نشطاء السلام اليهود في غلاف غزة يرفضون الرضوخ لأجواء العداء

رغم خطف وقتل الكثيرين منهم ومهاجمة اليمين المتطرف لهم

فلسطينيون يبتعدون عن كيبوتس كفار عزة بالقرب من السياج مع قطاع غزة عقب هجوم 7 أكتوبر  (أ.ب)
فلسطينيون يبتعدون عن كيبوتس كفار عزة بالقرب من السياج مع قطاع غزة عقب هجوم 7 أكتوبر (أ.ب)
TT

نشطاء السلام اليهود في غلاف غزة يرفضون الرضوخ لأجواء العداء

فلسطينيون يبتعدون عن كيبوتس كفار عزة بالقرب من السياج مع قطاع غزة عقب هجوم 7 أكتوبر  (أ.ب)
فلسطينيون يبتعدون عن كيبوتس كفار عزة بالقرب من السياج مع قطاع غزة عقب هجوم 7 أكتوبر (أ.ب)

يتمسك الكثير من نشطاء السلام اليهود في بلدات غلاف غزة بموقفهم، ويؤكدون أن الحرب على غزة يجب أن تتوقف، ويطالبون الحكومة الإسرائيلية بفتح آفاق السلام، فليس هناك من حل عسكري للصراع، ولا بد من إطلاق مسيرة سلام، على الرغم من الهجوم الذي تعرضوا له من «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والتشفي بهم في أوساط اليمين المتطرف في إسرائيل الذي يصل إلى حد دعوتهم للمغادرة والعيش في نابلس.

وتقول نيتع هايمن مينه، وهي ناشطة في حركة «نساء يصنعن السلام»، ومن مواليد كيبوتس نير عوز، الذي تحتجز «حماس» 79 شخصاً من أفراده كلهم مدنيون وغالبيتهم مسنون، إنها منذ خطف والدتها تتنقل من جنازة إلى أخرى، وتقول: «في كل يوم عليّ أن أختار إلى أي من الجنازات أذهب»، وتؤكد: «أذهب، أولاً، إلى جنازات أفراد عائلات من مجموعتي العمرية. وفي ما تبقى من الوقت، أناضل من أجل إعادة المختَطَفين الكثر. نحن متقدمون على الدولة بـ10 خطوات في كل شيء. حتى إلى (الصليب الأحمر) وصلنا قبل أن يستوعبوا هم أنّ شيئاً ما يحدث هنا».

3 أسيرات إسرائيليات ظهرن في شريط فيديو وزعته «حماس» يوم 30 أكتوبر الماضي ناشدت نتنياهو التوصل لصفقة تبادل أسرى (د.ب.أ)

هايمن نفسها، الناشطة في المنظمة منذ سنة 2017، تقول: «(نساء يصنعن السلام) حركة تتحدث عن اتفاق سياسي، ولا تطالب تحديداً بحل دولتين لشعبين. في الحركة أيضاً نساء يُقِمن في مستوطنات. نحن حركة تعتقد أن السلام ليس كلمة نابية، كلمة سلام مشتركة للجميع، وليس لليسار فقط».

تضيف: «الفلسطينيون من غزة كانوا يعملون لدينا ويتجولون بيننا. لم يشعر أحد بأي تخوف منهم. معظم أعضاء الكيبوتس (بلدة تعاونية) من دعاة السلام. كانت هنالك مجموعة كبيرة من النشطاء الذين كانوا شركاء في نضال (سلام الآن). كان الجو العام أن جميع أبناء البشر متساوون، وجميعهم يستحقون العيش بهدوء. في الطفولة لم نشعر بأننا نعيش على الحدود. وقبل الانتفاضة الأولى، كان الناس من المنطقة هنا يسافرون إلى غزة للتسوق».

لو استمعوا لنا!

