إدارة بايدن تحت «نيران إيران»... والجمهوريين

دعوات جمهورية للرد «مباشرةً» على طهران

صورة التقطها قمر «بلانت لابس» الاصطناعي من قاعدة عسكرية تُعرف باسم «البرج 22» شمال شرقي الأردن 12 أكتوبر 2023 (أ.ب)
صورة التقطها قمر «بلانت لابس» الاصطناعي من قاعدة عسكرية تُعرف باسم «البرج 22» شمال شرقي الأردن 12 أكتوبر 2023 (أ.ب)
TT

إدارة بايدن تحت «نيران إيران»... والجمهوريين

صورة التقطها قمر «بلانت لابس» الاصطناعي من قاعدة عسكرية تُعرف باسم «البرج 22» شمال شرقي الأردن 12 أكتوبر 2023 (أ.ب)
صورة التقطها قمر «بلانت لابس» الاصطناعي من قاعدة عسكرية تُعرف باسم «البرج 22» شمال شرقي الأردن 12 أكتوبر 2023 (أ.ب)

سلَّط الهجوم على القوات الأميركية على الحدود الأردنية - السورية الضوء على الشرخ الكبير في الولايات المتحدة بين إدارة جو بايدن والجمهوريين الذين سارعوا إلى الإعراب عن سخطهم الشديد من سقوط ضحايا أميركيين جراء الهجمات المتتالية من وكلاء إيران في المنطقة.

وبعد تأكيد القيادة الوسطى الأميركية سقوط 3 قتلى في صفوف الجيش الأميركي، وإصابة 34 آخرين إثر هجمات بالمُسيرات على قاعدة أميركية في الأردن على الحدود مع سوريا، تهافت المشرعون الجمهوريون في مجلسَي الشيوخ والنواب على انتقاد سياسة بايدن «اللينة» تجاه طهران واتهمه بعضهم بالتسبب في زيادة الهجمات من هذا النوع بسبب عدم اتخاذه قراراً صارماً للرد بحزم وبشكل مباشر على إيران، وهي خطوة يتردد في اتخاذها خوفاً من إشعال فتيل حرب أوسع نطاقاً.

ودعا رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون، الإدارة الأميركية عبر منصة «إكس»، (تويتر سابقاً)، إلى «إرسال رسالة واضحة حول العالم مفادها أن الاعتداءات على قواتنا لن يجري التساهل معها».

وأشار رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مايك مكول، في بيان شديد اللهجة، إلى أن «وكلاء إيران شنوا أكثر من 150 اعتداءً على القوات الأميركية منذ أكتوبر (تشرين الأول)».

لكن حتى هجوم الأحد على موقع ناءٍ يُعرف باسم «البرج 22» قرب الحدود الشمالية الشرقية للأردن مع سوريا، لم تكن الضربات قد تسببت في مقتل جنود أميركيين أو إصابة كثيرين. وأتاح ذلك لبايدن مساحة سياسية لتوزيع وطأة الرد الأميركي بإلحاق خسائر بقوات مدعومة من إيران دون المخاطرة بحرب مباشرة مع طهران.

وقال مكول: «إن سياسة إدارة بايدن الفاشلة في الشرق الأوسط دمَّرت سياسة الردع الأميركية ضد خصومنا في الشرق الأوسط». وقال بنبرة حازمة: «نحتاج إلى إعادة نظر جذرية في سياستنا في الشرق الأوسط لحماية مصالحنا المتعلقة بالأمن القومي واستعادة الردع».

بين الرد المباشر و«استعادة الردع»

واستعرض المشرعون الخيارات الواردة أمام الإدارة للرد على إيران، وأتى الطرح الأكثر «جرأة» على لسان السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي دعا البنتاغون إلى «استهداف إيران بشكل مباشر».

