الرئيس الفرنسي يطالب «دون مواربة» بوقف لإطلاق النار في غزة

مصادر سياسية: دعوة ماكرون «لن تجد آذاناً مصغية» في إسرائيل

من جلسة مجلس الأمن الدولي التي عُقدت لمناقشة الأوضاع في غزة (أ.ب)
من جلسة مجلس الأمن الدولي التي عُقدت لمناقشة الأوضاع في غزة (أ.ب)
TT

الرئيس الفرنسي يطالب «دون مواربة» بوقف لإطلاق النار في غزة

من جلسة مجلس الأمن الدولي التي عُقدت لمناقشة الأوضاع في غزة (أ.ب)
من جلسة مجلس الأمن الدولي التي عُقدت لمناقشة الأوضاع في غزة (أ.ب)

في العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أدلى الرئيس الفرنسي بتصريحات لقناة «بي بي سي»، تناول فيها الحرب الدائرة في غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول).

في هذه المقابلة، التي حصلت في اليوم التالي لمؤتمر إنساني التأم في قصر الإليزيه لمساعدة المدنيين في القطاع، قال إيمانويل ماكرون ما حرفيته: «نشاطر (إسرائيل) وجعَها، ونشاركها رغبتها في التخلص من الإرهاب، لكن اليوم يوجد مدنيون يُقصفون. هؤلاء الأطفال، هؤلاء النساء، هؤلاء الكبار في السن يتعرضون للقصف والقتل». وخلاصته: «لا يوجد أي مبرر ولا أي شرعية لذلك. لذا نحضّ إسرائيل على التوقف».

وقتها، جاء كلام ماكرون عندما كان عدد القتلى الفلسطينيين قد ازداد على 11 ألف ضحية، نحو نصفهم من الأطفال، بحسب وزارة الصحة في قطاع غزة.

بالطبع، لم تعر إسرائيل أي أهمية لدعوة الرئيس الفرنسي الذي لم يقف فقط إلى جانبها في حربها على «حماس»، لا، بل دعا من إسرائيل التي زارها في 24 أكتوبر، إلى إطلاق قوة إقليمية ـ دولية لمحاربتها على غرار التحالف الدولي لمحاربة «داعش».

دمار وضحايا مدنيون في غزة نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

لكن كلامه إلى التلفزة البريطانية، أثار حنق رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي ردّ عليه في اليوم التالي، بمؤتمر صحافي، بقوله، إن ماكرون «يرتكب خطأ خطراً على مستوى الأحداث الجارية، وأيضاً على المستوى الأخلاقي»؛ لأنه لمّح ضمناً إلى أن إسرائيل تستهدف عمداً المدنيين الفلسطينيين. وبالنظر للاحتجاجات الإسرائيلية واليهودية في فرنسا، سارع ماكرون إلى الاتصال برئيس الدولة إسحاق هرتسوغ، ليوضح أنه «لم يقل إن إسرائيل تضرب المدنيين عمداً».

وقتها لم تكن فرنسا تدعو لوقف لإطلاق النار، بل كان موقفها رسمياً الدعوة إلى «هدن إنسانية يمكن أن تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار».

لكن تتعين الإشارة إلى أن باريس صوّتت مرتين لصالح «وقف إطلاق النار» الإنساني في مجلس الأمن. كما صوّتت لصالح القانون الذي قدمت الإمارات مسودته، ولكنه خلا في نهاية المطاف من دعوة لوقف إطلاق النار؛ بسبب المعارضة الأميركية، واكتفى بالتركيز على إيصال المساعدات الإنسانية. لكن مع قرار من مجلس الأمن أو من دونه، تفيد تصريحات أرفع المسؤولين بأن إسرائيل ماضية في حربها على غزة ولا تنوي التوقف، لا بل إن بعض هؤلاء يرون أن الحرب ستدوم شهوراً إضافية.

دعوة مباشرة

اليوم، وبعد أن تضاعف عدد الضحايا مرتين قياساً لما كان عليه في نوفمبر الماضي، خرجت فرنسا عن صيغتها الأولى، وأخذت تدعو مباشرة ودون مواربة لوقف إطلاق النار، وهو ما جاء في بيان صدر عن قصر الإليزيه عقب الاتصال الهاتفي، مساء الأربعاء، بين ماكرون ونتنياهو.

طفلة فلسطينية تبكي بعد القصف الإسرائيلي على مدرسة تؤوي نازحين تابعة لـ«أونروا» في قطاع غزة (رويترز)

بيد أن ما لم يصدر بعد، لا عن الخارجية الفرنسية ولا عن رئاسة الجمهورية، هو «إدانة» القصف الإسرائيلي الذي أوقع ما يزيد على 21 ألف ضحية و3 أضعاف هذا الرقم من الجرحى، إضافة إلى تدمير المساكن والبنى التحتية المدنية ومساجد وكنائس ومستشفيات.

