الخطط الإسرائيلية لتغيير الوعي الفلسطيني

أساس عقائدي لتهجير المدنيين طرح قبل حرب غزة

طفل من الخدج داخل حضانة في مستشفى الشفاء في غزة (رويترز)
طفل من الخدج داخل حضانة في مستشفى الشفاء في غزة (رويترز)
TT

الخطط الإسرائيلية لتغيير الوعي الفلسطيني

طفل من الخدج داخل حضانة في مستشفى الشفاء في غزة (رويترز)
طفل من الخدج داخل حضانة في مستشفى الشفاء في غزة (رويترز)

يكثر القادة الإسرائيليون من استخدام مصطلح «تغيير الوعي الفلسطيني»، منذ بداية الحرب على غزة، كأحد أهداف هذه الحرب وتبريرات لنوعية العمليات الحربية التي ترافقها، وفيها يدفع المدنيون الفلسطينيون ثمنا مريعا.

وليس صدفة أن وزير الدفاع، يوآف غالانت، ردد الكلام بعد ساعات من تنفيذ القصف الدموي على مدرستي الفاخورة وتل الزعتر، وفي مخيم جباليا، والتي أوقعت في يوم واحد نحو ألف قتيل من المدنيين.

قد تكون هذه العمليات دليلا على وجع شديد نابع من وقوع عدد كبير من الجنود الإسرائيليين (5 قتلى و9 جرحى حسب الاعتراف الإسرائيلي). وكونه جاء بعد نحو الأسبوع من «تخفيف» حجم التدمير بالغارات البعيدة، الذي خف بموجبه عدد الضحايا الفلسطينيين، يدل على تكتيك حربي لمفاجأة العدو.

لكن هناك أساسا عقائديا لهذا التصعيد وهذا الثمن الباهظ من الدمار، يأتي من مكان آخر. لقد أسماه الوزير غالانت «تغيير الوعي الفلسطيني». وهذا المصطلح ورد للمرة الأولى في الوثيقة التي وضعتها وزارة الاستخبارات الإسرائيلية، نهاية الشهر الماضي، لغرض التوصية بترحيل جميع أهالي قطاع غزة إلى مصر. وتضمن المخطط فقرة تؤكد أن أي حل لمستقبل غزة «يجب أن يترافق مع حملة كي للوعي الفلسطيني يتم فيها تغيير المفاهيم والعقائد المعادية لإسرائيل، بحيث يقتنع الفلسطينيون بأن هجوم حماس على إسرائيل كان فاشلا وتسبب لهم في الدمار وسقوط الضحايا والتشرد، وأن حماس هي (داعش) وممارساتها نازية».

جيش هجوم لا دفاع

غير أن هذا التعبير ظهر قبل ذلك في الأبحاث التي أجريت في رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي عام 2018، عندما كان رئيس الأركان غادي آيزنكوت، يتحدث عن حرب متعددة الجبهات. وآيزنكوت هو أحد أعضاء المجلس الخماسي لإدارة الحرب على غزة.

وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي مع بنيامين نتنياهو في 28 أكتوبر الماضي (رويترز)

كان رئيس الحكومة حينها، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان. وقد وضعت خطة لمحاربة حماس وحزب الله في ذات الوقت. وخلال النقاش طرحت مسألة المدنيين، باعتبار أن كلا التنظيمين يقيمان قواعدهما في بلدات مأهولة. وتقرر تحذير المدنيين بأنهم سيتضررون بشكل هائل في حال نشبت الحرب، لأن الجيش الإسرائيلي مضطر لقصف أحيائهم في إطار حرب دفاعية.

يومها كتب أحد كبار الباحثين في الشؤون الأمنية، د. يائير انسبيكر، مقالم في موقع اليمين «ميدا»، أكد فيها على أهمية ضرب المدنيين من باب آخر. فقال إن «العدو يفهم أن إسرائيل تنتهج عقيدة الدفاع وليس الهجوم ويجب تغيير عقيدته». وأنه يجب أن يفهم أن فكرة أن الجيش هو «جيش الدفاع الإسرائيلي» خاطئة، وأنه أصبح من اليوم «جيش الهجوم الإسرائيلي»، وأن عملياته ستكون مدمرة. واقترح أن يبادر هذا الجيش إلى الحرب ولا ينتظر أن يتعرض للهجوم، بل اقترح أن يغير الجيش اسمه رسميا، ويكف عن تسمية نفسه «جيش الدفاع».

