حكومة إسرائيل غير شعبية لكنها لم تسقط... كيف يفعلها نتنياهو؟

استطلاعات تؤكد تراجع ثقة الجمهور بها إلى أدنى المستويات

حكومة إسرائيل غير شعبية لكنها لم تسقط... كيف يفعلها نتنياهو؟
TT

حكومة إسرائيل غير شعبية لكنها لم تسقط... كيف يفعلها نتنياهو؟

حكومة إسرائيل غير شعبية لكنها لم تسقط... كيف يفعلها نتنياهو؟

لم يحصل في تاريخ إسرائيل أن تولت السلطة حكومة فاقدة للدعم الشعبي مثل الحكومة الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو. إذ أفادت نتائج استطلاع جديد أعلن (الخميس)، أن الثقة بهذه الحكومة «هبطت من 28 في المائة في بداية الحرب على غزة إلى 23 في المائة». ونقل الاستطلاع أيضاً أن «الكنيست (البرلمان) الذي تستند إليه الحكومة هبطت ثقة الجمهور به من 24 في المائة إلى 19 في المائة».

ليس هذا وحسب، فقد نشرت القنوات التلفزيونية الثلاث الإسرائيلية قبل الاستطلاع بساعات نتائج ثلاثة استطلاعات أخرى للرأي العام الإسرائيلي، دلت كلها على أنه «وعلى الرغم من زيادة قوة اليمين فإن الجمهور لا يريد نتنياهو، وإذا جرت الانتخابات اليوم ستسقط الحكومة سقوطاً مدوياً، وتهبط قوة أحزابها من 64 نائباً اليوم إلى 46 نائباً».

ومع ذلك، فإن حكومة نتنياهو صامدة، وتمكن رئيسها من تعزيز صمودها أكثر، خصوصاً بعد انسحاب حزب غدعون ساعر (ويدعى «أمل جديد») من حزب «المعسكر الرسمي» الذي يترأسه بيني غانتس، وإعلانه البقاء في الحكومة، وتصريحه بأنه يعارض مقاطعة نتنياهو وعدم التعاطي معه كما يرغب، ويدعو قادة المعارضة.

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خلال اجتماع حكومي في تل أبيب يوم 29 يناير الماضي (مكتب الإعلام الحكومي - د.ب.أ)

ولقد سجل نتنياهو لنفسه مكسباً جديداً يعزز تقاليده التاريخية في تفسيخ صفوف الخصوم. فهو الذي سبق وأحدث شرخاً في حزب العمل، وتسبب ذلك في انسحاب إيهود باراك وبقائه (أي نتنياهو) في الحكومة سنة 2010، وأحدث انقساماً في حزب غانتس السابق «أزرق أبيض» في سنة 2020، فقط بعد سنة من تشكيله، واليوم ينجح في تفكيك «المعسكر الرسمي».

ورغم الاستطلاعات الثلاثة فإن هذا التطور لا يؤثر بشكل حاد على الخريطة السياسية؛ إذ إن ساعر لا يحصل إلا على 5 - 6 مقاعد في الكنيست، وفي حالة معينة سيسقط إذا خاض الانتخابات وحدَه. وأن حزب غانتس يتلقى ضربة، لكنه يبقى الحزب الأكبر. ومع أن الائتلاف الحالي لنتنياهو يخسر الحكم، في الاستطلاعات الثلاثة، ما يدل على أن الجمهور لا يريد نتنياهو بالذات، فإن نواب وأحزاب اليمين يزدادون قوة واتساعاً.

فما سر هذا الصمود؟

الحكومة الحالية تتألف من ثلاث مجموعات، تضم 76 نائباً من مجموع 120 نائباً في الكنيست، على النحو التالي:

المجموعة الأولى: وهي التي تضم تحالف أحزاب اليمين، والمتدينين الحريديم، وهي مؤلفة من 64 نائباً. والأحزاب هي: «الليكود» برئاسة نتنياهو وله 32 نائباً (تتنبأ له الاستطلاعات الهبوط إلى 15 – 21 نائباً فيما لو جرت الانتخابات اليوم)، و«الصهيونية الدينية» يضم ثلاثة أحزاب هي («الصهيونية الدينية» برئاسة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وله 7 مقاعد، و«عظمة يهودية» برئاسة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وله 6 نواب، والثالث حزب «نوعم» برئاسة آفي معوز، وله نائب واحد».

