إسرائيليون كثر لا يريدون زيارة بايدن

يخشون من إنهاء الحرب قبل تحقيق أهدافها الكبرى بتصفية «حماس»

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ووزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب الاثنين (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ووزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب الاثنين (أ.ب)
TT

إسرائيليون كثر لا يريدون زيارة بايدن

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ووزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب الاثنين (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ووزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب الاثنين (أ.ب)

بينما تعد الغالبية الساحقة من الإسرائيليين زيارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، الأربعاء، إلى إسرائيل بمثابة «تضامن معها ضد إرهاب (حماس)» وجزءاً من «الاحتضان الأميركي الحميم»، يخشى جزء من الإسرائيليين من نتائج قد تؤدي إلى وقف الحرب من دون التغيير الجوهري الذي تنشده، ومن دون تحقيق الأهداف الكبيرة التي وضعتها لها، وهي «إبادة (حماس)».

ويشيد غالبية الإسرائيليين بالموقف الأميركي الذي لم يقتصر على الكلام، بل ترافق مع عدد من الإجراءات المهمة، مثل البحث في الكونغرس لتقديم مساعدات ضخمة إضافية لإسرائيل، وإرسال حاملة الطائرات «جيرالد فورد»، وحاملة الطائرات الثانية «آيزنهاور»، وما كُشف عنه الليلة الماضية من إرسال 2000 رجل «مارينز» إلى المنطقة، وأن هذه القوات وغيرها لن تتردد في المشاركة في الحرب «إن نشأت الحاجة إلى ذلك»، خصوصاً في حال انضمام محتمل لـ«حزب الله» في الحرب. وقد تدفق المسؤولون الأميركيون إلى تل أبيب، خصوصاً وزير الخارجية أنتوني بلينكن، ووزير الدفاع، لويد أوستن، وقائد القوات المركزية في الشرق الأوسط، الجنرال مايكل كوريلا.

فلسطينيون من حمَلة الجنسيات الأجنبية ينتظرون فتح معبر رفح (أ.ب)

ولكن الإسرائيليين يلاحظون أيضاً أن هذا الاحتضان، وإن كان بلا شروط، لكنه ليس بلا ثمن، بل يقولون إن «الثمن» الذي تطلبه واشنطن جاء بسرعة زائدة، فالإدارة الأميركية تنصح إسرائيل بألا تشن حرباً، وتعلن جهاراً أن هذه الحرب ستكون «خطأً فادحاً».

بلينكن حضر إلى إسرائيل، الاثنين، للمرة الثانية، وطرح أسئلة عدة تشكك في هذه الحرب، وشارك في اجتماع «الكابينت» الحربي الأعلى في مقر وزارة الدفاع بتل أبيب، وقد خُصّص للبحث في فتح معبر رفح بشكل آمن، ومتابعة التحضيرات للاجتياح البري. ورشح عن الجلسة أنه راح يحقق مع قادة الجيش «إن كان جاهزاً فعلاً لعملية اجتياح، وما هي الضمانات ألا تنجم عنه إخفاقات أخرى». وخرج يصرح ويعيد التأكيد على أن واشنطن تعتقد أن «هدف تصفية (حماس) صحيح، ولكن الحرب خطأ فادح».

عناق الدب

وقد نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» مقالاً لمراسلها العسكري، يوسي يهوشع، رأى فيه الاحتضان الأميركي «عناق الدب»، وقال: «لا شك أن هذه الخطوات تتراكم إلى مستوى ردع إيران و(حزب الله) من فتح جبهة إضافية في الشمال، «لكن يوجد ثمن لهذه المساعدة، وحان الوقت للحديث عنه بشكل أوضح وبلا عواطف». ورأى أن الأميركيين يقودون الحرب وفقاً لمصالحهم الاستراتيجية في المنطقة. يحتمل مثلاً ألا يكون بايدن معنياً بخطوة فاعلة لإزالة تهديد «حزب الله» عن بلدات الشمال، وهو بالتأكيد معنيّ بأن يحذر قدر الإمكان «من كارثة إنسانية في غزة وخرق القانون الدولي».