لافتة تصور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في احتجاجات على هامش قمة أبيك (التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ) في سان فرنسيسكو كاليفورنيا في 12 نوفمبر (رويترز)

نتنياهو من جهته لم يتقبل هذه الأفكار واختلف في الموضوع مع ليبرمان. وبحسب ليبرمان، فإن نتنياهو اختار مبدأ تقوية حماس عن طريق تعزيز الانقسام الفلسطيني، الضامن الأكبر لمنع مفاوضات على إقامة دولة فلسطينية. لكن نتنياهو هذا كان قد تحدث عن تغيير الوعي الفلسطيني في سنة 2005، أيضا بمعرض الحديث عن غزة. ففي حينه ظهر أمام مؤتمر القدس وقال إن الفكرة التي رسمت عن إسرائيل في اتفاقيات أوسلو وخطة الانفصال عن غزة هي أن ديننا الهرب. ويجب أن نهاجم بقوة شديدة حتى يبدأ لديهم تفكير جديد عن إسرائيل. وقال: «بهذه الطريقة تصبح مسألة تغيير الوعي والثقافة والمفاهيم لدى العرب أصعب حتى من فكرة تغيير المفاهيم لدى الألمان واليابانيين».

سحابة نووية عقب انفجار أول قنبلة ذرية ألقتها أميركا على هيروشيما باليابان (رويترز)

ولهذا، فليس صدفة أن نتنياهو عاد ليتحدث عن الألمان واليابانيين في بداية الحرب على غزة. وغالانت، الذي كان في سنة 2005 قائدا للواء الجنوبي في الجيش ومسؤولا عن قطاع غزة، عاد ليتحدث عن الألمان واليابانيين، في المؤتمر الصحافي الذي ظهر فيه مع نتنياهو وبيني غانتس في الليلة الماضية. المشكلة في هذه التصريحات تكمن في الأسلوب الذي اتبعه الأميركيون والغرب لتغيير الوعي في ألمانيا واليابان.

وبحسب المؤرخين، كان تدمير مدينة دريسدين الألمانية في فبراير (شباط) سنة 1945 وقتل 35 ألف مواطن فيها بمثابة الحدث الذي حفر في ذاكرة الألمان على أن النازية جلبت له الكوارث وأن الغرب مصر على سحق النازية. وأما في اليابان فقد تغير الوعي عندما ألقى سلاح الجو الأميركي أول قنبلة نووية في التاريخ على كل من هيروشيما فدمرها بالكامل وقتل من سكانها 66 ألفا، وناغازاكي التي قتل من سكانها 40 ألفا، ودمرت المدينتان بالكامل.

إذا أخذنا هذه المقاربة، للمثل الشعبي العربي القائل «خذوا أسرارهم من صغارهم»، وربطناها مع تصريحات الوزير آفي ديختر عن نكبة غزة الثانية والوزير أبيحاي إلياهو عن إلقاء قنبلة نووية على قطاع غزة والمناشير التي وزعها المستوطنون اليهود في 26 من الشهر الماضي في قرية دير استيا التي دعوا فيها «عليكم مغادرة قراكم وبلداتكم والتوجّه إلى الأردنّ، وإذا لم تغادروها فسيتمّ الهجوم وتهجيركم بالقوّة» وما ترافق معها من ممارسات على الأرض، فإن الاستنتاج الطبيعي هو أن مشاريع التدمير والسحق للمدنيين هي مدار حديث على مختلف المستويات في إسرائيل. يقصدون بها ترسيخ فكرة النكبة من جديد، كعقاب على من «يتطاول» عليهم وتذكير قادة دول الغرب الذي ينتقدهم بأنهم تعلموا منهم هذه الأساليب.

