إسرائيل «تقلص الحرب» في غزة وفق الخطة الأميركية

الانتقال من المرحلة الثانية إلى الثالثة بدأ رغم «تصريحات نتنياهو»

جنود إسرائيليون مع دباباتهم يتجمعون في موقع بالقرب من الحدود مع قطاع غزة جنوب إسرائيل في الأول من يناير (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون مع دباباتهم يتجمعون في موقع بالقرب من الحدود مع قطاع غزة جنوب إسرائيل في الأول من يناير (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل «تقلص الحرب» في غزة وفق الخطة الأميركية

جنود إسرائيليون مع دباباتهم يتجمعون في موقع بالقرب من الحدود مع قطاع غزة جنوب إسرائيل في الأول من يناير (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون مع دباباتهم يتجمعون في موقع بالقرب من الحدود مع قطاع غزة جنوب إسرائيل في الأول من يناير (إ.ب.أ)

على الرغم من التصريحات المتلاحقة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وغيره من المسؤولين الإسرائيلي، بأن الحرب على غزة ستستمر طويلاً حتى تحقيق أهدافها في تصفية قدرات «حماس» على الحكم وعلى القتال، وأن الجيش يحتاج إلى أسابيع كثيرة وربما لشهور حتى ينتقل من المرحلة الثانية إلى المرحلة الثالثة للحرب، فقد بات واضحاً أن القيادتين السياسية والعسكرية، رضختا للإرادة وللإدارة الأميركية، وباشرتا بشكل فعلي عملية تقصير الحرب وتقليص حجمها ووقتها ومداها.

قيادات إسرائيل، تفعل ذلك بالضبط وفقاً لـ«نصائح» الأخ الكبير من واشنطن، التي تمت صياغتها بوصفها خطة عمل في اللقاءات التي أجراها وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، والرئيس الجديد لهيئة أركان الجيوش الأميركية المشتركة، تشارلز براون، خلال زيارتهما إلى تل أبيب قبل أسبوعين، واجتماعاتهما مع مجلس قيادة الحرب ومع رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي.

وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن ينزل من الطائرة في مطار بن غوريون بإسرائيل 18 ديسمبر (رويترز)

ففي حينه، فرد الفريقان الخرائط والصور الملتقطة من الجو ودفتر اليوميات، وحددا مسيرة تقليص الحرب. وقد حاول الطرف الإسرائيلي تمديد الفترة الزمنية ومدى وعمق العمليات، إلا أن أوستن وبراون والجنرالات الآخرين في فريقهما، طرحوا على الجانب الإسرائيلي زبدة خبرتهم من الحرب الأميركية في العراق وأفغانستان. وبالضغوط الناعمة والنصائح الملحة حسموا الأمر.

ووفق التسريبات، فإن الجانب الإسرائيلي راح يساوم على أسبوعين، وطلب أن يبدأ الانتقال من المرحلة الثانية إلى الثالثة منتصف الشهر الحالي، ولكن القرار الأميركي طلب البدء بالانسحاب فوراً، والانتهاء من ذلك منتصف الشهر الحالي، ووافق على تأجيل بدء الانسحاب من خان يونس فقط، لأسبوعين.

ويقول العارفون، إن إسرائيل كانت بحاجة إلى هذا الضغط حتى تغير اتجاه الحرب، فالولايات المتحدة «ليست أخا كبيرا فحسب»، بل هي قدمت لإسرائيل دعماً لم يسبق أن حصل في التاريخ لدولة صديقة في حربها، حيث شمل تعويضاً مالياً بقيمة 14.3 مليار دولار (حوالي ثلث تكاليف الحرب)، وتعويضاً عن الذخائر والعتاد والأسلحة التي خسرتها (قطار جوي شمل 230 طائرة شحن، و30 سفينة شحن حملت عشرات ألوف الأطنان من الذخائر والعتاد والأسلحة). إضافة لدعم سياسي (الفيتو في مجلس الأمن وتجنيد دول الغرب)، وإعلامي وقضائي (لمنع محاكمة جنرالات إسرائيل وقادتها السياسيين أمام المحكمة الدولية والمحاكم المحلية في دول الغرب، بتهمة ارتكاب جرائم حرب).

