إسطنبول ونجل أربكان… إردوغان يخسر مرتين

الرئيس تراجع حتى في الحي الذي يسكن فيه... و«الرفاه» يشق طريق «الأربكانية» الجديدة

رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الاحتفال بالفوز... 31 مارس 2024 (إ.ب.أ)
رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الاحتفال بالفوز... 31 مارس 2024 (إ.ب.أ)
TT

إسطنبول ونجل أربكان… إردوغان يخسر مرتين

رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الاحتفال بالفوز... 31 مارس 2024 (إ.ب.أ)
رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الاحتفال بالفوز... 31 مارس 2024 (إ.ب.أ)

2018 كان عاماً ثقيلاً على الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، حين ظهر نجم اثنين من السياسيين الشباب؛ الإسلامي فاتح أربكان، زعيم حزب «الرفاه من جديد»، والعلماني أكرم إمام أوغلو، أحد أبرز وجوه المعارضة في البلاد.

في ديسمبر (كانون الأول) ذلك العام، سافر كليتشدار أوغلو، وكان زعيماً لحزب «الشعب الجمهوري»، إلى منزل حسن إمام، والد أكرم، في ولاية طرابزون، وقال: «جئنا نطلب يد ابنك لإسطنبول».

يومها كان أكرم إمام رئيساً لبلدية «بيليك دوزو»، حي الطبقة المتوسطة في إسطنبول الأوروبية، شمال بحر مرمرة، الذي تحول بعد زلزال عام 1999، وبسبب مبانيه الحديثة، إلى تجمع للمهاجرين الخائفين من المنازل المتهالكة في البلدات المجاورة.

في غمرة تحضيرات المعارضة، أعلن فاتح أربكان تأسيس حزب «الرفاه من جديد»، بنزعة إسلامية، وبمباركة من عبد الحميد قايي خان، حفيد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني.

في 2019 فاز أكرم إمام بانتخابات محلية خسرها حزب «العدالة والتنمية»، وانتزع حلم إردوغان التاريخي في عمادة إسطنبول.

مؤيدو حزب «الشعب الجمهوري» المعارض يُلوّحون بعَلم تركيا (أ.ف.ب)

بعد 6 سنوات، في الاقتراع المحلي الذي أُجري الأحد الماضي، ينجح عمدة إسطنبول في الاحتفاظ بالقلب التاريخي والاقتصادي لتركيا، أما أربكان، المفاجأة، فقد حوّل جزءاً من أصوات حزب «العدالة والتنمية» لصالحه، بعد منافسة تحكمت بها عوامل متشابكة، لم تكن الحرب في غزة بعيدة عنها.

حقق «الشعب الجمهوري» فوزاً كبيراً بمدينتي إسطنبول وأنقرة الرئيسيتين، وحل أولاً بنحو 37.7 في المائة من أصوات الناخبين في عموم البلاد، وانتزع بـ35 بلدية.

وفاز حزب «الرفاه من جديد» ببلديتين كبريين، من بينهما «يوزغات» و«شانلي أورفا»، المدينة التاريخية جنوب شرقي البلاد، أحد معاقل «العدالة والتنمية».

طريق أكرم إمام

من المرجح أن طريق إمام أوغلو كانت مُعبّدةً إلى حد كبير داخل الحزب المعارض، الذي أجرى مراجعة عاصفة لخسارته الانتخابات البرلمانية، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، انتهت بإطاحة كليتشدار أوغلو من زعامة «الشعب الجمهوري».

لطالما أثار أكرم إمام انتباه المراقبين في تركيا، ولأنه يمثل حزباً قومياً علمانياً يكابد مراجعات تاريخية طويلة بشأن ضموره السياسي في البلاد، قدم الرجل نموذجاً مغايراً إلى حد ما.

لقد كان مفاجئاً أن يحضر عمدة إسطنبول عام 2019 صلاة الغائب على أرواح ضحايا هجوم مسجدين في نيوزلندا؛ شوهد يقرأ آيات قرآنية، بينما كان الجو العام داخل حزبه ينخرط في خطاب كراهية ضد الإسلاميين، حزب «العدالة والتنمية» على وجه الخصوص.

وصاغ أكرم إمام خطاباً معتدلاً مع سكان إسطنبول، وبدا أنه لا يواجه مرشحي الأحزاب المنافسة الأخرى، بل حتى حزبه الذي تتنازع أطرافه على قيادة المعارضة.

خلال حملته الانتخابية، كان أكرم إمام يتجول بين بلدات إسطنبول متحدثاً عن الخدمات والاقتصاد وحرية التعبير، بينما اضطر الرئيس إردوغان إلى خوض حملات مرشحيه في المدينة نيابةً عنهم، ولم يتحدث إلا عن «حماية منجزات تركيا من الآخرين»، وتعهَّد في آخر خطاب قبل الاقتراع، لنحو 16 مليون تركي يعيشون في إسطنبول، بـ«عصر جديد» في المدينة.

رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو (من حسابه على «إكس»)

في النهاية، فاز أكرم أمام بفارق تجاوز مليون صوت عن أقرب منافسيه، وزير التخطيط العمراني السابق، مراد كوروم، المرشح البارز لحزب «العدالة والتنمية».

