الخطط الإسرائيلية لتغيير الوعي الفلسطيني

أساس عقائدي لتهجير المدنيين طرح قبل حرب غزة

طفل من الخدج داخل حضانة في مستشفى الشفاء في غزة (رويترز)
طفل من الخدج داخل حضانة في مستشفى الشفاء في غزة (رويترز)
TT

الخطط الإسرائيلية لتغيير الوعي الفلسطيني

طفل من الخدج داخل حضانة في مستشفى الشفاء في غزة (رويترز)
طفل من الخدج داخل حضانة في مستشفى الشفاء في غزة (رويترز)

يكثر القادة الإسرائيليون من استخدام مصطلح «تغيير الوعي الفلسطيني»، منذ بداية الحرب على غزة، كأحد أهداف هذه الحرب وتبريرات لنوعية العمليات الحربية التي ترافقها، وفيها يدفع المدنيون الفلسطينيون ثمنا مريعا.

وليس صدفة أن وزير الدفاع، يوآف غالانت، ردد الكلام بعد ساعات من تنفيذ القصف الدموي على مدرستي الفاخورة وتل الزعتر، وفي مخيم جباليا، والتي أوقعت في يوم واحد نحو ألف قتيل من المدنيين.

قد تكون هذه العمليات دليلا على وجع شديد نابع من وقوع عدد كبير من الجنود الإسرائيليين (5 قتلى و9 جرحى حسب الاعتراف الإسرائيلي). وكونه جاء بعد نحو الأسبوع من «تخفيف» حجم التدمير بالغارات البعيدة، الذي خف بموجبه عدد الضحايا الفلسطينيين، يدل على تكتيك حربي لمفاجأة العدو.

لكن هناك أساسا عقائديا لهذا التصعيد وهذا الثمن الباهظ من الدمار، يأتي من مكان آخر. لقد أسماه الوزير غالانت «تغيير الوعي الفلسطيني». وهذا المصطلح ورد للمرة الأولى في الوثيقة التي وضعتها وزارة الاستخبارات الإسرائيلية، نهاية الشهر الماضي، لغرض التوصية بترحيل جميع أهالي قطاع غزة إلى مصر. وتضمن المخطط فقرة تؤكد أن أي حل لمستقبل غزة «يجب أن يترافق مع حملة كي للوعي الفلسطيني يتم فيها تغيير المفاهيم والعقائد المعادية لإسرائيل، بحيث يقتنع الفلسطينيون بأن هجوم حماس على إسرائيل كان فاشلا وتسبب لهم في الدمار وسقوط الضحايا والتشرد، وأن حماس هي (داعش) وممارساتها نازية».

جيش هجوم لا دفاع

غير أن هذا التعبير ظهر قبل ذلك في الأبحاث التي أجريت في رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي عام 2018، عندما كان رئيس الأركان غادي آيزنكوت، يتحدث عن حرب متعددة الجبهات. وآيزنكوت هو أحد أعضاء المجلس الخماسي لإدارة الحرب على غزة.

وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي مع بنيامين نتنياهو في 28 أكتوبر الماضي (رويترز)

كان رئيس الحكومة حينها، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان. وقد وضعت خطة لمحاربة حماس وحزب الله في ذات الوقت. وخلال النقاش طرحت مسألة المدنيين، باعتبار أن كلا التنظيمين يقيمان قواعدهما في بلدات مأهولة. وتقرر تحذير المدنيين بأنهم سيتضررون بشكل هائل في حال نشبت الحرب، لأن الجيش الإسرائيلي مضطر لقصف أحيائهم في إطار حرب دفاعية.

يومها كتب أحد كبار الباحثين في الشؤون الأمنية، د. يائير انسبيكر، مقالم في موقع اليمين «ميدا»، أكد فيها على أهمية ضرب المدنيين من باب آخر. فقال إن «العدو يفهم أن إسرائيل تنتهج عقيدة الدفاع وليس الهجوم ويجب تغيير عقيدته». وأنه يجب أن يفهم أن فكرة أن الجيش هو «جيش الدفاع الإسرائيلي» خاطئة، وأنه أصبح من اليوم «جيش الهجوم الإسرائيلي»، وأن عملياته ستكون مدمرة. واقترح أن يبادر هذا الجيش إلى الحرب ولا ينتظر أن يتعرض للهجوم، بل اقترح أن يغير الجيش اسمه رسميا، ويكف عن تسمية نفسه «جيش الدفاع».