بايدن مع بنيامين نتنياهو خلال زيارته التضامنية لإسرائيل في 18 أكتوبر (د.ب.أ)

ويقولون في تل أبيب، إن من يقدم مثل هذا الدعم غير المسبوق، «لا يقال له لا» إزاء أي طلب، خصوصاً وأن واشنطن ما زالت تؤيد إسرائيل في هدفها تصفية قدرات «حماس» على الحكم، وتصفية قدراتها مع غيرها من التنظيمات الفلسطينية المسلحة على القتال. لكنها طلبت فعل ذلك بـ«عمليات جراحية» تبعد الخطر عن المدنيين. وتقصد بذلك انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة إلى مواقع خارج الحدود، والقيام من هناك بعمليات ضد أهداف عينية وموضعية لتصفية خلية مسلحة أو قادة عسكريين.

دمار وضحايا مدنيون في غزة نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

وقال الأميركيون إن على إسرائيل أن توقف غاراتها وقصفها من بعيد، جوا وبحرا وبرا، التي أدت إلى مقتل عدد كبير من المدنيين الفلسطينيين، ودمار جزئي أو شامل لغالبية المباني في قطاع غزة، وإن اغتيال قادة «حماس» لا يحتاج إلى تدمير بقية ما تبقى من أبنية في غزة. وإن واشنطن، تقدم هذه «النصائح» لخدمة إسرائيل، إذ إنها لم تعد قادرة على تجنيد العالم إلى جانبها، بل إن الولايات المتحدة نفسها أصبحت «وحيدة ومعزولة» في دعم عمليات إسرائيل الحربية.

ينطوي هذا الموقف الأميركي على القناعة، بأن الأهداف ذات السقف العالي جدا التي طرحتها القيادة الإسرائيلية للحرب، إبادة «حماس»، لم تكن واقعية ولا قابلة للتحقيق. ولا بد من مساعدتها على النزول عن هذا السقف، رويدا رويدا، بالتفتيش عن وسائل أخرى، والتفرغ للمفاوضات حول تبادل الأسرى، حيث إن الرئيس جو بايدن، نفسه، التقى عائلات الأسرى الإسرائيليين ووعدهم ببذل جهود شخصية لتسريع إطلاق سراح أفراد عائلاتهم، وهو لا يريد أن تخيّب أميركا آمالهم بها.

جنود إسرائيليون يطلقون قذائف الهاون على منطقة قريبة من الحدود مع قطاع غزة الاثنين (إ.ب.أ)

أما قيادة الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى في تل أبيب، فقررت الانسجام مع الموقف الأميركي ومعها القادة السياسيون القادمون من الجيش، خصوصاً بيني غانتس وغادي آيزنكوت.

ولا يجد نتنياهو مفرا من أن ينسجم هو الآخر، بطريقته المعروفة: يطلق تصريحات متبجحة تُرضي شركاءه في اليمين المتطرف، لكنه لا يعترض على خطط الجيش. يتحدث عن خلافات مع الحلفاء المخلصين في الإدارة الأميركية، ولكنه لا يتحدث عن طريقة حسم هذه الخلافات. يرفض الموقف الأميركي حول اليوم التالي ومستقبل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ويؤيد مواقف حلفائه الرافضين لحل الدولتين، ويؤكد أن الجيش الإسرائيلي هو الوحيد الذي سيتولى مهمة الأمن في غزة لمنع هجوم آخر من «حماس»، ولكنه لا يرضخ لمطالب الحلفاء لترجمة هذا الرفض إلى واقع عملي، فيستكمل مهمة تدمير غزة كلها، وترحيل أهالي غزة إلى مصر وإعادة الاستيطان اليهودي.

إسرائيليون يحتجون على حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تل أبيب بإسرائيل السبت الماضي (أ.ب)

وما بقي لنتنياهو حالياً، هو السعي لإطالة عمر حكومته بمزيد من الأحابيل، حتى يؤجل الحرب القادمة عليه حتماً، الحرب الداخلية، التي ستحاول المعارضة فيها إسقاط حكومته وإقامة لجنة تحقيق نزيهة وذات صلاحيات حول أسباب الإخفاق الذي أدى إلى هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والتوجه إلى انتخابات جديدة مبكرة في أسرع وقت ممكن.


