حرب أكتوبر... الإسرائيليون لمّحوا للأميركيين باللجوء للسلاح النووي لابتزازهم

الوثائق الأميركية سجلت اتصالات واجتماعات الحرب

حرب أكتوبر... الإسرائيليون لمّحوا للأميركيين باللجوء للسلاح النووي لابتزازهم
TT

حرب أكتوبر... الإسرائيليون لمّحوا للأميركيين باللجوء للسلاح النووي لابتزازهم

حرب أكتوبر... الإسرائيليون لمّحوا للأميركيين باللجوء للسلاح النووي لابتزازهم

ظلت حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 موضوعاً شهياً للاطلاع بين الباحثين العرب والأجانب، خصوصاً أنه كلما مرت عقود على شرارتها الأولى تسربت معلومات جديدة عن تفاصيلها، أو ظهرت وثائقها التي يُلزم القانون في بعض الدول بنشرها. غير أن ذلك جاء مصحوباً في بعض الأحيان بروايات متباينة، وربما صادمة بشأن مآلات الحرب.

وبشكل أو بآخر، أصبح الحدث النادر في التاريخ المعاصر محفوفاً توثيقه بكثير من اللغط والجدل إلى حد التضارب الكامل بين روايتين؛ الأولى: تؤرخ لحرب العاشر من رمضان باعتبارها نصراً عسكرياً مؤزراً للجيشين المصري والسوري المدعومين عربياً، ولتتأكد أهمية سلاح النفط الذي لم يكن أقل تأثيراً في ساحات الوغى «الدبلوماسية» من تكنولوجيا الدبابات والمقاتلات الغربية التي تتمتع بها إسرائيل في جبهات القتال.

على الجانب الآخر، رواية إسرائيلية تثني على ردة فعل تل أبيب تجاه المفاجأة التي وقعت «يوم كيبور» (حسب المصطلح التوراتي اليهودي)، حين باغت الجيشان المصري والسوري قوات «الاحتلال» الإسرائيلية المسترخية في سيناء وفي الجولان، بضربات جوية ثم بعبور بطولي إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، وبإذابة خط بارليف أو الساتر الترابي الذي صنع منه الإعلام الإسرائيلي «أسطورة».

وبين هذا وذاك، ربما تاهت أو جرى تشويش التفاصيل الحقيقية ووقائع ما حدث فعلاً في تلك الحرب التاريخية التي يصعب الاختلاف عن أنها كانت نقطة تحول «استراتيجي» في مسار الصراع العربي - الإسرائيلي. ومع حلول الذكرى الخمسين للحرب التي لم تفرج مصر أو سوريا إلى اليوم عن وثائقها بعد، تبدو الحاجة ملحة لإعادة قراءة وثائقها ونصوصها، وعلى الأخص ما يتعلق بالمكالمات والرسائل التي تبادلها وزير الخارجية الأميركي الأشهر هنري كيسنجر مع قادة العالم وكبار دبلوماسييه في فترة الحرب، وكذلك محاضر جلسات الأمن القومي الأميركي آنذاك.

فشل أم فرط ثقة؟

سببت الصدمة الإسرائيلية التي خلقتها المفاجأة العربية في الحرب ارتباكاً كبيراً على جبهات عدة خارج جبهة قناة السويس، إلى حد انشغال كيسنجر يوم 23 أكتوبر، وبينما المعارك لم يخمد دخانها بعد، بالتأكد بشأن ما إذا ما كانت واشنطن تلقت تحذيراً عبر أي من أجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة بشأن الحرب وتجاهلته أو لم تنتبه إليه.

وفقاً للوثيقة السرية التي تحمل رقم 63، وتلّخص محضر اجتماعات الخارجية الأميركية في 23 أكتوبر 1973، فإن «هنري كيسنجر راجع بنفسه جميع المعلومات الاستخباراتية التي سبقت الحرب مباشرة، وكانت تؤكد في مجملها أنه لا يوجد ما يدل على احتمال نشوب حرب». ويتضح من الوثيقة ذاتها أن استراتيجية كيسنجر المستمدة من خصوصية العلاقة الأميركية - الإسرائيلية كانت تلخصها عبارة يكررها شخصياً في اجتماعاته بموظفيه، ألا وهي: «لن نسمح أبداً بهزيمة إسرائيل... لكننا في الوقت ذاته لن نترك سياستنا (الخارجية) رهينة في أيدي الإسرائيليين».

رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير تقف مع الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر خارج البيت الأبيض نوفمبر 1973

ويُرجع مدير قسم الاستخبارات في الخارجية الأميركية «راي كلاين» الفشل المخابراتي الأميركي في التنبؤ بالحرب قبل وقوعها بزمن كاف (ومن ثم منعها) إلى «اعتمادنا على الإسرائيليين الذين غسلوا أدمغتنا مثلما غسلوا أدمغتهم وعاشوا في وهم». فبدايةً من سبتمبر (أيلول) 1973 بدأت تتجمع «خيوط إنذار» باعتزام مصر وسوريا القيام بعمل عسكري مشترك في المدى القريب، بل إن العاهل الأردني الملك حسين حذر رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير - في نهاية سبتمبر - بأن القوات السورية اتخذت وضعاً قتالياً».

ساعات قبل المعركة

وتشير مذكرة مؤرخة بصباح السبت الموافق 6 أكتوبر تشرين الأول 1973، وأصدرها ويليام كوانت، عضو مجلس الأمن القومي الأميركي، آنذاك، إلى مديره برنت سكوكروف، إلى أن أعضاء مجموعة عمل واشنطن في غرفة الطوارئ بالبيت الأبيض «في غياب هنري كيسنجر». وتعكس المذكرة مدى الاضطراب الذي ساد أجواء ذلك الاجتماع وما دار من «سجالات بين المجتمعين حول جدية مؤشرات احتمال شن هجوم عسكري مصري سوري ضد إسرائيل، ومغزى القرار السوفياتي بإجلاء عائلات الخبراء من القاهرة ودمشق في ذلك التوقيت بالذات»... وهو ما فسره أحد الحضور من ممثلي الاستخبارات المركزية بأنه «قد لا يعني بالضرورة احتمال حرب وشيكة، وإنما قد يدل على تردٍّ في العلاقات العربية السوفياتية»! ويتضح من الوثيقة أنه كان «ثمة إجماع استخباراتي على أن الدول العربية غير مستعدة لخوض حرب مع إسرائيل طالما ظل ميزان القوة العسكرية غير متكافئ». كما يظهر جلياً في سياق الوثيقة «الاعتقاد بأن التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي هو (الحائل الأساسي) دون اندلاع حرب في المنطقة».