يقول بيان الإليزيه إن ماكرون أعرب لرئيس الوزراء الإسرائيلي، عن «قلقه العميق إزاء الخسائر الفادحة في صفوف المدنيين، وحالة الطوارئ الإنسانية المطلقة التي يواجهها السكان المدنيون في غزة»، مذكراً إياه بـ«واجب إسرائيل بحماية المدنيين، وضرورة إيصال المساعدة الضرورية لسكان غزة، وضرورة العمل من أجل وقف إطلاق نار مستدام بمساعدة الشركاء الإقليميين والدوليين جميعاً».

وعلى المستوى الإنساني، أشار «الإليزيه» إلى أن فرنسا «ستعمل خلال الأيام المقبلة، بالتعاون مع الأردن، على تنفيذ عمليات إنسانية في غزة».

ورقة لبنان

ترى مصادر سياسية في باريس أن دعوة الرئيس الفرنسي لوقف إطلاق النار «لن تجد آذاناً مصغية في إسرائيل»، بوصف أوراق الضغط التي تملكها باريس «غير موجودة عملياً» رغم أن فرنسا تحرص منذ البداية على «عدم إحراج إسرائيل»، الأمر الذي ظهر بوضوح في سكوتها على ضرب المركز الثقافي الفرنسي في غزة واستهداف مكتب «وكالة الصحافة الفرنسية»، وأيضاً عند مقتل موظف فلسطيني يعمل لصالح القنصلية الفرنسية في القدس، حيث اكتفت الخارجية الفرنسية بـ«إدانة» مخففة، ومُطالِبةً بكشف تفاصيل وظروف القصف الذي استهدف منزلاً لجأ إليه الموظف المذكور مع آخرين وأسفر عن 11 ضحية.

تصاعد النيران من مبنى بعد غارة على ما يقول الجيش الإسرائيلي إنها أهداف لـ«حزب الله» في لبنان 24 نوفمبر (رويترز)

ولأن التركيز على العمل الإنساني لا يشكّل بحد ذاته بديلاً عن العملَين السياسي والدبلوماسي، فإن باريس تنشط في ملفات أخرى على صلة بالحرب في غزة، وأبرزها الملف اللبناني.

وجاء في بيان «الإليزيه» أن ماكرون «عرض الجهود التي تقوم بها فرنسا لمنع اشتعال الحرب إقليمياً، وتحديداً الرسائل التي بعثت بها (باريس) إلى إيران، وإلى المجموعات المرتبطة بها لكي تبقى بعيداً عن النزاع». وكرر ماكرون، بالأخص، «أهمية التنفيذ الكامل للقرار الدولي رقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن»، الذي ينص على إخلاء المنطقة الواقعة بين الحدود اللبنانية - الإسرائيلية ونهر الليطاني من السلاح والميليشيات، في إشارة لـ«حزب الله».

في السياق عينه، أشار ماكرون إلى أن باريس «مستمرة بالعمل، بالتنسيق مع شركائها الدوليين، من أجل تجنب التصعيد من على جانبي الخط الأزرق» الذي رسمته الأمم المتحدة بين لبنان وإسرائيل. وأخيراً، فإن ماكرون كرر «رسائل ضبط النفس والتحذير الموجهة إلى الأطراف المعنية كافة».

حقيقة الأمر أن باريس تعدّ أنها قادرة على الأرجح على لعب دور فيما خص التصعيد بين «حزب الله» وإسرائيل. ولهذا الغرض، تعاقبت زيارات المسؤولين الفرنسيين إلى لبنان، وزراء ومسؤولين أمنيين، وآخرهم كانت وزيرة الخارجية كاترين كولونا التي زارت بيروت يوم 18 الحالي. وأسبوعاً بعد آخر، كانت باريس تحذّر لبنان من أن استمرار المناوشات على جانبي الحدود قد يتفلت من عقاله، وأن إسرائيل «جادة» في عزمها على إبعاد «حزب الله» عن حدودها، وأن لبنان غير قادر على تحمل أعباء حرب جديدة مع إسرائيل، والطريق إلى تفاديها تكمن في تنفيذ مضمون القرار 1701.

إلا أن جملة قالها الرئيس ماكرون في مقابلة تلفزيونية مطولة، ليل العشرين من ديسمبر (كانون الأول)، قد تكون أفسدت العلاقة مع «حزب الله»، حيث وصفه للمرة الأولى، علناً بـ«الحزب الإرهابي»، علماً بأن باريس عارضت دوماً وضع «حزب الله» على لائحة الإرهاب الأوروبية، وأنها على تواصل دائم معه.