مقالات ذات صلة

اتصالات مصرية لخفض التصعيد العسكري في المنطقة

شمال افريقيا «الاجتماع الرباعي» لوزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا الأسبوع الماضي في إسلام آباد (الخارجية المصرية)

اتصالات مصرية لخفض التصعيد العسكري في المنطقة

قالت القاهرة إن «التصعيد الحالي ينبئ بالانزلاق إلى انفجار غير مسبوق في المنطقة، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية الوخيمة لاستمرار التصعيد الراهن».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون موقعاً قال مسعفون إنه شهد غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارة قرب مدخل بلدة زويدا وسط غزة (رويترز) p-circle

غارة جوية إسرائيلية تقتل 4 فلسطينيين في غزة

قالت سلطات الصحة في غزة إن غارة جوية إسرائيلية قتلت أربعة فلسطينيين في شمال القطاع اليوم (الأحد)

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية إسرائيليون يتظاهرون ضد الحرب في تل أبيب (أ.ف.ب)

إسرائيليون يطالبون بإنهاء حروب إيران ولبنان وغزة (صور)

تظاهر مئات الإسرائيليين، السبت، في تل أبيب؛ رفضاً للحربَين الدائرتَين مع إيران ولبنان، وهتفوا ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

إسرائيل تنشئ مزيداً من المواقع العسكرية في منطقة الخط الأصفر

توسع القوات الإسرائيلية سيطرتها داخل قطاع غزة، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)

مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

توجه مصر دفّة الاهتمامات نحو المنطقة الاقتصادية للقناة، وسط تطلع مصري إلى تسريع المشروعات الصناعية الروسية.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

عملية أميركية معقدة في جبال زاغروس تنتهي بإنقاذ طاقم «إف-15»

صور حطام طائرتي شحن أميركيتين من طراز «إم سي-130 جيه» في أصفهان (التلفزيون الرسمي الإيراني)
صور حطام طائرتي شحن أميركيتين من طراز «إم سي-130 جيه» في أصفهان (التلفزيون الرسمي الإيراني)
TT

عملية أميركية معقدة في جبال زاغروس تنتهي بإنقاذ طاقم «إف-15»

صور حطام طائرتي شحن أميركيتين من طراز «إم سي-130 جيه» في أصفهان (التلفزيون الرسمي الإيراني)
صور حطام طائرتي شحن أميركيتين من طراز «إم سي-130 جيه» في أصفهان (التلفزيون الرسمي الإيراني)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، إنقاذ الضابط الثاني من طاقم مقاتلة أميركية من طراز «إف-15 إي سترايك إيغل» أسقطت فوق إيران، في ختام عملية إنقاذ «معقدة» وسط زاغروس المرتفعة، استمرت 36 ساعة، وشاركت فيها عشرات الطائرات ومئات من قوات العمليات الخاصة، وفق ما قاله مسؤولون أميركيون ومصادر مطلعة.

وقال ترمب، في منشور على منصة «تروث سوشيال»، إن الجيش الأميركي نفّذ «واحدة من أكثر عمليات البحث والإنقاذ جرأة في تاريخ الولايات المتحدة» من أجل ضابط في الطاقم برتبة عقيد، مضيفاً أنه أصبح «بخير وسلام»، وأنه أصيب بجروح خطيرة لكنه «سيكون بخير».

وأضاف أن الضابط أنقذ «من عمق جبال إيران»، قائلاً إن القوات الإيرانية كانت تبحث عنه «بأعداد كبيرة» وكانت تقترب منه، وإنه «عقيد يحظى باحترام كبير». وأشار ترمب إلى أن هذا النوع من العمليات «نادراً ما ينفذ» بسبب ما ينطوي عليه من مخاطر على الأفراد والمعدات.

وأضاف الرئيس الأميركي أن العملية نُفذت بأمر مباشر منه، وأن عشرات الطائرات المسلحة «بأكثر الأسلحة فتكاً في العالم» شاركت فيها. كما قال إن واشنطن لم تعلن إنقاذ الطيار الأول، الجمعة، لأنها لم تكن تريد تعريض عملية الإنقاذ الثانية للخطر.

ترمب يتحدث عن الحرب مع إيران في البيت الأبيض الأربعاء الماضي (أ.ب)

وجاء الإعلان بعد يومين من سقوط المقاتلة الأميركية في إيران، في حادثة مثلت أول خسارة جوية أميركية بنيران معادية داخل الأراضي الإيرانية منذ بدء الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط).