إردوغان لم يخسر عمادة إسطنبول وحسب، لقد أُزيح حزبه من 9 بلديات مهمة في المدينة، أهمها «أسكودار» حيث يقع منزل إردوغان.

ويتذكر الأتراك حين فاز إردوغان بالرئاسة في يونيو (حزيران)، ذهب إلى «أسكودار» للاحتفال هناك، وصعد على متن حافلة أمام منزله وغنى باللغة التركية أمام حشود: «لمن لا يسأل ومن لا يسمع، نقوله له: نحبه... نحبه كثيراً»، وقال: «من هنا تبدأ مسيرتنا، نحن عشاق إسطنبول».

على ما يبدو، وطبقاً لنتائج الانتخابات، اختارت «أسكودار» مجلساً بلدياً من المعارضة، كما هو حال بلديات أخرى كانت تحت سيطرة الحزب الحاكم مثل «أيوب سلطان»، و«بيرم باشا».

في خطابه الأخير من أنقرة، التي خسرها أيضاً للمعارضة، قال إردوغان: «ما حدث نقطة تحول (...) وكما يقول الأجداد: الخير فيما وقع».

في التوقيت نفسه تقريباً، كان أكرم إمام يُلقي خطاب الفوز وسط إسطنبول أمام آلاف المحتفلين، «انتهت فترة الرجل الواحد. الأمة أعطت التعليمات، والجمهورية ستمضي من الآن وصاعداً، بأقصى سرعة».

كيف فاز أكرم إمام؟ ببساطة لأن إردوغان خسر الانتخابات. صحيح أن العامل الاقتصادي لعب دوراً حاسماً في تقرير مصير النتائج، لكن لماذا لم يكن هذا التأثير حاسماً في الاقتراع الرئاسي الذي فاز به إردوغان العام الماضي رئيساً لتركيا؟ يومها كان التضخم مرتفعاً أيضاً والقوة الشرائية في مستوى متدنٍّ.

«الأتراك يصوّتون للأشخاص الذين يحبونهم»، هذه العبارة ردّدها صحافيون ومراقبون ضيّفتهم وسائل الإعلام التركية خلال اليومين الماضيين، حين حاولوا الإجابة عن سؤال: لماذا خسر «العدالة والتنمية»؟

وانتقد كثيرون إردوغان على سياسته الحزبية التي قدمت للمجتمعات البلدية في تركيا شخصيات لم تحظَ بقبول السكان، وبات الأمر كأن الناخبين يفصلون بين إردوغان وحزبه؛ يصوّتون له، دون مرشحيه.

أربكان الابن... والأب

أكثر من أكرم إمام، كانت ضربة فاتح أربكان توجع أكثر. هذا الأخير كان حليف «العدالة والتنمية» في الانتخابات الرئاسية، ولم يكن كذلك في الانتخابات المحلية.

في خطاب الفوز، قال أربكان: «أصبحنا نجم هذه الانتخابات، ونتائجها أحيت المشروع الوطني»، الذي تبناه والده نجم الدين أربكان، رئيس الوزراء الأسبق، والذي يعده كثيرون عراب إردوغان ومعلمه، قبل أن يتمرد عليه.

صحيح أن حزب أربكان تحالف مع «العدالة والتنمية» في الانتخابات البرلمانية الماضية، لكنّ مسار العلاقة بينهما تَعقّد أكثر، لا سيما مع بدء الحرب على غزة.

ويعتقد كثيرون أن مساهمة أربكان في هذا التحالف لعبت دوراً حاسماً في ترجيح كفة إردوغان على كمال كليتشدار في السباق الرئاسي الأخير.

لقد طالب فاتح أربكان مراراً بقطع العلاقات مع إسرائيل، وضغط أنصاره وقيادات حزبه على الرأي العام لمعرفة حجم التبادل التجاري معها، حتى قرر في فبراير (شباط) الماضي الانشقاق عن «تحالف الجمهور» بقيادة إردوغان، في الانتخابات المحلية.

يربط كثيرون انشقاق أربكان بما فعله إردوغان نفسه حين تمرد على معلمه أربكان الأب، وساعده ذلك على الفوز ببلدية إسطنبول عام 1994، خصوصاً أن غالبية قيادات «الرفاه من جديد» الآن هم من المنشقين عن «العدالة والتنمية».

صورة تعود لعام 1997 تجمع رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان ورئيس بلدية إسطنبول رجب طيب إردوغان (رويترز)

والد فاتح، نجم الدين أربكان رئيس الوزراء الأسبق بين 1996 و1997، كان زعيماً لحزب «الرفاه»، وتبنى منهج «مللي جورش»، (وتعني الرؤية الوطنية)، الذي يؤمن بأن «تطور تركيا يكون بالمحافظة على قيمها الدينية، ومنافسة الغرب بتحالفات واسعة مع الدول الإسلامية».

يتصاعد هذا الخطاب الآن بين أوساط «الأربكانيين» مع تفاقم الحرب في غزة، وتفاعل أربكان نفسه مع ذلك، حين كان يزرو أنطاكيا مطلع مارس (آذار) بالدعوة إلى «إغلاق قاعدة كوارجيك للرادار»، إلى جانب وقف التجارة مع إسرائيل.

