سياسة تعتيم إسرائيلية صريحة تحجب مشاهدة أوضاع غزة

وسائل الإعلام ترفض بث أشرطة «حماس» والجمهور لا يعرف أن أسرى قُتلوا بالقصف

جنازة الجندي الإسرائيلي راز أبو العافية الذي قُتل في شمال قطاع غزة وسط العملية البرية للجيش ضد «حماس» الثلاثاء (رويترز)
جنازة الجندي الإسرائيلي راز أبو العافية الذي قُتل في شمال قطاع غزة وسط العملية البرية للجيش ضد «حماس» الثلاثاء (رويترز)
TT

سياسة تعتيم إسرائيلية صريحة تحجب مشاهدة أوضاع غزة

جنازة الجندي الإسرائيلي راز أبو العافية الذي قُتل في شمال قطاع غزة وسط العملية البرية للجيش ضد «حماس» الثلاثاء (رويترز)
جنازة الجندي الإسرائيلي راز أبو العافية الذي قُتل في شمال قطاع غزة وسط العملية البرية للجيش ضد «حماس» الثلاثاء (رويترز)

تتّبع المؤسسات الإسرائيلية السياسية والعسكرية والإعلامية سياسة تعتيم على كل ما يتعلق بآثار الغارات على المدنيين، وتحجب كل بيانات «حماس» والأشرطة المصورة حول المخطوفين، إلى جانب السياسة الضبابية تجاه مجريات العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة، بوصفها جزءاً من التكتيك الحربي.

وبسبب هذه السياسة، لا يعرف الإسرائيليون تفاصيل عن آلاف الأطفال والنساء من ضحايا الغارات التي يشنها سلاح الجو وسلاح البحرية وسلاح البرية من بعيد، ووسائل الإعلام العبرية تعلن صراحة أنها لا تنشر البيانات التي تصدرها حركة «حماس»، ولا تبث ظهور الناطق الرسمي بلسان الحركة، أبو عبيدة، ولا تنشر إعلانات «حماس» عن عدد الأسرى الذين قُتلوا من جراء الغارات، وأن عددهم ارتفع إلى 60.

وفي ليلة الاثنين - الثلاثاء، عندما أعلنت «حماس» عن مقتل الجندية نوعا مرتسيانو جراء القصف الإسرائيلي، أبلغ الجيش أهلها أنها قُتلت في غزة، وأكد أن معلوماته مأخوذة من معلومات استخبارية (وليس من الشريط الذي بُث لدى «حماس» بهذا الخصوص، ولم تُبَثّ كلماتها قبل موتها). وتبرر وسائل الإعلام هذا القرار بأنها لا تريد أن تكون أداة بأيدي الحملة الدعائية للحركة.

أبو عبيدة الناطق باسم «كتائب القسام»

وبسبب هذه السياسة، يُضطر الإسرائيليون إلى اللجوء إلى الشبكات الاجتماعية لمعرفة مصائر أولادهم. وحتى هنا، تتدخل وحدات «السايبر» في المخابرات الإسرائيلية، وتحجب عنهم الرؤية أحياناً، فيشاهدون بيانات «حماس» عن طريق قناة الـ«يوتيوب».

تخلق هذه السياسة تذمراً في صفوف عائلات المخطوفين، لكنها تتقبل الأمر مرغمة. ويزداد لديها الشعور بأن قضية الأسرى ليست في رأس سلم الاهتمام؛ ولذلك يصعّد أفرادها من نشاطهم الاحتجاجي، فقد انطلقوا، الثلاثاء، في مسيرة 5 أيام متواصلة، من «ساحة المخطوفين» في تل أبيب، وفي ظل موجة أمطار غزيرة، وستنتهي المسيرة السبت المقبل أمام بيت رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو.