لافتة تصور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في احتجاجات على هامش قمة أبيك (التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ) في سان فرنسيسكو كاليفورنيا في 12 نوفمبر (رويترز)

نتنياهو من جهته لم يتقبل هذه الأفكار واختلف في الموضوع مع ليبرمان. وبحسب ليبرمان، فإن نتنياهو اختار مبدأ تقوية حماس عن طريق تعزيز الانقسام الفلسطيني، الضامن الأكبر لمنع مفاوضات على إقامة دولة فلسطينية. لكن نتنياهو هذا كان قد تحدث عن تغيير الوعي الفلسطيني في سنة 2005، أيضا بمعرض الحديث عن غزة. ففي حينه ظهر أمام مؤتمر القدس وقال إن الفكرة التي رسمت عن إسرائيل في اتفاقيات أوسلو وخطة الانفصال عن غزة هي أن ديننا الهرب. ويجب أن نهاجم بقوة شديدة حتى يبدأ لديهم تفكير جديد عن إسرائيل. وقال: «بهذه الطريقة تصبح مسألة تغيير الوعي والثقافة والمفاهيم لدى العرب أصعب حتى من فكرة تغيير المفاهيم لدى الألمان واليابانيين».

سحابة نووية عقب انفجار أول قنبلة ذرية ألقتها أميركا على هيروشيما باليابان (رويترز)

ولهذا، فليس صدفة أن نتنياهو عاد ليتحدث عن الألمان واليابانيين في بداية الحرب على غزة. وغالانت، الذي كان في سنة 2005 قائدا للواء الجنوبي في الجيش ومسؤولا عن قطاع غزة، عاد ليتحدث عن الألمان واليابانيين، في المؤتمر الصحافي الذي ظهر فيه مع نتنياهو وبيني غانتس في الليلة الماضية. المشكلة في هذه التصريحات تكمن في الأسلوب الذي اتبعه الأميركيون والغرب لتغيير الوعي في ألمانيا واليابان.

وبحسب المؤرخين، كان تدمير مدينة دريسدين الألمانية في فبراير (شباط) سنة 1945 وقتل 35 ألف مواطن فيها بمثابة الحدث الذي حفر في ذاكرة الألمان على أن النازية جلبت له الكوارث وأن الغرب مصر على سحق النازية. وأما في اليابان فقد تغير الوعي عندما ألقى سلاح الجو الأميركي أول قنبلة نووية في التاريخ على كل من هيروشيما فدمرها بالكامل وقتل من سكانها 66 ألفا، وناغازاكي التي قتل من سكانها 40 ألفا، ودمرت المدينتان بالكامل.

إذا أخذنا هذه المقاربة، للمثل الشعبي العربي القائل «خذوا أسرارهم من صغارهم»، وربطناها مع تصريحات الوزير آفي ديختر عن نكبة غزة الثانية والوزير أبيحاي إلياهو عن إلقاء قنبلة نووية على قطاع غزة والمناشير التي وزعها المستوطنون اليهود في 26 من الشهر الماضي في قرية دير استيا التي دعوا فيها «عليكم مغادرة قراكم وبلداتكم والتوجّه إلى الأردنّ، وإذا لم تغادروها فسيتمّ الهجوم وتهجيركم بالقوّة» وما ترافق معها من ممارسات على الأرض، فإن الاستنتاج الطبيعي هو أن مشاريع التدمير والسحق للمدنيين هي مدار حديث على مختلف المستويات في إسرائيل. يقصدون بها ترسيخ فكرة النكبة من جديد، كعقاب على من «يتطاول» عليهم وتذكير قادة دول الغرب الذي ينتقدهم بأنهم تعلموا منهم هذه الأساليب.

حركة نزوح من شمال غزة عبر طريق صلاح الدين يوم الأربعاء (أ.ب)

وإذا كان هناك من يخجل من معاقبة المدنيين الفلسطينيين بجريرة حماس أو يخشى من ردود الفعل الدولية ضد إسرائيل، فقد خرج لطمأنتهم، الجنرال المتقاعد غيورا آيلاند، الذي انتقد الحكومة على سماحها بإدخال الوقود إلى غزة. وكتب في مقال في صحيفة «يديعوت أحرونوت» (الأحد)، إن «الأسرة الدولية تحذرنا من مصيبة إنسانية في غزة ومن أوبئة قاسية. محظور علينا أن نخاف ذلك، مع كل المصاعب التي ينطوي عليها الأمر. فالأوبئة القاسية في جنوب القطاع ستقرب النصر وستقلل المصابين في أوساط جنود الجيش الإسرائيلي. ولا، هذه ليست وحشية لذاتها، إذ إننا لا نؤيد معاناة الطرف الآخر كهدف، بل كوسيلة».

فلسطينيون يعاينون جثامين ضحايا القصف الإسرائيلي على مخيم جباليا أمام المستشفى الإندونيسي شمال قطاع غزة أمس (أ.ب)

سكان غزة هم حماس!