وقال غراهام في بيان: «يمكن لإدارة بايدن استهداف كل وكلاء إيران لكنّ هذا لن يوقف الاعتداءات الإيرانية». وتابع: «أنا أدعو إدارة بايدن إلى ضرب أهداف مهمة داخل إيران، ليس فقط للرد على قتل قواتنا بل للردع ضد أي اعتداءات مستقبلية».

ولم يتوقف غراهام عند هذا الحد بل تابع قائلاً: «إن الشيء الوحيد الذي يفهمه النظام الإيراني هي القوة. وإلى أن يدفع النظام الثمن من خلال بناه التحتية وعناصره، فسوف تستمر الاعتداءات على القوات الأميركية».

وقال السيناتور الجمهوري توم كوتون: «لقد ترك قواتنا أهدافاً سهلة... الرد الوحيد على هذه الهجمات يجب أن يكون انتقاماً عسكرياً مدمراً ضد القوات الإرهابية الإيرانية في إيران وفي أنحاء الشرق الأوسط».

كما دعا النائب الجمهوري مايك روجرز، الذي يرأس لجنة الرقابة العسكرية الأميركية في مجلس النواب، إلى اتخاذ إجراء ضد طهران.

وقال روجرز: «مر وقت طويل بالفعل، فليقم الرئيس بايدن أخيراً بمحاسبة النظام الإيراني الإرهابي وحلفائه المتطرفين على الهجمات التي نفّذوها».

وحذّر البعض من أن اعتماد هذه المواقف الحادة من شأنه أن يخلق أزمة متعددة الأطراف تجر الولايات المتحدة إلى صراع شرس في المنطقة، وهذا ما تتخوف منه الإدارة الأميركية التي توعدت على لسان رئيسها جو بايدن، ومستشار الأمن القومي فيها جون كيربي، بالرد في «المكان والزمان المناسبين».

وقال كيربي في حديث لشبكة «سي إن إن»: «الرئيس بايدن سيردّ على الهجوم بالطريقة الملائمة، لكننا لا نسعى إلى حرب مع إيران. لا نريد نزاعاً أوسع في الشرق الأوسط».

وعبَّر وزير الدفاع لويد أوستن، عن أسفه وغضبه لمقتل عسكريين أميركيين في الهجوم، مؤكداً أنه وبايدن لن يتسامحا إزاء الهجمات على القوات الأميركية وسيتخذان «كل التحركات الضرورية» للدفاع عنها.

لكن يبدو أن الجمهوريين اصطفّوا بأغلبيتهم هذه المرة حول أهمية الرد الحاسم والمباشر، فقال زعيمهم في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل: «لقد انعكس الفشل في ردع خصوم أميركا مجدداً على خسارة حياة الأميركيين. لا يمكننا تحمل تكلفة الرد على الاعتداء العنيف هذا من خلال التردد والتدابير الناقصة».

ووصف الرئيس السابق دونالد ترمب، الذي يأمل في مواجهة بايدن في الانتخابات الرئاسية هذا العام، الهجوم بأنه «نتيجة لضعف جو بايدن واستسلامه».

تحفُّظ ديمقراطي

من ناحيتهم تحفَّظ الديمقراطيون على انتقاد سياسة بايدن ودعم أي رد مباشر بشكل علني فاكتفى زعيمهم في مجلس النواب حكيم جيفريز، بالقول: «يجب أن يُحمّل المسؤولية كل عنصر مسؤول (عن الاعتداءات)».

وعبّرت سياسية ديمقراطية علانيةً عن قلقها من فشل استراتيجية بايدن لاحتواء الصراع بين إسرائيل و«حماس» ضمن نطاق قطاع غزة.

وقالت النائبة الديمقراطية باربرا لي: «كما نرى الآن، الأمر يخرج عن نطاق السيطرة. وبدأ يظهر مثل حرب إقليمية ولسوء الحظ فإن هذا يجعل الولايات المتحدة وقواتنا عرضة للأذى»، وجددت الدعوات لوقف إطلاق النار في الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس».