من اليمين: الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (أ.ف.ب)

كما أن بايدن، والحديث للكاتب، يبدي تصميماً في ما يتعلق بسلامة المخطوفين والمخطوفات من ذوي الجنسية الأميركية، لدرجة احتمال عقد صفقة منفصلة (عبر قطر مثلاً)، إلى جانب أن يُطلب من إسرائيل تنفيذ بادرة إنسانية دون مقابل. وفي النهاية، فإن البيت الأبيض يهتم، قبل كل شيء، بمواطني الولايات المتحدة، وبعد ذلك بجنود الجيش الإسرائيلي. وعلى أية حال، فإن التعلق بالولايات المتحدة سيتعاظم إذا ما هبط الرئيس الأميركي في إسرائيل حقاً، ما قد يؤدي إلى قمة إقليمية. وفي كل حال يقرر حدود المعركة، كجزء من حرب واسعة ضد المحور الإيراني الذي يضم روسيا بالطبع. وفي هذا السياق، من المشوق أن نعرف كيف ستتطور الأحداث بعد حديث نتنياهو مع الرئيس الروسي بوتين، «الذي حرص حتى الآن على أن يبدي برودة تجاه إسرائيل، وتهكما لا يطاق بالنسبة لبربرية (حماس)».

انتقاد حلفاء نتنياهو

في هذا الخضم، خرج حلفاء نتنياهو في اليمين المتطرف بتسريبات إلى الصحافة انتقدوه فيها على دعوته بايدن لزيارة إسرائيل، وأعربوا عن خشيتهم من أن يؤدي وجود بايدن إلى ثمن أكبر تدفعه إسرائيل، مثل تأجيل، وربما تبديد فكرة الاجتياح البري لقطاع غزة، «وتكبيل أيدي إسرائيل في تنفيذ أهداف الحرب».

الحلفاء يدركون أنه في حال باشر الجيش عملية الاجتياح قبيل زيارة بايدن، الأربعاء، يمكن أن يفسر الأمر على أنه استفزاز له. وإذا أطلقوها بعد الزيارة فسيبدو كما لو أنه حدث بموافقة بايدن، وهذا أمر يمكن للأميركيين أن يسجلوه «نقطة سلبية»، وأن يتهموا إسرائيل بالجحود.

احتشاد مئات الآلاف من الجنود الإسرائيليين حول قطاع غزة (إ.ب.أ)

ولم يخف بعض قادة اليمين المتطرف شكوكهم بأن يكون نتنياهو قد دعا بايدن خصيصاً كي يجهض الاجتياح؛ لأنه يخاف نتائجه، ويتساءلون عن سبب انتقال بايدن من تل أبيب إلى عمان، للمشاركة في مؤتمر قمة مع عدد من القادة العرب، وإن كان الاجتماع سيتضمن صفقة غير مريحة لإسرائيل.

تمسك بإنهاء «حماس»

نتنياهو رد من جهته، فأعلن من جديد أن الحكومة مصرة على هدفها وهو تصفية «حماس»، واتباع كل الطرق العسكرية لهذا الغرض، ثم تبعه وزير الدفاع، يوآف غالانت، معلناً خلال لقائه مع جنود في سلاح الطيران (الثلاثاء)، أن «طائراتنا تصل إلى كل مكان، وسنصل إلى كل فرد من قادة (حماس)، وسيكون الخيار لديهم واحداً من اثنين فقط، (إما الموت في المكان الذي يتحصنون فيه، وإما الاستسلام بلا شروط). ولا يوجد خيار ثالث. سوف نبيد تنظيم (حماس)، ونجرده تماماً من قدراته».

وسُرِّبت معلومات تفيد بأن قيادة الجيش الإسرائيلي، أيضاً، منقسمة على نفسها في هذا الموضوع. وهناك من يطالب بتنفيذ الاجتياح فوراً، بغض النظر عن الحسابات السياسية المرتبطة بالنصائح الأميركية.


مقالات ذات صلة

حرب إيران في الميزان الأميركي: تكلفة باهظة ورسائل متضاربة

تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)

حرب إيران في الميزان الأميركي: تكلفة باهظة ورسائل متضاربة

من أسعار الوقود المرتفعة إلى تكلفة العمليات العسكرية، وصولاً إلى أعداد القتلى والجرحى، تتنامى معارضة الرأي العام الأميركي لمواصلة الحرب.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ديفيد ​ساكس مستشار البيت الأبيض لشؤون العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي (رويترز)

مسؤول في البيت الأبيض: علينا إعلان النصر والانسحاب من حرب إيران

كشف ديفيد ​ساكس مستشار البيت الأبيض لشؤون العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي أن على الولايات المتحدة «إعلان النصر والانسحاب» من ‌حربها مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت (د.ب.أ)