وأضاف: «حسب الرواية الأميركية، في غزة توجد جماعتان من الناس. الأولى هي مقاتلو حماس، الذين هم إرهابيون وحشيون ولهذا فهم أبناء موت. أما الثانية فينتمي إليها معظم الناس في غزة، مدنيون أبرياء يعانون دون ذنب اقترفوه. لكن الرواية الأخرى، والأصح، هي التالية: إسرائيل لا تقاتل ضد منظمة إرهاب بل ضد دولة غزة. دولة غزة بالفعل تقودها حماس، وهذه المنظمة نجحت في أن تجند كل مقدرات دولتها، تأييد معظم سكانها والولاء التام للمثقفين المدنيين حول زعامة يحيى السنوار، في ظل التأييد التام لآيديولوجيته. بهذا المفهوم، فإن غزة تشبه جدا ألمانيا النازية، التي فيها أيضا وقع إجراء مشابه. ولما كان هذا هو وصف دقيق للوضع فبالتالي صحيح أيضا إدارة القتال بما يتناسب مع ذلك. نحن نروي بأن السنوار هو شرير لدرجة أنه لا يهمه إذا ما مات كل مواطني غزة. مثل هذا العرض ليس دقيقا. فمن هن النساء الغزيات (المسكينات)؟ هن كلهن الأمهات، الأخوات والنساء لقتلة حماس».

طفل من الخدج داخل حضانة في مستشفى الشفاء في غزة (رويترز)

وليس الجنرال وحده يفكر بهذه الطريقة. فالبروفسور ايال زيسر، مغتاظ من خروج مئات ألوف المواطنين في الولايات المتحدة وأوروبا إلى الشوارع لإطلاق صرخة تضامن مع الأطفال والنساء وبقية المدنيين في غزة. فاعتبرهم «رعاعا ثائرين من مهاجرين من العالم العربي والإسلامي ارتبط بهم نشطاء من اليسار المتطرف وهؤلاء يغمرون شوارع المدن في أوروبا بمسيرات كراهية لليهود لم تشهدها القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية». وفي مقال نشر (الأحد) في صحيفة «يسرائيل هيوم»، يصف العرب الذين يتظاهرون في بلدانهم بـ«جهلة محرضين ومتعطشين للدماء».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تلاحق قياديين من «الجهاد» في إيران... ماذا نعرف عنهما؟

خاص مجموعة من المقاتلين التابعين لـ«سرايا القدس» في غزة أكتوبر 2023 (إ.ب.أ)

إسرائيل تلاحق قياديين من «الجهاد» في إيران... ماذا نعرف عنهما؟

نقلت وسائل إعلام عبرية أن إسرائيل استهدفت في إيران قائدين كبيرين في حركة «الجهاد الإسلامي»، وهما محمد الهندي وأكرم العجوري... فماذا نعرف عنهما وطبيعة أدوارهما.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يركبون عربة يجرها حمار وسط عاصفة رملية في مدينة غزة (أ.ب) p-circle

بسبب حرب إيران... غزة تستقبل أول عيد في ظل الهدنة وسط قلق من نسيانها

للمرَّة الأولى منذ بداية الحرب في قطاع غزة قبل أكثر من سنتين، تشتري رائدة أبو دية ملابس جديدة لطفلتها لمناسبة عيد الفطر، ولكنها في الوقت ذاته قلقة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي خيام تؤوي فلسطينيين نازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... زخم يتصاعد أمام تعقيدات ومخاوف

زخم يتواصل بشأن ملف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بعد جمود زاد من وتيرته اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوعين.

محمد محمود (القاهرة )
خاص جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي) p-circle

خاص مصادر من «حماس»: إسرائيل درّبت عصابات غزة على المسيرات

أظهرت استجوابات أجرتها «حماس» لشخص تتهمه بالعمل مع العصابات المسلحة الموالية لإسرائيل في غزة نمواً في الدعم العسكري والتدريبي الذي تقدمه لهم إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مبانٍ مدمرة جراء القصف الإسرائيلي لقطاع غزة في خان يونس جنوب القطاع 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

«حماس» أجرت محادثات مع «مجلس السلام» للحفاظ على وقف النار في غزة

أفادت ثلاثة ​مصادر لوكالة «رويترز» للأنباء بأن مبعوثين من «مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التقوا بممثلين عن حركة «حماس» في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

رئيس إسرائيل: مقتل لاريجاني فرصة للاحتجاجات في إيران

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)
TT

رئيس إسرائيل: مقتل لاريجاني فرصة للاحتجاجات في إيران

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)

قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، إن مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي لاريجاني يفتح المجال أمام الشعب الإيراني للاحتجاج.

وأشاد هرتسوغ، الثلاثاء، بعملية قتل لاريجاني ووصفها بأنها «خطوة مهمة للغاية»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد قال في وقت سابق، إن لاريجاني قُتل في غارة جوية إسرائيلية في طهران.

وأعلنت إسرائيل في عدة مناسبات أن هدفها هو تغيير السلطة في طهران ودعت الشعب الإيراني إلى الإطاحة بقيادته السياسية.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل قائد وحدات الباسيج الإيرانية غلام رضا سليماني.

وقال هرتسوغ إن لاريجاني وسليماني نشرا الكراهية والإرهاب. وأشار أيضاً إلى اختطاف جنديين إسرائيليين عام 2006، ما أدى إلى اندلاع حرب في لبنان.