وعارض النائب الديمقراطي سيث مولتون، الذي خدم أربع فترات في العراق جندياً في مشاة البحرية، دعوات الجمهوريين للحرب قائلاً: «الردع صعب والحرب أسوأ».

وقال مولتون: «إلى الصقور الجبناء الذين يدعون إلى الحرب مع إيران، أفعالكم تصبّ في صالح العدو، وأودّ أن أراكم ترسلون أبناءكم وبناتكم للقتال... يجب أن يكون لدينا رد فعل استراتيجي فعّال وفقاً لشروطنا وجدولنا الزمني».

خيارات الرد

يقول الخبراء إن خيارات الرد أمام بايدن يمكن أن تتراوح ما بين استهداف قوات إيرانية في الخارج، وحتى داخل إيران، واختيار تنفيذ هجوم انتقامي أكثر حذراً ليقتصر على استهداف مسلحين مسؤولين عن الهجوم مدعومين من إيران حسب «رويترز».

وقال قائد القيادة الوسطى السابق الجنرال جوزيف فوتيل لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن أي رد يجب أن يكون خالياً من الغموض وأن يُظهر أننا نُحمّل إيران مباشرةً مسؤولية هذا الاعتداء. هذا يعني أن الضربة يجب أن تكون ضد شيء تقدِّره طهران وأن تؤدي خسارته إلى شعورهم بنتيجة هذه الخسارة. قادة (الحرس الثوري) الإيراني هم مثال جيد، لكن هناك أيضاً أمثلة أخرى».

وعارض فوتيل النظرية القائلة بأن رداً أميركياً من هذا النوع من شأنه أن يوسّع رقعة الصراع فقال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أعتقد أن ردنا يعني اتساع رقعة الصراع أو البدء بحرب ضد إيران».

وأضاف: «هذا الاعتداء على البرج 22 حصل من دون استفزاز، فالقوات كانت هناك بطلب من بلد ذي سيادة بهدف مكافحة تنظيم (داعش)، لكننا لا يمكننا السماح لهذا الاعتداء بالمرور من دون عقاب وعلى ردنا أن يرسل رسالة واضحة ومباشرة لإيران بأننا نُحمّلهم المسؤولية كاملةً عن هذا الاعتداء وغيره من الاعتداءات التي يشنها وكلاؤهم في المنطقة في العراق ولبنان وسوريا والبحر».

ويُحذّر خبراء من أن أي ضربات ضد القوات الإيرانية داخل إيران قد تُجبر طهران على الرد بقوة، بما يصعّد الموقف بطريقة قد تجرّ الولايات المتحدة إلى حرب كبرى في الشرق الأوسط.

وقال جوناثان لورد، مدير برنامج أمن الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد، إن الضرب مباشرةً داخل إيران من شأنه أن يثير تساؤلات لدى طهران بشأن بقاء النظام. وقال: «عندما تفعل الأمور علناً فإن ذلك يشكل تصعيداً كبيراً بالنسبة للإيرانيين».

وقال تشارلز ليستر، من معهد الشرق الأوسط، ومقره واشنطن، إن الرد المحتمل سيكون استهداف موقعاً مهماً أو قيادياً بارزاً في جماعات مدعومة من إيران في العراق أو سوريا.

وأضاف: «ما حدث هذا الصباح كان على مستوى مختلف تماماً عن أي شيء فعله هؤلاء الوكلاء في الشهرين أو الثلاثة أشهر الماضية... (لكن) على الرغم من كل الدعوات لفعل شيء ما داخل إيران، لا أرى أن هذه الإدارة ستبتلع هذا الطعم».

وقال مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية، طلب عدم ذكر اسمه، لوكالة «رويترز» إنه من غير الواضح ما قد تكون عليه التأثيرات الثانية والثالثة التي ستترتب على ملاحقة إيران.

وقال المسؤول: «إذا لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لحرب شاملة، فما الذي ستحققه لنا مهاجمة إيران؟».