الاستطلاعات تشير إلى أنه في حال خوض هذه الأحزاب الانتخابات وحدها فإن حزبي سموتريتش ومعوز سيسقطان وحزب بن غفير يحصل على 9 - 10 مقاعد.

وهناك أيضاً تكتلان دينيان: حزب «شاس» لليهود الشرقيين وله 10 مقاعد، و«يهدوت هتوراة» لليهود الغربيين وله 7 مقاعد. وقوتهما ثابتة لا تتغير؛ إذ إن تحالفهما مستقر، بعدما نجح نتنياهو في إقناع رؤسائها بأن أي خلاف بينهما يجب ألا يؤدي إلى الانقسام، لأن أي انقسام سيؤدي إلى سقوط حكم اليمين.

والمصالح المشتركة بين كل هذه الأحزاب السابقة عديدة وعميقة واستراتيجية، أولها وأهمها تغيير منظومة الحكم من أساسها باتجاه تخفيض منسوب الديمقراطية وحرية الرأي والصحافة، وضرب جهاز القضاء، ومنع إقامة دولة فلسطينية، وهناك أيضاً سبب شخصي يتعلق بنتنياهو ورؤساء عدد من هذه الأحزاب، الذين يواجهون لوائح اتهام بمخالفات جنائية تقود إلى السجن، وبعضهم أمضوا فترة في السجن بعد إدانتهم بتهم، مثل أريه درعي، وبن غفير، وسموتريتش.

تحالف غانتس

المجموعة الثانية في الحكومة يتقدمها «حزب غانتس» الذي كان يضم 12 نائباً في مطلع الأسبوع تقلصوا إلى 8 نواب بعد انسحاب ساعر، وانضمت تلك المجموعة إلى الائتلاف الحكومي بعد هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، الذي أحدث زلزالاً في الساحة السياسية الإسرائيلية.

غانتس كان في ذلك الوقت قائداً للمعارضة، التي ساندها الجمهور الواسع بمظاهرات ضخمة بلغت في الأوج 400 ألف متظاهر، تطالب بسقوط الحكومة والتوجه لانتخابات جديدة. واستطلاعات الرأي منحت غانتس أكثر من 35 مقعداً، أي ثلاثة أضعاف قوته الانتخابية. وسادت لديه القناعة بأن هذا التأييد الجماهيري نابع من تصرفاته المسؤولة، وحرصه على الوحدة الوطنية خصوصاً في مواجهة «حماس»، علماً بأنه شغل في الماضي منصب رئيس أركان الجيش ووزير للدفاع. ومعه رئيس أركان آخر سابق، غادي آيزنكوت، الذي فقد نجله في الحرب فارتفع رصيده أكثر.

الوزير بيني غانتس مشاركاً في تحرك لأُسر المحتجزين الإسرائيليين في غزة يوم الجمعة (رويترز)

مشكلة هذا الحزب أنه يشعر اليوم بأن دخوله الائتلاف تحول إلى مصيدة لدى نتنياهو. فلا هو يوافق على سياسة معسكر نتنياهو ولا يستطيع الخروج من الائتلاف؛ لأن غالبية ناخبيه (64 في المائة) وغالبية الجمهور (56 في المائة) يعارضون تفكيك الحكومة خلال الحرب، ونتنياهو يرفض وقف الحرب لكي يطيل في عمر الحكومة.

أما ثالث المجموعات المكونة للحكومة، فتضم أربعة نواب (بينهم ثلاثة وزراء)، بقيادة غدعون ساعر، وهو يعدّ نفسه اليمين الليبرالي الحقيقي، انسحب من التحالف مع غانتس؛ لأنه ينتقد أداء القيادة السياسية في الحرب، ويريد أن ينضم إلى مجلس قيادة الحرب حتى يؤثر أكثر، وهو أقرب إلى نتنياهو سياسياً من الناحية اليمينية.

