أنقرة تدعو لمنع الانتخابات الكردية وإيران تدعم التطبيع مع دمشق

جمدت أرصدة شركة تحويل أموال إلى سوريا لعلاقتها بالإرهاب

مباحثات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو في موسكو الاثنين (الخارجية التركية)
مباحثات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو في موسكو الاثنين (الخارجية التركية)
TT

أنقرة تدعو لمنع الانتخابات الكردية وإيران تدعم التطبيع مع دمشق

مباحثات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو في موسكو الاثنين (الخارجية التركية)
مباحثات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو في موسكو الاثنين (الخارجية التركية)

دعت تركيا، المجتمع الدولي، إلى أخذ الحذر تجاه الجهود الرامية إلى تعزيز الأجندات الانفصالية في سوريا، في الوقت الذي أكدت فيه إيران استعدادها لدعم أي جهود للتطبيع بين أنقرة ودمشق.

من ناحية أخرى، أطلقت السلطات التركية حملة تستهدف شركات للتحويلات المالية إلى شمال وشمال شرقي سوريا، بدعوى تورطها في تمويل الإرهاب.

ودعا وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، المجتمع الدولي، إلى الحذر، بشكل خاص تجاه الجهود الرامية إلى تعزيز الأجندات الإرهابية والانفصالية تحت مظاهر مختلفة، مثل القتال ضد «داعش» أو تنظيم «انتخابات مزيفة».

ونقلت وسائل إعلام تركية عن فيدان، الذي توجه إلى روسيا، الاثنين، حيث يلتقي على هامش مشاركته في اجتماع لمجموعة «بريكس» نظيره سيرغي لافروف، لبحث عدد من الملفات المهمة، في مقدمتها الملف السوري، أنه «حان الوقت لكي يكشف جميع أصحاب المصلحة عن موقفهم المشترك بشأن سوريا».

وأعربت تركيا عن رفضها إجراء «الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا» (الكردية)، انتخابات محلية في 7 كانتونات تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عادّة أنها خطوة لتقسيم سوريا وتهديد الأمن القومي التركي، مطالبة بإلغاء الانتخابات التي تأجلت إلى أغسطس (آب) المقبل، بعدما كان مقرراً إجراؤها الثلاثاء.

نائب وزير الخارجية الإيراني علي باقري كني (وكالة مهر الإيرانية)

في الوقت ذاته، عبرت إيران عن استعدادها للقيام بكل ما يلزم لاستئناف محادثات تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق التي أطلقتها روسيا، وشاركت فيها من خلال مسار أستانا، لكنها تجمدت منذ ما يقرب من عام، بسبب التباين في موقفي أنقرة ودمشق بشأن الانسحاب التركي من شمال سوريا.

وقال القائم بأعمال وزير الخارجية الإيراني، علي باقري كني، في مقابلة مع قناة «سي إن إن تورك»، على هامش مشاركته في الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية دول مجموعة الثماني الإسلامية الذي عقد في إسطنبول السبت: «نرحب بأي مبادرة لبدء التفاعل السياسي ومستعدون لحشد كل وسائلنا لإقامته».

وجاءت تصريحات كني بعد أيام من إعلان رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، في مقابلة مع قناة «خبر تورك» التركية، أن حكومته تعمل على المصالحة بين تركيا والحكومة السورية، وستكون هناك بعض الخطوات في هذا الصدد قريباً.

إحدى شركات التحويلات المالية لسوريا في منطقة أسنيورت بإسطنبول (تعبيرية)

في سياق آخر، أطلقت السلطات التركية حملة جديدة تستهدف مكاتب وشركات تحويل الأموال إلى شمال سوريا، بسبب تورط بعضها في دعم وتمويل أنشطة تنظيمات إرهابية.