رسالة سوفياتية

دخل الاتحاد السوفياتي على خط التفكير في واشنطن، عبر رسالة إلى الرئيس الأميركي نيكسون ووزير خارجيته كيسنجر (بتاريخ السبت الموافق 6 أكتوبر 1973 الساعة الثانية بعد الظهر بتوقيت واشنطن)، وجاء فيها أن «رئيس الاتحاد السوفياتي ليونيد بريجينيف كان (متفاجئاً) مثل الأميركيين بقرار الحرب المصري السوري.

بل إن القائد السوفياتي - وفق الإفادة الأميركية - اعتبر أن الإقدام عليها «خطأ كبير في الحسابات، وخطأ سياسي فظيع». وكان واضحاً أيضاً أن السوفيات «يتوقعون هزيمة مدوية للجيوش العربية»، مثلما يتضح أن «بريجينيف كان حريصاً كل الحرص على بقاء الدور السوفياتي فاعلاً في الشرق الأوسط، وعلى تجنب وقوع كارثة عسكرية أو سياسية للحليفتين مصر وسوريا».

تقييم أولي

بحسابات فرق التوقيت، وبينما كانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد الظهر بتوقيت واشنطن، كان مجلس الأمن القومي يجتمع مع غرفة عمل الطوارئ بشأن التطورات في الشرق الأوسط، وتسرد مذكرة الاجتماع تقييماً أولياً بشأن ما جرى قبل ساعات وفق النص التالي:

«بينما كان الإسرائيليون يحتفلون بيوم كيبور (عيد الغفران اليهودي)، شن المصريون والسوريون هجوماً عسكرياً بقوات قوامها 100 ألف جندي مصري و1000 دبابة أحاطت بالقوات الإسرائيلية شرق قناة السويس، بالتزامن مع هجوم شنته قوات سورية قوامها 35 ألف جندي و800 دبابة على المواقع الإسرائيلية في هضبة الجولان».

القوات الإسرائيلية في أحد المواقع على مرتفعات الجولان السورية عام 1973 (أ.ف.ب)

وفي الاجتماع ناقش الحضور عدداً من الخيارات المتعلقة بالتعامل مع «المخاطر المترتبة على وقف تصدير النفط العربي، والتحركات السوفياتية المحتملة، وعواقب هزيمة ثقيلة «أخرى للعرب».

كان اقتراح مستشاري هنري كيسنجر فيما يتعلق بالشأن السوفياتي «استغلال فرصة الحرب لتقليص النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط، بشرط ألا يكون ذلك مترتباً على هزيمة عسكرية كبيرة للجيوش العربية (التي تستعمل السلاح الروسي)؛ لأن ذلك يُضعف الأنظمة العربية (المعتدلة) في المنطقة، بما قد يهدد المصالح الأميركية في المدى الأبعد». وتشير المذكرة إلى مناقشة المجتمعين «فوائد العمل على أن يحفظ العرب بعضاً من (ماء الوجه) بدلاً من الغرق في آثار هزيمة ثقيلة».

كيسنجر وإيبان

توثق مذكرة أميركية أخرى، مكالمة أجريت في التاسعة صباحاً بتوقيت واشنطن، بين وزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبان وكيسنجر، وتعهد خلالها الأخير «بألا تتوجه واشنطن فوراً إلى مجلس الأمن الدولي»، وهو ما كان يريد الإسرائيليون سماعه؛ لأنه «يمنحهم فرصة الرد على الهجوم العربي واستعادة ما فقدوه من مواقع».

وفي محادثة أخرى، بين أبا إيبان ولورنس إيغلبرغر، مساعد كيسنجر، كان من الواضح حرص الوزير الإسرائيلي على «تأجيل أي إجراء أممي أو اقتراح بوقف إطلاق النار من مجلس الأمن إلى يوم الاثنين (8 أكتوبر)، بحيث تتمكن إسرائيل من استعادة الوضع إلى ما كان عليه في سيناء والجولان».

وفي أثناء ذلك، كان من الواضح (للأميركيين) «أن السوفيات يرحبون بخطوة وقف إطلاق النار، وكذلك الرئيس السوري حافظ الأسد؛ لأن ذلك كان معناه إبقاء الوضع على ما هو عليه واستعادة الجولان فعلياً، أما السادات فلم يَبدُ متحمساُ لوقف القتال قبل أن تتمكن القوات المصرية من تثبيت مواقع أفضل لها في عمق سيناء».

مع الصينيين

بحلول التاسعة مساء في واشنطن، كان كيسنجر يجري محادثة مع السفير الصيني في واشنطن هوانغ جن، وتنقل وثيقة نص ما دار في المحادثة المصنفة بـ«السرية»؛ إذ قال كيسنجر للدبلوماسي الصيني إن «الهدف الاستراتيجي لواشنطن في هذه المرحلة هو منع السوفيات من الحصول على موقع القيادة في الشرق الأوسط».

ويتضح من ثنايا المكالمة التي استمرت نحو عشرين دقيقة، أن كيسنجر «كان واثقاً من قدرة إسرائيل العسكرية على تحويل الهجوم المصري السوري المباغت إلى هزيمة عسكرية في غضون أيام».

يقول ساخراً: «من يعتمد على الدعم السوفياتي لا يمكنه تحقيق مبتغاه». وفي المكالمة ذاتها، كرر كيسنجر أنه «يرفض أن يتحقق ما يطمح إليه العرب بتحقيق مكاسب على الأرض ثم اللجوء لقرار أممي بوقف إطلاق النار يضمن احتفاظهم بما استعادوه».

ويوضح الوزير الأميركي مقصده بالقول: «إن عليهم القبول باتفاق وقف إطلاق نار يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل بدء الحرب - أي إلى حدود 1967». ويتضح من نص المحادثة كما ورد في الوثيقة أن «الصينيين كانوا متعاطفين مع القضية العربية».

وهو ربما ما دفع كيسنجر لمحاولة طمأنة السفير الصيني، قائلاً: «سيكون علينا أن نفصل موقفنا عن الموقف الإسرائيلي إلى حد ما، لكن ذلك سيكون ممكناً فقط إذا استطاعت واشنطن أن تقدم ضمانات أمنية لحدود جديدة بعد التسوية».

اليوم الثاني

رغم مرور نصف قرن على الحرب، فإن الصفحة الأولى من وثيقة بشأن مكالمة بين كيسنجر والسفير الإسرائيلي شيمشا دينيتز جرت في اليوم الثاني للحرب بتاريخ الأحد 7 أكتوبر الساعة الثامنة والثلث مساءً لا يزال غير مسموح بنشرها، باستثناء «شخبطات» عن شحنة سلاح أميركية من صواريخ جو جو من طراز Sidewinder ومنصات قنابل.