حركة نزوح من شمال غزة عبر طريق صلاح الدين يوم الأربعاء (أ.ب)

وإذا كان هناك من يخجل من معاقبة المدنيين الفلسطينيين بجريرة حماس أو يخشى من ردود الفعل الدولية ضد إسرائيل، فقد خرج لطمأنتهم، الجنرال المتقاعد غيورا آيلاند، الذي انتقد الحكومة على سماحها بإدخال الوقود إلى غزة. وكتب في مقال في صحيفة «يديعوت أحرونوت» (الأحد)، إن «الأسرة الدولية تحذرنا من مصيبة إنسانية في غزة ومن أوبئة قاسية. محظور علينا أن نخاف ذلك، مع كل المصاعب التي ينطوي عليها الأمر. فالأوبئة القاسية في جنوب القطاع ستقرب النصر وستقلل المصابين في أوساط جنود الجيش الإسرائيلي. ولا، هذه ليست وحشية لذاتها، إذ إننا لا نؤيد معاناة الطرف الآخر كهدف، بل كوسيلة».

فلسطينيون يعاينون جثامين ضحايا القصف الإسرائيلي على مخيم جباليا أمام المستشفى الإندونيسي شمال قطاع غزة أمس (أ.ب)

سكان غزة هم حماس!

وأضاف: «حسب الرواية الأميركية، في غزة توجد جماعتان من الناس. الأولى هي مقاتلو حماس، الذين هم إرهابيون وحشيون ولهذا فهم أبناء موت. أما الثانية فينتمي إليها معظم الناس في غزة، مدنيون أبرياء يعانون دون ذنب اقترفوه. لكن الرواية الأخرى، والأصح، هي التالية: إسرائيل لا تقاتل ضد منظمة إرهاب بل ضد دولة غزة. دولة غزة بالفعل تقودها حماس، وهذه المنظمة نجحت في أن تجند كل مقدرات دولتها، تأييد معظم سكانها والولاء التام للمثقفين المدنيين حول زعامة يحيى السنوار، في ظل التأييد التام لآيديولوجيته. بهذا المفهوم، فإن غزة تشبه جدا ألمانيا النازية، التي فيها أيضا وقع إجراء مشابه. ولما كان هذا هو وصف دقيق للوضع فبالتالي صحيح أيضا إدارة القتال بما يتناسب مع ذلك. نحن نروي بأن السنوار هو شرير لدرجة أنه لا يهمه إذا ما مات كل مواطني غزة. مثل هذا العرض ليس دقيقا. فمن هن النساء الغزيات (المسكينات)؟ هن كلهن الأمهات، الأخوات والنساء لقتلة حماس».

طفل من الخدج داخل حضانة في مستشفى الشفاء في غزة (رويترز)

وليس الجنرال وحده يفكر بهذه الطريقة. فالبروفسور ايال زيسر، مغتاظ من خروج مئات ألوف المواطنين في الولايات المتحدة وأوروبا إلى الشوارع لإطلاق صرخة تضامن مع الأطفال والنساء وبقية المدنيين في غزة. فاعتبرهم «رعاعا ثائرين من مهاجرين من العالم العربي والإسلامي ارتبط بهم نشطاء من اليسار المتطرف وهؤلاء يغمرون شوارع المدن في أوروبا بمسيرات كراهية لليهود لم تشهدها القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية». وفي مقال نشر (الأحد) في صحيفة «يسرائيل هيوم»، يصف العرب الذين يتظاهرون في بلدانهم بـ«جهلة محرضين ومتعطشين للدماء».


مقالات ذات صلة

«رد مشروط» من «حماس» يضع محادثات القاهرة أمام «اختبار صعب»

شمال افريقيا فتاة فلسطينية تحمل وعاء ماء في مخيم للنازحين بخان يونس جنوب غزة (أ.ف.ب)

«رد مشروط» من «حماس» يضع محادثات القاهرة أمام «اختبار صعب»

تقف محادثات القاهرة بشأن استكمال تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة، على أعتاب نقاشات محورية بشأن مستقبل سلاح حركة «حماس» والفصائل الأخرى.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي طفلة فلسطينية تحمل خبزاً في دير البلح وسط قطاع غزة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب) p-circle