وأوضح هرتسوغ أن لاريجاني أعطى موافقته لجماعة «حزب الله» اللبنانية. وأضاف: «آمل بصدق أن يفتح هذا الصراع آفاقاً جديدة للشرق الأوسط. وآمل أن يفيد هذا أيضاً العالم وأوروبا».


غلام رضا سليماني… قائد «الباسيج» في زمن الاحتجاجات والحرب

غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)
غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)
TT

غلام رضا سليماني… قائد «الباسيج» في زمن الاحتجاجات والحرب

غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)
غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)

لم يكن غلام رضا سليماني من الشخصيات التي اعتادت الظهور في واجهة المشهد السياسي الإيراني، لكن نفوذه داخل منظومة الأمن الداخلي كان واسعاً. فقد تولى قيادة قوات «الباسيج»، الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» التي تشكل إحدى أهم أدوات الضبط الاجتماعي والأمني في إيران، رغم أن كثيراً من تفاصيل حياته ومسيرته ظل بعيداً عن الضوء.

وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية، اليوم الثلاثاء، أن قائد قوات «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري»، قُتل في هجمات أميركية - إسرائيلية. وكانت إسرائيل قد أعلنت في وقت سابق من اليوم مقتل سليماني في ضربة استهدفته في طهران.

ولا تربط سليماني أي صلة قرابة بالجنرال قاسم سليماني، القائد السابق لـ«فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الذي قُتل في ضربة أميركية عام 2020. لكن الرجلين تقاطعا في نقطة واحدة: فكلاهما كان جزءاً من شبكة النفوذ العسكري والأمني التي تعتمد عليها الدولة في إدارة صراعاتها، داخلياً وخارجياً.

وُلد غلام رضا سليماني في منتصف ستينات القرن الماضي في مدينة فارسان بمحافظة چهارمحال وبختياري في غرب إيران. ودخل الحياة العسكرية مبكراً حين انضم متطوعاً إلى قوات «الباسيج» عام 1984 خلال الحرب الإيرانية - العراقية. وفي تلك المرحلة اكتسبت هذه القوة سمعتها القتالية عبر تكتيك «الموجات البشرية» الذي استخدمه المتطوعون الإيرانيون لاختراق المواقع العراقية المحصنة.

تدرج سليماني في صفوف «الباسيج» على مدى عقود، مستفيداً من طبيعة هذه المؤسسة التي تجمع بين العمل العسكري والتنظيم الاجتماعي والديني. وفي عام 2019 عُيّن قائداً عاماً لهذه القوة، ليصبح مسؤولاً عن شبكة واسعة تضم مئات الآلاف من الأعضاء والمتطوعين المنتشرين في مختلف أنحاء البلاد.

ولا تقتصر «الباسيج» على دور عسكري تقليدي. فهي بنية متعددة الوظائف داخل النظام الإيراني، تضم وحدات ذات طابع قتالي، وقوات مكافحة شغب، وشبكات مراقبة اجتماعية. وتعمل هذه القوة في الأحياء والجامعات والمؤسسات الحكومية، وتدير في كثير من الأحيان شبكة واسعة من المخبرين الذين يقدمون معلومات عن النشاط السياسي والاجتماعي داخل المجتمع الإيراني.

وخلال موجات الاحتجاج التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة، كانت «الباسيج» في الخط الأمامي لعمليات القمع. وغالباً ما يظهر عناصرها بملابس مدنية وهم يهاجمون المتظاهرين ويعتقلونهم أو يقتادونهم بعيداً عن الشوارع. وقد جعل هذا الدور من القوة، ومن قائدها، أحد أبرز رموز القبضة الأمنية للنظام.

وبسبب هذا الدور، فرضت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية عقوبات على غلام رضا سليماني منذ عام 2021، على خلفية تورطه في قمع الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها عام 2009، كما اتهمت وزارة الخزانة الأميركية قوات «الباسيج» بالمسؤولية عن مقتل «مئات الرجال والنساء والأطفال الإيرانيين» خلال حملة القمع التي رافقت احتجاجات عام 2019.

وتكرر المشهد في موجة الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في إيران خلال السنوات الأخيرة، عندما خرج آلاف الإيرانيين إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع السياسية والاقتصادية. وقد قُتل الآلاف واعتُقل عشرات الآلاف خلال تلك الأحداث، في واحدة من أعنف حملات القمع منذ الثورة الإسلامية عام 1979.

داخل بنية النظام، كان سليماني يمثل وجهاً مختلفاً للقوة مقارنة بقادة «الحرس الثوري» العاملين في الخارج. فإذا كان «فيلق القدس» يشكل الذراع الخارجية لإيران في الإقليم، فإن «الباسيج» تمثل الذراع الداخلية الخشنة. فهي شبكة تعبئة اجتماعية وأداة أمنية في الوقت نفسه، تُستخدم لمراقبة المجتمع، وتنظيم المؤيدين، والتدخل الميداني في حالات الاضطراب.