ورغم أن ساعر يتحفظ على شخص نتنياهو، فإنه يرفض مقاطعته. ويأمل أن يستطيع جذب قوى اليمين الليبرالي التي تركت «الليكود» وانضمت إلى غانتس.

انسحاب ساعر زاد من التعقيد في موقف غانتس، ومع أن الأخير ما زال يحظى بتأييد جماهيري واسع؛ فإنه يمتنع عن تفكيك الائتلاف الحالي للحكومة، خوفاً من فقدان ميزته الوحدوية خلال الحرب، وهو ينتظر أن تتوقف الحرب لكي ينسحب ويقود المعركة الداخلية لإسقاط الحكومة، لكنه يؤيد الاستمرار في الحرب واجتياح رفح، حتى لا يفقد اليمين، وما يساعده على ذلك هو غياب بديل مقنع للجمهور من المعارضة.

من هم المعارضون؟

المعارضة الحالية تضم أحزاباً ذات تأثير محدود، وهي: حزب «يوجد مستقبل» بقيادة يائير لبيد، وله 24 مقعداً لكن الاستطلاعات تنذر باحتمال خسارته نصف قوته وتقلصه إلى 10 - 14 مقعداً، وحزب «إسرائيل بيتنا» بقيادة أفيغدور ليبرمان الذي سيرتفع من 6 مقاعد له راهناً إلى 10 – 11 مقعداً، وحزب «العمل» الذي تتنبأ الاستطلاعات بسقوطه التام واختفائه من الخريطة الحزبية، ليحل محله حزب «ميرتس» اليساري بأربعة أو خمسة مقاعد، والأحزاب العربية الممثلة اليوم بعشرة مقاعد، وتتنبأ لها الاستطلاعات بالحفاظ على قوتها: وهي (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة العربية للتغيير برئاسة النائبين أيمن عودة وأحمد الطيبي، والقائمة العربية الموحدة للحركة الإسلامية بقيادة النائب منصور عباس).

وهذه الكتل المعارضة تحظى وفقاً للاستطلاعات بأكثرية 68 نائباً وأكثر، إذا قادها غانتس. لكن المشكلة أن نتنياهو ينجح - حتى الآن - في منع الانتخابات حالياً.

ملصقات للأسرى الإسرائيليين لدى «حماس» على جدار في تل أبيب (أ.ف.ب)

وما يحصل في هذه الأثناء هو اعتماد النضال الجماهيري ضدها، في المظاهرات التي تقوم بها عائلات الأسرى الإسرائيليين لدى «حماس»، ومعها قادة حركة الاحتجاج والتعبئة الجماهيرية في الإعلام، حيث تمتلئ وسائل الإعلام والصحف بمقالات وتقارير تشير إلى خطورة هذه الحكومة، والتي يراها البروفسور ليئور أكرمان، رئيس مجال المناعة القومية في معهد السياسة والاستراتيجية في جامعة رايخمن، مصيبة استراتيجية. وقال: «نحن في مسرحية سياسية بشعة».

ويضيف: «شيء ما سيئ جداً يحصل في إسرائيل. المجتمع الإسرائيلي الذي قام من أنقاض الانقلاب النظامي، واتحد حول الحرب ضد العدو الحقيقي يجد نفسه مرة أخرى منقسماً، مستقطباً ومصنفاً لليمين ولليسار. ضباط كبار وقادة أجهزة رسمية من أفضل رجال الدولة يضطرون لأن يتصدوا لسياسيين متوسطين ومتفرغين عموميين أفظاظ، لا يعنون إلا بالحفاظ على مكانهم في القيادة على حساب احتياجات الدولة ومواطنيها».

وتحظى هذه المعارضة بتشجيع من الإدارة الأميركية التي ملّت نتنياهو وألاعيبه، وباتت تتعرض هي الأخرى لانتقاداته وتهجماته.