تفاقم أزمة الخبز في غزة... واتهامات لإسرائيل بـ«هندسة التجويع»

تفاقمت أزمة توافر الخبز في غزة مع استمرار عرقلة إسرائيل دخول الإمدادات لصالح مخابز القطاع التي أعيد فتحها بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي يتجمع مشيعون حول جثامين فلسطينيين قُتلوا بحسب مسعفين في غارة إسرائيلية ليلية... في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وفد «حماس» يبحث مع مسؤولين مصريين «الخروقات» الإسرائيلية في غزة

أفاد مصدران مطلعان في «حماس» بأن وفد الحركة المفاوض برئاسة خليل الحية سيلتقي اليوم بالقاهرة مسؤولين مصريين لبحث «الخروقات» الإسرائيلية لوقف إطلاق النار في غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي أعضاء اللجنة التوجيهية لأسطول الصمود العالمي ومنظمة «أوبن آرمز»  يحضرون مؤتمراً صحافياً بينما يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة (رويترز)

أسطول مساعدات جديد يسعى لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة

من المقرَّر أن ينطلق أسطول ثانٍ يحمل مساعدات إنسانية إلى الفلسطينيين في قطاع غزة، اليوم (الأحد)، من ميناء برشلونة الإسباني.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
أوروبا اعتفال متظاهر  خلال احتجاج على حظر حركة «فلسطين أكشن» (أ.ف.ب)

اعتقال 523 شخصاً خلال احتجاج على حظر حركة «فلسطين أكشن» في لندن

قالت الشرطة البريطانية اليوم إنها ألقت القبض على 523 شخصاً خلال مظاهرة نظمت في ميدان الطرف الأغر بلندن، احتجاجاً على قرار بريطانيا حظر حركة «فلسطين أكشن».

«الشرق الأوسط» (لندن )

إسرائيل تستعد لاحتمال استئناف الحرب على إيران

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لرئيس الأركان إيال زامير خلال متابعة الضربات على إيران في غرفة العمليات
صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لرئيس الأركان إيال زامير خلال متابعة الضربات على إيران في غرفة العمليات
TT

إسرائيل تستعد لاحتمال استئناف الحرب على إيران

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لرئيس الأركان إيال زامير خلال متابعة الضربات على إيران في غرفة العمليات
صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لرئيس الأركان إيال زامير خلال متابعة الضربات على إيران في غرفة العمليات

كشفت مصادر عسكرية في تل أبيب أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، أمر جنرالاته بالانتقال فوراً إلى أعلى جهوزية حربية، والاستعداد لإمكانية العودة إلى مواجهة عسكرية مع إيران في الفترة القريبة، وذلك في أعقاب الإعلان يوم الأحد عن تعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان.

وقالت هذه المصادر -وفقاً لموقع «واي نت» الإلكتروني- إنه يوجد في إسرائيل «رضا» عن الخط الصارم الذي اتبعته الولايات المتحدة في المفاوضات في باكستان. وعليه، فإن الجيش الإسرائيلي دخل بالفعل في إجراءات قتالية منظمة، مشابهة للإجراءات التي تم اتباعها عشية الحربين ضد إيران، في يونيو (حزيران) ونهاية فبراير (شباط) الماضيين.

وخلال ذلك تم تسريع كافة عمليات التخطيط والتنفيذ، كما تم توجيه تعليمات بالحفاظ على كفاءات عالية في جميع الأذرع العسكرية، وتقليص مدة رد الفعل وسد الفجوات العملانية؛ حسبما نقل عنها. ويهدف الاستعداد المكثف إلى توفير مرونة عملياتية عالية، تمكِّن الجيش من تنفيذ ضربات دقيقة وسريعة فور صدور قرار سياسي، دون الحاجة إلى فترات تحضير طويلة.

بناء «بنك الأهداف»

العلم الإيراني يظهر على أنقاض مبنى متضرر في إحدى الجامعات بعد غارة جوية على طهران (إ.ب.أ)

وتعمل شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية على تسريع بناء «بنك الأهداف» في إيران، وخصوصاً الأهداف العسكرية، وفي مقدمتها منظومات الصواريخ ومنصات إطلاقها، والبنية التحتية الداعمة لها، وذلك بشكل يمكِّن من قدرات هجومية سريعة في حال قرر المستوى السياسي استئناف الحرب.