وخلال الأسابيع الأخيرة من الحرب، برز دور «الباسيج» مجدداً مع تشديد الإجراءات الأمنية داخل المدن الإيرانية. فقد أقامت هذه القوة نقاط تفتيش في طهران ومدن أخرى، وشاركت في عمليات التفتيش والمراقبة، في محاولة لاحتواء أي اضطرابات داخلية محتملة في ظل الحرب والتوتر السياسي.

ويمثل مقتل سليماني، إذا ثبتت تفاصيله الكاملة، ضربة لإحدى أبرز أدوات الضبط الداخلي في إيران، إذ ترتبط قوات «الباسيج» مباشرة بإدارة الأمن الداخلي ومواجهة الاحتجاجات، فضلاً عن دورها في تعبئة الأنصار ومراقبة المجتمع. ولهذا يحمل استهداف قائدها بعداً رمزياً وعملياً في آن واحد، في لحظة يحتاج فيها النظام الإيراني إلى تماسك مؤسساته الأمنية أكثر من أي وقت مضى.


إسرائيل تعلن مقتل لاريجاني… وطهران تقر بمقتل قائد «الباسيج»

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)
TT

إسرائيل تعلن مقتل لاريجاني… وطهران تقر بمقتل قائد «الباسيج»

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)

قالت إسرائيل، الثلاثاء، إنها قتلت أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، وقائد قوات «الباسيج» غلام رضا سليماني، في واحدة من أكثر الضربات حساسية منذ بدء الحرب، ومقتل المرشد علي خامنئي في الضربات الأولى.

وقبل تأكيد مقتل سليماني، التزمت طهران الصمت رسمياً حيال مصير الرجلين في الساعات الأولى، واكتفت وسائل إعلامها بنشر رسالة بخط يد لاريجاني، ورسالة من قائد «الباسيج»، من دون الإشارة إلى مقتلهما.

وجاء الإعلان الإسرائيلي في وقت رفضت فيه إيران، وفق رواية مسؤول كبير، مقترحات نقلتها دولتان وسيطتان لخفض التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مشددة على أن الوقت «ليس مناسباً للسلام» قبل رضوخ واشنطن وإسرائيل.

وفي موازاة ذلك، اتسع نطاق الضربات المتبادلة بين الطرفين، من طهران وشيراز وتبريز إلى أهداف في إسرائيل وقواعد أميركية في المنطقة، بينما بقي مضيق هرمز في صلب المواجهة، مع استمرار إغلاقه العملي وتزايد التداعيات على الطاقة والتجارة العالمية.

ضربة في القلب

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية قتلت علي لاريجاني، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أحد أقوى رجال الدولة في إيران، إلى جانب غلام رضا سليماني قائد «الباسيج» الذراع التعبوية لجهاز «الحرس الثوري».

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان، إنه استهداف لاريجاني في غارة قرب طهران استناداً إلى معلومات استخباراتية.

وذهب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبعد من ذلك حين وصف لاريجاني بأنه «زعيم عصابة تتولى إدارة إيران فعلياً»، معتبراً أن استهدافه جزء من جهد أوسع لتقويض بنية الحكم في طهران ومنح الإيرانيين «فرصة لتقرير مصيرهم بأنفسهم».

ومع أن نتنياهو أقر بأن هذا الهدف «لن يحدث دفعة واحدة، ولن يكون سهلاً»، فإن توصيفه للاريجاني عكس بوضوح قناعة إسرائيلية بأن الرجل كان يتجاوز موقعه الرسمي إلى دور تنسيقي مركزي داخل مؤسسات النظام.

وتزداد أهمية هذا الاستهداف إذا تأكدت الرواية الإسرائيلية، لأن لاريجاني سيكون أعلى مسؤول سياسي يقتل منذ مقتل علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب.

وقد برز اسمه خلال الأشهر الأخيرة، ثم بصورة أوضح منذ اندلاع الحرب، بوصفه الشخصية التي تجمع بين النفوذ الأمني والسياسي والقدرة على التعامل مع مراكز القوة المتعددة داخل النظام، من مؤسسات رجال الدين إلى «الحرس الثوري» مروراً بالأجهزة الأمنية والدبلوماسية.

لاريجاني يشارك في مسيرة «يوم القدس» يوم الجمعة الماضي بطهران

ولم يصدر عن طهران أي نفي أو تأكيد رسمي في الساعات الأولى. غير أن هذا الصمت لم يبدُ صمتاً عادياً. فقد بثّت قناة الأخبار في التلفزيون الإيراني رسالة لكل من لاريجاني وغلام رضا سليماني من دون الإشارة إلى أن إسرائيل تقول إنها قتلتهما. لكن بعد ساعات أكد «الحرس الثوري»في بيان رسمي مقتل سليماني.

وكانت رسالة لاريجاني، التي انتشرت صورة مخطوطتها في وسائل الإعلام الإيرانية، تكريماً لـ«ذكرى محاربي القوات البحرية للجيش»، فيما كانت رسالة سليماني، رئيس منظمة «الباسيج»، موجهة إلى القائد العام للجيش بمناسبة مراسم الوداع وتشييع المدمرة «دينا» التي ضربت قبالة سواحل سريلانكا .