مقالات ذات صلة

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، السبت، إنه أصدر تعليمات للجيش بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله» في لبنان، وذلك بعد إعلان الجيش أن الحزب انتهك وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو يعلن خضوعه لاستئصال «ورم خبيث» صغير من البروستاتا

لم يحدّد موعد العملية، لكنه أشار إلى «علاج موجّه أتاح إزالة المشكلة من دون أن يترك أثرا».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

نتنياهو: «حزب الله» يحاول تقويض جهود السلام مع لبنان

اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الجمعة، «حزب الله» بمحاولة تقويض جهود الدولة العبرية للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مقاتلون فلسطينيون خلال الهجوم على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 (أ.ب)

المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في التماسات تشكيل لجنة تحقيق بهجوم أكتوبر

نظرت المحكمة العليا في إسرائيل في التماسات لإلزام الحكومة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجوم السابع من أكتوبر 2023.

المشرق العربي ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز) p-circle

حكومة نتنياهو صادقت على إقامة 103 مستوطنات منذ توليها السلطة

رفعت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدد المستوطنات التي صادقت عليها منذ توليها السلطة قبل أكثر من 3 سنوات إلى 103 مستوطنات.

نظير مجلي (تل أبيب)

شهباز شريف يؤكد التزام باكستان بالوساطة بين إيران والولايات المتحدة

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)
TT

شهباز شريف يؤكد التزام باكستان بالوساطة بين إيران والولايات المتحدة

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)

أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان التزام بلاده بأداء دور الوسيط بين طهران وواشنطن، وذلك خلال اتصال، السبت، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلغاء زيارة كانت مرتقبة لمبعوثَيه إلى إسلام آباد.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

وكتب شريف، في منشور على منصة «إكس»: «أجريت اتصالاً هاتفياً ودياً وبنّاء هذا المساء بأخي الرئيس مسعود بزشكيان بشأن تطورات الوضع الإقليمي. أعربت عن تقديري لانخراط إيران المتواصل، بما في ذلك عبر الوفد رفيع المستوى» الذي زار إسلام آباد برئاسة وزير الخارجية عباس عراقجي.

وتابع: «جددت التأكيد أنه بدعم من الأصدقاء والشركاء، تبقى باكستان ملتزمة بأن تكون وسيطاً نزيهاً وصادقاً، وتعمل بلا كلل للدفع قدماً بسلام مستدام واستقرار دائم في المنطقة».


بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
TT

بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

دعا الرئيس مسعود بزشكيان الإيرانيين، السبت، إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، محذّراً من سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إثارة «سخط شعبي» رغم عدم وجود شحّ في إمدادات الطاقة.

وقال بزشكيان في خطاب متلفز: «نطلب من شعبنا العزيز الجاهز والحاضر في الميدان، طلباً بسيطاً وهو تقليص استهلاكه للكهرباء والطاقة»، وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتابع: «لا نطلب من الشعب تقديم التضحيات في الوقت الراهن، لكننا نحتاج إلى ضبط الاستهلاك؛ فبدلاً من تشغيل 10 أضواء، يتعين تشغيل ضوءين في المنزل، ما المشكلة في ذلك؟».

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

وبقيت منشآت توليد الطاقة في إيران في منأى إلى حد كبير عن حملة القصف الأميركية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي. وقبل سريان وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل (نيسان)، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتدمير البنى التحتية للطاقة في إيران.

ولم تُسجّل في الأيام الأخيرة أي انقطاعات للتيار الكهربائي في طهران.

واتّهم بزشكيان أعداء إيران باستهداف البنية التحتية، وفرض حصار «بهدف تحويل حال الرضا الحالية إلى سخط».

وغالباً ما تشهد إيران انقطاعات متكرّرة للطاقة في ذروة الطلب خلال فصلي الشتاء والصيف.

تنتج إيران، وفق وكالة الطاقة الدولية، نحو 80 في المائة من كهربائها من الغاز الطبيعي، وهي مكتفية ذاتياً من هذا المورد بفضل وفرة حقوله.