ويبلور سلاح الجو الإسرائيلي، مع شعبة العمليات، في هذه الأثناء، خططاً هجومية وبناء ما يوصف بـ«رزم هجومية» واسعة النطاق. وتشمل هذه الاستعدادات تدريبات على سيناريوهات شن حرب والانتقال السريع إلى حرب.

ويعزز الجيش الإسرائيلي -حسب التقرير- نشر أنظمة الدفاع الجوي، ويستعد لاحتمال حدوث تصعيد في جبهات عدة بشكل متزامن، ورفع حالة الاستنفار في جميع الجبهات.

وتعتبر تقديرات جهاز الأمن الإسرائيلي أن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان قد انهارت، ما يعكس عمق الاختلاف بين الجانبين ويقلص إمكانات الحل الدبلوماسي، ولكن المصادر العسكرية أشارت إلى أنه لم يُتخذ قرار بشأن شن عملية عسكرية، وأن هدف الإجراءات الحالية هو ضمان جهوزية كاملة لأي سيناريو.

ويستعد الجيش الإسرائيلي لاحتمال أن تبادر إيران إلى إطلاق النار على أثر سوء تقدير، ولذلك رُفع مستوى الجهوزية والاستعدادات، والتنسيق مع القيادة المركزية للجيش الأميركي (سنتكوم).

ويُذكَر أن الأوساط السياسية في تل أبيب لم تفاجَأ من تعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران؛ بل كانت تتوقعه. وهناك من يقول إنها كانت تتمنى هذا الفشل، فهي تعتقد بأن أي اتفاق مع إيران سيكون سيئاً؛ لأنه سيُبرَم مع قيادة «الحرس الثوري» وسيؤدي إلى تعزيز سلطته الديكتاتورية.

لذلك، وإذا كان لا بد من وقف الحرب، فليكن بقرار أحادي الجانب من طرف الولايات المتحدة، والعمل على نار هادئة لإحباط النظام في طهران بالضغوط الأمنية والاقتصادية الهادئة، وتوجيه ضربات عينية له تمنعه من التنفس.

تعثر المفاوضات أم انهيارها؟

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس خلال مؤتمر صحافي عقب انتهاء المحادثات مع الوفد الإيراني في إسلام آباد (أ.ف.ب)

لكن هناك من يعتبر الوضع الحالي تعثراً وليس انهياراً للمفاوضات. وحسب «القناة 12» فإن الأميركيين لم يغلقوا تماماً باب التفاوض، والقرار حالياً في يد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فهو الذي يقرر العودة إلى المفاوضات أو استئناف الحرب.

وحسب الخبير الاستراتيجي، رون بن يشاي، في موقع «واي نت»، فإن كلا الجانبين يبدوان جاهدَين لإثبات عدم استسلام أي منهما لمطالب الآخر. وتؤدي التصريحات المنفصلة عن الواقع أو التي لا تعدو كونها أمنيات إلى حالة من عدم اليقين. ولكن عملياً، اتخذت الولايات المتحدة وإيران خطوات صغيرة لتمكين المحادثات التاريخية في إسلام آباد، ويبدو أنهما لم تتطرقا بعد إلى القضايا الجوهرية كالبرنامج النووي والصاروخي.

وإذا تم التوصل إلى اتفاق مبدئي بشأن فتح مضيق هرمز، فمن المرجح أن تستمر المفاوضات، وأن يطالب ترمب بوقف كامل لإطلاق النار في لبنان خلال الأيام القادمة لتشجيع الإيرانيين.

وذكر تقرير قناة «كان 11» الرسمية في إسرائيل، يوم الأحد، أنه في إطار الضغط على طهران، قد تشمل الخيارات المحتملة حصاراً بحرياً على إيران، أو قصفاً أميركياً وإسرائيلياً يستهدف مجالات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، ومنع قدرة إيران على ترميمها، وعمليات عسكرية في مضيق هرمز وجزيرة خرج، وعملية عسكرية محتملة لإخراج اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة من إيران.