وكشفت مصادر، الاثنين، عن تجميد أرصدة مودعة لدى «شركة الراوي المملوكة للسوري عبد الرحمن الراوي الحاصل على الجنسية التركية»، وهي إحدى كبريات شركات الحوالات المالية من تركيا وأوروبا إلى مناطق في شمال غربي وشرقي سوريا، لاتهامها بدعم الإرهاب.

وقدرت المصادر الأموال التي تم تجميدها بنحو 100 مليون دولار، لافتة إلى أن كثيراً من مكاتب وشركات الصرافة ومحلات بيع الذهب، ترتبط بهذه الشركة التي تعد حلقة الوصل الرئيسية بين تركيا وأوروبا والمناطق الواقعة تحت سيطرة فصائل الجيش الوطني السوري، الموالي لأنقرة، والقوات التركية.

وبحسب ما تداولته حسابات تابعة لسوريين على وسائل التواصل الاجتماعي، حصرت السلطات التركية تحويل الأموال من السوريين في تركيا إلى شمال سوريا بالبريد التركي، الذي تنتشر فروع له في محافظة حلب.

في السياق، ألقت قوات الأمن التركية القبض على عدد من السوريين من حملة الجنسية التركية يمتلكون ويديرون شركات صرافة وتصدير واستيراد في إسطنبول، لاتهامهم بإرسال أموال إلى تنظيم «داعش» الإرهابي بمناطق الصراع في سوريا.

شركة صرافة وتحويل الأموال لسوريا في ولاية شانلي أورفا جنوب تركيا (تعبيرية - فيسبوك)

وسبق للسلطات التركية تجميد أصول عدد من السوريين والأتراك والأفغان من العاملين في قطاع الصرافة، إلى جانب شركة «غارنتي للذهب والاستيراد والتصدير» التي يديرها عبد الرحمن الراوي لتورطها في تمويل «داعش». وطالت عقوبات أميركية في يوليو (تموز) 2019، الراوي وشركته بسبب الضلوع في تمويل «داعش»، كما أدرجت السعودية شركة «غارنتي» على لائحة الإرهاب أيضاً. وأدرجتها تركيا على لائحة العقوبات.

وهناك مئات من شركات الصرافة في مختلف الولايات التركية وفي أوروبا، والداخل السوري، تعمل في الغالب كشبكات أموال غير شرعية، تقوم بتسيير نقل مبالغ ضخمة وتتعامل فيما يقرب من ملياري دولار، من مكان إلى آخر مقابل عمولات كبيرة.

وفي عام 2019، وجه القضاء التركي تهمتي «تمويل الإرهاب» و«تحويل الأموال من دون الحصول على رخصة»، لشركات سورية، منها «الهرم» و«سكسوك» للصرافة، و«حبو» و«الخالدي» للمجوهرات، وتم اعتقال القائمين عليها بعد ثبوت تورطهم بنقل الأموال إلى أشخاص ينتمون إلى تنظيم «داعش»، بمناطق نزاع متفرقة في سوريا.

وأفادت مصادر تركية بأن شركة «الهرم» تستخدم آلية في تحويل الأموال عبر تطبيقها المخصص لأجهزة الكومبيوتر، حيث تقوم بنقل الأموال بسرعة كبيرة بفضل شبكة عملائها الواسعة، وتقوم بتغيير كلمات سر الحسابات الخاصة بها وبعملائها بشكل يومي، وتتقاضى عمولات كبيرة مقابل نقل الأموال إلى عناصر التنظيمات الإرهابية، وأسهمت في نقل أموال من تركيا وسوريا إلى عناصر «داعش» الموجودين في أوروبا، فضلاً عن تورطها في عمليات غسل أموال.

وتوقفت مكاتب تابعة لشركتي «سكسوك» و«الهرم» في تركيا عن العمل، بعد فرض عقوبات أميركية عليها، خوفاً من الملاحقة في تركيا، إلا أن عدداً كبيراً من مكاتبها لا يزال يعمل، وتمر مئات الحوالات يومياً عبرها، من دون أي عراقيل، كما تحققت «الشرق الأوسط» من خلال متعاملين في سوق تحويل الأموال.