كما تستخدم مادة المازوت لتشغيل محطات الكهرباء القديمة، إضافة إلى محطات كهرومائية ومحطة نووية واحدة.

بسبب تقادم البنى التحتية وقلة الاستثمارات وتأثير العقوبات الدولية المشددة التي حرمت البلاد من الوصول إلى التكنولوجيا والاستثمارات، تعجز شبكة الكهرباء عن تلبية الطلب في فترات الذروة.

وسبق أن أطلق بزشكيان حملات توعية لتقليص استهلاك الطاقة.


11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

مع سعيه إلى إبرام اتفاق شامل مع إيران، يواجه الرئيس دونالد ترمب الإرث المُعقَّد لقراره الذي اتخذه قبل 8 سنوات، حين ألغى ما وصفه بأنه «اتفاق مروّع وأحادي الجانب».

كان الاتفاق الذي أُبرم في عهد أوباما يعاني من عيوب وثغرات. وكان سينتهي بعد 15 عاماً، تاركاً إيران حرة بعد عام 2030 في إنتاج ما تشاء من الوقود النووي. لكن ما إن انسحب ترمب من الاتفاق عام 2018، حتى انطلق الإيرانيون في موجة تخصيب في وقت أبكر بكثير، مما جعلهم أقرب إلى القنبلة من أي وقت مضى.

والآن، يتعامل مفاوضو ترمب مع تبعات ذلك القرار، الذي اتخذه رغم اعتراض كثير من مستشاريه للأمن القومي في ذلك الوقت.

وتَركَّز قدر كبير من الاهتمام أخيراً على نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى مستوى أدنى بقليل مما يُستخدَم عادة في القنابل الذرية. ويُعتقد أن معظم هذه الكمية مدفون في مجمع أنفاق قصفه ترمب في يونيو (حزيران) الماضي. لكن تلك الكمية، البالغة 440 كيلوغراماً من وقود القنابل المحتمل، لا تمثل سوى جزء من المشكلة.

واليوم، يقول المفتشون الدوليون إنَّ لدى إيران ما مجموعه 11 طناً من اليورانيوم، عند مستويات تخصيب مختلفة. ومع مزيد من التنقية، يكفي ذلك لبناء ما يصل إلى 100 سلاح نووي، أي أكثر من الحجم التقديري للترسانة الإسرائيلية.

وتراكم ذلك المخزون كله تقريباً في السنوات التي تلت تخلي ترمب عن اتفاق عهد أوباما. ويعود ذلك إلى أنَّ طهران التزمت بتعهدها بشحن 12.5 طن من مخزونها الإجمالي، أي نحو 97 في المائة، إلى روسيا. وبذلك تُرك مصممو الأسلحة الإيرانيون بكمية من الوقود النووي أقل من أن تكفي لبناء قنبلة واحدة.

والآن، يُشكِّل بلوغ ذلك الإنجاز الدبلوماسي أو تجاوزه أحد أكثر التحديات تعقيداً التي تواجه ترمب ومفاوضَيه الرئيسيَّين: صهره جاريد كوشنر، ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف.

ويدرك ترمب تماماً أنَّ أي شيء يستطيع التفاوض عليه مع الإيرانيين سيُقارَن بما حققه أوباما قبل أكثر من عقد. وبينما لا يزال البلدان يتبادلان المقترحات، وقد يخرجان خاليي الوفاض، فإنَّ ترمب بدأ بالفعل يحكم على اتفاقه، الذي لم يُتفاوض عليه بعد، بأنَّه «أفضل».

وكتب ترمب على موقعه للتواصل الاجتماعي، الاثنين: «الاتفاق الذي نبرمه مع إيران سيكون أفضل بكثير». وأضاف أن اتفاق عهد أوباما «كان طريقاً مضموناً إلى سلاح نووي، وهو ما لن يحدث، ولا يمكن أن يحدث، في الاتفاق الذي نعمل عليه».