إيرانيون يعبرون عن خيبة أملهم من فشل المفاوضات

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يصل لعقد اجتماع مع رئيس وزراء باكستان شهباز شريف في إسلام آباد السبت (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يصل لعقد اجتماع مع رئيس وزراء باكستان شهباز شريف في إسلام آباد السبت (أ.ب)
TT

إيرانيون يعبرون عن خيبة أملهم من فشل المفاوضات

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يصل لعقد اجتماع مع رئيس وزراء باكستان شهباز شريف في إسلام آباد السبت (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يصل لعقد اجتماع مع رئيس وزراء باكستان شهباز شريف في إسلام آباد السبت (أ.ب)

بعد أسابيع من الحرب المدمّرة، تعلّق الإيرانيون بالأمل في أن تؤدي المفاوضات في إسلام آباد إلى إرساء السلام، لكن إخفاقها، اليوم الأحد، أغرقهم في مشاعر القلق والتوجّس من مواجهة عسكرية طويلة الأمد.

تقول الموظفة الثلاثينية مهسا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كنت أتمنى حقاً أن يتوصلوا إلى السلام». وتضيف: «لقد مر الآن ما يقارب 45 يوماً، وأنا أرى التوتر في عيون الناس، نحن فعلاً في وضع سيئ».

يأتي ذلك بعد ساعات من إعلان فشل المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران في إسلام آباد، ما بدد الآمال بالتوصل إلى حل يُنهي حرباً أسفرت عن دمار واسع في إيران، وأضرار كبيرة في دول عدة من الشرق الأوسط، إضافة إلى حالة قلق في الأسواق العالمية.

يرى حامد، البالغ من العمر 37 عاماً، أن عدم التوصل إلى اتفاق يعني استئناف القتال، ويقول: «كنت أفضّل السلام، لكن يبدو أنه لا يوجد طريق آخر سوى الحرب والمواجهة».

ويضيف: «حسب ما أرى وأسمع، للأسف نحن نعود إلى الحرب، ويبدو أننا نتجه إلى حرب طويلة»، وذلك في ظل غياب أي حديث عن إمكانية استئناف المفاوضات.

«كابوس»

وتصف ناهيد، ربة البيت الستينية، احتمال العودة إلى الحرب بأنه «كابوس»، بعد أسابيع من حرب تجاوزت أضرارها النفسية حجم الدمار المادي، كما تقول. وتقول ناهيد المقيمة في طهران: «نشعر باليأس وانعدام الأمل بشكل كامل، لقد سئمنا من هذه الضبابية».

ولم تقتصر أضرار الحرب في إيران على المواقع العسكرية، بل شملت مدارس وجامعات ومناطق سكنية.

وأعلن رئيس منظمة الطب الشرعي الإيرانية التابعة للسلطة القضائية، اليوم، أن 3375 شخصاً قُتلوا منذ اندلاع الحرب، فيما تحدثت منظمات إيرانية في الخارج عن أكثر من 3600 قتيل، نصفهم من المدنيين.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدد قبيل الإعلان عن وقف إطلاق النار بساعات بـ«فتح أبواب الجحيم» على إيران و«موت حضارة بأكملها».

وأثارت تلك التصريحات حالة من الذعر، وتقول مهسا: «كنت متوترة حتى الثالثة فجراً، عندما كانوا يوشكون أن يقصفوا البنى التحتية»، وتضيف: «لم ينم أحد في تلك الليلة».

يعبّر فرهاد، التاجر البالغ من العمر اثنين وأربعين عاماً، عن خيبة أمله أيضاً، رغم أنه منذ البداية كان يشعر بأن «الطرف الآخر لا يريد التوصل إلى نتيجة».