لكن الوثيقة لاحقاً تتضمن تفاصيل مثيرة عن اللحظات الأولى من حرب أكتوبر، كسجالات الحكومة الإسرائيلية الحامية حول الحاجة لضربات استباقية (ضد مصر وسوريا) في مقابل تحذير كيسنجر الصريح بأنه «مهما حدث فلا تكونوا أنتم البادئين بالهجوم»، وهو ما كان له تأثير غير قليل على تفكير رئيسة الوزراء غولدا مائير. وبُعيد اندلاع الحرب، بادر الإسرائيليون بطلب «مساعدات عسكرية أميركية عاجلة... في مقدمتها صواريخ جو جو سايدوندر وطائرات وذخيرة وقطع غيار مقاتلات». ولم يكن كيسنجر متأكداً من إمكانية تزويد إسرائيل بطائرات حربية في أثناء القتال، لكنه رأى أن «من الممكن جداً إرسال الصواريخ المطلوبة وكذلك الذخيرة».

يوم بائس

اجتماع مركز العمليات بوزارة الخارجية الأميركية حول الشرق الأوسط (7 أكتوبر 1973 الساعة 11 مساء بتوقيت واشنطن)

يقول إن «القوات العربية حققت مكاسب كبيرة في اليوم الأول من المعركة؛ إذ اخترق السوريون مرتفعات الجولان (المحتلة)، بينما توغل المصريون في سيناء شرق قناة السويس بعد عبورها. ونظراً لأهمية الجولان الاستراتيجية بالنسبة لإسرائيل كونها قريبة من التجمعات السكنية في المدن الإسرائيلية، فقد وجه الإسرائيليون قواتهم نحو الهضبة أولاً. وجاء في خلاصة التقرير الذي رفعته وحدة العمل الخاصة بالشرق الأوسط في الخارجية الأميركية إلى المجتمعين في نهاية اليوم الثاني من الحرب، أن «الوضع يبدو مزرياً على ساحة القتال... خسائر كبيرة تكبدها الطرفان... لكنه يوم شديد البؤس بالنسبة للجيش الإسرائيلي».

وزير الخارجية الأميركي ووزير الدفاع الإسرائيلي في تل أبيب عام 1974 (أ.ف.ب)

نقطة مفصلية

يمكن اعتبار يومي التاسع والعاشر من أكتوبر 1973 نقطة زمنية «مفصلية» في سير المعارك، قبل أن تلقي الولايات المتحدة بثقلها في دعم إسرائيل عسكرياً في الميدان، وسياسياً في قاعات الأمم المتحدة وأروقة العواصم العالمية المؤثرة؛ إذ فاجأ الجيشان المصري والسوري الجميع بهزيمة منكرة للدبابات الإسرائيلية التي حاولت استعادة زمام الأمور في سيناء والجولان، فمنيت بخسارة «أذهلت وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر وأربكت حسابات واشنطن».

وفي الصباح الباكر من يوم الثلاثاء 9 أكتوبر، تلقى وزير الخارجية الأميركي اتصالاً من السفير الإسرائيلي بواشنطن دينيتز مفاده أن «القوات الإسرائيلية في وضع (أصعب) بعد فشل هجوم معاكس شنته في اليوم السابق (أي 8 أكتوبر) خلّف خسائر ثقيلة في صفوفها».

وفي الثامنة والثلث من صباح اليوم ذاته، اجتمع كيسنجر ودينيتز لمزيد من التباحث. واعترف دينيتز بأن جيش بلاده خسر أكثر من 400 دبابة للمصريين، ونحو 100 دبابة على الجبهة السورية، موضحاً أن المدرعات المصرية وصواريخ أرض جو كانت فعالة في حسم المعارك الجوية والبرية، ومن ثم فقد قررت الحكومة الإسرائيلية «الاستعانة بجميع ما يملك الجيش من معدات وطائرات في الحرب».

وتقول الوثيقة السرية: «وقع كلام السفير الإسرائيلي على كيسنجر وقع (الصدمة)، وهو الذي كان يعتقد منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب بأن إسرائيل لن تحتاج لكثير من الدعم الأميركي (العسكري) لكي تستعيد ما فقدته من أراضٍ في الأيام الأولى».

احتد الوزير الأميركي (اليهودي) سائلاً الدبلوماسي الإسرائيلي بغضب: «اشرح لي كيف يمكن للمصريين أن يحصدوا أربعمائة من دبابتكم في معركة؟».

كان كيسنجر يدرك أن إرسال مساعدات عسكرية أميركية كبيرة لإسرائيل في هذا التوقيت قد يحمل عواقب كارثية لواشنطن على الصعيد الدبلوماسي، وتشير الوثيقة إلى أن كيسنجر ودينيتز اجتمعا نحو الساعة الثامنة والثلث صباحاً، خلف أبواب مغلقة، «ومن دون تسجيل محضر للاجتماع»؛ لمناقشة «طلب غولدا مائير مقابلة الرئيس نيكسون سراً، والحصول على معونة عسكرية عاجلة». ورفض كيسنجر الطلب «خشية أن ينتج عن ذلك زيادة لنفوذ موسكو في العالم العربي».

تلميح بالنووي

وفي منعطف لافت، تنقل الوثيقة أيضاً أنه وفي خضم «الشعور باليأس من جانب إسرائيل لمّح سفيرها باحتمال اللجوء للتهديد باستعمال السلاح النووي بوصفه نوعاً من الابتزاز».

وبينما رفضت رئيسة الحكومة الإسرائيلية اقتراح العسكريين باستخدام القوة النوويةـ فقد أمرت «بتسليح وتجهيز صواريخ أريحا (أو جيريكو كما ينطقها الغربيون وهي المنظومة الأساسية التي تعتمد عليها إسرائيل باعتبارها سلاحا نوويا) للاستخدام عند الضرورة... أو على الأقل للضغط على واشنطن».

ووفقاً للوثيقة، فإن «كيسنجر لم يتحدث علناً في أي مرة عن السلاح النووي الإسرائيلي، كما أنه لا يوجد في أي من السجلات الأميركية التي أزيح عنها طابع السرية ما يشير إلى الوضعية النووية الإسرائيلية أثناء حرب 1973». وفي وقت لاحق، وفي ضوء تقييم الموقف العسكري الإسرائيلي، أوصت مجموعة عمل غرفة الطوارئ (الأميركية) بأن «تزوّد واشنطن تل أبيب بالسلاح ما دام ذلك بعيداً عن الأضواء». وفي اجتماع مسائي في اليوم ذاته، أبلغ كيسنجر السفير الإسرائيلي بأن «الرئيس نيكسون وافق على شحن قائمة الاحتياجات (الاستهلاكية) التي طلبتها إسرائيل كلها (باستثناء قنابل الليزر)... وفوق هذا وذاك، سيتم تزويد إسرائيل (عند الضرورة) بدبابات وطائرات تعوض ما فقدته في المعارك». ولضمان سرية العملية، «ستُمحى أي علامات أميركية (مثل El Al) من طلاء الشحنات المتوجهة لإسرائيل. كما سيتم عمل الترتيبات (الإجرائية) اللازمة للسماح باستخدام طائرات تجارية (مدنية) في حمل معدات عسكرية». وفي أثناء الاجتماع المسائي، زف دينيتز للوزير الأميركي أنباء وصلته للتو عن «تقدم إسرائيلي كبير في ساحة الجولان وتدمير عدد ضخم من الدبابات السورية».