البيت الأبيض: تحذير «إف. بي. آي» من رد إيراني يستند إلى معلومة غير مؤكدة

قالت ‌المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن تحذير «إف. بي. آي» من تهديد إيراني للأراضي الأميركية استند إلى معلومة واحدة غير مؤكدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ ترمب يتحدث في مؤتمر للحزب الجمهوري في فلوريدا في 9 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الكونغرس يطالب إدارة ترمب بتوضيح استراتيجية إيران

مع دخول حرب إيران أسبوعها الثاني، تتزايد التساؤلات في الكونغرس حيال استراتيجية الإدارة الأميركية وأهدافها، بالإضافة إلى تكلفتها المادية والبشرية ومدتها.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أفراد من جهاز الخدمة السرية الأميركية في حراسةً أمام البيت الأبيض في واشنطن (أرشيفية - رويترز)

تطويق محيط البيت الأبيض بعد اقتحام حافلة صغيرة حواجز أمنية

أفادت الشرطة الأميركية بأن حافلة صغيرة اقتحمت حواجز أمنية قرب البيت الأبيض فجر اليوم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تحذير: حرب إيران قد تهدد الإمدادات الغذائية العالمية

الإمدادات الغذائية العالمية قد تتضرر بشدة إذا ما امتدّت حرب إيران (أ.ف.ب)
الإمدادات الغذائية العالمية قد تتضرر بشدة إذا ما امتدّت حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

تحذير: حرب إيران قد تهدد الإمدادات الغذائية العالمية

الإمدادات الغذائية العالمية قد تتضرر بشدة إذا ما امتدّت حرب إيران (أ.ف.ب)
الإمدادات الغذائية العالمية قد تتضرر بشدة إذا ما امتدّت حرب إيران (أ.ف.ب)

حذّر رئيس إحدى كبرى شركات الأسمدة في العالم بأن الإمدادات الغذائية العالمية قد تتضرر بشدة هذا العام إذا ما امتدّت حرب إيران.

ووفق صحيفة «الغارديان» البريطانية، فقد دعا سفين توري هولسيثر، الرئيس التنفيذي لشركة «يارا» الدولية النرويجية، قادة العالم إلى النظر في تأثير ارتفاع أسعار المواد الغذائية على بعض أفقر دول العالم «قبل فوات الأوان».

وقال: «بالنظر إلى أهمية الأسمدة، فإنّ استمرار الحرب مدة طويلة قد يؤثر بشكل خطير على غلّة المحاصيل».

وتابع: «هذا صراع إقليمي ذو تداعيات عالمية، ويؤثر بشكل مباشر على النظام الغذائي».

وأوضح أن «أسعار المواد الخام المستخدمة في صناعة الأسمدة ارتفعت بشكل حاد منذ اندلاع الحرب، خصوصاً أن منطقة الخليج توفّر نحو ثلث إنتاج العالم من اليوريا ونحو ربع تجارة الأمونيا عالمياً»، وهما عنصران أساسيان في صناعة الأسمدة.

وارتفع سعر اليوريا بنحو 210 دولارات للطن، من 487 دولاراً في الأسبوع الذي سبق الحرب إلى نحو 700 دولار حالياً.

كما حذّر من تداعيات اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، قائلاً: «إذا أُغلق مضيق هرمز لمدة عام فسيكون ذلك كارثياً».

وأضاف: «في بعض المحاصيل، إذا لم تحصل على الأسمدة، فقد ينخفض الإنتاج بنسبة تصل إلى 50 في المائة في أول حصاد».

وأشار إلى أن قطاع الأسمدة يواجه «تأثيراً مزدوجاً» نتيجة تراجع إمدادات المواد الخام من الخليج وارتفاع أسعار الغاز اللازم لإنتاج الأسمدة. كما لفت إلى أن الدول الغنية قد تتمكن من شراء الأسمدة بأسعار أعلى، بينما ستتحمل الدول الفقيرة العبء الأكبر، قائلاً: «الدول الأعلى هشاشة هي التي تدفع أعلى ثمن».

وقد ذكر «برنامج الأغذية العالمي» التابع للأمم المتحدة أن ارتفاع أسعار الغذاء والوقود، الناجم عن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، قد تكون له آثار جانبية ستزيد من حدة الجوع لدى الفئات السكانية الضعيفة في المنطقة وخارجها.