دعوات دولية لمزيد من التفاوض بين واشنطن وطهران

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف مستقبلاً الوفد الإيراني المفاوض برئاسة محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف مستقبلاً الوفد الإيراني المفاوض برئاسة محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان (أ.ف.ب)
TT

دعوات دولية لمزيد من التفاوض بين واشنطن وطهران

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف مستقبلاً الوفد الإيراني المفاوض برئاسة محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف مستقبلاً الوفد الإيراني المفاوض برئاسة محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان (أ.ف.ب)

دعت دول عدة، يوم الأحد، الولايات المتحدة وإيران إلى تمديد الهدنة، وإجراء مباحثات إضافية، سعياً لوضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بعدما أخفقت جولة التفاوض بينهما في باكستان، يوم السبت، في التوصل إلى اتفاق.

ودعا وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار واشنطن وطهران إلى مواصلة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار رغم فشل المحادثات بينهما لإنهاء الحرب. وقال دار في بيان مقتضب: «من الضروري أن يواصل الطرفان التزامهما بوقف إطلاق النار»، مؤكداً أن «باكستان ستواصل القيام بدورها في الأيام المقبلة لتسهيل المشاركة والحوار بين إيران والولايات المتحدة الأميركية».

كما دعت وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ إلى المحافظة على وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط. وقالت وونغ إن «الأولوية يجب أن تكون الآن لاستمرارية وقف إطلاق النار، والعودة إلى المفاوضات»، مضيفة أن «انتهاء محادثات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق هو أمر مخيّب للآمال».

وشدد الاتحاد الأوروبي على أهمية الدبلوماسية لحل المسائل العالقة في الشرق الأوسط، وذلك عقب فشل الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق. وقال المتحدث باسم التكتل القاري، أنور العنوني، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الدبلوماسية أساسية لحل المسائل العالقة».

وأضاف «نشيد بباكستان على جهود الوساطة. سيسهم الاتحاد الأوروبي بكل الجهود الدبلوماسية، مع الأخذ في الحسبان كامل مصالحه ومخاوفه، بالتنسيق الكامل مع شركائه».

قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ووزير الخارجية إسحاق دار برفقة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في إسلام آباد (أ.ف.ب)

ودعا وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي الولايات المتحدة وإيران للعمل على تمديد الهدنة، وتقديم «تنازلات مؤلمة» لإنجاح المفاوضات. وكتب البوسعيدي على منصة «إكس» قائلاً: «أحث على تمديد وقف إطلاق النار، واستمرار المباحثات. قد يتطلب النجاح من الجميع تقديم تنازلات مؤلمة، لكن هذا لا يُقارن بألم الفشل والحرب».

كما دعت بريطانيا وعُمان إلى استمرار الهدنة في حرب الشرق الأوسط، وذلك خلال اتصال بين رئيس الوزراء كير ستارمر والسلطان هيثم بن سعيد، وفق ما أفادت به رئاسة الحكومة في لندن.

وقالت رئاسة الحكومة إن ستارمر بحث هاتفياً مع بن سعيد «في محادثات السلام التي أُجريت في باكستان في عطلة نهاية الأسبوع، وحثا الطرفين على إيجاد طريقة للتقدم»، وأكدا أن «استمرار وقف إطلاق النار هو أمر حيوي»، وطالبا الأطراف بـ«تجنب أي تصعيد إضافي».

وقال وزير الصحة البريطاني، ويس ستريتينج، لشبكة «سكاي نيوز» البريطانية: «من المخيب للآمال بشكل واضح أنه لم يتم تحقيق انفراجة بعد في المفاوضات ونهاية مستدامة لهذه الحرب في إيران». وأضاف الوزير: «كما هي الحال دائماً في الدبلوماسية، فإنك تفشل حتى تنجح؛ لذلك، رغم أن هذه المحادثات ربما لم تنته بنجاح، فإن ذلك لا يعني عدم وجود جدوى من استمرار المحاولة»، وكان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، قد قال، يوم الأحد، إن المفاوضات انتهت في وقت مبكر من صباح يوم الأحد بين الولايات المتحدة وإيران دون التوصل إلى اتفاق سلام بعد أن رفض الإيرانيون قبول الشروط الأميركية بعدم تطوير سلاح نووي. واختتمت الجولة الثالثة من المحادثات المباشرة والتاريخية بعد أيام من إعلان وقف إطلاق نار هش، لمدة أسبوعين مع دخول الحرب التي قتلت الآلاف، وهزت الأسواق العالمية.