إسرائيليون على طريق سريعة بتل أبيب باتجاه البرلمان الإسرائيلي في القدس الثلاثاء من أجل إطلاق سراح المحتجزين في هجوم 7 أكتوبر (أ.ف.ب)

وقد شارك فيها 200 شخص فقط، لكنهم دعوا الجمهور للانضمام إليهم، «حتى لا تفهم الحكومة أن الشعب لا يقف إلى جانب هذه المعركة»، كما قال يوفال هران، الذي قُتل والده في هجوم «حماس» وأُسِرت والدته و6 آخرون من أفراد العائلة، تابع: «هذه ليست معركتنا وحدنا، بل إنها معركة شعب إسرائيل. نقول فيها إن الدولة تهتم بأبنائها وبناتها الأسرى؛ لذلك أدعو الجمهور وأعضاء الكنيست وقادة المجتمع المدني إلى مشاركتنا في إطلاق هذه الصرخة».

وقد أغلق المحتجون جانباً من شارع تل أبيب - القدس، ورفعوا شعارات تطالب بإطلاق سراح الأسرى «الآن... الآن وليس غداً».

وقالت شيلي يوم طوف، التي خُطف ابنها الشاب عومر: «ابني يعاني من مرض الربو، ولا أدري كيف حاله، وماذا يفعلون به. هل يأكل؟ هل يتناول الدواء؟ هل يتعرض للضرب؟ لمن أتوجه حتى يفهموا كيف ينبض قلب الأم في مثل هذه الحالة؟ إنني أتهم حكومة إسرائيل بأنها أهملت ابني».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت في جلسة سابقة لتقييم أمني بمقر الجيش الإسرائيلي (د.ب.أ)

ويطالب أهالي الأسرى قادة مجلس إدارة الحرب، الذي يضم نتنياهو والوزيرين يوآف غالانت وبيني غانتس، بأن يجتمعوا بهم ويخبروهم: أين وصلت المفاوضات؟ ولماذا لم يُطْلَق سراح الأسرى حتى الآن؟

يُذكر أنه في إطار رفض سياسة التعتيم من أوساط إسرائيلية عدة، بدأت وسائل الإعلام تطرح تساؤلات، وتشكك في روايات الجيش الإسرائيلي عن هذه الحرب. وقد ألمح محللون عسكريون إسرائيليون، الثلاثاء، إلى أن ما ينشره الجيش حول «نجاح» عملياته في قطاع غزة، خصوصاً في مدينة غزة، «ليس دقيقاً»، وأن هناك مقاومة شديدة، مشددين على أن «استسلام» «حماس» ليس وارداً حالياً.

دخان يتصاعد فوق غزة نتيجة العمليات الإسرائيلية في القطاع 14 نوفمبر (رويترز)

ووفقاً للمحلل العسكري في صحيفة «معاريف»، طال ليف رام، فإنه «رغم أن الجيش الإسرائيلي يسيطر عسكرياً على معظم مناطق مدينة غزة وأطرافها، فإن العمل فيها لا يزال طويلاً ومعقداً». والعمل الذي يقصده هو «تطهير الأحياء من البنية التحتية الإرهابية مواقع وشققاً ومخازن أسلحة وفتحات أنفاق. والقتال الآن يتميز بأنه حرب عصابات في منطقة مبنية».

وأشار ليف رام إلى أن «الاعتقاد في الجيش الإسرائيلي هو أن معظم كتائب (حماس) في شمال القطاع لم تعد تعمل، لكن في الأماكن التي هُزمت فيها وقُتل قادة كتائب وسرايا، يستمر القتال؛ ولذلك من السابق لأوانه التحدث عن استسلام».

وأضاف أنه «من خلال محادثات مع ضباط إسرائيليين شاركوا في القتال في الأيام الأخيرة، يتبين أن ثمة إدراكاً عميقاً أن القتال في مدينة غزة سيستغرق أسابيع. وبيت حانون، الخالية كلياً من السكان، ورغم أن قوات الجيش احتلتها، فإنها لا تزال بعيدة عن أن تكون مطهرة، وتدور فيها معارك يومياً، ويطلق على القوات قذائف مضادة للمدرعات ونيران قناصة، وفي بعض الحالات تكون المعارك ضارية».