تركيا غداً... مشهد جديد

بينما كانت تركيا تعلن نتائج الانتخابات الأخيرة، وأظهرت تقدم حزب أربكان الابن في عدد من الولايات، أجرى إردوغان مكالمة هاتفية مع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، لبحث «الأوضاع في غزة».

يشير صحافيون أتراك إلى أن الرئيس التركي سيُغيّر قليلاً من خطابه السياسي بشأن غزة أمام قاعدة شعبية ناقمة، لكنَّ قطع العلاقات التجارية مع إسرائيل مرحلة متقدمة ومحل شك حتى الآن.

ماذا يعني كل هذا؟ من المرجَّح أن يتحرك إردوغان سريعاً لمراجعة البنية الهيكلية لحزب «العدالة والتنمية»، لا سيما الكوادر المحلية، بهدف عمليات تجديد قد تظهر خلال الأشهر المقبلة.

كما سيجري إردوغان تغييرات متوقعة على مواقفه السياسية بشأن إسرائيل، دون أن يذهب بعيداً إلى قطع العلاقات الاقتصادية لأن تركيا لا تملك الآن هذه الرفاهية.

في المقابل، فإن انكماش «العدالة والتنمية» في هذه الانتخابات شجع مراقبين على تقديم تصورات بشأن الانتخابات البرلمانية المقبلة، والتي ستكون وفقاً للمعطيات الحالية حلبة منافسة بين فاتح أربكان وأكرم إمام، في مشهد قد يغيّر الكثير في تركيا الحديثة وفي المنطقة.


مقالات ذات صلة

خطط لإنشاء «فيلق أطلسي متعدد الجنسيات» في تركيا

شؤون إقليمية نشر حلف شمال الأطلسي منظومتي «باتريوت» في تركيا لحماية مجالها الجوي مع اندلاع حرب إيران (رويترز)

خطط لإنشاء «فيلق أطلسي متعدد الجنسيات» في تركيا

أكدت مصادر بوزارة الدفاع التركية اتخاذ خطوات من جانب حلف شمال الأطلسي (ناتو) لإنشاء مركز قيادة جديد باسم «الفيلق متعدد الجنسيات في تركيا».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مسلحون من حزب «العمال الكردستاني» في جبل قنديل بشمال العراق (رويترز)

تركيا: حديث عن تصنيف عناصر «الكردستاني» لدمجهم في «عملية السلام»

كشفت مصادر تركية عن توجه إلى تصنيف عناصر حزب «العمال الكردستاني» إلى 4 فئات لتحقيق الاندماج في إطار «عملية السلام».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أكراد يحتفلون بعيد «نوروز» في ديار بكر جنوب شرقي تركيا السبت رفعوا صورة كبيرة لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان وهو يقرأ رسالة طالب فيها بحل الحزب ونزع أسلحته في 27 فبراير 2025 (حساب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب - «إكس»)

أوجلان يؤكد على «السلام» بتركيا ويرى فرصة لتجاوز فوضى الشرق الأوسط

جدد زعيم حزب العمال الكردستاني السجين في تركيا عبد الله أوجلان تأكيده استمرار عملية السلام التي بدأت بدعوته العام الماضي لحل الحزب وإلقاء أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية حزب «العمال» الكردستاني يلوِّح بعودة مسلحيه إلى نشاطهم حال عدم اتخاذ تركيا خطوات جادة في إطار عملية السلام (أ.ب)

«العمال» الكردستاني يحذر تركيا من تحول مسار السلام

لوَّح حزب «العمال» الكردستاني بإمكانية تحول مسار عملية السلام بتركيا ما لم تتخذ حكومتها خطوات لإيجاد حل جذري للقضية الكردية، والإفراج عن زعيمه عبد الله أوجلان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال نظيره التركي رجب طيب إردوغان في القاهرة فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

تشديد مصري - تركي على  أهمية «التهدئة» في السودان

شددت مصر وتركيا على «أهمية دفع جهود التهدئة وتهيئة المناخ لاستئناف المسار السياسي الشامل في السودان».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

إسرائيل تترقب اتفاقاً سريعاً أو حرباً طويلة

ترمب يتحدَّث إلى الإعلام عن مباحثات مع إيران قبل مغادرته على متن طائرة الرئاسة الأميركية في 23 مارس 2026 (رويترز)
ترمب يتحدَّث إلى الإعلام عن مباحثات مع إيران قبل مغادرته على متن طائرة الرئاسة الأميركية في 23 مارس 2026 (رويترز)
TT

إسرائيل تترقب اتفاقاً سريعاً أو حرباً طويلة

ترمب يتحدَّث إلى الإعلام عن مباحثات مع إيران قبل مغادرته على متن طائرة الرئاسة الأميركية في 23 مارس 2026 (رويترز)
ترمب يتحدَّث إلى الإعلام عن مباحثات مع إيران قبل مغادرته على متن طائرة الرئاسة الأميركية في 23 مارس 2026 (رويترز)

بعد دقائق قليلة من الإعلان الدراماتيكي للرئيس الأميركي دونالد ترمب، بأن اتفاقاً محتملاً يمكن أن يحدث مع إيران خلال الأسبوع الحالي، مؤكداً أنه أوقف الضربات على منشآت الطاقة الإيرانية بعد محادثات مثمرة، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن إيران: «هم في الأسفل... ونحن في الأعلى»، دون أن يعلق مباشرة على إعلان ترمب، وذلك في رد يكشف عن أن إسرائيل غير متفاجئة من تصريح ترمب، وغير متحمسة له، ولكنها كالعادة لا تستطيع معارضته، وتأمل في فشل خطته الحالية كي تواصل الحرب.