تهديد بالنفط

ويقول تقرير اشترك في وضعه فريق من الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي: «فيما كانت الجيوش الإسرائيلية والعربية تعيد تموقعها على الأرض، انخرط سلاحا الطيران الإسرائيلي والسوري في معركة جوية شرسة، وقصفت القاذفات الإسرائيلية مطار دمشق الدولي. وفي تلك الأثناء، التقطت المخابرات اليونانية والإسرائيلية والأميركية إشارات تفيد بأن (الاتحاد السوفياتي) يرسل شحنات عن طريق الجو إلى حلفائه العرب، وصفها الإسرائيليون بأنها (شحنات صواريخ). ويبدو أن السوفيات اتخذوا قرار إرسال المساعدات (العسكرية) للعرب في الأيام الأولى من الحرب، (اعتقاداً منهم أن ذلك سيزيد من نفوذ موسكو لدى الدول العربية»... لكنها خطوة ذات أبعاد وتأثيرات مهمة على سير الحرب: ليس فقط بتشجيع سوريا ومصر على المضي في القتال، وإنما بجعل واشنطن تعدّ الأمر تحدياً لقوتها».

ثم يشير التقرير إلى ما نشرته «صحف أميركية» عن «طائرة بوينغ 707 إسرائيلية في مطار بقاعدة نورفوك بولاية فيرجينيا تقوم بتحميل صواريخ وقنابل». وأخيراً يسلط التقرير الضوء على دلالة «تصريحات لوزير الطاقة السعودي أحمد زكي يماني يهدد فيها بأن الرد على المعونات العسكرية الأميركية لإسرائيل سيكون بخفض إنتاج النفط».


مقالات ذات صلة

المديونية المصرية «ثقيلة» في 2026... لكن السداد «ممكن»

شمال افريقيا البنك المركزي المصري (رويترز)

المديونية المصرية «ثقيلة» في 2026... لكن السداد «ممكن»

تحدثت بيانات للبنك الدولي، الأحد، عن الالتزامات الخارجية على مصر والمتمثلة في سداد أقساط القروض وفوائدها وتبلغ نحو 38.65 مليار دولار خلال فترة تمتد لتسعة أشهر

محمد محمود (القاهرة )
العالم العربي رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات في مصر، خصوصاً الفارهة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصطفى مدبولي خلال زيارة «ميناء العريش» الأحد (مجلس الوزراء المصري)

خطة استراتيجية مصرية لتنمية متكاملة بشمال سيناء

قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن رؤية الدولة في تنمية شمال سيناء تتركز على أن تكون هذه المنطقة مقصداً للاستثمار، ومركزاً عمرانياً وصناعياً وزراعياً وسياحياً.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

لا يزال جدل «التداعيات الاقتصادية» للحرب الإيرانية على مصر، مستمراً في مصر، رغم مؤشرات التهدئة في المنطقة أخيراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من اجتماع سابق داخل حزب «الوفد» المصري (حزب الوفد)

خلاف بين أحزاب مصرية على أسبقية تعديلات «قوانين الأسرة»

منذ أن وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة بإدخال تعديلات على القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية، نشطت أحزاب للتعبير عن رؤيتها بشأن هوية القوانين الجديدة

عصام فضل (القاهرة)

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (مهر)
المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (مهر)
TT

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (مهر)
المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (مهر)

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً في القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذا التصدع بات مبشراً بانهيار جزئي على الأقل للنظام في طهران.

وقالت «أمان» إن غياب المرشد علي خامنئي، ترك فراغاً هائلاً ولم يعد هناك من يتمتع مثله بسطوة القائد الذي يُجمَع حوله الباقون وتكون له الكلمة الأخيرة. فابنه مجتبى، الذي انتخب للمنصب بعد وفاة والده، لا يتمتع بشخصية كارزماتية مثل والده، ويُنظر إليه بوصفه شخصية ناقصة دينياً وسياسياً، فضلاً عن كونه جريحاً، ويُعتقد أنه لا يقوى على الحسم.

لذلك فإن وراثة خامنئي الأب ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن الشارع الإيراني يذكر القيادة الحالية بأن أحد عيوب نظام الشاه في الحكم أنه كان عائلياً يرث فيه الابن أباه. والآن يتصرف النظام الحالي بالطريقة نفسها التي هاجمها في الماضي.

قادة إيران الجدد

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

ونشر تقرير «أمان»، الذي ظهر في موقع «واللا» يوم الأحد، قائمة القادة الحاليين في إيران «الذين بقوا في الحكم بعد أن تمت تصفية 55 شخصية قيادية أساسية في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران». وتضم قائمة القادة الحاليين، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي، حسين طائب الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو مستشار كبير لدى مجتبى خامنئي وأمين سره، ويُعرف عنه أنه يقود الاتجاه المتطرف، وقد سُمع وهو يقول إن الاتفاق مع الغرب والتنازل له خيانة تُشكل تهديداً وجودياً للنظام.

وتضم القائمة أيضاً محمد عبد اللهي رئيس مكتب المرشد العام وهو حامل مفاتيح باب الوصول إلى خامنئي، ويعد مدير التوازنات الحساسة بين التيارات المتصارعة على القيادة. كذلك أحمد وحيدي القائد العام لـ«الحرس الثوري»، وكان وزيراً للداخلية والدفاع، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس»، وهو متطرف جداً في مواقفه، ويمثل التيار الأمني والتنفيذي لـ«الحرس الثوري»، ويتمسك بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان ومن كبار المفاوضين مع الولايات المتحدة. يعد محافظاً ولكنه مهتم بتحسين الاقتصاد، ويسعى إلى منع الانهيار الداخلي السياسي والاجتماعي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية جديدة ضد النظام، ومع ذلك يحرص على قناة تواصل مع التيار الراديكالي.

وفي مجموعة الإصلاحيين: الرئيس مسعود بزشكيان، وهو الذي يحاول قيادة الخط الأكثر اعتدالاً لغرض إزالة العقوبات الاقتصادية عن إيران، لكنه محدود التأثير بسبب القيود التي يفرضها عليه «الحرس الثوري». كما أنه يتعرض لحملة تحريض تتهمه بـ«خيانة قيم الثورة».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الذي كان مفاوضاً في الاتفاق النووي الأول سنة 2015، مع دول الغرب. ويقول ضابط كبير في «أمان» إن عراقجي دبلوماسي لديه خبرة ويبحث عن صيغ للتنازلات بطريقة لا تظهر إيران مستسلمة للإرادة الأميركية.