جنود إسرائيليون يقومون بتأمين المنطقة في كيبوتس كفار عزة بالقرب من الحدود مع غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

ووفقاً للمحلل العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، فإن «إسرائيل لا تزال بعيدة عن هزيمة (حماس)». وإن مقاتلي الحركة يواجهون ضغطاً عسكرياً إسرائيلياً شديداً، لكن «تقدم الجيش الإسرائيلي مقرون بإصابات وقتلى إسرائيليين، وأحياناً بمقاومة شديدة من جانب (حماس) التي يبدو الآن أنها غير قادرة على وقف أو عرقلة، لفترة طويلة، الفرق العسكرية الإسرائيلية عندما تدخل إلى منشأة عسكرية (لحماس) أو إلى أحد الأحياء».

وأشار هرئيل إلى أن «إسرائيل فرضت هجرة جماعية لـ900 ألف فلسطيني بالقوة، وسيستغرق الفلسطينيون سنوات كثيرة في محاولة تغيير النتائج. وتدرب الجيش الإسرائيلي على هذه الخطة في الماضي. ومعظم منطقة المعارك في شمال القطاع لن تكون صالحة للسكن أشهراً طويلة، إن لم يكن سنوات».


مقالات ذات صلة

«الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

خاص فلسطينيون يلوحون بأعلام «حماس» خلال استقبال أسرى فلسطينيين في رام الله بالضفة الغربية نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

«الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

بعدما كانت «حماس» بصدد انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، تحدثت مصادر كبيرة في داخل وخارج غزة إلى «الشرق الأوسط» عن اتجاه «شبه نهائي» لتجميد المسار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية- رويترز)

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: خالد مشعل تواصل مع فصائل غزة لبحث مصير السلاح

تواصل حركة «حماس» إجراء مشاورات داخلية، ومع الفصائل الفلسطينية، بشأن مصير السلاح في قطاع غزة الذي تنص خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على نزعه بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يقف بجوار مركبات عسكرية بالقرب من حدود إسرائيل مع قطاع غزة 1 مايو 2024 (رويترز)

إسرائيل تعلن اغتيال قائد لواء شمال غزة في منظومة «حماس» البحرية

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه وجهاز الشاباك قضيا، يوم الاثنين، على قائد لواء شمال قطاع غزة في المنظومة البحرية التابعة لحركة «حماس» يونس محمد حسين عليان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي طائرة تحلق وسط تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية على بيروت في 17 مارس 2026 (رويترز) p-circle

الأمم المتحدة: التهديدات الإسرائيلية للبنان بمصير يشبه غزة «غير مقبولة»

عدّت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الثلاثاء، تصريحات وزير إسرائيلي من اليمين المتطرف «غير مقبولة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)

إيران تنفذ أحكاماً نهائية صدرت بحق مدانين على صلة باحتجاجات يناير

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)
تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)
TT

إيران تنفذ أحكاماً نهائية صدرت بحق مدانين على صلة باحتجاجات يناير

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)
تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

قال حمزة خليلي النائب الأول لرئيس السلطة القضائية الإيرانية اليوم (الاثنين)، إن قضايا من اعتقلوا خلال احتجاجات شهدتها البلاد مطلع هذا العام تم البت فيها، ويجري الآن تنفيذ الأحكام النهائية الصادرة بحقهم.

واجتاحت احتجاجات مناهضة للحكومة البلاد في يناير (كانون الثاني)، وأخمدتها حملة قمع وصفت بأنها الأكبر في تاريخ إيران.

ونقلت وكالة «ميزان» التابعة للسلطة القضائية عن خليلي، قوله: «تم البت في قضايا العناصر الإرهابية ومثيري الشغب (فيما يتعلق بأحداث) يناير. وصدرت أحكام نهائية في بعضها، ويجري حالياً تنفيذها. ونفذت أحكام في بعض القضايا خلال الأيام القليلة الماضية، وسيتم الإعلان عنها. لن يكون هناك أي تساهل مع المدانين في هذه القضايا».