وفاجأ ترمب العالم، صباح الاثنين، بقوله إنه ماضٍ في مباحثات من أجل اتفاق مع إيران، وإنه أمر بوقف الضربات على منشآت الطاقة التي كان هدَّد بها إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل خلال 48 ساعة، تنتهي مساء يوم الاثنين.

وبعد قليل من إعلان ترمب، الذي جاء قبل دقائق من إحاطة قدَّمها نتنياهو أمام اللجنة الفرعية للاستخبارات في الكنيست (البرلمان)، خاطب رئيس اللجنة، عضو الكنيست بوعز بيسموث، نتنياهو قائلاً: «لقد حرصتم في الماضي على تحييد اتفاق سيئ، فاحرصوا على ذلك هذه المرة أيضاً»، فأجابه نتنياهو: «نحن نعمل على الارتقاء بإسرائيل إلى مستويات لم تبلغها من قبل، وإيران إلى مستويات دنيا لم تبلغها من قبل... فنحن في الأعلى وهم في الأسفل».

وجاء تصريح نتنياهو بينما رفض مكتبه التعليق على تصريحات ترمب، ولم يستجب لطلبات وسائل إعلام إسرائيلية توجَّهت إليه.

ويريد نتنياهو تجنب أي تعليق من شأنه أن يُفسَّر خطأً، أو يُغضب ترمب، بانتظار ما ستؤول إليه المحادثات المرتقبة مع طهران. ويتضح من تصريحات نتنياهو أن تل أبيب كانت على علم مسبق بالمباحثات.

واشنطن تتحدث لقاليباف

قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية - موقع البرلمان)

وفي هذا الصدد، قالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية إن إعلان ترمب لم يفاجئ إسرائيل التي كانت على علم بوجود هذه المباحثات، وتعرف أن واشنطن تتحدَّث مع رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف.

وقال مصدر إسرائيلي لموقع «واي نت» التابع لـ«يديعوت» بعد تصريحات ترمب، إن إسرائيل أُبلغت بقرار ترمب تأجيل إنذاره، مضيفاً: «طلب الأميركيون أيضاً من إسرائيل وقف الهجمات على محطات الطاقة ومنشآت البنية التحتية. ولم ينتهِ الأمر تماماً بعد، لكن فكرة الإنذار قد أُسقطت مؤقتاً. لا شك أنَّ ترمب تراجع عن موقفه لأنه أدرك أن إنذاره كان يُعقّد الوضع».

وبحسب المصدر الإسرائيلي، لا يعني هذا بالضرورة أن الحرب تقترب من نهايتها، موضحاً: «لم ينسحب ترمب تماماً، حتى وإن بدا أنه بدأ بتقليص خسائره. إذا تمكَّن الوسطاء من التوصُّل إلى اتفاق مبدئي مع الإيرانيين لفتح مضيق هرمز، فقد يُنهي ذلك الحرب. لكن ليس من المؤكد قدرتهم على ذلك».

جهود الوساطة

بدر البوسعيدي خلال مشاورات سابقة مع عباس عراقجي في جنيف (رويترز)

وأعادت «يديعوت» نشر تصريحات لمسؤول إسرائيلي كان تحدَّث إلى الصحيفة قبل إعلان ترمب بساعات، قال فيها إن تركيا ومصر وقطر، يقودون من وراء الكواليس جهوداً حثيثة للتوصُّل إلى اتفاق بين ترمب وإيران لإنهاء الحرب.

وعلى الرغم من أن المسؤول أكد أن إسرائيل ستنصاع لترمب إذا توصل إلى اتفاق، وليس أمامها أي خيار آخر، فإنه أكد أن هذا ليس الخيار الإسرائيلي الآن. وقال المسؤول إن إسرائيل تفضِّل الاستمرار في نهجها الهجومي، ولكن في النهاية سنفعل ما يقرِّره ترمب.

وكانت إسرائيل قد أيَّدت هجوماً واسع النطاق على محطات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، وكانت مستعدة لدفع ثمن ذلك، إذ كان سيشمل هجوماً إيرانياً على البنية التحتية الإسرائيلية أيضاً، لكن مع خطة أن ترمب وجَّه الإنذار النهائي للإيرانيين بهدف تحقيق تقدُّم فيما يتعلق بمضيق هرمز، وبالتالي السعي لإنهاء الحرب.

وقبل تصريحات ترمب، أعلنت المستشفيات في إسرائيل أنها تستعد لاحتمال استهداف إيران شبكة الكهرباء الإسرائيلية.

ولا تعرف إسرائيل كيف تُقيِّم فرص نجاح المبادرة، وهي في كل الأحوال تستعد لفشلها. وقال مسؤول إسرائيلي لـ«القناة 12»: «إذا فهمت إيران مبادرة ترمب على أنها ضعف منه، فسيكون ذلك سيئاً».