ويقول الخبراء إن إسرائيل ضربت أهدافاً إيرانية في سوريا على مدى سنوات دون أن يوقِف ذلك إيران، بما في ذلك مقتل أربعة مسؤولين من «الحرس الثوري» في دمشق في 20 يناير (كانون الثاني).

وضربت الولايات المتحدة أهدافاً مرتبطة بإيران خارجها في الأشهر القليلة الماضية. وقال الجيش الأميركي في نوفمبر (تشرين الثاني)، إنه ضرب منشأة لا تستخدمها جماعة مدعومة من إيران فحسب بل (الحرس الثوري) الإيراني نفسه أيضاً.

لكنّ ليستر يقول إن الولايات المتحدة استهدفت إيرانيين خارج إيران من قبل، مثل عملية في 2020 استهدفت مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري» قاسم سليماني، ولم تردّ طهران إلا خلال فترة زمنية محدودة.

وقال ليستر: «لذا إلى حدٍّ ما، إذا وُجِّهت ضربة قوية وعلى مستوى عالٍ بما يكفي، فلدينا سجلّ سابق يُظهر أن إيران يمكنها أن تتراجع أولاً».


مقالات ذات صلة

البيت الأبيض: العمليات الأميركية ضد إيران مستمرة بموازاة الجهود الدبلوماسية

الولايات المتحدة​ كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض تتحدث إلى الصحافيين في مدخل الجناح الغربي للبيت الأبيض بواشنطن 18 مارس 2026 (رويترز)

البيت الأبيض: العمليات الأميركية ضد إيران مستمرة بموازاة الجهود الدبلوماسية

أعلن البيت الأبيض، الثلاثاء، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يواصل العمليات العسكرية ضد إيران، بموازاة درسه خيارات دبلوماسية «جديدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طوابير طويلة داخل مطار أتلانتا بجورجيا في 23 مارس 2026 (إ.ب.أ)

انفراجة في تمويل وزارة الأمن القومي الأميركية

بدأت بوادر الحلحلة تظهر في أزمة تمويل وزارة الأمن القومي، فبعد أن انعكست آثارها على المطارات الأميركية يبدو أن ترمب غيّر من موقفه الرافض للتسوية مع الديمقراطيين

رنا أبتر (واشنطن)
الاقتصاد مصفاة أولميكا التابعة لشركة النفط الحكومية «بيميكس» في دوس بوكاس بالمكسيك (رويترز) p-circle 02:48

لغز الـ15 دقيقة... هل تسربت «مفاجأة ترمب» لمتداولي النفط قبل إعلانها؟

شهدت سوق النفط «تداولات مشبوهة» بقيمة تقارب 580 مليون دولار قبيل هبوط الأسعار بسبب حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول الهدنة مع إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ مسافرون ينتظرون في مطار أتلانتا في 23 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أزمة في المطارات الأميركية مع غياب التمويل

أدى الإغلاق الجزئي إلى طوابير طويلة في مطارات أميركا، بسبب غياب عدد من موظفي الأمن هناك، إثر تخلف الحكومة عن تسديد رواتبهم، بينما أعلن ترمب عن نشر عناصر «آيس».

رنا أبتر (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب لدى استقبال رفات عناصر القوات الأميركية الذين قضوا في حرب إيران يوم 7 مارس 2026 (رويترز)

تحليل إخباري استقالة جدلية وتباين استخباراتي يشعلان الجدل حول حرب إيران في واشنطن

تتفاقم حدّة الضغوط الداخلية التي تواجهها إدارة الرئيس دونالد ترمب، وسط تزايد احتمالات التصعيد الميداني مع إيران، ونشر قوات إضافية إلى المنطقة.