وكانت الرواية الأميركية قد بدأت بإعلان إنقاذ الطيار الأول، الجمعة، بعد أن قفز من الطائرة دون أن يصاب بجروح، فيما بقي ضابط أنظمة الأسلحة مفقوداً داخل إيران حتى الساعات الأولى من صباح الأحد، ما فتح سباقاً ميدانياً واسعاً للعثور عليه. ونقلت شبكة «سي بي إس نيوز» عن مسؤولين أميركيين، أن الضابط الثاني بقي مختبئاً داخل إيران بعد إسقاط المقاتلة.

وخلال جهود الإنقاذ الأولى، كانت مروحيتان من طراز «بلاك هوك» تقل الطيار الذي تم إنقاذه لإطلاق نار من أسلحة خفيفة، ما أدى إلى إصابة أفراد من الطاقم، لكنهما تمكنتا من الخروج من المجال الجوي الإيراني.

وقالت «رويترز» إن عملية الإنقاذ واجهت مقاومة إيرانية شرسة. وأصيبت طائرة هجومية من طراز «إيه-10 وورثوغ» كانت جزءاً من مهمة البحث الجمعة، قبل أن يقفز طيارها فوق الخليج العربي ويتم إنقاذه بنجاح. وفي الوقت نفسه، كانت إيران تبث دعوات للعثور على «الطيار أو الطيارين» وتعرض مكافآت على من يقبض عليهما.

وقبل إعلان الإنقاذ، كان البيت الأبيض حذراً في التعليق على مصير العسكري المفقود. وقال ترمب في مقابلة هاتفية، الجمعة، إنه لا يستطيع التعليق على ما قد تفعله الولايات المتحدة إذا تم أسره، مضيفاً أنه يأمل ألا يحدث ذلك.

وكانت القوات الأميركية تراقب موقعه على مدار الساعة وتخطط بجدية لإنقاذه إذ بقي على تواصل، فيما كانت إيران تنشر رواية موازية عن فشل البحث الأميركي.

ووقعت عملية الإنقاذ في ضواحي مدينة دهدشت الفقيرة، ثالث أكبر مدن محافظة كهكلوية بوير أحمد، على بعد 852 كلم جنوب غربي طهران. لكن تقارير أخرى حددت موقع العملية بأنه بالقرب من منطقة جبل «ميلاس»، بمحافظة تشار محال وبختياري.

وقبل تأكيد السلطات، أفادت تقارير محلية بوقوع اشتباكات عنيفة بين قوات أميركية وقوات برية تابعة لـ«الحرس الثوري» في مناطق جبلية وعرة بمحافظة تشار محال وبختياري، مشيرة إلى مشاركة قوات من «الحرس الثوري» و«الباسيج» ومقاتلين عشائريين، وفق هذه التقارير.

سباق يومين

وبعد إسقاط الطائرة، دخلت الولايات المتحدة وإيران في سباق مباشر للوصول إلى العسكري المفقود. وقال مسؤولون أميركيون إن العثور عليه أصبح أولوية قصوى للجيش الأميركي خلال الساعات الثماني والأربعين التالية.

صورة نشرها الموقع الرسمي لـ«الحرس الثوري» الإيراني «سباه نيوز» من حطام وبقايا طائرة تم استهدافها وتحطمت في وسط إيران (أ.ف.ب)

في هذا السياق، قدمت صحيفة «نيويورك تايمز» وصفاً أوسع للعملية؛ إذ نقلت عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين مطلعين أن ضابط أنظمة الأسلحة أُنقذ في مهمة محفوفة بالمخاطر، وأدخلت قوات الكوماندوز الأميركية إلى عمق الأراضي الإيرانية بعد سباق حياة أو موت استمر يومين مع القوات الإيرانية، مشيرة إلى أن العملية المعقدة، استدعت مئات من قوات العمليات الخاصة وعشرات الطائرات الحربية والمروحيات، إلى جانب قدرات سيبرانية وفضائية واستخباراتية أخرى.