«إما اتفاق... أو حرب لأشهر»

دمار بعد غارات على مقر الصناعات الإلكترونية التابع لوزارة الدفاع الإيرانية في طهران (شبكات التواصل)

وتعتقد إسرائيل أنها أمام خيارين، ولا يوجد حل وسط بينهما: إما اتفاق خلال الأسبوع الحالي ولو متدرجاً يبدأ بفتح مضيق هرمز، ثم التوصُّل إلى حل نهائي، أو حرب تمتد لفترة أشهر طويلة.

وقال مسؤول لـ«يديعوت»: «ترمب لا يريد إنهاء الحرب، بينما ينظر العالم إليه وكأن إيران قد أخضعته. إنه يخشى أن ينتهي الأمر بشعور أن إيران أخضعته في قضية هرمز. هو يريد تقديم رواية أخرى، لكن الإيرانيين يمثلون مشكلة. هناك احتمال للوصول إلى تسوية تدريجية: إيران تسمح بفتح المضيق، وهو يقلص الهجمات ويبدأ في الانسحاب. لكن ليس من الواضح ما إذا كان الإيرانيون سيمضون في خطوة مثل هذه».

وأضاف: «إذا لم تكن هناك تسوية، فنحن ذاهبون نحو تصعيد سيستمر لأشهر طويلة. ترمب سيسعى لتحقيق إنجاز بري والسيطرة على جزيرة خرج النفطية. في غضون ذلك، نحن نكثِّف الهجمات في إيران لإلحاق أكبر ضرر ممكن بأهداف النظام، والبرنامج النووي، ومستودعات الصواريخ».

وتعزِّز هذه التصريحات حول حرب طويلة محتملة إذا فشل الاتفاق تقريراً إسرائيلياً لـ«القناة 12» نشرته يوم الأحد، جاء فيه أن الولايات المتحدة تُخطِّط لعملية تستمر لأسابيع عدة؛ لإجبار إيران على إعادة فتح مضيق هرمز.

ويتكوف وعراقجي

ترمب وويتكوف يتحدَّثان إلى وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وبحسب القناة، أبلغ مسؤولون في البيت الأبيض نظراءهم الإسرائيليين بأن الحرب ستُمدَّد لإتاحة الوقت لعملية أميركية مُخطَّطة لإعادة فتح الممر المائي، ومن المتوقع أن تستغرق أسابيع عدة.

وأفاد مسؤولون أميركيون بأنهم أبلغوا الإسرائيليين بضرورة تغيير الاستراتيجية، وأن واشنطن لن تسمح لإيران باحتجاز مضيق هرمز رهينة، وهو الممر الذي يتدفق عبره 20 في المائة من نفط العالم. ونقلت الشبكة عن هؤلاء المسؤولين قولهم: «سوف نستخدم هذا الضغط لجعلهم ينهارون من الداخل».

وبينما أكدت «يديعوت» أن المباحثات جرت بين الإيرانيين والأميركيين من خلال المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عبر الوسطاء الثلاثة، قالت «القناة 12» إن تركيا ومصر وباكستان هي الدول التي نقلت رسائل بين الولايات المتحدة وإيران في اليومين الماضيين.

وبحسب القناة، أجرى وزراء خارجية الدول الثلاث - تركيا ومصر وباكستان - محادثات مع ويتكوف وعراقجي.

ولم يتضح فوراً ما إذا كانت سلطنة عُمان، أحد أبرز الوسطاء بين الولايات المتحدة وإيران، قد شاركت في هذه المحادثات.

وبعد دقائق من إعلان ترمب، أصدر وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي بياناً قال فيه: «بغض النظر عن الرأي بشأن إيران، فإن هذه الحرب ليست من صنعها. الحرب تتسبب بالفعل في مشكلات اقتصادية واسعة النطاق، وأخشى أن تتفاقم هذه المشكلات إذا استمرَّت الحرب. وتعمل سلطنة عمان جاهدةً على تأمين ممر آمن عبر مضيق هرمز».

ولكن بغض النظر عن هوية الوسطاء، أكد مسؤولون لـ«القناة 12» أن الوساطة مستمرة وتتقدَّم، ويدور النقاش حول إنهاء الحرب وحل جميع القضايا العالقة المتبقية.

كما قال مسؤول إسرائيلي رفيع إن محادثات تُجرى لعقد اجتماع بين كبار المسؤولين الإيرانيين والأميركيين في إسلام آباد، عاصمة باكستان، في وقت لاحق من هذا الأسبوع. وحتى تلقي إجابات، أرجأ نتنياهو جلسةً للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) كانت مقرَّرة يوم الاثنين، إلى يوم الأربعاء.