ونُشر نص الرسالتين في وسائل الإعلام، في خطوة فُهمت على نطاق واسع على أنها محاولة لإظهار استمرار حضورهما أو على الأقل تجنب الإقرار السريع بما أعلنته إسرائيل.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل قائد «الباسيج» في ضربة دقيقة نُفذت في طهران، معتبراً أن قتله يمثل ضربة إضافية لهياكل القيادة والسيطرة الأمنية في إيران. وقال بعد ذلك إن سلاح الجو بدأ استهداف مقار وعناصر «الباسيج» المنتشرين في أنحاء طهران، قبل أن يعلن لاحقاً قصف أكثر من 10 مواقع لهذه القوات خلال يوم واحد.

وأشار إلى أن هذه الضربات جاءت بعد رصد انتقال نشاط «الباسيج» من مقراته الأصلية إلى مواقع بديلة، بعضها داخل مناطق مدنية في العاصمة. وأضاف أن من بين الأهداف التي ضُربت موقع قيادة طارئ كان يستخدمه «الباسيج» و«الحرس الثوري»، وكان في السابق مجمعاً لنادٍ لكرة القدم.

منظر عام للدمار الذي خلّفه القصف بمجمع «شهيدان إسماعيلي» الرياضي غرب طهران (د.ب.أ)

وقال رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، خلال تقييم أمني صباح الثلاثاء، إن الجيش الإسرائيلي يواصل تنفيذ ضربات «بحزم» ضد أهداف متعددة في إيران، مؤكداً أن العمليات الليلية حققت «إنجازات وقائية كبيرة» قد تؤثر في مسار العمليات العسكرية وأهدافها.

وأضاف زامير أن الضربات لا تقتصر على تقويض القدرات العسكرية والصناعية الإيرانية، بل تستهدف أيضاً عناصر في «الحرس الثوري» وأجهزة القمع التابعة للنظام.

خامنئي يرفض التهدئة

في الأثناء، «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير أن القيادة الجديدة رفضت مقترحات نقلتها دولتان وسيطتان إلى طهران لخفض التصعيد أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة.

وبحسب هذا المسؤول، فإن مجتبى خامنئي، في أول اجتماع يبحث السياسة الخارجية منذ توليه المنصب، أبلغ بأن «هذا ليس الوقت المناسب للسلام» قبل أن تُجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على الرضوخ وقبول الهزيمة ودفع التعويضات.

ولم يوضح المصدر ما إذا كان مجتبى خامنئي حضر الاجتماع شخصياً أم عن بعد، في ظل استمرار الغموض حول وضعه الصحي ومكان وجوده. لكن الرسالة السياسية هنا بدت واضحة؛ لا استعداد لتلقف الوساطات في هذه المرحلة، ولا رغبة في تقديم إشارة ضعف بعد إعلان إسرائيل استهداف أحد أبرز رجال النظام.

غبار ودخان يتصاعدان بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)

وتكتسب هذه المعادلة ثقلاً إضافياً إذا أخذ في الاعتبار أن لاريجاني كان يُنظر إليه، قبل إعلان مقتله، بوصفه من أكثر الشخصيات قدرة على لعب دور قناة تفاوض أو مخرج سياسي إذا قررت طهران خوض مسار تفاوضي مع واشنطن.

هذا الرفض لا ينفصل عن التصعيد اللفظي الداخلي. فقد قال محمد باقر قاليباف، في مقابلة تلفزيونية، إن إيران أعدّت نفسها لحرب طويلة الأمد، وإنها اتخذت تدابير لمواجهة محاولات تقويض قدراتها العملياتية، معتبراً أن الحديث الأميركي عن تدمير القدرة الهجومية الإيرانية «لم يعد يُصدّق».

كما أكد امتلاك بلاده مخزوناً كافياً من الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب القدرة على إنتاجها محلياً بوتيرة أعلى وتكلفة أقل من الصواريخ الاعتراضية لدى الخصوم.

وإلى جانب هذا الخطاب، شددت طهران قبضتها الداخلية عبر التحذير من اضطرابات أربعاء، واعتقال العشرات بتهم التجسس أو إرسال معلومات إلى الخارج، مع التهديد بمصادرة الأموال، بل الإعدام في قضايا التعاون مع «العدو».

في هذه البيئة، يظهر أن رفض التهدئة ليس مجرد رد فعل عاطفي على الاستهداف، بل جزء من معادلة بقاء. فالقيادة الإيرانية، وهي تواجه حرباً خارجية مفتوحة واهتزازاً في قمة هرم السلطة، لا تبدو مستعدة لإعطاء انطباع بالتراجع تحت الضغط.

