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، تُطلق طهران وابلاً من الصواريخ على إسرائيل.
ودوّت صفارات الإنذار بشكل متكرر في القدس وتل أبيب، الجمعة.
وأُصيب شخصان على الأقل في تل أبيب، وفقاً لخدمة الإسعاف الإسرائيلية «نجمة داود الحمراء»، بينما بثت وسائل إعلام لقطات لمبنى سكني تشتعل فيه النيران في بلدة مجاورة.