وفي الأسبوع الماضي، أعدمت إيران 3 رجال بعد إدانتهم بقتل اثنين من أفراد الشرطة خلال الاضطرابات التي وقعت في وقت سابق من العام، مما أثار مخاوف بين جماعات معنية بحقوق الإنسان، مثل هنجاو، من أن طهران تسرع وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام بحق معتقلين سياسيين ومحتجين في وقت تتصاعد فيه الضغوط العسكرية والدولية عليها، حسبما أوردت وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال خليلي إن السلطة القضائية لن تتهاون مع من قال إنهم «متسللون ومرتزقة وخونة يتعاونون مع العدو» في وقت اعتقلت فيه السلطات مئات خلال الشهر الحالي منذ بدء الحرب.


ترمب: تأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية بعد محادثات «إيجابية»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

ترمب: تأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية بعد محادثات «إيجابية»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الاثنين، أن الولايات المتحدة وإيران أجرتا، خلال اليومين الماضيين، محادثات وصفها بأنها «جيدة ومثمرة» بشأن التوصل إلى تسوية شاملة للتوترات في الشرق الأوسط.

وقال ترمب، في بيان، إن هذه المناقشات «المعمَّقة والبنّاءة» ستستمر طوال الأسبوع، مشيراً إلى أنه، وبناءً على «طبيعة وأجواء» هذه المحادثات، أصدر توجيهات بتأجيل أي ضربات عسكرية محتملة تستهدف محطات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية لمدة خمسة أيام.

وأوضح أن هذا التأجيل يبقى «رهناً بنجاح الاجتماعات والمشاورات الجارية».

ومنح ترمب، أول من أمس، إيران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية مهدداً بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال»: «إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل، ومن دون أي تهديد، خلال 48 ساعة من الآن، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستضرب وتدمر مختلف محطاتها للطاقة، بدءا بأكبرها!».

وبعد دقائق من تهديد ترمب، أعلن الجيش الإيراني أنه سيستهدف البنى التحتية للطاقة ومحطات تحلية المياه في المنطقة إذا نفّذ الرئيس الأميركي تهديداته بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.


تقرير: رهان إسرائيل على انتفاضة إيرانية من الداخل لم يتحقق

إيرانيون – أميركيون يرفعون لافتات ويرددون هتافات خلال مظاهرة ضد النظام الإيراني في لوس أنجليس الأحد (أ.ب)
إيرانيون – أميركيون يرفعون لافتات ويرددون هتافات خلال مظاهرة ضد النظام الإيراني في لوس أنجليس الأحد (أ.ب)
TT

تقرير: رهان إسرائيل على انتفاضة إيرانية من الداخل لم يتحقق

إيرانيون – أميركيون يرفعون لافتات ويرددون هتافات خلال مظاهرة ضد النظام الإيراني في لوس أنجليس الأحد (أ.ب)
إيرانيون – أميركيون يرفعون لافتات ويرددون هتافات خلال مظاهرة ضد النظام الإيراني في لوس أنجليس الأحد (أ.ب)

مع اندلاع المواجهة مع إيران، قدّم رئيس جهاز «الموساد» ديفيد برنياع خطة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وحسب برنياع، فإن جهازه كان قادراً، خلال أيام من بدء الحرب، على تحريك المعارضة الإيرانية ودفعها إلى احتجاجات وأعمال تمرد قد تتطور إلى تهديد مباشر لبقاء النظام.

وعرض برنياع، وفق تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز»، هذه الخطة أيضاً على مسؤولين كبار في إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب خلال زيارة إلى واشنطن في منتصف يناير (كانون الثاني).