كما يقول تقرير «أمان» إنه بالإضافة إلى هؤلاء، توجد مجموعة اسمها «الممسكون بالخيوط»، وأبرز هؤلاء: علي إفتخاري وهو شخصية مؤثرة في المخابرات وبين صفوف النخبة الدينية التي انتخبت مجتبى مرشداً، تعد هذه المجموعة العقيدة الدينية للثورة ركناً أساسياً للنظام.

علي رائدين، هو رجل أمن رفيع ذو علاقات وطيدة بدوائر اتخاذ القرارات الحساسة، ويصفه جنرال إسرائيلي بأنه «أقوى خلية في السلسلة»، ومكلف بحماية النظام وثباته في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وقد كُلف بإعادة بناء قوة «الباسيج» بعدما تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل.

حلقة الضعف

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

ويقول جنرال إسرائيلي في «أمان» إن حلقة الضعف في هذه القيادة أنه لا يوجد شخص يملك الكلمة الفصل، لذلك فإن كل قرار يصدر حالياً تنشأ له فوراً معارضة وشكوك، بحيث بدأت الثقة تتزعزع لدى الكثيرين بأنفسهم، وكذلك في بعضهم بعضاً. كما يسود التوتر بين هذه القيادات حتى في ظل وقف النار.

ويضيف أن وقائع الحرب والاغتيالات، وغياب علي خامنئي، والدمار وفقدان التواصل، كلها عوامل أدت إلى تصدع حقيقي داخل سلطة الحكم الإيرانية، وعقّدت قدرتها على اتخاذ القرارات.

ومع وجود قادة جدد في مواقع المسؤولية نشأت فوضى، وتعمقت أزمة الحكم والسلطة. ويُلاحظ أنه يوجد لدى المفاوضين الإيرانيين قدر محدود من المعرفة بما يمكن أن تقدمه حكومتهم من تنازلات أو حتى بمن يتعين عليهم سؤاله على وجه الدقة. وفضلاً عن ذلك، فإن المتشددين داخل «الحرس الثوري» باتوا أكثر نفوذاً ويمارسون سلطة أكبر من القيادة الدينية التي تتولى الحكم اسمياً.

ولا تستبعد «أمان» أن التيار المتشدد يخرب على أولئك الذين يتوصلون إلى اتفاقيات وتفاهمات مع واشنطن.

تقويض النظام

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

من جهة أخرى، قال موقع «واللا» الإسرائيلي إنه خلال عملية «زئير الأسد» تم استهداف مئات الأهداف التابعة لقوات «الباسيج»، وتم اغتيال مسؤولين كبار. ومع ذلك، يوضح الجيش الإسرائيلي أنه لم تُصدر أي تعليمات لإسقاط النظام، وأن الضربات الجوية وحدها ليست كافية لتحقيق ذلك.

في الوقت نفسه، كُشف أن المستوى السياسي منع استهداف بنى تحتية وطنية، وأنه رغم الأضرار، لم يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع. وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن الهدف من العملية كان زعزعة استقرار النظام الإيراني وإضعاف قبضته، من خلال ضرب أذرعه الأمنية الداخلية، وعلى رأسها قوات «الباسيج»، التي تُعد أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وقد شملت الهجمات مئات المواقع المرتبطة بهذه القوات، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية بارزة. وعُد ذلك جزءاً من محاولة إحداث تأثير داخلي في إيران، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية تقليدية.

مع ذلك، شدّد مسؤولون في الجيش الإسرائيلي على أن إسقاط النظام لم يكن هدفاً رسمياً للعملية، وأن مثل هذا الهدف يتطلب أدوات أوسع بكثير من مجرد الضربات الجوية، بما في ذلك تحركات سياسية وشعبية داخلية.

كما تبين أن القيادة السياسية فرضت قيوداً على نطاق الهجمات، إذ منعت استهداف بنى تحتية وطنية حيوية داخل إيران، وهو ما حدّ من مستوى التصعيد، ومن حجم الضرر الممكن إحداثه.

ورغم الضربات التي وُجهت، تشير التقديرات إلى أن الشارع الإيراني لم يشهد تحركاً واسعاً أو احتجاجات كبيرة نتيجة هذه الهجمات، وهو ما عُد عاملاً مهماً في عدم تحقيق تأثير استراتيجي أعمق على استقرار النظام.

في المحصلة، ترى التقييمات أن الضربات الجوية، حتى وإن كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، خصوصاً في ظل غياب تحرك داخلي من قبل الإيرانيين أنفسهم.


أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

قال دبلوماسيون مطلعون على الملف الإيراني إن حلفاء واشنطن في أوروبا يخشون أن يدفع فريق التفاوض الأميركي، الذي يرونه محدود الخبرة في هذا المسار، نحو اتفاق إطار سريع مع طهران، قد يحقق مكسباً سياسياً آنياً، لكنه يرسّخ مشكلات معقدة بدلاً من حلها.

وأعرب هؤلاء عن قلقهم من أن تسعى واشنطن، في إطار سعيها لتحقيق إنجاز دبلوماسي للرئيس دونالد ترمب، إلى إبرام اتفاق سريع بشأن البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات، من دون معالجة جميع القضايا الرئيسية، ما قد يفتح الباب لاحقاً أمام مفاوضات تقنية طويلة ومعقدة تستمر لأشهر حتى لسنوات.

وقال دبلوماسي أوروبي كبير، وهو أحد 8 دبلوماسيين تحدثوا إلى «رويترز» ممن عملوا سابقاً أو حالياً على الملف النووي الإيراني: «القلق ليس من عدم التوصل إلى اتفاق، بل من التوصل إلى اتفاق مبدئي سيئ قد يجلب مشكلات لا حصر لها في المستقبل».

وفي رد على استفسارات بشأن أسلوب التفاوض والفريق الأميركي والأهداف والمخاطر المحتملة لاتفاق سريع، رفض البيت الأبيض هذه الانتقادات. وقالت المتحدثة آنا كيلي إن «الرئيس ترمب يمتلك سجلاً حافلاً في إبرام اتفاقات جيدة لصالح الولايات المتحدة والشعب الأميركي، ولن يقبل سوى باتفاق يضع أميركا أولاً».

ويتكوف يترجل من سيارة قبل مشاركته في محادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جنيف فبراير الماضي (أ.ف.ب)

تهميش أوروبي

وقال دبلوماسيون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا — وهي الدول التي بدأت التفاوض مع إيران عام 2003 — إن دورهم تراجع في المرحلة الحالية. وكانت هذه الدول قد شاركت، إلى جانب الولايات المتحدة، في التوصل إلى الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، الذي نص على تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات.