ووفقاً للمسؤولين، كان الضابط يختبئ داخل إيران ولم يكن بحوزته سوى مسدس للدفاع عن نفسه. كما كان مزوداً بجهاز تحديد موقع وجهاز اتصال آمن للتنسيق مع القوات التي تتولى عملية الإنقاذ.

وألقت الطائرات الهجومية الأميركية قنابل وفتحت النار على قوافل إيرانية لإبعادها عن المنطقة التي كان العسكري يختبئ فيها. كما نقلت عن مسؤولين عسكريين سابقين أن اشتباكاً مسلحاً اندلع مع اقتراب القوات الأميركية من موقعه. وتحدثت تقارير عن دور للطائرات المسيّرة من طراز «إم كيو-9 ريبر».

ونقلت «نيويورك تايمز» عن مسؤولين سابقين مطلعين على العملية أن اشتباكاً مسلحاً اندلع مع اقتراب القوات الأميركية من موقعه، في واحدة من أكثر المهام تعقيداً وتحدياً في تاريخ العمليات الخاصة الأميركية، حسب وصف مسؤول عسكري أميركي رفيع.

أدوار خفية

وفي موازاة التحرك العسكري، قال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كانت منخرطة بعمق في العملية. وأضاف أن الوكالة نفذت حملة تضليل داخل إيران، روجت عبرها لمعلومات تفيد بأن القوات الأميركية كانت قد عثرت بالفعل على العسكري المفقود وكانت تنقله براً لإخراجه من البلاد.

وأوضح المسؤول أن الوكالة استخدمت قدراتها لتعقب موقع الضابط داخل شق جبلي، وأنها شاركت المعلومات الدقيقة مع وزارة الدفاع والبيت الأبيض، قبل أن يصدر ترمب أمراً بتنفيذ عملية إنقاذ فورية مع استمرار تدفق المعلومات اللحظية.

ورجحت صحيفة «نيويورك تايمز» أن المنطقة التي أسقطت فيها الطائرة تشهد معارضة للحكومة الإيرانية، ما أتاح للضابط الحصول على مأوى ومساعدة من سكان محليين خلال فترة الاختباء، في وقت كانت فيه القوات الإيرانية تمشط المنطقة وتطلب من السكان المساعدة في العثور عليه.

في هذا الصدد، وصفت شبكة «سي إن إن» العملية بأنها إنقاذ الطيارين معاً، وأن الأول يخضع للعلاج منذ يوم الجمعة، بينما أُصيب الثاني بجروح. وأضافت، في تقرير منفصل، أن هوية الضابط وموقعه الدقيق قبل الإنقاذ وطبيعة إصاباته التفصيلية، كلها مسائل بقيت غير معلنة.

طائرات مدمرة

وحسب المسؤولين الأميركيين، انتهت العملية بإخراج الضابط جواً إلى الكويت لتلقي العلاج من إصاباته، لكن المهمة واجهت تعقيداً إضافياً في مرحلتها الأخيرة، بعدما تعطلت طائرتا نقل كانتا مخصصتين لإخراج فرق الإنقاذ وأفراد الطاقم من قاعدة نائية داخل إيران.

وقال مسؤول أميركي إن الولايات المتحدة دمّرت طائرتين من طراز «إم سي-130 جيه» خلال العملية. وهذه الطائرة، المصممة لإدخال القوات إلى الأراضي المعادية وإخراجها منها، يمكن تزويدها بالوقود جواً، كما أنها مزودة بمستشعرات متقدمة للدفاع ضد أنظمة الدفاع الجوي، بما في ذلك الأنظمة الموجهة حرارياً، وتصل كلفة الطائرة الواحدة إلى 100 مليون دولار.

صور نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني من حطام طائرتي شحن أميركيتين من طراز «إم سي-130 جيه» في أصفهان

وأضاف المسؤولون أن الطائرتين المعطلتين جرى تفجيرهما على الأرض لمنع وقوعهما في أيدي الإيرانيين، بعدما تقرر إدخال ثلاث طائرات جديدة لإجلاء جميع العناصر الأميركية وأفراد الطاقم.

وقال مسؤولان إن طائرات الإنقاذ الثلاث أقلعت من إيران باتجاه الكويت، وكانت كل واحدة منها على مسافة قصيرة خلف الأخرى، وإن المهمة أُنجزت قبيل منتصف الليل بقليل مع خروج جميع القوات الأميركية من المجال الجوي المعادي.