رنا أبتر (واشنطن)

ماكرون يدعو إيران إلى «الانخراط بنية حسنة في المفاوضات» لإنهاء الحرب

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

ماكرون يدعو إيران إلى «الانخراط بنية حسنة في المفاوضات» لإنهاء الحرب

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، إيران إلى «الانخراط بنيّة حسنة في مفاوضات» تهدف إلى «خفض التصعيد» في الحرب الدائرة بالشرق الأوسط، وذلك عقب محادثة أجراها مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وكتب ماكرون عبر منصة «إكس»: «دعوتُ إيران إلى الانخراط بنيّة حسنة في مفاوضات، من أجل فتح مسار لخفض التصعيد وتوفير إطار عمل لتلبية تطلعات المجتمع الدولي بشأن برامج إيران النووية والصاروخية الباليستية، فضلاً عن أنشطتها لزعزعة الاستقرار الإقليمي».

وكان ماكرون قد دعا قبل ذلك إسرائيل، إلى «منع المزيد من تصعيد النزاع في لبنان» واغتنام «الفرصة» لإجراء «مناقشات مباشرة» بين البلدين، وذلك خلال محادثات مع الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ.


ترمب يتحدث عن «هدية» إيرانية... وطهران تنفي أي مسار تفاوض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي اليوم (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي اليوم (إ.ب.أ)
TT

ترمب يتحدث عن «هدية» إيرانية... وطهران تنفي أي مسار تفاوض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي اليوم (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي اليوم (إ.ب.أ)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن إيران قدّمت «تنازلاً كبيراً» للولايات المتحدة في مجال الطاقة، واصفاً ذلك بأنه تطور إيجابي، من دون تقديم تفاصيل، في وقت فتحت فيه إشارات متضاربة من واشنطن وطهران مساراً دبلوماسياً هشاً لإنهاء الحرب، من دون أن تبدد الشكوك بشأن تحوله إلى مفاوضات فعلية.

ونفت طهران إجراء أي مفاوضات مباشرة، مؤكدة أن الرسائل التي تلقتها عبر وسطاء لا تعني دخولها في مسار تفاوضي.

وأشار ترمب إلى أن هذه «الهدية» قد تكون مرتبطة بمضيق هرمز، الممر المائي الحيوي لنقل النفط الذي تسعى الولايات المتحدة إلى إبقائه مفتوحاً.

وقال ترمب للصحافيين في المكتب البيضاوي: «لقد قدّموا لنا هدية، وقد وصلت اليوم، وكانت هدية كبيرة جداً، تساوي مبلغاً هائلاً من المال».

وأضاف: «لم تكن مسألة نووية، بل كانت مرتبطة بالنفط والغاز، وكان ما قاموا به أمراً إيجابياً للغاية».

وأكد ترمب مجدداً أنه يشعر بأن الولايات المتحدة «فازت بالفعل بالحرب»، مشيراً إلى أن وزير الدفاع بيت هيغسيث كان يشعر بخيبة أمل إزاء سرعة سير الحملة. وقال: «لم يكن بيت يريد أن تُحسم بهذه السرعة»، من دون أن يقدّم تفاصيل إضافية.

وأضاف ترمب أن الولايات المتحدة تتحدث إلى «الأشخاص المناسبين» في إيران من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي الأعمال العدائية، مشيراً إلى أن الإيرانيين «يرغبون بشدة» في التوصل إلى اتفاق. وقال: «نحن في مفاوضات الآن» بشأن إيران، لكنه لم يكشف عن تفاصيل، خصوصاً حول ما إذا كان المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يخططان لإجراء محادثات هذا الأسبوع. وأشار إلى أن ويتكوف وكوشنر ونائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو يشاركون في هذه المفاوضات.

وساطات متعددة

وتحركت على هذا الخط دول متعددة في المنطقة أبرزها باكستان، وسط عروض لاستضافة لقاءات مباشرة أو نقل رسائل، فيما قالت مصادر إيرانية وإسرائيلية وأوروبية إن الفجوة لا تزال واسعة، وإن احتمالات التوصل إلى اتفاق سريع تبقى محدودة رغم النشاط الدبلوماسي المكثف.