واستناداً إلى أهداف ترمب المتغيرة غالباً في الصراع مع إيران، يواجه كوشنر وويتكوف قائمةً شاقةً من موضوعات التفاوض، كثير منها فشل فريق أوباما في معالجته. فعليهما إيجاد طريقة للحد من قدرة إيران على إعادة بناء ترسانتها من الصواريخ. ولم يتناول اتفاق 2015 قدرة إيران الصاروخية قط، وتجاهلت طهران قراراً للأمم المتحدة فرض قيوداً.

وعليهما إيجاد وسيلة لتنفيذ تكليف ترمب بحماية المتظاهرين المناهضين للنظام، الذين وعد ترمب بمساعدتهم في يناير (كانون الثاني) عندما نزلوا إلى الشوارع. وفي الواقع، كانت تلك الاحتجاجات من بين مُحفِّزات الحشد العسكري الأميركي الذي أدى في نهاية المطاف إلى هجوم 28 فبراير (شباط).

وعليهما التفاوض على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقه الإيرانيون بعد الهجمات الأميركية - الإسرائيلية، وهي خطوة كان ترمب بوضوح غير مستعدٍّ لها. والآن اكتشفت إيران أنَّ بضعة ألغام قليلة التكلفة وتهديدات للسفن منحتها نفوذاً هائلاً على الاقتصاد العالمي، وهو ضغط تستطيع رفعه أو خفضه بطرق لا تستطيع الأسلحة النووية تحقيقها.

لكن مصير البرنامج الذري هو ما يقع في قلب المفاوضات. وكما في محادثات 2015، يعلن الإيرانيون أنَّ لديهم «حقاً» في التخصيب بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهو حق يرفضون التخلي عنه. لكن ذلك لا يزال يترك مجالاً لـ«تعليق» كل الجهود النووية لعدد من السنوات. وكان نائب الرئيس، جي دي فانس، قد طالب بـ20 عاماً عندما التقى محاوريه الباكستانيين قبل أسبوعين، ليعلن ترمب بعد أيام أنَّ الفترة الصحيحة هي «غير محدودة».

وقال وليام بيرنز، الرئيس السابق لـ«وكالة الاستخبارات المركزية» الذي أدى دوراً رئيسياً في مفاوضات عهد أوباما، لـ«نيويورك تايمز»، الجمعة، إنَّ الاتفاق الجيد يتطلب «عمليات تفتيش نووية صارمة، وتعليقاً ممتداً لتخصيب اليورانيوم، وتصدير مخزون طهران الحالي من اليورانيوم المخصب أو تخفيفه، مقابل تخفيف ملموس للعقوبات».

كما دعا بيرنز إدارة ترمب إلى تحديد كل بند بوضوح. وقال: «ما لم تُرسَم الخطوط بوضوح وتُراقَب بصرامة، فسيرسم الإيرانيون خارجها».

شاحنة محملة بحاويات اليورانيوم تدخل نفقاً في أصفهان يونيو الماضي (أ.ب)

وهذا بالضبط ما حدث عندما انسحب ترمب من اتفاق أوباما عام 2018، ولم يضع شيئاً مكانه. في ذلك الوقت، لم تكن إيران تملك ما يكفي من اليورانيوم لقنبلة واحدة. ثم بدأت التخصيب بشراسة.

وفي الحرب الحالية، تحدَّث ترمب علناً عن غارة محتملة للاستيلاء على نصف طن من المواد الإيرانية القريبة من درجة صنع القنبلة، التي يمكن أن تصنع نحو 10 أسلحة. لكنه لم يتحدَّث عن المخزون الإجمالي البالغ 11 طناً، والتهديد الذي يشكِّله للولايات المتحدة وحلفائها.

وفي اتفاق عهد أوباما، مُنع الإيرانيون من تخصيب الوقود إلى مستوى نقاء يتجاوز 3.67 في المائة، وهو مستوى كافٍ لتزويد المفاعلات النووية بالطاقة المدنية. وحُدِّد المخزون الكامل للبلاد بنحو 660 رطلاً. وكان يفترض أن تبقى القيود قائمة 15 عاماً، حتى 2030. لكن سُمح للإيرانيين بمواصلة التخصيب المنخفض المستوى، وبنوا أجهزة طرد مركزي أكثر كفاءة.