وتبنّى نتنياهو الطرح، رغم شكوك أبداها مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى، إلى جانب تحفظات داخل بعض الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية بشأن واقعيته. ومع ذلك، بدا أن نتنياهو وترمب يميلان إلى مقاربة متفائلة، تقوم على أن استهداف قيادات إيرانية في بداية الصراع، بالتوازي مع عمليات استخباراتية تهدف إلى تحفيز تغيير داخلي، قد يفضي إلى انتفاضة واسعة تنهي الحرب سريعاً.

وفي خطاب له مع بداية الحرب، دعا ترمب الإيرانيين إلى «تولي زمام حكومتهم»، قائلاً: «الأمر متروك لكم لتأخذوه»، وذلك بعد حثهم على الاحتماء من القصف.

تعثر سيناريو الانتفاضة

بعد ثلاثة أسابيع على اندلاع الحرب، لم تظهر حتى الآن أي مؤشرات على انتفاضة داخل إيران، بحسب الصحيفة. وتشير تقديرات استخباراتية أميركية وإسرائيلية إلى أن النظام الإيراني، رغم تعرضه لضغوط، لا يزال متماسكاً، في حين أسهم الخوف الواسع من أجهزة الأمن والجيش في تقليص فرص اندلاع تمرد داخلي أو تحرك جماعات مسلحة عبر الحدود.

ويبدو أن الرهان على قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تحفيز انتفاضة شعبية كان إحدى الثغرات الأساسية في التخطيط للحرب التي اتسع نطاقها في المنطقة. فبدلاً من أن ينهار النظام من الداخل، عزز موقعه وصعّد المواجهة، منفذاً ضربات متبادلة استهدفت قواعد عسكرية ومدناً وسفناً في الخليج، إضافة إلى منشآت نفط وغاز.

ويستند هذا التقييم إلى مقابلات مع أكثر من عشرة مسؤولين حاليين وسابقين من الولايات المتحدة وإسرائيل ودول أخرى، تحدث معظمهم شريطة عدم الكشف عن هوياتهم؛ نظراً لحساسية القضايا الأمنية خلال الحرب، في حين عكست آراؤهم تبايناً بشأن فرص حدوث انتفاضة داخل إيران.

ومنذ خطاب دونالد ترمب الأول مع بداية الحرب، تراجع المسؤولون الأميركيون عن الحديث علناً عن احتمالات التمرد داخل إيران، رغم بقاء بعضهم على قدر من التفاؤل بإمكانية حدوثه. وفي المقابل، ورغم لهجة أكثر حذراً، لا يزال بنيامين نتنياهو يؤكد أن الحملة الجوية الأميركية – الإسرائيلية ستلقى دعماً من قوى على الأرض.

وأضاف أن «من المبكر القول ما إذا كان الشعب الإيراني سيستغل الظروف التي نعمل على خلقها للنزول إلى الشارع. آمل أن يحدث ذلك، ونعمل من أجل هذا الهدف، لكن القرار في النهاية يعود إليهم».

غير أن مصادر مطلعة تشير إلى أن نتنياهو عبّر في جلسات مغلقة عن استياء من عدم تحقق تقديرات «الموساد» بشأن تحريك الشارع الإيراني. وخلال اجتماع أمني بعد أيام من بدء الحرب، أبدى قلقه من احتمال أن يقرر دونالد ترمب إنهاء المواجهة في أي لحظة، في وقت لم تُثمر فيه العمليات الاستخباراتية النتائج المرجوة.

وحسب مسؤولين أميركيين وإسرائيليين حاليين وسابقين، فإن نتنياهو استند، قبيل اندلاع الحرب، إلى تقديرات «الموساد» المتفائلة بإمكان حدوث انتفاضة داخل إيران، لإقناع ترمب بأن إسقاط النظام هدف قابل للتحقق.

«الخوف يكبح الاحتجاج»

في المقابل، نظر كثيرٌ من كبار المسؤولين الأميركيين، إلى جانب محللين في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، بعين الشك إلى هذا السيناريو. وأبلغ قادة عسكريون أميركيون ترمب أن الإيرانيين لن يخرجوا إلى الشوارع في ظل القصف، في حين قدّرت أجهزة الاستخبارات أن احتمال اندلاع انتفاضة واسعة تهدد النظام يبقى محدوداً، مستبعدة أن تؤدي الضربات الأميركية – الإسرائيلية إلى إشعال حرب داخلية.