وبرزت باكستان باعتبارها أبرز المرشحين لاستضافة أي لقاء مباشر. وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الثلاثاء، إن بلاده مستعدة لاستضافة محادثات بين الولايات المتحدة وإيران، بعد تأجيل ترمب ضربات الطاقة. وأضاف في منشور على منصة «إكس» أن باكستان ترحب بالجهود الجارية لمواصلة الحوار بشأن إنهاء الحرب، وأنها مستعدة، إذا وافق الطرفان، لتيسير «حوار هادف وحاسم» من أجل تسوية شاملة.

ونقلت «رويترز» عن مسؤول باكستاني أن محادثات مباشرة ربما تعقد في إسلام آباد خلال أيام. كما أفاد مسؤول باكستاني آخر بأن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إلى جانب ويتكوف وكوشنر، قد يلتقي مسؤولين إيرانيين في العاصمة الباكستانية هذا الأسبوع، وذلك بعد اتصال بين ترمب وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير.

لكن وزارة الخارجية الباكستانية التزمت الحذر، وقالت إنها «لا تزال ملتزمة بحل الصراع عبر الدبلوماسية»، داعية وسائل الإعلام إلى الامتناع عن التكهنات وانتظار الإعلانات الرسمية.

وقال ترمب، الاثنين، إن محادثات «جيدة وبناءة للغاية» جرت للتوصل إلى «حل نهائي وشامل للأعمال القتالية في الشرق الأوسط»، وإنه قرر تأجيل خطته لقصف محطات الطاقة الإيرانية خمسة أيام لإعطاء هذه الاتصالات فرصة.

لكن إيران نفت هذا الوصف. وقال رئيس البرلمان محمد باقر قالیباف إنه «لم تجر أي مفاوضات مع الولايات المتحدة»، معتبراً الحديث عن ذلك «أخباراً زائفة» تُستخدم للتلاعب بأسواق المال والنفط، ولخروج واشنطن وتل أبيب من «المستنقع» الذي تواجهانه. كما قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن رسائل أميركية نُقلت عبر دول «صديقة»، لكن طهران لم تجرِ محادثات خلال الأيام الماضية.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر رفيعة في طهران أن إيران شددت موقفها من التفاوض منذ بدء الحرب مع تزايد نفوذ «الحرس الثوري» في عملية صنع القرار، وأنها ستطلب تنازلات كبيرة إذا تطورت الوساطات إلى مفاوضات جادة.

وبحسب المصادر التي نقلت عنها «رويترز»، فإن إيران لن تطالب فقط بوقف الحرب، بل أيضاً بضمانات بعدم شن أي هجمات مستقبلية، وتعويضات عن الخسائر الناجمة عن الحرب، وترتيبات تتصل بالسيطرة الرسمية على مضيق هرمز.

وأضافت المصادر أن طهران سترفض التفاوض على أي قيود على برنامجها للصواريخ الباليستية، الذي تعتبره خطاً أحمر.

وقالت المصادر نفسها إن أي قرار نهائي سيصب في النهاية عند «الحرس الثوري»؛ في دلالة على حجم نفوذه في هذه المرحلة. كما أشارت إلى أن إيران أجرت محادثات أولية فقط مع باكستان وتركيا ومصر لبحث ما إذا كانت هناك أسس لمحادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

وفي السياق نفسه، نقلت «طهران تايمز» عن مصدر مطلع أن الإشارات الدبلوماسية الأميركية تُعد «خطة خداع»، وأن طهران لا تثق بهذه الرسائل، معتبرة أن الانتشار العسكري المعادي لم يتغير، وأن هناك مؤشرات إلى أعمال إيذائية أو برية جديدة.

وربما لا يثق الخبراء الاستراتيجيون الإيرانيون أيضاً في الاتفاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل بعد تعرض البلاد للهجوم عقب اتفاق سابق العام الماضي وبعدما شاهدوا إسرائيل أيضاً تواصل قصف لبنان وغزة بعد وقف إطلاق النار.