وتأسست شركة «يارا» في النرويج عام 1905 لمكافحة المجاعة الأوروبية، وهي أكبر منتِج للأسمدة المعدنية النيتروجينية في العالم، ولها مصانع في هولندا وفرنسا وألمانيا، بالإضافة إلى الهند وأميركا الجنوبية.


كوريا الجنوبية تدرس دعوة ترمب لإرسال سفن لمضيق هرمز

ناقلات نفط تبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من شمال رأس الخيمة قرب الحدود مع محافظة مسندم العمانية (أرشيفية - رويترز)
ناقلات نفط تبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من شمال رأس الخيمة قرب الحدود مع محافظة مسندم العمانية (أرشيفية - رويترز)
TT

كوريا الجنوبية تدرس دعوة ترمب لإرسال سفن لمضيق هرمز

ناقلات نفط تبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من شمال رأس الخيمة قرب الحدود مع محافظة مسندم العمانية (أرشيفية - رويترز)
ناقلات نفط تبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من شمال رأس الخيمة قرب الحدود مع محافظة مسندم العمانية (أرشيفية - رويترز)

قال مسؤول في الرئاسة الكورية الجنوبية، اليوم (الأحد)، إن سيول «تدرس من كثب» الطلب الذي وجَّهه إليها الرئيس الأميركي دونالد ترمب من بين دول أخرى لإرسال سفن لمضيق هرمز؛ بهدف ضمان أمن ناقلات النفط في الخليج.

وأضاف المسؤول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نتابع من كثب تصريحات الرئيس ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، وسندرس الأمر بعناية بالتشاور الوثيق مع الولايات المتحدة».

وكتب الرئيس الأميركي على حسابه في شبكة «تروث سوشيال» الاجتماعية: «نأمل بأن تبادر الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة ودول أخرى... إلى إرسال سفن إلى المنطقة بحيث لا يظل مضيق هرمز مهدداً من دولة مقطوعة الرأس»، في إشارة إلى إيران.

وحضَّ الرئيس ترمب، أمس (السبت)، دولاً أخرى على إرسال سفن حربية لتأمين مضيق هرمز الذي عطَّلته إيران في خضم الحرب الأميركية - الإسرائيلية عليها، في حين هدَّدت طهران باستهداف شركات أميركية إذا قُصفت منشآتها للطاقة، وذلك مع امتداد النزاع غير المسبوق إلى أسبوع ثالث.

وأكد الرئيس الأميركي في وقت لاحق أنَّه «يجب على دول العالم التي تتلقَّى النفط عبر مضيق هرمز أن تتولَّى أمر هذا الممر، وسنقدِّم مساعدة كبيرة». وتسببت الضربات الإيرانية بتوقف شبه تام لحركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز الذي يمرُّ عبره عادة خُمس النفط الخام والغاز الطبيعي المسال في العالم.


الأطفال الأكثر تضرراً... حرب إيران تسبب تلوثاً يستمر عقوداً

الدخان يتصاعد بعد غارة جوية في وسط طهران (إ.ب.أ)
الدخان يتصاعد بعد غارة جوية في وسط طهران (إ.ب.أ)
TT

الأطفال الأكثر تضرراً... حرب إيران تسبب تلوثاً يستمر عقوداً

الدخان يتصاعد بعد غارة جوية في وسط طهران (إ.ب.أ)
الدخان يتصاعد بعد غارة جوية في وسط طهران (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة الإيرانية طهران مخاطر بيئية وصحية متزايدة، بعد الضربات الجوية التي استهدفت مستودعات ومصافي نفط قرب المدينة، ما أدى إلى اندلاع حرائق ضخمة وإطلاق أعمدة كثيفة من الدخان والمواد السامة في الغلاف الجوي.

ومع هطول الأمطار لاحقاً، اختلطت هذه الملوثات بالمياه، لتتساقط على شكل ما وصفه السكان بـ«المطر الأسود»، وهو مزيج من مواد كيميائية خطرة يمكن أن تسبب أضراراً صحية جسيمة.

وحسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء، يحذِّر خبراء البيئة من أن هذه الحوادث قد تخلِّف آثاراً طويلة الأمد؛ إذ تحتوي الصواريخ والذخائر على معادن ثقيلة وملوثات سامة تنتشر في الهواء والتربة والمياه عند انفجارها، وقد تبقى آثارها عقوداً، مُشكِّلة مخاطر صحية. وتُعدّ عمليات التنظيف صعبة ومكلفة.