ترفض هايمن التعبير عن ندمها على مواقفها السابقة، وتقول: «أشعر بأن أولئك الذين لم يفكروا مثلنا هم الذين أخطأوا وأوصلونا إلى هذه الحال. أخطأ من اعتقد أن الفلسطينيين لا يستحقون الحياة الكريمة، وأنه يمكننا مواصلة السيطرة على شعب آخر كل هذه السنوات دون أن يرتد هذا إلى نحورنا. كثيرون أخطأوا. نحن لم نخطئ. لو أصغوا لـ(نساء يصنعن السلام) وصرختهن منذ عملية الجرف الصامد (2014)، وأنه قد حان الوقت لوضع حد نهائي لهذه المعاناة، لما وصلنا إلى هذا الوضع الذي تجلس فيه والدتي الآن لدى وحوش».

تكدس الجثث خارج «مستشفى الشفاء» في غزة (د.ب.أ)

وتشدد هايمن على أن الأحداث القاسية عززت مواقفها بشأن الحاجة إلى عملية سلمية: «ليس مهماً كم مرة سنحاول القضاء على (حماس) ومحوها، المؤكد أن الجولة التالية ستكون أسوأ. ها قد تلقينا الضربة الآن بقوة. الإيمان بأن الحل ينبغي أن يكون سياسياً وأنّ هذا ممكن، على غرار نزاعات مريرة وقاسية أخرى قد حُلَّت، إيمان لم يتزعزع، بل تعزز أكثر؛ لأنني أصبتُ بصورة شخصية هذه المرة».

وتقول إن آراءها بخصوص «حماس» لم تتغير: «الشعب الفلسطيني نفسه يعاني كثيراً من سلطة (حماس)، لكن ما العمل، (حماس) هي عدوّنا في هذه اللحظة، والسلام يُصنَع مع الأعداء، بغضّ النظر عن مدى وحشيتهم. من الواضح أن الغضب الأول ينصب عليهم. لكنّ هذا لا يقلل من الغضب على الذين لم يحموا أناساً، مثل والدتي، التي كانت بين من أسسوا الدولة».

الأسيرة الإسرائيلية لدى «حماس» المفرج عنها 24 أكتوبر يوخباد ليفشتس من سكان كيبوتس نير عوز (أ.ف.ب)

نشطاء سلام ضحايا

المعروف أن كيبوتس نير عوز، وغيره من البلدات المحيطة بقطاع غزة، يضم نسبة عالية من نشطاء السلام. ويوجد بين القتلى والمخطوفين في 7 أكتوبر، فيفيان سيلفر، من كيبوتس بئيري، عضو إدارة «بتسيلم»، وهو المركز الذي يتابع حقوق الإنسان الفلسطيني في المناطق المحتلة، ومن مؤسسي منظمة «نساء يصنعن السلام»، ود. حاييم كتسمان، الباحث في الدين والسياسة في الشرق الأوسط، الذي قُتل وله شقيقة عضو في إدارة منظمة «نقف معاً» للشراكة اليهودية العربية؛ ونيلي مرجليت المُختَطَفة، ابنة عمّة دافيد زونشاين رئيس إدارة «بتسيلم» السابق، ووالدها تشرشل مرجليت، الذي قُتل، ثم عمّة ميكي كرتسمان، رئيس إدارة «جنود يكسرون الصمت»، التي تكشف ممارسات الاحتلال ضد الفلسطينيين، وأوفيليا رويطمان، المحسوبة في عداد المفقودين؛ ووالدا وعمّ يوتام كيبنيس، عضو إدارة «ززيم»، حركة مدنية من اليهود والعرب المناضلين معاً ضد الاحتلال والعنصرية، قُتلوا هم أيضاً.