تركيا تفاوض دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من عوائل «داعش» في «روج»

اثنتان من زوجات عناصر «داعش» خلف أسوار مخيم «روج» شمال شرقي سوريا (أ.ب)
اثنتان من زوجات عناصر «داعش» خلف أسوار مخيم «روج» شمال شرقي سوريا (أ.ب)
TT

تركيا تفاوض دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من عوائل «داعش» في «روج»

اثنتان من زوجات عناصر «داعش» خلف أسوار مخيم «روج» شمال شرقي سوريا (أ.ب)
اثنتان من زوجات عناصر «داعش» خلف أسوار مخيم «روج» شمال شرقي سوريا (أ.ب)

كشفت مصادر تركية عن مفاوضات مع دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من الجنسية التركية من مخيم «روج» في الحسكة شمال شرقي سوريا خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت تقارير بأنه بعد إخلاء مخيم الهول يُزعم أن نساءً وأطفالاً أتراكاً انضموا إلى تنظيم «داعش» بدأوا الوصول إلى تركيا، وأن بعض النساء عبرن الحدود مع أطفالهن بطريقة غير شرعية، بينما تسعى أخريات للاستفادة من «قانون التوبة الفعال» بعد التعاقد مع محامين داخل تركيا.

وبحسب التقارير التي تداولتها وسائل إعلام تركية، فإن معظم النساء موجودات في إدلب، وبعضهن عبرن الحدود، وأخريات سلمن أنفسهن وعبرن عن رغبتهن في الاستفادة من قانون «التوبة الفعالة» والإدلاء بمعلومات عن بنية تنظيم «داعش» ونشاط أعضائه في سوريا.

مفاوضات مع دمشق

وذكرت صحيفة «كيسة دالغا» أنه نتيجة للمفاوضات بين أنقرة ودمشق، ستعيد السلطات التركية أكثر من 250 امرأة من زوجات عناصر «داعش» وأطفالهن المحتجزين في مخيم «روج» خلال الأشهر المقبلة.

اثنتان من زوجات عناصر «داعش» خلف أسوار مخيم «روج» شمال شرقي سوريا (أ.ب)

وتم تسليط الضوء على مخيم «روج» الذي يضم زوجات وأرامل «داعش» وأطفالهن، بعد دخول القوات الحكومية السورية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي شمال شرقي البلاد، وسيطرتها على مخيم الهول من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وإغلاقه ونقل قاطنيه الأجانب إلى العراق.

ويقع مخيم «روج»، الذي يعد ثاني أخطر مخيم بعد «الهول»، في أقصى شمال شرقي سوريا بالقرب من المثلث الحدودي الواصل بين تركيا والعراق وسوريا.

ويتميز بأن قاطنيه من النساء اللواتي تزوجن مسلحين قاتلوا في صفوف «داعش» لسنوات، وبعضهن لعبن أدواراً قيادية في «جهاز الحسبة»، الذراع الأمنية النسائية ذائعة الصيت آنذاك وكانت تتبع التنظيم الإرهابي، لينتهي بهنّ المطاف للعيش في هذا المخيم المغلق ورعاية أطفال غالبيتهم يتامى.

لفت تقرير لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى ضرورة إنقاذ الأطفال الموجودين في مخيم «روج» (أ.ف.ب)

وبحسب خبراء الأمم المتحدة، يضم مخيم روج نحو 3 آلاف امرأة وطفل، ويشكل الأطفال ما نسبته 65 في المائة من قاطنيه، كما أن أكثر من 850 طفلاً من الذكور محرومون من حريتهم في السجون وغيرها من مرافق الاحتجاز الأخرى، بما في ذلك ما يُعرَف بمراكز إعادة التأهيل، في جميع أنحاء شمال شرقي سوريا، بحسب تقرير لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ومقرها جنيف، صدر في فبراير (شباط) 2023.

ودعا خبراء الأمم المتحدة جميع الدول والجهات الفاعلة الأخرى في شمال شرقي سوريا إلى ضمان حماية هؤلاء الأطفال ومصلحتهم.

برامج للتأهيل

وفي تركيا، قال رئيس المرصد الدولي للتطرف، الدكتور حلمي دمير: «على حد علمي، لا توجد لدينا بيانات تشير إلى وجود برنامج لإعادة تأهيل أو نزع التطرف يُنفذ في تركيا للنساء والأطفال المنتمين لتنظيم (داعش)».

تعيش زوجات وأطفال مسلحي «داعش» ظروفاً قاسية في مخيم «روج» شمال شرقي سوريا (أ.ب)

وأضاف أنه على علم ببعض الدراسات التي أجرتها هيئة الشؤون الدينية ووزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية حول هذه القضية، استناداً إلى تقارير إخبارية، لكنه لا يملك أي معلومات تفيد بتنفيذ برنامج لنزع التطرف مع عدد محدد من النساء والأطفال، على مدى فترة زمنية محددة، ويتضمن بيانات واضحة وقابلة للتحقق.

وبرامج نزع التطرف هي استراتيجيات وقائية وعلاجية تهدف إلى إعادة تأهيل الأفراد المتطرفين أو المعرضين للخطر، وتعزيز صمودهم أمام الفكر المتطرف العنيف، وتشمل إعادة الدمج الاجتماعي، والتعليم الرقمي، والحوار.

استعادة «داعشيين» من العراق

في سياق متصل، أعلنت السلطات العراقية أن أنقرة وافقت على تسلم أتراك من بين آلاف المعتقلين المنتمين لتنظيم «داعش» الذين نقلوا إلى العراق من سوريا بعد إغلاق معسكرات وسجون عناصر التنظيم هناك.