كما أن حرائق النفط تطلق مركبات مثل السخام وثاني أكسيد الكبريت والهيدروكربونات التي تزيد من خطورة التلوث.

وأشار مختصون إلى أن خطورة الوضع تتضاعف؛ لأن الهجمات وقعت بالقرب من طهران وضواحيها المكتظة بالسكان؛ حيث يتجاوز عدد سكانها 18 مليون نسمة.

ويقول دوغ وير، الرئيس التنفيذي لمرصد النزاعات والبيئة (CEOBS): «نشهد دائماً هجماتٍ على منشآت النفط في النزاعات، ولكن من النادر جداً أن تكون هذه الهجمات قريبة من مدينة كبيرة كطهران».

ووفقاً لأحدث البيانات المتاحة، رصد مرصد النزاعات والبيئة -وهو منظمة غير ربحية مقرُّها المملكة المتحدة تهدف إلى التوعية بالعواقب البيئية والإنسانية للحروب- أكثر من 300 حادثة تنطوي على مخاطر بيئية نتيجة للأعمال العدائية المستمرة.

وقال وير: «يتعرض كثير من الناس للتلوث، وسيستمر هذا الوضع». وأضاف أن الغارة الإسرائيلية التي استهدفت مستودعات النفط خارج طهران تُعدّ أكبر حادثة تلوث في هذه الحرب حتى الآن.

ونصحت السلطات الإيرانية السكان في البداية بالبقاء في منازلهم، محذرة من أن الأمطار الحمضية قد تُسبب حروقاً كيميائية للجلد وتُلحق الضرر بالرئتين. وقد أصدرت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة التوصية نفسها.

وقال ديفيد جيه إكس غونزاليس، الأستاذ المساعد في جامعة كاليفورنيا: «أتوقع آثاراً حادة على صحة الجهاز التنفسي»، مضيفاً أن الأطفال الصغار والنساء الحوامل أكثر عرضة لتأثيرات ملوثات الهواء.

حتى قبل هذه الحرب، كانت طهران تعاني من تلوث شديد.

ورصد باحثون مستويات عالية من الجسيمات الدقيقة والمعادن الثقيلة، كالرصاص والكادميوم والكروم والنيكل في مياه وهواء المدينة. كما عثروا على مواد سامة تنبعث عند حرق الوقود الأحفوري والنفايات، مثل ثاني أكسيد الكبريت.

ويُعزى السبب الرئيسي -وفقاً لديميتريس كاسكاوتيس، الفيزيائي في المرصد الوطني بأثينا، والذي يدرس تلوث الهواء والغبار في البلاد منذ أكثر من عقد- إلى عدد كبير من محركات السيارات والصناعات الثقيلة القريبة من المدينة.

ويساهم الموقع الجغرافي لطهران عند سفوح جبال البرز في احتجاز الملوثات بسبب ظاهرة الانقلاب الحراري، ما يؤدي إلى استمرار تدهور جودة الهواء لفترات طويلة.

وعادة، تغسل الأمطار التلوث، ولكن الضربات التي استهدفت مستودعات ومصافي نفط، ربما فاقمت الوضع، كما قال كاسكاوتيس.

وقال: «إن اجتماع حرائق النفط الكارثية مع هطول الأمطار يجعلها أكثر ضرراً وسُمِّية على صحة الإنسان. هذه الملوثات المخففة في الماء أكثر سُمية بكثير، ويمكن امتصاصها بسهولة في أجسامنا عبر الجهاز العصبي، والجهاز الدموي، وقد تؤثر على الكلى والكبد وأعضاء أخرى».

ومع انقطاع الاتصالات الهاتفية والإنترنت في إيران منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط)، ومن دون أخذ عينات، يستحيل معرفة حجم التلوث.

ومع استمرار الحرب وتضرر منشآت النفط والطاقة في المنطقة، يخشى الخبراء وقوع مزيد من الهجمات في المنطقة التي تضم بعضاً من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، والتي تنتشر فيها مصافي النفط والمستودعات ومحطات المعالجة ومنصات النفط والغاز البحرية، فضلاً عن المواقع النووية ومحطات تحلية المياه؛ إذ قد تكون العواقب وخيمة.

ويؤكد مختصون أن توثيق الأضرار البيئية الآن سيكون ضرورياً لاحقاً لمحاسبة المسؤولين، والبدء في عمليات التنظيف وإعادة التأهيل بعد انتهاء الصراع.