لكن ترمب انسحب من الاتفاق عام 2018 خلال ولايته الأولى، واصفاً إياه بأنه «أحادي الجانب بشكل رهيب».

وبعد حملة عسكرية استمرت 40 يوماً، استأنف المفاوضون الأميركيون والإيرانيون محادثات في إسلام آباد في وقت سابق من هذا الشهر، ركزت مرة أخرى على المقايضة المعهودة: قيود نووية مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية. وتظهر مؤشرات في العاصمة الباكستانية استعدادات لاستئناف المحادثات المباشرة.

ويرى دبلوماسيون أن انعدام الثقة العميق بين الطرفين، إلى جانب التباين الحاد في أساليب التفاوض، يزيد من خطر التوصل إلى إطار هش قد يصعب الحفاظ عليه سياسياً.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي السابقة فيديريكا موغريني خلال مؤتمر في مدينة مكسيكو بالمكسيك 11 سبتمبر 2019 (رويترز)

وقالت المسؤولة السابقة للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغريني، التي نسقت المحادثات بين عامي 2013 و2015: «استغرق الأمر منا 12 عاماً وعملاً تقنياً هائلاً. هل يعتقد أحد فعلاً أن هذا يمكن تحقيقه في 21 ساعة؟».

اتفاق سياسي بلا تفاصيل

وأشار دبلوماسيون إلى أن التوصل إلى اتفاق إطار قد يكون ممكناً، يقوم على حزمتين: نووية واقتصادية. إلا أنهم حذروا من أن الملف النووي يظل الأكثر إثارة للخلاف.

وقال دبلوماسي أوروبي: «يعتقد الأميركيون أنهم يستطيعون الاتفاق على 3 أو 4 نقاط في وثيقة من 5 صفحات، لكن في الملف النووي كل بند يفتح الباب أمام عشرات الخلافات الأخرى».

وتتركز المحادثات على مخزون إيران البالغ نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو مستوى قريب من الاستخدام العسكري في حال رفع نسبة التخصيب.

ويُطرح خيار «تخفيف التركيز» داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية كأحد الحلول المفضلة، إلى جانب خيار هجين يقضي بنقل جزء من المخزون إلى الخارج. وجرى طرح تركيا وفرنسا كوجهتين محتملتين، في حين يرى دبلوماسيون أن نقل المواد إلى الولايات المتحدة سيكون صعب القبول سياسياً بالنسبة لطهران، كما أن واشنطن لا تفضل إرسالها إلى روسيا.

لكن هذه الخيارات، بحسب الدبلوماسيين، ستتطلب مفاوضات تقنية معقدة تشمل التحقق من الكميات، واستعادة المواد التي قد تكون دُفنت بفعل الضربات الجوية، وضمان نقلها بشكل آمن. كما طرحت إيران فكرة تخزين المواد في الخارج لفترة زمنية محددة.

وقال دبلوماسي غربي شارك سابقاً في المفاوضات: «ما يحدث الآن هو مجرد نقطة انطلاق. لهذا السبب بلغ حجم اتفاق 2015 نحو 160 صفحة».

وإلى جانب المخزون، يتمثل الخلاف الأعمق في حق إيران في تخصيب اليورانيوم. فقد دعا ترمب إلى وقف كامل للتخصيب، بينما تؤكد طهران حقها في التخصيب لأغراض مدنية وتنفي سعيها لامتلاك سلاح نووي.

ويُطرح حل وسط محتمل يقوم على وقف مؤقت للتخصيب، يعقبه استئناف عند مستويات منخفضة جداً ضمن شروط صارمة.

وشدد الأوروبيون على ضرورة الحفاظ على الدور المركزي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يشمل عمليات تحقق دقيقة وإمكانية وصول غير مقيدة.

وقال جيرار آرو، كبير المفاوضين الفرنسيين بين 2006 و2009: «المفاوضات مع إيران شديدة التعقيد والدقة، وكل كلمة فيها مهمة. هذا ليس ملفاً يمكن التعامل معه بسرعة».

مسار العقوبات

في المسار الاقتصادي، تتركز المحادثات على رفع العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة.

وتسعى طهران على المدى القريب إلى الوصول إلى جزء من أموالها المجمدة في الخارج، بينما يتوقع دبلوماسيون أن يتطلب رفع أوسع للعقوبات مشاركة أوروبية، نظراً لأهمية التجارة مع أوروبا بالنسبة لإيران على المدى الطويل.

ويرى مسؤولون أن واشنطن تفصل مجدداً بين الاتفاق من حيث المبدأ والعمل اللاحق على التفاصيل، وهو نهج يعتبرونه غير منسجم مع طبيعة النظام السياسي الإيراني.

وقال دبلوماسي إقليمي مطلع على الموقف الإيراني: «هذه المحادثات ليست صفقة عقارية تُبرم بالمصافحة»، في إشارة لخلفيات مفاوضي ترمب الرئيسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مضيفاً أن العملية تتطلب تدرجاً في رفع العقوبات مقابل خطوات نووية مقابلة.

وأشار دبلوماسيون إلى أن الحرب الأخيرة عززت موقف طهران، التي ترى أنها قادرة على تحمل الضغوط، حتى في ظل سعيها لتخفيف القيود الاقتصادية.

ويتمثل المطلب الرئيسي لإيران في الحصول على ضمانات بعدم تعرضها لهجمات جديدة، بعد أن شهدت ضربات أميركية وإسرائيلية خلال فترات تفاوض سابقة.

ترمب يَعرض مذكرة وقّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية _ أ.ب)

ضغوط إقليمية

في الوقت ذاته، تواجه واشنطن ضغوطاً من حلفائها، إذ هي مطالبة إقليمياً بإدراج ملفات الصواريخ الباليستية الإيرانية ونشاط الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران ضمن أي اتفاق، وتضغط إسرائيل باتجاه فرض أقصى قيود ممكنة على إيران.

على خلاف ذلك، ترى طهران أن قدراتها الصاروخية تمثل رادعاً أساسياً، خاصة بعد تراجع قدراتها التقليدية نتيجة الحرب.

ويرى دبلوماسيون أن المطالبة بتفكيك هذه القدرات بشكل كامل تبدو غير واقعية من دون تقديم ضمانات أمنية أوسع.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الخطوط الحمراء لواشنطن تشمل وقف تخصيب اليورانيوم، وتفكيك منشآت التخصيب الكبرى، والحصول على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب اتفاق أوسع للتهدئة يشمل أطرافاً إقليمية.