تنفيذ عمليات نقل لعناصر «داعش» من شمال شرقي سوريا إلى العراق في فبراير الماضي (رويترز)

واستقبل العراق معتقلين في عملية جرى تنظيمها بالتنسيق مع الولايات المتحدة، عقب انسحاب «قسد» وإغلاقها معسكرات وسجوناً ظلت تؤوي أشخاصاً يشتبه في انتمائهم لتنظيم «داعش» لما يقرب من عقد.

وأعلنت بغداد أنها ستحاكم المشتبه بهم بتهم تتعلق بـ«الإرهاب»، وفقاً للنظام القضائي العراقي، لكنها دعت مراراً دولاً أخرى إلى تسلم رعاياها من هؤلاء المعتقلين.

وقال مصدر دبلوماسي تركي، الشهر الماضي، إن أنقرة تقدر الجهود الأخيرة التي بذلتها بغداد لنقل أكثر من 5 آلاف و700 معتقل من تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق.

وأضاف: «يبدو أن هناك مواطنين أتراكاً بين هؤلاء المعتقلين... تركيا مستعدة للتعاون مع السلطات العراقية بشأن المواطنين الأتراك».

وتابع: «يجب أن تكون جهود العراق مثالاً يحتذى به للمجتمع الدولي ومن الضروري أن تستعيد جميع الدول مقاتليها الأجانب».

وتشير التقديرات إلى وجود نحو 180 تركياً من عناصر (داعش) نقلوا إلى العراق، بينهم مطلوبون لتورطهم في تفجيرات وأعمال إرهابية في تركيا.

وأدرجت تركيا تنظيم «داعش» على لائحتها للتنظيمات الإرهابية عام 2013، ونفذ التنظيم أو نسب إليه هجمات تسببت في مقتل أكثر من 300 شخص في الفترة من 2015 إلى 2017، ونفذت القوات التركية عمليات داخل تركيا وفي سوريا استهدفت القضاء على تهديداته.


خطط لإنشاء «فيلق أطلسي متعدد الجنسيات» في تركيا

نشر حلف شمال الأطلسي منظومتي «باتريوت» في تركيا لحماية مجالها الجوي مع اندلاع حرب إيران (رويترز)
نشر حلف شمال الأطلسي منظومتي «باتريوت» في تركيا لحماية مجالها الجوي مع اندلاع حرب إيران (رويترز)
TT

خطط لإنشاء «فيلق أطلسي متعدد الجنسيات» في تركيا

نشر حلف شمال الأطلسي منظومتي «باتريوت» في تركيا لحماية مجالها الجوي مع اندلاع حرب إيران (رويترز)
نشر حلف شمال الأطلسي منظومتي «باتريوت» في تركيا لحماية مجالها الجوي مع اندلاع حرب إيران (رويترز)

أكدت مصادر بوزارة الدفاع التركية وجود خطط لحلف شمال الأطلسي (ناتو) من أجل إنشاء مركز قيادة جديد متعدد الجنسيات في تركيا. ويأتي هذا بعدما نشر الحلف منظومتي «باتريوت» على الأراضي التركية بعد إسقاط صواريخ إيرانية يومي 9 و13 مارس (آذار) الحالي.

ونقلت صحيفة «جمهوريت» التركية عن مصادر، الاثنين، أن ما تردد بشأن هذا المشروع صحيح، وأنه انطلق العام الماضي، لكن لم تتخذ خطوات فعلية بعد. وذكر الكاتب بالصحيفة باريش ترك أوغلو، أن ضابطاً في حلف «الناتو» نشر معلومات عن الفيلق الجديد عبر حسابه في موقع «لينكد إن»، الذي يستخدم فيه حرفين من اسمه ولقبه «هـ. ي».

الكشف عن مشروع «الناتو»

أشار الضابط إلى أنه حضر مؤتمراً لقادة فيالق القوات البرية الأميركية (لاندكوم) يومي 29 و30 يناير (كانون الثاني) الماضي، ممثلاً عن «الفيلق متعدد الجنسيات في تركيا» لمناقشة تنفيذ خطط حلف «الناتو» الدفاعية. وكتب الضابط، الذي نشر صورة من الاجتماع: «أفتخر بالمساهمة في تأسيس (الفيلق متعدد الجنسيات التركي)، وبصفته مقراً جديداً لهيكل قوات (الناتو)، فسيؤدي دوراً محورياً في تعزيز قدرة الحلف على الردع والدفاع، وتحسين قابلية التشغيل البيني متعدد الجنسيات، ودعم الجاهزية العملياتية».

منشور لضابط في «الناتو» عبر حسابه في «لينكد إن» حول «الفيلق متعدد الجنسيات في تركيا» التابع للحلف (صحيفة «جمهوريت» التركية)

وقال ترك أوغلو: «تُظهر صورة اجتماع (الناتو)، التي نشرها ضابط في الخدمة الفعلية، الشارة التي يضعها على كتفه اليمنى... في الواقع، كتب كثير من الجنود الأجانب العاملين في (الناتو) رسائل تهنئة تحت منشور هـ. ي». وأشار إلى أن الضابط نفسه نشر في منشور آخر شعار الفيلق الجديد في تركيا، وهو عبارة عن «نسر سلجوقي برأسين يتوسطه علم تركيا» مع كلمتي: «شجاعة» و«عزم» على جانبيه. وذكر ترك أوغلو أنه توجه إلى وزارة الدفاع في البداية، عندما ترددت مزاعم بشأن المشروع، بسؤال عما إذا كان يتم إنشاء هذا الفيلق وما إذا كانت له علاقة بالتطورات في المنطقة وحرب إيران، لكن مصادر في الوزارة نفت علمها بالمشروع.