وتبين أن تلك الثغرة هيأت لهم وضعاً جيداً لما حدث بعد أن مزَّق ترمب الاتفاق بعد 3 سنوات وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية. فقد رد الإيرانيون بتجاوز كل تلك الحدود.

في أوائل عام 2021، وقبل وقت قصير من مغادرة ترمب منصبه، أعادت إيران العمل بهدفها رفع مستوى التخصيب إلى 20 في المائة.

ثم أدى انفجار غامض إلى انقطاع الكهرباء في نطنز، وهو مجمع التخصيب الرئيسي في إيران. وحمَّل مسؤولون إيرانيون التخريب الإسرائيلي المسؤولية عنه، وردوا برفع جزء من مخزونهم إلى مستوى 60 في المائة، في أكبر قفزة في تاريخ برنامجهم للتخصيب. وكان ذلك على مسافة شعرة من أعلى درجة عسكرية.

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)

ومن أوائل 2021 إلى أوائل 2025، حاولت إدارة بايدن، من دون نجاح، التفاوض على قيود جديدة. وطوال المفاوضات، واصلت إيران التخصيب، موسعة مخزونها من وقود الـ60 في المائة.

ثم، في يونيو، قصف ترمب منشآت التخصيب الإيرانية في نطنز وفوردو، وكذلك أنفاق تخزين اليورانيوم ومنشآت أخرى في أصفهان. وأعلن أنَّ البرنامج النووي «أُبيد».

رسمياً، كانت الحكومة الأميركية أكثر تحفظاً، قائلة إن البرنامج «تراجع». لكن إذا كانت «عملية مطرقة منتصف الليل» قد شلت بالفعل كثيراً من البنية التحتية الذرية لإيران، فإنَّ إدارة ترمب قالت القليل أو لم تقل شيئاً عن بقاء مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، الذي قدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنحو 10.9 طن، مع مستويات نقاء تتراوح من 2 في المائة إلى 60 في المائة.

وكان ويتكوف أحد المسؤولين القلائل الذين ناقشوا الأمر، إذ وصف المخزون بأنه «تحرك نحو التسليح؛ إنه السبب الوحيد الذي يجعلك تملكه». وأضاف أن إيران يمكنها تحويل وقودها الأعلى تخصيباً إلى نحو 30 قنبلة.

وبينما تَركَّز النقاش العام على ما إذا كان يمكن لفريق كوماندوز أميركي استعادة نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى 60 في المائة، فإنَّ خبراء نوويين يقولون إن طهران يمكنها تحويل كامل الـ11 طناً إلى وقود قنابل، إذا تمكَّنت من تشغيل أجهزة طرد مركزي جديدة، ربما تحت الأرض، لرفع مستويات التخصيب.

وقال إدوين لايمان، الخبير النووي في اتحاد العلماء المهتمين، إنَّ مخزون إيران يمكن أن ينتج نحو 35 إلى 55 سلاحاً، اعتماداً على مهارتها في صنع ليس فقط قلب الوقود في القنبلة، بل أيضاً الأجزاء غير النووية مثل المفجرات التي تطلق التفاعلات المتسلسلة.

وخلص توماس كوكران، خبير الأسلحة النووية الذي كتب دراسة مؤثرة عن مستويات التخصيب، إلى أنَّ مخزون إيران يكفي لصنع من 50 إلى 100 قنبلة إذا جرى تخصيبه أكثر.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل موقع المخزون البالغ 11 طناً حالة غموض كبرى. أما بالنسبة إلى إيران، فهو نفوذ سياسي.

وقال غاري سامور، الذي قدَّم المشورة للبيت الأبيض في عهد أوباما بشأن برنامج إيران النووي: «نعم، لقد قُتل كثير من كبار علمائهم. لكنهم لا يزالون يملكون القدرة الصناعية الأساسية لإنتاج أسلحة نووية إذا قرروا القيام بذلك».

*خدمة «نيويورك تايمز»