وذكرت المصادر الإيرانية أن المخاوف داخل إيران تحد أيضاً من مساحة المناورة المتاحة لها في المفاوضات.

وتتضمن هذه المخاوف زيادة نفوذ «الحرس الثوري»، وحالة الغموض بشأن رأس النظام لأن المرشد الجديد مجتبى خامنئي لم يظهر في أي صور أو مقاطع مصورة منذ تعيينه، والرواية العامة عن الصمود في الحرب.

قاليباف وعراقجي

تقاطعت تقارير عدة حول هوية الممثل الإيراني المحتمل في أي محادثات. فقد نقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني أن واشنطن طلبت لقاء رئيس البرلمان محمد باقر قالیباف، من دون تحديد مكان، وأن المجلس الأعلى للأمن القومي لم يحسم الأمر بعد، ولم ترد طهران حتى الآن.

كما قالت ثلاثة مصادر إيرانية لـ«رويترز» إن طهران سترسل قالیباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إذا تم ترتيب المحادثات. وفي المقابل، ذكرت تقارير أخرى أن المسؤولين في طهران يخشون أن تتحول أي مفاوضات مباشرة إلى «فخ»، بما في ذلك احتمال استهداف قالیباف نفسه، وهو ما أوردته «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين إيرانيين وعرب.

وقالت الصحيفة إن طهران تخشى أن يكون إعلان ترمب تأجيل ضرب البنية التحتية للطاقة مجرد محاولة لخفض أسعار النفط قبل استئناف الضربات.

وساطات متعددة

قال مسؤول أوروبي لوكالة «رويترز»، إن مصر وباكستان ودولاً خليجية تنقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة رغم عدم وجود مفاوضات مباشرة. وأضاف أن مصر وباكستان ودولاً خليجية تتحرك على خط الرسائل، بينما يجري بحث ترتيبات أوسع لخفض التصعيد.

وفي القاهرة، قالت وزارة الخارجية المصرية إن الوزير بدر عبد العاطي ناقش «المفاوضات المحتملة» بين الولايات المتحدة وإيران في اتصال هاتفي مع ويتكوف، في إطار جهود لإحياء «المسار الدبلوماسي» باعتباره السبيل الوحيد لتجنب فوضى شاملة في المنطقة. وأضافت الوزارة أن عبد العاطي أجرى أيضاً اتصالات مع وزراء خارجية تركيا وباكستان وعُمان والسعودية والإمارات وفرنسا وقبرص.

وفي مسقط، قالت الخارجية العمانية إن الوزير بدر البوسعيدي أجرى سلسلة اتصالات مع 18 من كبار الدبلوماسيين من أنحاء العالم، من بينهم وزراء خارجية إيران والسعودية ومصر والعراق وفرنسا، في إطار دعم الجهود الرامية إلى احتواء الحرب والعودة إلى الدبلوماسية.

أما قطر، فأكدت دعمها «لكل الجهود الدبلوماسية» لإنهاء الحرب، لكن المتحدث باسم الخارجية ماجد الأنصاري قال إنه «لا يوجد حالياً أي جهد قطري مباشر» يتعلق بوساطة بين الطرفين، مضيفاً أن تركيز الدوحة ينصب على الدفاع عن أراضيها والتعامل مع الخسائر الناجمة عن الهجمات.

تشكيك إسرائيلي وحذر أوروبي

قال ثلاثة مسؤولين إسرائيليين كبار، بحسب «رويترز»، إن ترمب يبدو مصمماً على التوصل إلى اتفاق مع إيران، لكنهم استبعدوا أن توافق طهران على المطالب الأميركية، التي يرجح أن تشمل قيوداً على البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية.