لكن هذا الموقف يرفع في المقابل تكلفة المواجهة ويجعل أي مخرج سياسي أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا ثبت فعلاً غياب لاريجاني، أحد الوجوه القليلة القادرة على وصل المتشددين بالبراغماتيين داخل النظام.

استخفاف بالخيارات الوسط

في واشنطن، واصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب استخدام لغة تميل إلى تضخيم أثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، مع تجنب التورط في تفاصيل مزاعم مقتل المسؤولين الإيرانيين. فقد قال إن الولايات المتحدة «قضت على أسطولهم البحري وقضت على جيشهم في كل جوانبه»، وكرر أن الضربات أزالت معظم القدرات العسكرية الإيرانية إلى جانب التهديد النووي، معتبراً أن إعادة البناء ستستغرق سنوات إذا توقفت الحرب الآن.

وبدا أن ترمب يدرس خيارين، من شأنهما أن يتطلبا عمليات برية، أحدهما متعلق بجزيرة خرج، حيث تمر غالبية صادرات النفط الإيرانية، والآخر بالموقع النووي تحت الأرض في أصفهان، حسبما أوردت صحيفة «نيويورك تايمز».

ولم يُظهر ترمب ميلاً إلى تسويق الحرب بوصفها مأزقاً أميركياً. بل على العكس، قال إنه لا يخشى تحوّل النزاع إلى حرب شبيهة بفيتنام، وإن ما يجري بالنسبة إليه «مجرد عملية عسكرية». وانتقد «الناتو» مجدداً، معتبراً أن الحلفاء ينبغي أن يشكروه على ضرب إيران، ومشيراً إلى أن امتناعهم عن المساعدة في الملفات الحساسة، وفي مقدمها هرمز، أمر «يجب أن نفكر فيه». كما لمح إلى أن الولايات المتحدة تستطيع التحرك بمفردها إذا لزم الأمر، قائلاً إنها لا تحتاج إلى كثير من المساعدة، «بل لا تحتاج إلى أي مساعدة» فعلياً.

في الملف الإيراني الداخلي، تجنب ترمب التركيز على مزاعم مقتل المسؤولين، لكنه واصل مهاجمة النظام كله. وكرر انتقاد الاتفاق النووي لعام 2015، وادعى أن إيران كانت ستحصل على سلاح نووي لولا انسحابه من الاتفاق، وهو قول يظل موضع نزاع واسع.

طهران تحت القصف

ميدانياً، بدت ليلة الثلاثاء من بين الأشد عنفاً على طهران منذ بداية الحرب. فقد تحدثت تقارير ومشاهدات عن سلسلة انفجارات متزامنة في مناطق واسعة من العاصمة بين نحو الساعة 3:07 و3:11 فجراً، تركزت خصوصاً في الشمال والشمال الشرقي. وأفاد سكان في تجريش ونياوران وباسداران ومناطق مجاورة بسماع انفجارات متتالية ترافقها أصوات طائرات مقاتلة تحلق على ارتفاع منخفض.

وفي شمال طهران، تحدثت تقارير عن انفجارات هزّت فرمانية، وأشارت تقارير إلى استهداف موقع مرتبط بقوات «الباسيج» في محيط كامرانية، حيث تردد الحديث عن 7 إلى 8 ضربات متتالية. وفي الشمال الشرقي، سجلت انفجارات في نارمك وسبلان وتهران بارس ومناطق مجاورة، فيما تحدث سكان عن 4 إلى 6 انفجارات بين 3:08 و3:11 فجراً.

أما في الوسط، فسمعت موجات انفجار في فاطمي ويوسف آباد وأمير آباد، بينما سُجلت في الغرب انفجارات قرب صادقية وستارخان وجنت آباد. وفي الجنوب والجنوب الشرقي، سُمع دوي قوي في شهر ري ومسعودية وخاوران، مع ترجيحات بأن بعض الضربات طالت مناطق صناعية أو لوجستية في أطراف المدينة.

ولم تقتصر الضربات على طهران. ففي كرج، أفيد عن انفجارين قويين قرابة الخامسة صباحاً. وفي كرمانشاه، وردت تقارير عن انفجارين شديدين عند نحو 4:50 فجراً. كما سُمع دوي انفجار في نجف آباد قرب أصفهان، وتحدثت تقارير لاحقة عن انفجارات وتحليق مقاتلات في أصفهان خلال النهار. وفي الجنوب، أفادت معلومات بسماع انفجارات في شيراز هزت عدة أحياء، وفي بندر عباس قرابة 2:50 فجراً.

وتعززت صورة الاستهداف المنهجي مع ما نشره الجيش الإسرائيلي عن غارات استهدفت بنى تحتية للنظام في طهران وشيراز وتبريز. وذكر المتحدث العسكري أفيخاي أدرعي أن الضربات في طهران طالت مقرات أمنية، بينها وزارة الاستخبارات وقوات «الباسيج»، إضافة إلى مواقع لتخزين وإطلاق المسيّرات والصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الجوي.