خبرة تفاوضية محدودة

وأقر مسؤولون أوروبيون بأنهم ساهموا جزئياً في تهميش دورهم، من خلال دعم إعادة فرض عقوبات أممية على طهران العام الماضي، وإدراج «الحرس الثوري» ضمن قوائم الإرهاب. لكنهم أشاروا إلى أن إيران تقدر في المقابل بقاءهم خارج دائرة المواجهة العسكرية.

وقال مسؤول أوروبي: «ببساطة، لا توجد خبرة كافية داخل هذا الفريق الأميركي. لقد عملنا على هذا الملف لعقدين»، مشيراً إلى أن نحو 200 دبلوماسي وخبير نووي ومالي شاركوا في مفاوضات اتفاق 2015.

في المقابل، أكد مسؤول في البيت الأبيض أن ممثلين عن مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع شاركوا في محادثات إسلام آباد، ولا يزالون منخرطين في الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.


ترمب يعلن جولة تفاوض ثانية ويتهم إيران بـ«خرق» الهدنة

جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم)
جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم)
TT

ترمب يعلن جولة تفاوض ثانية ويتهم إيران بـ«خرق» الهدنة

جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم)
جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تمضي في جولة جديدة من المفاوضات مع إيران، معلناً أن مبعوثيه سيتوجهان إلى إسلام آباد، مساء الاثنين، لاستئناف المحادثات بشأن اتفاق ينهي الحرب، في وقت صعّد فيه لهجته باتهام طهران بخرق وقف إطلاق النار في مضيق هرمز، مجدداً تهديده باستهداف البنية التحتية الإيرانية إذا فشلت الجهود الدبلوماسية.

وفي المقابل، قدّم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف رواية مفصلة لمسار التفاوض، قال فيها إن المحادثات أحرزت تقدماً، لكنها لا تزال بعيدة عن اتفاق نهائي، مع بقاء خلافات أساسية حول الملف النووي، ومضيق هرمز، وترتيبات وقف النار في الساحات المرتبطة بالحرب.

وقال ترمب إن ممثلين عنه سيتوجهون إلى إسلام آباد لإجراء «مزيد من المفاوضات» بشأن اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران، مضيفاً أن الولايات المتحدة تعرض على طهران «اتفاقاً معقولاً».

ترمب يترجل من مروحية «مارين ون» في الحديقة الجنوبية عند وصوله إلى البيت الأبيض الجمعة (أ.ب)

وكتب على مواقع للتواصل الاجتماعي: «نطرح اتفاقاً عادلاً ومعقولاً للغاية، وآمل أن يقبلوه لأنهم إذا لم يفعلوا فستدمر الولايات المتحدة كل محطة كهرباء وكل جسر في إيران». وهدد قائلاً: «لن أتعامل بلطف بعد الآن».

كما قال إن ستيف ويتكوف، مبعوثه الخاص، وجاريد كوشنر، صهره والمشارك في ملفات الشرق الأوسط خلال ولايته الأولى، سيتوجهان إلى باكستان هذا الأسبوع، فيما أشار إلى أن نائب الرئيس جي دي فانس، الذي شارك في الجولة السابقة من المحادثات، لن يكون ضمن الوفد في هذه المرحلة.

وإلى جانب إعلان استئناف التفاوض، صعّد ترمب اتهاماته لإيران، قائلاً إنها ارتكبت «انتهاكاً كاملاً» و«انتهاكاً خطيراً» لاتفاق وقف إطلاق النار، في إشارة إلى إطلاق النار على سفن في مضيق هرمز.

وقال إن إيران قررت «إطلاق النار في مضيق هرمز»، مضيفاً أن كثيراً من الطلقات وُجهت، حسب قوله، نحو سفينة فرنسية وناقلة شحن بريطانية. وفي تصريحات نقلتها شبكة «إيه بي سي نيوز»، قال ترمب إن اتفاق السلام «سيتم التوصل إليه، بطريقة أو بأخرى، بالطريقة اللطيفة أو بالطريقة القاسية».

وربط ترمب بين التفاوض والتهديد العسكري المباشر، فقال إن إيران إذا لم تقبل الاتفاق فإن الولايات المتحدة «ستقضي على كل محطة كهرباء وكل جسر في إيران». وأضاف أن «زمن الرجل اللطيف انتهى»، وأن الإيرانيين «سينصاعون سريعاً وبسهولة» إذا لم يقبلوا العرض المطروح.

كما اعتبر أن ما وصفه بسيطرة إيران على مضيق هرمز لا يغيّر شيئاً، قائلاً إن «الحصار الأميركي أغلقه بالفعل». وذهب إلى أن طهران «تساعد واشنطن من دون أن تدري» عبر الإغلاق، لكنها، وفق قوله، هي التي تخسر من شل الممر، مقدراً خسائرها بنحو 500 مليون دولار يومياً، بينما «لا تخسر الولايات المتحدة شيئاً». وأضاف أن سفناً كثيرة تتجه إلى الولايات المتحدة، وخصوصاً إلى تكساس ولويزيانا وألاسكا، لتحميل الشحنات.

وكان ترمب قد قال، السبت، إن المحادثات مع إيران «جيدة جداً»، لكنه اتهم طهران في الوقت نفسه بالتصرف «بقدر من المكر»، وبمحاولة «ابتزاز» الولايات المتحدة عبر التراجع المتكرر في ملف المضيق. كما أشار إلى أن الحرب قد تعود إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قبل الأربعاء، موعد انتهاء هدنة الأسبوعين، بما يعكس استمرار الجمع بين الضغط الدبلوماسي والوعيد العسكري في الخطاب الأميركي.

عمال النظافة يقومون بتنظيف أحد الطرق بينما يقف أحد أفراد الأمن حراسةً بالقرب من فندق سيرينا في إسلام آباد الأحد (أ.ف.ب)

وانتهت محادثات في إسلام آباد، مطلع الأسبوع الماضي، دون التوصل لاتفاق لكن هناك استعدادات فيما يبدو لاستئناف تلك المفاوضات حسب «رويترز». وأوقفت السلطات في المدينة وسائل النقل العام وشاحنات نقل البضائع الثقيلة ووضعت أسلاكاً شائكة قرب فندق سيرينا الذي شهد انعقاد المفاوضات السابقة. وأفاد ممثل للفندق بإبلاغ النزلاء اليوم الأحد بضرورة المغادرة. وفي وسط العاصمة إسلام آباد، كثفت قوات الشرطة والجيش وجودها، لكن الاستعدادات لم تبد ‌على مستوى الإجراءات الأمنية التي اتخذت قبل الجولة السابقة. وقال سعيد خطيب زاده، نائب وزير الخارجية الإيراني في وقت سابق إن الاتفاق يجب أن ⁠يتم أولاً على إطار تفاهم.