وأضافت المصادر الإسرائيلية أن إسرائيل لم تكن طرفاً في المحادثات الأميركية - الإيرانية، وأن احتمالات نجاحها ضئيلة في ظل تمسك إيران بأوراقها الرئيسية، وعلى رأسها الصواريخ الباليستية والقدرة على إغلاق مضيق هرمز.

ويشكل مضيق هرمز إحدى العقد الرئيسية في أي مسار تفاوضي. فإيران تعتبر أن السيطرة على العبور مسألة سيادية وأمنية، بينما ترى واشنطن وحلفاؤها أن إعادة فتح المضيق شرط أساسي لخفض التصعيد واستقرار الطاقة العالمية.

في هذا الصدد، ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» نقلاً عن رسالة أن ‌إيران ‌أبلغت الدول ‌الأعضاء ⁠في المنظمة البحرية ⁠الدولية بأنه سيُسمح «للسفن غير المعادية» ⁠بعبور ‌مضيق ‌هرمز إذا قامت بالتنسيق ‌مع ‌السلطات الإيرانية.

وقالت مصادر إيرانية لـ«رويترز» إن السيطرة الرسمية على المضيق ستكون جزءاً من أي تفاهم، في حين قال عراقجي إن حرية الملاحة لا يمكن فصلها عن حرية التجارة، وإن تجاهل أحدهما يعني عدم توقع الآخر. كما قالت طهران إن أي سفينة لا ترتبط بالولايات المتحدة أو إسرائيل يمكنها العبور بأمان بالتنسيق مع السلطات الإيرانية.

وفي البعد الاقتصادي، تطلب طهران أيضاً تخفيفاً محدداً للعقوبات. لكن المصادر أشارت إلى أن الولايات المتحدة كانت قبل الحرب تربط أي تخفيف للعقوبات بتنفيذ إيران التزاماتها النووية وغيرها.

حتى الآن، لا تبدو هذه الاتصالات قد تجاوزت مرحلة جس النبض ونقل الرسائل. فبين إعلان ترمب وجود محادثات «مثمرة»، ونفي طهران أي تفاوض مباشر، وشروطها المشددة، وتحفظ إسرائيل على فرص النجاح، تبدو الدبلوماسية تتحرك تحت سقف الميدان لا فوقه.


تقرير: إيران تسمح للسفن «غير المعادية» بعبور مضيق هرمز

خريطة توضح موقع مضيق هرمز في هذه الصورة الملتقطة 23 مارس 2026 (رويترز)
خريطة توضح موقع مضيق هرمز في هذه الصورة الملتقطة 23 مارس 2026 (رويترز)
TT

تقرير: إيران تسمح للسفن «غير المعادية» بعبور مضيق هرمز

خريطة توضح موقع مضيق هرمز في هذه الصورة الملتقطة 23 مارس 2026 (رويترز)
خريطة توضح موقع مضيق هرمز في هذه الصورة الملتقطة 23 مارس 2026 (رويترز)

ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» نقلاً عن رسالة، أن إيران أبلغت الدول الأعضاء في «المنظمة البحرية الدولية» بأنه سيُسمح «للسفن غير المعادية» بعبور مضيق هرمز إذا قامت بالتنسيق مع السلطات الإيرانية.

وبحسب الصحيفة، قالت إيران في الرسالة إن السفن المرتبطة بأميركا وإسرائيل فضلاً عن «المشاركين الآخرين في العدوان» لا يحق لها المرور.

إلى ذلك، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن واشنطن تُجري مفاوضات مع إيران التي «لم يتبقّ لديها قادة»، وأن التفاوض يجري مع «الأشخاص المناسبين وهم يريدون إبرام اتفاق» لوقف الأعمال القتالية. وجزَم بأن القوات الأميركية تحقق «نجاحاً هائلاً في إيران، ونحن نُحلق بحُرّية فوق طهران».

وتواصلت الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران والهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، الثلاثاء، بعد إعلان ترمب المفاجئ عن مباحثات بين واشنطن وطهران.