وأضاف أنه بدأ بتعميق البحث وتوصل إلى ما نشره الضابط، ثم عاود الاتصال بوزارة الدفاع، موضحاً أن الضابط «هـ. ي» نشر معلومات على شبكة تواصل اجتماعي تضم أكثر من مليار مشترك، وطلب مجدداً رداً على سؤاله، وأنه تلقى رداً هذه المرة بعد ساعات.

شعار «الفيلق متعدد الجنسيات» في تركيا التابع لـ«الناتو» الذي نشره ضابط في الحلف عبر «لينكد إن» (صحيفة «جمهوريت» التركية)

تأكيد رسمي

وقال ترك أوغلو إن مصدراً مسؤولاً بوزارة الدفاع التركية، أكد أن الوزارة وافقت على إنشاء مقر قيادة متعدد الجنسيات تابع لـ«الناتو» في تركيا، وأن هذا العمل ينفذ في إطار التخطيط الإقليمي للحلف. وتابع أن العمل عليه بدأ العام الماضي، لكن لم يتم إنشاؤه بعد، ولا يمكننا الجزم بإنشائه. وأضاف المصدر: «كما أن الشعار المنشور ليس نهائياً، وأن مقر القيادة لا علاقة له بالأزمة الإيرانية الأخيرة، والمشروع يُنفذ بالفعل في إطار (الناتو)، لكننا نحن من نقوم به؛ إنه مشروع محلي لا يزال في مرحلة التأسيس».

وقال ترك أوغلو: «كما ذُكر أن الوزارة غير مرتاحة لنشر ضابط (الناتو) «هـ. ي» المعلومات في هذه المرحلة». ومن المقرر أن تستضيف تركيا قمة قادة «الناتو» في العاصمة أنقرة يومي 7 و8 يوليو (تموز) المقبل.

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته خلال اجتماع وزراء خارجية الحلف في أنطاليا جنوب تركيا العام الماضي (أ.ف.ب)

وقال الأمين العام للحلف مارك روته، في بيان نشره في أغسطس (آب) 2025، إن «تركيا حليف قوي لـ(الناتو) لأكثر من 70 عاماً، وقدمت مساهمات لا تقدر بثمن لأمننا المشترك، ونشكرها لاستضافة هذا الحدث». وذكر أن قادة دول الحلف سيواصلون، خلال القمة المقبلة، جهودهم لجعل «الناتو» تحالفاً أقوى وأكثر عدالة وفاعلية، مضيفاً: «وهكذا سيكون الحلفاء جاهزين للرد على التحديات الخطيرة التي تواجه أمنهم الجماعي».

«الناتو» عزز دفاعات تركيا

ونشر «الناتو» منظومتي دفاع جوي أميركيتين من طراز «باتريوت»، قام بنقلهما من قيادة القوات الجوية الحليفة في رامشتاين بألمانيا، على أراضي تركيا لتأمين مجالها الجوي، بعد إسقاط دفاعاته في شرق البحر المتوسط صواريخ باليستية انطلقت من إيران باتجاه تركيا عقب اندلاع الحرب مع أميركا وإسرائيل.

وكان «الناتو» يحتفظ بمنظومة «باتريوت» واحدة مملوكة لإسبانيا، في قاعدة إنجرليك الجوية في أضنة جنوب تركيا، ونشر منظومة في مالاطيا، شرق تركيا قرب الحدود مع إيران، حيث تقع قاعدة رادارات كورجيك التابعة للحلف، وذلك بعد إسقاط أول صاروخ إيران أطلق من إيران باتجاه تركيا في 4 مارس الحالي.

منظومة «باتريوت» التابعة لإسبانيا في قاعدة إنجرليك في جنوب تركيا (أ.ف.ب)

ونشر الحلف منظومة ثانية في قاعدة إنجرليك إلى جانب المنظمة التابعة لإسبانيا، بعد إسقاط صاروخين آخرين في 9 و13 مارس، وبذلك أصبحت هناك 3 منظومات «باتريوت» تابعة للحلف في تركيا، بعدما سبق وسحبت دول أعضاء في 2029، منظومات نشرت بالقرب من الحدود السورية في 2015 عقب اندلاع الحرب الداخلية هناك.

واشتكت تركيا مراراً من عدم تلبية الولايات المتحدة وحلفاء «الناتو» طلباتها للحصول على منظومات «باتريوت»، ما دفعها لاقتناء منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس - 400» في عام 2019، لكنها لم تتمكن من تشغيلها بسبب اعتراض واشنطن و«الناتو» بسبب مخاطرها على أنظمة الحلف، كما تعرضت لعقوبات أميركية في إطار قانون «مكافحة خصوم أميركا بالعقوبات» (كاتسا)، وتم إخراجها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلة «إف - 35» الأميركية، وحرمت من الحصول عليها أيضاً.