ياعيل نوي من نشطاء السلام بكيبوتس نير عوز وقبل 5 شهور من فقد والدها في هجوم 7 أكتوبر ترافق طفلاً فلسطينياً مصاباً بالسرطان لعلاجه (أ.ف.ب)

وخلال الأسابيع التي مرت عليهم منذ يوم السبت الأسود، اضطُر كثيرون، التعامل ليس مع الفقدان والحزن والقلق فحسب، وإنما مع ردود الفعل البغيضة في شبكات التواصل الاجتماعي وفي الشارع، من عناصر اليمين المتطرف الذين يتهمونهم وأحباءهم بأنّ موقفهم هو المسؤول عن هذه الكارثة. ففي المنشورات التي نُشرت على «فيسبوك»، وذُكر فيها اختطاف فيفيان سيلفر، مثلاً، وردت تعقيبات مثل: «لم تُخْتَطف، كل ما في الأمر أنها في رحلة لدى أصدقاء»، أو «يفضل أن تبقى هناك مع أصدقائها من الأعداء اللدودين، محبي السلام».

نيطع هايمن نفسها، تلقت ردوداً مثل: «تباً لك أيتها النتنة، بسبب أشخاص مثلك توجد معاداة للساميّة. هي (والدتها) هناك بسببك. اذهبي. هاجري من البلاد، وانتقلي إلى فلسطين».

وقد هاجم الجميع أحد نشطاء اليمين البارزين الذي كتب لإحدى الناشطات التي خطفت ابنتها: «أتمنى أن ينفذوا فيها اغتصاباً جماعياً، وتحمل وتلد لك ولداً من أب غزاوي».

استهداف أهالي الضحايا

وفي تظاهرات عائلات الأسرى التي تطالب حكومة بنيامين نتنياهو بإبرام صفقة مع «حماس»، فوراً، حتى لو كان الثمن إطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين من السجون، يوجه نشطاء اليمين المتطرف الشتائم والتهديد باعتداءات جسدية.

لقطة من شريط فيديو للمكتب الإعلامي لـ«حماس» تظهر معارك بين «القسام» والقوات الإسرائيلية في المحورين الشمالي والجنوبي لغزة 8 نوفمبر (أ.ف.ب)

ووفق تقرير لصحيفة «هآرتس» أعدته الكاتبة، شاني ليطمان، أكد معظم هؤلاء تمسكهم بطريقهم. وقال معوز ينون، الذي قُتل والداه المسنان في هجوم «حماس»، إنه يفهم الغضب الإسرائيلي على ما فعلته «حماس»، ويفهم حتى الرغبة في الانتقام التي تميز الحرب على غزة اليوم، لكنه يضيف: «أرى أيضاً إلى أين أوصلنا هذا الانتقام خلال المائة سنة الأخيرة. يجب أن نعيد المخطوفين، وأن ندفن الموتى، وأن نبكي، ثم أن نغيّر كل فرضيّاتنا الأساس».

ويضيف: «المصيبة الشخصية التي حلّت بي لم تغير موقفي، بل العكس هو الصحيح. أرى دولتنا، بعد سنوات من تحذيرنا بأننا على حافة هاوية، ها هي الكارثة الكبرى التي تنزل على الشعب اليهودي منذ الهولوكوست، في ظل حكم يمين خالص سيقودنا إلى الهلاك. أجندتي اليوم هي وقف الحرب، أولاً». ويشدد بقوله: «ممنوع الدخول إلى غزة. ممنوع فتح جبهة في لبنان. مُلزمون بإعادة المخطوفين، دفن موتانا والبكاء. أعيننا غارقة في الدم الآن، ونحن مُساقون للذبح. الذبح الذي تعرض له والداي وغيرهما، سيكون لا شيء مقارنة بالذبح الذي يمكن أن يحدث هنا. ينبغي لنا تغيير كل مصطلحاتنا وفرضيات الأساس التي تقول، إن أمن دولة إسرائيل يقوم على القوة العسكرية».