وفي السياق نفسه، قال شخص مطلع على العملية إن طائرات أميركية مسيّرة من طراز «إم كيو-9 ريبر» استهدفت عناصر إيرانية اقتربت من موقع الضابط قبل إنقاذه. وأضاف أن الولايات المتحدة استخدمت هذه المسيّرات على نطاق واسع خلال الحرب، وخسرت ما لا يقل عن 16 منها خلال النزاع.

كما نقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤولين أن إنقاذ الضابط حرم إيران من انتصار دعائي كانت واشنطن تخشى أن يتحقق إذا تمكنت طهران من أسره وفرض شروط كبيرة مقابل إطلاق سراحه أو استخدامه في تسجيلات دعائية.

وقال ترمب إن نجاح العمليتين، إنقاذ الطيار الأول ثم ضابط أنظمة الأسلحة، جرى من دون مقتل أو إصابة أي أميركي، وإن ذلك يثبت أن الولايات المتحدة حققت «تفوقاً هائلاً» في الأجواء الإيرانية، على حد تعبيره.

رواية طهران

في المقابل، قدمت إيران رواية مغايرة بالكامل. فقد قالت عمليات هيئة الأركان الإيرانية إن ما وصفتها بمحاولة إنقاذ أميركية لطيار طائرته أُسقطت في جنوب أصفهان انتهت إلى «الفشل»، وإن القوات الإيرانية «تدخلت في الوقت المناسب وأحبطت العملية».

وأضافت، في بيان، أن التقييمات الميدانية اللاحقة أظهرت تدمير طائرتَي نقل عسكري من طراز «إم سي-130 جيه» ومروحيتين من طراز «بلاك هوك» في محافظة أصفهان، معتبرة أن ذلك يعكس استمرار الإخفاقات الأميركية في مسار الحرب.

كما قالت إن هذه التطورات تظهر، من وجهة نظرها، أن الجيش الأميركي «لا يملك اليد العليا في المواجهة الجارية»، واتهمت الرئيس الأميركي بمحاولة التغطية على ما وصفته بالإخفاق عبر «الحرب النفسية» والتصريحات «المضللة».

وقالت القوات المسلحة الإيرانية، وفق رواية أخرى نقلت عنها، إنها أسقطت ثلاث طائرات عسكرية أميركية كانت تشارك في عملية الإنقاذ، فيما بثت وسائل إعلام حكومية صوراً لحطام متفحم متناثر في منطقة صحراوية، بينما كان الدخان لا يزال يتصاعد منه.

وأظهرت المواد المصورة حقلاً من الحطام وأجزاء طائرات مدمرة ومحركات توربينية على ما يبدو. كما قالت وسائل الإعلام الرسمية إن القوات الأميركية استخدمت مدرجاً مهجوراً لتنفيذ العملية، في منطقة تقع على بعد نحو 50 كيلومتراً من مدينة أصفهان. وقال الجيش الإيراني أيضاً إنه أسقط طائرة مسيّرة إسرائيلية ​في ​المحافظة نفسها.

وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف تعليقاً على صور الحطام: «إذا احتاجت الولايات المتحدة إلى ثلاثة انتصارات أخرى من هذا النوع، فستكون قد أوصلت نفسها إلى خراب كامل».

وفي سياق موازٍ، قالت وسائل إعلام إيرانية إن الضربات التي نُفذت خلال عملية الإنقاذ أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص في «كوه شاه»، جنوب غربي إيران، من دون تحديد ما إذا كانوا مدنيين أو عسكريين. كما تحدثت روايات محلية عن قتلى وجرحى في مناطق بجنوب غربي البلاد بينما كانت عملية البحث جارية.

وسرعان ما وضعت وسائل إعلام إيرانية العملية الأميركية في إطار مقارنة مباشرة مع عملية «مخلب النسر» الفاشلة في أبريل (نيسان) 1980، حين انتهت محاولة أميركية لإنقاذ 52 رهينة في طهران باصطدام مروحية بطائرة «سي-130» وسط عاصفة رملية ومقتل ثمانية جنود أميركيين.