مقالات ذات صلة

ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

شمال افريقيا اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

كثَّفت ليبيا تحركاتها ونقاشاتها مع مسؤولين بصندوق النقد والبنك الدوليَّين أخيراً بشأن متطلبات «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي مكتب المدعي العام في وزارة العدل الأميركية

محكمة أميركية تدين «رجل الظل» بتجارة المخدرات والسلاح في نظام الأسد

أقرَّ قسيس بأنه كان يعمل مباشرةً مع ماهر الأسد (شقيق الرئيس المخلوع بشار الأسد)، وغيره من كبار المسؤولين العسكريين في النظام البائد لإتمام الصفقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

الجزائر تستعين بتجارب أفريقية ناجحة للخروج من «المنطقة الرمادية»

يوجد وفد جزائري من قطاع المالية، وخبراء في مجال التصدي للجرائم المالية، في السنغال حالياً للاستلهام من تجربة هذا البلد في مغادرة «المنطقة الرمادية»...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من اجتماع سابق لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (متداولة)

الجزائر تتقدم في مكافحة غسل الأموال وتستعد لمغادرة «المنطقة الرمادية»

أحرزت الجزائر تقدماً جوهرياً في تنفيذ خطة عملها، المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفقاً لما أكدته «مجموعة العمل المالي» المعروفة اختصاراً بـ«جافي».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أوروبا استخدمت شبكة غسل الأموال مئات من عمال التوصيل في 28 بلدة ومدينة بريطانية (أ.ف.ب)

بريطانيا تكشف شبكة لغسل الأموال لصالح روسيا... وتوقيف 128 شخصاً

كشفت الشرطة البريطانية، الجمعة، شبكة لغسل مليارات الدولارات تعمل في جميع أنحاء المملكة المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
TT

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)

أوقفت السلطات الأميركية امرأة إيرانية في مطار لوس أنجليس الدولي بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران، وفق ما أفاد مدع عام فدرالي الأحد.

ووجهت إلى شميم مافي البالغة 44 عاما، تهمة «التوسط في صفقة بيع السودان طائرات مسيرة وقنابل وصواعق وملايين الطلقات النارية المصنعة في إيران»، بحسب ما أعلن مدعي عام المنطقة الوسطى لولاية كاليفورنيا، بيل عسيلي، على منصة «إكس».

وأشار عسيلي إلى أن مافي التي تقيم في ضاحية وودلاند هيلز بمدينة لوس أنجليس، «مواطنة إيرانية حصلت على الإقامة الدائمة القانونية في الولايات المتحدة عام 2016».

وألقي القبض على مافي السبت، وهي تواجه عقوبة قصوى تصل إلى السجن لمدة 20 عاما في حال إدانتها.

وأرفق عسيلي منشوره بلقطات من تحقيق تلفزيوني يتضمن صورا تظهر امرأة يُعتقد أنها مافي محاطة برجال أمن فدراليين وطائرة مسيرة على مدرج مطار وبطاقة هوية امرأة ورزما من النقود.

وحذرت الأمم المتحدة مؤخرا من أن السودان معرض لخطر الانزلاق إلى «مجاعة وانهيار شاملين»، مع دخول الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع عامها الرابع.

وقالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إن السودان يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم، محملة الأسلحة التي ترد من مصادر خارجية جزءا من المسؤولية عن الأزمة.

وحضت الأمم المتحدة مرارا القوى الأجنبية على الكف عن تأجيج الحرب، لكنها لم توجه اتهامات لدول معينة.

ويحظى الجيش السوداني بدعم مصر والسعودية، وتستخدم قواته طائرات مسيرة تركية وإيرانية الصنع.

ومع ذلك غالبا ما يلقى باللوم على الإمارات التي تنفي أي دليل على إرسال أسلحة إلى قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم إبادة.


إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».