فلسطينيون وراء حاجز يفصلهم عن جثث خارج مشرحة مستشفى «ناصر» بمدينة خان يونس في جنوب قطاع غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

في الرثاء الذي ألقاه يوتام كيبنيس، عضو إدارة «زَزيم - حراك شعبي»، في مراسم تشييع جثمان والده، أفيتار كيبنيس، الذي قتله عناصر من «حماس»: «والدي التزم بالسلام. لن نصمت حينما تدوّي المدافع، ولن ننسى أن والدي كان يحب السلام. سنقدّس الحياة وليس الموت، لأن ثمة خيراً في العالم يستحق النضال من أجله، وليس من أجل الانتقام. والدي لم ينسَ أن في غزة أيضاً أشخاصاً أبرياء عالقين بين مطرقة الحكومة الإسرائيلية وسندان ديكتاتورية (حماس). (حماس) هي العدوّ وليس الفلسطينيين. (حماس)، التي دعمتها وقوتها عن وعي كامل، هذه الحكومة التي تؤمن بالحرب العِرقية. نحن أيضاً لن ننسى أن الحرب لن تنتهي فعلياً إلا بإحلال السلام».


مقالات ذات صلة

«أطباء بلا حدود»: إسرائيل تستخدم المياه سلاحاً في غزة

المشرق العربي أشخاص يجلبون مياه الشرب في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين في وسط قطاع غزة 28 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: إسرائيل تستخدم المياه سلاحاً في غزة

حذّرت منظمة «أطباء بلا حدود»، الثلاثاء، من أن إسرائيل تتعمد حرمان أهالي قطاع غزة من الحصول على المياه اللازمة للحياة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)

تركيا: السفير الأميركي يدافع عن تصريحات أثارت غضب المعارضة

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن تصريحات مثيرة للجدل دفعت المعارضة إلى المطالبة بطرده تنبع من تقييم صادق للحقائق لا من أساس آيديولوجي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
TT

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)

اقتحمت مجموعة محتجين من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد منزل قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية الثلاثاء، واعتصموا في حديقته احتجاجا على إجراءات لمعاقبة من يرفضون الاستجابة لاستدعاءات التجنيد.

ويأتي ذلك بعدما أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الأحد الدولة بوقف المزايا المالية الممنوحة لليهود المتشددين الذين يتجنبون الخدمة العسكرية، وبالشروع في ملاحقات جنائية بحقهم.

وأثار التحرك إدانات غاضبة من القيادات العسكرية والسياسية.

وأظهرت مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي عشرات من الرجال المتشددين يهتفون داخل حديقة منزل قائد الشرطة العسكرية يوفال يمين في عسقلان، بينما كان داخل المنزل مع عائلته، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو «أدين بشدة الهجوم الوحشي والعنيف على رئيس الشرطة العسكرية، وأطالب باتخاذ إجراءات حازمة بحق الضالعين».

من جهته، ندّد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بـ«الاقتحام المتعمّد» لمنزل يمين «في وقت كانت عائلته داخله»، معتبرا أن أي محاولة للمساس بأفراد الأجهزة الأمنية تمثّل «تجاوزا لخط أحمر».

ويتمتع اليهود المتشددون منذ قيام إسرائيل عام 1948 بإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية شرط التفرغ للدراسية الدينية.

لكن المحكمة العليا طعنت مرارا في هذا الاستثناء خلال السنوات الأخيرة، وصولا إلى حكم صدر في 2024 يُلزم الحكومة تجنيدهم.

غير أن نتانياهو يعتمد على دعم الأحزاب المتشددة للبقاء في السلطة، ما دفعه إلى معارضة إنهاء هذا الإعفاء.

ويمثل الحريديم 14 في المائة من السكان اليهود في إسرائيل، ومنهم 66 ألف رجل في سن الخدمة العسكرية.

ومع الحكم الأخير، تأمر المحكمة عمليا بوقف الإعانات التي تتيح لليهود المتشددين تخفيضات على الضرائب المحلية ووسائل النقل العامة ورعاية الأطفال.


الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.