صور نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني من حطام طائرتي شحن أميركيتين من طراز «إم سي-130 جيه» في أصفهان

ما قبل العملية

ورغم إنقاذه، ظلت تفاصيل كثيرة غير معلنة، بما في ذلك هويته الدقيقة، ومكانه التفصيلي، وطبيعة إصاباته الكاملة، وكيفية تفاديه الأسر طوال هذه المدة.

وأنهى نجاح إنقاذ الضابط أزمة كبيرة واجهها ترمب في وقت تضغط واشنطن على طهران بشأن مضيق هرمز. وكان يمكن أن يفتح أسر الطيار أزمة سياسية وعسكرية أكبر لواشنطن.

وحذر ترمب إيران من ضرورة فتح المضيق بحلول الاثنين، وإلا فسيكون هناك مواجهة لعواقب مدمرة. وجاء هذا التهديد بينما كانت واشنطن تحتفل بإنقاذ العسكري المفقود، في وقت استمرت فيه طهران في التمسك بروايتها عن إسقاط طائرات إضافية خلال العملية.

وجدد ترمب تحذيره، الأحد، قائلاً إنه يعتزم استهداف محطات الكهرباء والجسور في إيران يوم الثلاثاء، في تصعيد جديد لتهديداته المرتبطة بمضيق هرمز والبنية التحتية الإيرانية.

وكتب ترمب على منصة «تروث سوشيال» أن الثلاثاء سيكون «يوم محطات الكهرباء ويوم الجسور، معاً، في إيران»، مضيفاً: «لن يكون هناك ما يشبهه».

ولوّح الرئيس الأميركي بعواقب قاسية إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة نحو خُمس النفط العالمي، في وقت أدى فيه التراجع الحاد في حركة الملاحة إلى ارتفاع أسعار النفط.

وأسفرت الحرب التي بدأت بضربات أميركية إسرائيلية مشتركة في 28 فبراير عن مقتل الآلاف، وأثرت في الأسواق العالمية، وقطعت طرق شحن رئيسية، ورفعت أسعار الوقود.


إردوغان: حرب إيران تتجه إلى «مأزق جيوسياسي»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه كلمة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه كلمة (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان: حرب إيران تتجه إلى «مأزق جيوسياسي»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه كلمة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه كلمة (الرئاسة التركية)

حذّر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من أن مسار الحرب في إيران يتجه إلى «مأزق جيوسياسي»، مُطالباً المجتمع الدولي بتكثيف الجهود لإنهائها.

وقال إردوغان، خلال اتصال هاتفي مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) بمناسبة مرور 77 عاماً على تأسيس الحلف، إنه يجب على المجتمع الدولي أن يُكثّف جهوده لإنهاء الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، لافتاً إلى أن «المسار المتعلق بإيران يتجه نحو مأزق جيوسياسي». وعبّر إردوغان عن تقديره للدعم الذي يقدمه الحلف لمنظومة الدفاع الجوي التركية، مشيراً إلى أن التضامن خلال هذه المرحلة أظهر مرة أخرى قوة الردع التي يتمتع بها «الناتو».

إردوغان مستقبلاً روته خلال زيارة لتركيا العام الماضي (الرئاسة التركية)

كما عبّر إردوغان عن أمله في أن يتم خلال قمة «الناتو»، المقرر عقدها في أنقرة يومي 7 و8 يوليو (تموز)، اتّخاذ قرارات من شأنها جعل الحلف أكثر قدرة وفاعلية في مواجهة التحديات المستقبلية. وتصدّت دفاعات «الناتو» في شرق البحر المتوسط لـ4 صواريخ باليستية انطلقت من إيران باتجاه المجال الجوي التركي، منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، كما زوّد تركيا بمنظومتي صواريخ «باتريوت»، أميركية الصنع، نُقلت من القيادة الجوية للحلف في رامشتاين بألمانيا إلى مالاطيا شرقي تركيا قرب الحدود مع إيران، حيث تقع قاعدة «كورجيك» للرادارات التابعة للحلف، ووُضعت الثانية في قاعدة إنجرليك في أضنة جنوبي تركيا.