فلسطينيون يتفقدون سيارة محترقة في قرية قراوة قرب سلفيت في 3 ديسمبر حيث هاجم مستوطنون قريتين فلسطينيتين بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

الاستيطان والضفة

ثمة ملف آخر تريد باريس أن يكون لها دور بشأنه، يتناول عنف المستوطنين في الضفة الغربية ضد الفلسطينيين. من هنا، «تركيز» ماكرون على «أهمية أن تتخذ إسرائيل جميع التدابير اللازمة لوضع حد للعنف الذي يرتكبه بعض المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين، وأن تضع لكل المشروعات الاستيطانية في الضفة الغربية التي تهدد حل الدولتين، القادر وحده على ضمان أمن إسرائيل على المدى الطويل، والاستجابة لتطلعات الفلسطينيين المشروعة».

هل ستستجيب إسرائيل؟ الجواب قطعاً بالنفي؛ لأن الحسابات الإسرائيلية لا تتطابق مع الحسابات الفرنسية، ولأن الطرف الوحيد القادر على لي ذراعها موجود في واشنطن إذا توافرت لديها الإرادة السياسية لبادرة من هذا النوع، وهو أمر غير مؤكد.


مقالات ذات صلة

«الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل المقترح الجديد بشأن غزة

خاص فلسطينيون يسعون للحصول على ماء في مخيم البريج بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل المقترح الجديد بشأن غزة

حصلت «الشرق الأوسط»، على تفاصيل المقترح الذي صاغه ممثلون لـ«مجلس السلام» بشأن قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون يحملون جثماناً خلال جنازة أربعة أشخاص قُتلوا في غارة إسرائيلية استهدفت سيارة بمدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

بينهم طفل... مقتل 5 فلسطينيين بغارتين إسرائيليتين على قطاع غزة

قُتل خمسة فلسطينيين، اليوم الثلاثاء، على أثر غارتين جويتين إسرائيليتين على غزة، وفقاً للدفاع المدني ومستشفيات في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيعون ضحايا غارة إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص غارة إسرائيلية تقتل إياد الشنباري القائد البارز في «القسام» بغزة

قتلت هجمات إسرائيلية 5 فلسطينيين في مدينتي غزة وخان يونس، وأسفرت غارة عن مقتل إياد الشنباري أحد أبرز قادة «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أشخاص يجلبون مياه الشرب في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين في وسط قطاع غزة 28 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: إسرائيل تستخدم المياه سلاحاً في غزة

حذّرت منظمة «أطباء بلا حدود»، الثلاثاء، من أن إسرائيل تتعمد حرمان أهالي قطاع غزة من الحصول على المياه اللازمة للحياة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز) p-circle

حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

تشهد القاهرة، خلال الأيام المقبلة، حراكاً سياسياً جديداً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة؛ بينما واصلت إسرائيل تصعيدها الميداني، وتوسيع نطاق سيطرتها.

«الشرق الأوسط» (غزة)

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
TT

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)

اقتحمت مجموعة محتجين من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد منزل قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية الثلاثاء، واعتصموا في حديقته احتجاجا على إجراءات لمعاقبة من يرفضون الاستجابة لاستدعاءات التجنيد.

ويأتي ذلك بعدما أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الأحد الدولة بوقف المزايا المالية الممنوحة لليهود المتشددين الذين يتجنبون الخدمة العسكرية، وبالشروع في ملاحقات جنائية بحقهم.

وأثار التحرك إدانات غاضبة من القيادات العسكرية والسياسية.

وأظهرت مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي عشرات من الرجال المتشددين يهتفون داخل حديقة منزل قائد الشرطة العسكرية يوفال يمين في عسقلان، بينما كان داخل المنزل مع عائلته، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو «أدين بشدة الهجوم الوحشي والعنيف على رئيس الشرطة العسكرية، وأطالب باتخاذ إجراءات حازمة بحق الضالعين».

من جهته، ندّد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بـ«الاقتحام المتعمّد» لمنزل يمين «في وقت كانت عائلته داخله»، معتبرا أن أي محاولة للمساس بأفراد الأجهزة الأمنية تمثّل «تجاوزا لخط أحمر».

ويتمتع اليهود المتشددون منذ قيام إسرائيل عام 1948 بإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية شرط التفرغ للدراسية الدينية.

لكن المحكمة العليا طعنت مرارا في هذا الاستثناء خلال السنوات الأخيرة، وصولا إلى حكم صدر في 2024 يُلزم الحكومة تجنيدهم.

غير أن نتانياهو يعتمد على دعم الأحزاب المتشددة للبقاء في السلطة، ما دفعه إلى معارضة إنهاء هذا الإعفاء.

ويمثل الحريديم 14 في المائة من السكان اليهود في إسرائيل، ومنهم 66 ألف رجل في سن الخدمة العسكرية.

ومع الحكم الأخير، تأمر المحكمة عمليا بوقف الإعانات التي تتيح لليهود المتشددين تخفيضات على الضرائب المحلية ووسائل النقل العامة ورعاية الأطفال.


الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.