وفي شيراز استُهدف، بحسب البيان الإسرائيلي، مقر قيادة الأمن الداخلي وموقع لتخزين الصواريخ الباليستية، بينما طالت الضربات في تبريز منظومات دفاع جوي «بهدف توسيع التفوق الجوي وإزالة التهديدات».

وقال الجيش الإسرائيلي إن عشرات الطائرات المقاتلة نفّذت يوم الاثنين غارات في 3 مناطق رئيسية داخل إيران، هي طهران وشيراز وتبريز، استناداً إلى معلومات استخباراتية. وقال إن الضربات في طهران استهدفت مراكز قيادة تابعة لأجهزة الأمن الإيرانية، بينها وزارة الاستخبارات وقوات «الباسيج»، إضافة إلى مواقع تُستخدم لتخزين وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الجوي.

الردّ الإيراني

في المقابل، سعت إيران إلى إظهار أن قدرتها على الردّ لم تتراجع. فقد أعلن الجيش الإيراني استخدام طائرات مسيّرة في هجوم على مراكز أمن تكنولوجي في إسرائيل، إلى جانب مراكز تصنيع أسلحة تابعة لشركة «رافائيل». كما أعلن «الحرس الثوري» تنفيذ موجة جديدة من الصواريخ فجر الثلاثاء، قال إنها استهدفت مواقع في شمال ووسط إسرائيل، من بينها نهاريا وبيت شيمش وتل أبيب والقدس الغربية، فضلاً عن وصفه «قواعد أميركية» في المنطقة.

وبحسب بيان العلاقات العامة لـ«الحرس الثوري»، استخدمت في الهجمات منظومات «فوق ثقيلة» وصواريخ من طراز «خرمشهر» برؤوس حربية زنة طنين، و«قدر» متعددة الرؤوس، و«فتاح» و«خيبر شكن»، إلى جانب منظومات متوسطة المدى من طراز «فاتح» و«قيام» وطائرات مسيّرة انتحارية. وأكد البيان أن جولة جديدة من العمليات «التأثيرية والموجهة» بدأت منذ الفجر، وأن نتائجها ستُعلن تباعاً.

كما قال المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية إن القدرة العملياتية لقاعدة الظفرة الجوية تراجعت «بشكل كبير» بعد استهدافها، مشيراً إلى أن الهجمات شملت أيضاً قاعدة «العديد». وفي السياق نفسه، أعلن قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» مجيد موسوي أن «خاصرة الاستكبار تُكسر في الشارع والميدان».

هرمز: الممر المغلق

بقي مضيق هرمز محوراً مركزياً في الحرب، ليس من زاوية التهديد العسكري فقط، بل أيضاً من زاوية المأزق الدولي في كيفية التعامل معه. فالمضيق لا يزال مغلقاً إلى حد كبير، وتمر عبره نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

وقد أدّى استمرار إغلاقه العملي، مقترناً بهجمات إيرانية على منشآت نفطية في الإمارات، إلى رفع أسعار النفط مجدداً وإحياء المخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة.

وترتبط أهمية هرمز هذه المرة بعاملين متوازيين: الأول أن إيران تتعامل معه كورقة ضغط استراتيجية مباشرة في مواجهة الحرب، والثاني أن حلفاء واشنطن أظهروا تردداً واضحاً في الانضمام إلى أي ترتيبات عسكرية لإعادة فتحه. فقد دعا ترمب مراراً الدول الحليفة إلى إرسال سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكن أياً منها لم يوافق حتى الآن.

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إنه لا بد من إيجاد حلول دبلوماسية لإبقاء المضيق مفتوحاً، مضيفة أنه «لا أحد مستعد لتعريض شعبه للخطر في مضيق هرمز». وأكدت فرنسا أنها غير مستعدة للمشاركة في تأمين المضيق «في الظرف الراهن»، في حين شددت ألمانيا على أن «هذه الحرب لا دخل لها بالناتو»، واستبعدت اليابان وأستراليا وبولندا وإسبانيا واليونان والسويد أي تدخل عسكري.

في الداخل الإيراني، سعى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى تقديم قراءة سياسية للمضيق، تتجاوز البعد العسكري المباشر. فقال إن هرمز «تحول إلى فرصة ذات مخاطرة» في الحرب، معتبراً أن الأميركيين وقعوا في «خطأ استراتيجي» نصبه لهم «الكيان الصهيوني»، وحوّلوا القدرة الكامنة في المضيق إلى ورقة فعلية. وأوضح أن هرمز «لن يعود من الناحية القانونية كما كان في السابق»، في إشارة إلى رغبة طهران في إعادة تعريف قواعد التعامل مع هذا الممر بعد الحرب.

في سياق موازٍ، أجرى وزير الخارجية عباس عراقجي اتصالاً بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وربط صراحة بين اضطراب الملاحة في المضيق وبين الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، معتبراً أنه لا يمكن النظر إلى وضع هرمز بمعزل عن الوضع العام في المنطقة، حسب بيان للخارجية الإيرانية.