في السياق ذاته، أكّد وزير الدفاع التركي، يشار غولر، أن تركيا لن تتجاهل أي تهديد لأراضيها أو مواطنيها، وستتصدى لجميع أنواع التهديدات، سواء بالموارد الوطنية أو في إطار حلف «الناتو». وقال: «لدينا القدرة والإرادة للتصدي للتهديدات، وبإمكان بلادنا أن تلعب دوراً متوازناً وبنّاءً في مرحلة ما بعد حرب إيران، فنظراً لموقعنا الجيوسياسي، فإننا نسعى إلى منطقة أمنية وبيئة مستقرة من حولنا، بما يُسهم في السلام الدولي».

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

وأضاف غولر، في مقابلة صحافية نُشرت الأحد، أن الصراعات لم تسفر عن خسائر في الأرواح فحسب، بل وجهت أيضاً ضربة قوية للاقتصاد العالمي، لافتاً إلى أنه لا يُمكن حل أي أزمة إقليمية بشكل دائم بالوسائل العسكرية.

وتابع: «بغض النظر عن الظروف الراهنة، فإننا نؤمن بأن للدبلوماسية دوراً مهماً، كما أن تركيا تُعدّ من الدول القليلة القادرة على إقامة حوار مع الفاعلين الإقليميين والغربيين»، مُشدداً على أنه لا يمكن تحقيق الأمن والاستقرار الدائمين في الشرق الأوسط إلا من خلال نهج يُخفف التوترات ويستند إلى القانون الدولي.

إلى ذلك، نفى مركز مكافحة التضليل الإعلامي التابع لدائرة الاتصال في الرئاسة التركية، في بيان عبر حسابه في «إكس»، صحة ما تردد بشأن إسقاط مقاتلة أميركية «إف 15» في إيران بواسطة منظومة دفاع جوي تركية الصنع.

وذكر البيان أن المزاعم التي روجتها بعض حسابات وسائل التواصل الاجتماعي والتي تفيد بأن تركيا زوّدت إيران بأنظمة دفاع جوي متطورة وصواريخ مضادة للطائرات المسيرة، وأن المقاتلة الأميركية من طراز «إف 15»، التي أُسقطت في إيران الجمعة، تم استهدافها بواسطة نظام دفاع جوي محمول على الكتف تركي الصنع، «لا أساس لها من الصحة».

ورأى أن هذه المزاعم «ما هي إلا حرب نفسية متعمدة وحملات تشويه تهدف إلى تقويض دور تركيا البناء في حلّ الأزمات الإقليمية وجهودها الرامية إلى تحقيق السلام». وأكّد البيان أن لتركيا «موقفاً قائماً على صون السلام والاستقرار، وأن هذه الحملات الإعلامية التي تسعى للنيل من نجاحها الدبلوماسي المعترف به دولياً، تهدف إلى تضليل الرأي العام العالمي».


نتنياهو يثني على إنقاذ طيار أميركي تحطمت طائرته في إيران

ركابٌ يمرّون أمام لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)
ركابٌ يمرّون أمام لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يثني على إنقاذ طيار أميركي تحطمت طائرته في إيران

ركابٌ يمرّون أمام لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)
ركابٌ يمرّون أمام لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)

هنأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم (الأحد) الرئيس الأميركي دونالد ترمب على عملية إنقاذ طيار أميركي تحطمت طائرته في إيران.

وقال نتنياهو: «مبارك أيها الرئيس ترمب! جميع الإسرائيليين يفرحون بالإنقاذ المذهل لطَيّار أميركي شجاع على يد محاربي أميركا الشجعان». وأضاف: «تعزز هذه العملية مبدأ مقدساً: لا يُترك أحد خلفنا»، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الرئيس ترمب أعلن في وقت سابق من اليوم (الأحد)، أنّ الطيار الثاني الذي أُنقذ من إيران بعد إسقاط طائرته الحربية الجمعة، مصاب «بجروح بالغة»، مشيراً إلى أنّه سيعقد مؤتمراً صحافياً بهذا الشأن غداً (الاثنين).

وقال ترمب في منشور على منصته «تروث سوشيل»: «أنقذنا الضابط، أحد أفراد طاقم طائرة إف-15 المصاب بجروح بالغة، والشجاع حقا، من أعماق جبال إيران»، وذلك بعدما أفاد في وقت سابق بأنّ الطيار «سليم وبخير». وأضاف: «سأعقد مؤتمراً صحافياً مع الجيش، في المكتب البيضوي» عند الأولى بعد ظهر الاثنين (17:00 بتوقيت غرينتش).