وأكد المسؤول السابق في وزارة الخارجية والبيت الأبيض نيت سوانسون عدم وجود «خطة جدية» لتحفيزها، مشيراً إلى أن الخوف من القتل يدفع معظم الإيرانيين للبقاء في منازلهم رغم رفضهم للنظام. بدوره، أقرّ ترمب بأن انتشار قوات الأمن وإطلاق النار على المحتجين يشكّل «عقبة كبيرة» أمام أي تحرك شعبي قريب.

وأضاف نيت سوانسون، الذي عمل ضمن فريق التفاوض مع إيران في إدارة دونالد ترمب بقيادة ستيف ويتكوف حتى يوليو (تموز)، أنه لم يطّلع خلال سنوات عمله على أي «خطة جدية» داخل الحكومة الأميركية لتحفيز انتفاضة في إيران.

الخيار الكردي

رغم بقاء كثير من تفاصيل خطط «الموساد» طي الكتمان، فإن أحد محاورها تضمّن دعم توغل مجموعات كردية إيرانية متمركزة في شمال العراق داخل الأراضي الإيرانية، وفق «نيويورك تايمز».

وخلال الأيام الأولى من الحرب، كثّفت الطائرات الإسرائيلية ضرباتها على مواقع عسكرية وأمنية شمال غربي إيران، فيما بدا تمهيداً لتحركات محتملة لتلك القوات.

وفي إحاطة هاتفية في 4 مارس (آذار)، سُئل المتحدث العسكري الإسرائيلي ناداف شوشاني عما إذا كانت هذه الضربات تهدف إلى دعم هجوم كردي، فأجاب بأن العمليات في غرب إيران تركز على «إضعاف قدرات النظام وفتح الطريق نحو طهران وخلق حرية عمل»، من دون تأكيد مباشر لهذا السيناريو.

غير أن الحماسة الأميركية لفكرة استخدام الأكراد كقوة وكيلة تراجعت؛ وهو ما تسبب في تباين مع الجانب الإسرائيلي. ففي 7 مارس، وبعد أسبوع من بدء الحرب، قال ترمب إنه طلب صراحة من القيادات الكردية عدم إدخال قواتها إلى إيران، مضيفاً: «لا أريد للأكراد أن يتدخلوا... ولا أريد أن أراهم يُصابون أو يُقتلون».

وفي السياق نفسه، حذّرت تركيا الإدارة الأميركية من دعم أي تحرك كردي، وفق ما نقل دبلوماسي تركي، مشيراً إلى أن وزير الخارجية هاكان فيدان نقل هذا الموقف إلى نظيره الأميركي ماركو روبيو. وتعارض أنقرة، العضو في «ناتو»، أي نشاط مسلح كردي، في ظل مواجهتها حركات انفصالية داخل أراضيها.

انتفاضة لم تتبلور

من جهة أخرى، أفاد مسؤولون أميركيون اطّلعوا على تقديرات استخباراتية قبل الحرب بأن وكالة الاستخبارات المركزية درست سيناريوهات متعددة داخل إيران، وعدَّت أن انهيار النظام بشكل كامل احتمال ضعيف نسبياً.

وأشار مسؤولون آخرون إلى أن السلطات الإيرانية أظهرت قدرة على احتواء الاحتجاجات بسرعة، حتى في أوقات الضغط، كما حدث خلال احتجاجات يناير التي سقط خلالها آلاف القتلى.

وحسب التقييمات، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في انتفاضة شعبية، بل في احتمال حدوث انقسامات داخل أجنحة النظام نفسه، قد تدعم أطرافاً دينية متنافسة، من دون أن يقود ذلك إلى مسار ديمقراطي.

ورجّحت هذه التقديرات أن تتمكن التيارات المتشددة داخل النظام من الحفاظ على مفاصل السلطة.