«لعبة إلقاء اللوم»

لكن صورة الجولة المقبلة لم تتضح بالكامل بعد، رغم الإعلانات الأميركية المتلاحقة. إذ أفادت شبكة «سي إن إن» نقلاً عن مصادر إيرانية مطلعة إن وفداً إيرانياً يُتوقع أن يصل إلى باكستان، الثلاثاء، لإجراء محادثات مع الجانب الأميركي، مرجحة أن يضم التشكيل نفسه الذي شارك في الجولة السابقة، وبينهم وزير الخارجية عباس عراقجي وقاليباف.
وأضافت المصادر، وفق «سي إن إن» أن هناك توقعات بإعلان رمزي مشترك، الأربعاء، لتمديد وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أنه إذا سارت الأمور بسلاسة وقرر ترمب التوجه إلى إسلام آباد، فقد يقابله الرئيس الإيراني، مع احتمال عقد اجتماع مشترك بين الرئيسين وتوقيع ما وصفته المصادر بـ«إعلان إسلام آباد».
في المقابل، لم يصدر حتى الآن أي تأكيد رسمي من طهران بشأن سفر الوفد الإيراني، رغم إعلان ترمب إرسال وفد أميركي، في حين أظهرت مواقف إعلامية إيرانية رسمية تشككاً واضحاً في عقد جولة جديدة من الأساس.
وفي هذا السياق، نفت وكالة «إرنا» الرسمية وصفته بالتقارير المتداولة بشأن عقد جولة ثانية من المفاوضات في إسلام آباد، مؤكدة أن «الأخبار المنشورة حول الجولة الثانية من المفاوضات غير صحيحة».
وأضافت الوكالة أن «المبالغة في المطالب الأميركية، وطرح مطالب غير معقولة وغير واقعية، إلى جانب التغيير المتكرر في المواقف، والتناقض المستمر في التصريحات، واستمرار ما يسمى بالحصار البحري الذي يُعد خرقاً لتفاهم وقف إطلاق النار، فضلاً عن الخطاب التهديدي، كل ذلك حال حتى الآن دون إحراز تقدم في المفاوضات».
وتابعت «إرنا» أن «هذه الظروف لا توحي بوجود أفق واضح لمفاوضات مثمرة»، معتبرة أن «الأخبار التي تنشرها الولايات المتحدة تندرج ضمن لعبة إعلامية، وفي إطار ما يُعرف بـ(لعبة إلقاء اللوم)، بهدف ممارسة ضغط على إيران».

ناقلات النفط وسفن شحن البضائع السائبة راسية في مضيق هرمز السبت (أ.ب)

وفي مؤشر إضافي على استمرار التباين في المواقف، ذكرت وكالة «تسنيم» المرتبطة بجهاز استخبارات «الحرس الثوري» أن إيران «لا تملك حالياً خطة لإرسال وفد تفاوضي»، مؤكدة أن استمرار الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية يجعل عقد جولة جديدة أمراً غير مطروح في الوقت الراهن.

هرمز بين الشلل والتهديد

وفي ظل هذا الغموض بشأن الجولة المقبلة من المحادثات، ظل مضيق هرمز العامل الأكثر إلحاحاً في المشهد، مع استمرار توقف الملاحة تقريباً، وتبادل الاتهامات بين واشنطن وطهران بشأن المسؤولية عن تقويض الهدنة.

وأظهرت بيانات تتبع السفن أن ناقلتين تحملان غاز البترول المسال، هما «ميدا» و«جي سمر»، عادتا أدراجهما بعد التوجه نحو مخرج المضيق، قبل أن تستديرا جنوب جزيرة لاراك الإيرانية.

وكانت هاتان السفينتان الوحيدتين تقريباً اللتين ظهرتا بأجهزة إرسال نشطة أثناء محاولة المرور، من دون أن تظهر سفن أخرى تعبر في أي من الاتجاهين.

كما أفادت بيانات أخرى بأن الحركة عبر المضيق توقفت عملياً، بعدما كانت ناقلات قليلة قد عبرت صباح السبت خلال فترة الفتح القصيرة. وبحلول الأحد، بدا مدخل الخليج العربي في حالة جمود، مع خلو المضيق من السفن تقريباً.

وأعلنت إيران، يوم الجمعة، أنها فتحت المضيق، الذي أبقته في حكم المغلق أمام كل السفن ما عدا سفنها منذ بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل استهدافها في 28 فبراير (شباط). لكن طهران غيرت موقفها أمس السبت وعاودت فرض سيطرتها على المضيق وأغلقته، واتهمت واشنطن بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار من خلال مواصلة حصارها البحري على الموانئ الإيرانية. وأبلغت سفينتان على الأقل عن تعرضهما لإطلاق نار لدى الاقتراب من المضيق، أمس السبت. وأظهرت بيانات شحن بعد ذلك أن حركة العبور توقفت تماماً من المضيق.

وقالت جهات أمنية بحرية إن الملاحة التجارية تعرضت لهجمات للمرة الأولى منذ بدء الهدنة الحالية، وهو ما عزز حالة الترقب ودفع السفن إلى تغيير مساراتها أو التراجع.

وأعلنت وزارة الخارجية الهندية استدعاء السفير الإيراني بعد حادث إطلاق نار استهدف سفينتين تحملان العلم الهندي، فيما قالت هيئة أمن بحري بريطانية إن «الحرس الثوري» أطلق النار على ناقلة، وتحدثت شركة أمنية عن تهديدات بتدمير سفينة سياحية كانت تغادر الخليج. كما ورد بلاغ عن سفينة أصابها مقذوف مجهول وألحق أضراراً بحاويات الشحن من دون اندلاع حريق.

وقال قاليباف إن «من المستحيل أن يمر الآخرون عبر مضيق هرمز بينما لا تستطيع إيران ذلك»، وربط إعادة فتحه برفع الحصار البحري الأميركي. وأضاف أن بلاده لن تقبل استمرار مرور الآخرين إذا استمر تقييد حركتها، وأن تقييد العبور سيُفرض «بالتأكيد» إذا لم ترفع واشنطن الحصار.

رواية للمفاوضات

وأفاد قاليباف إن المفاوضات مع الولايات المتحدة شهدت تقدماً، لكنها «لا تزال بعيدة عن النقاش النهائي». وأوضح في كلمة متلفزة خاطب بها الإيرانيين، أن الاتصالات بدأت عبر باكستان، التي نقلت مقترحات أميركية أولية من 15 بنداً، جرى بحثها داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، مع رفعها بشكل متواصل إلى القيادة لاتخاذ القرار. وأضاف أن طهران رفضت هذه الصيغة، وقدمت بدلاً منها إطاراً من 10 بنود اعتبرته أساساً للتفاوض، قبل أن تطرح واشنطن لاحقاً مقترحاً من 9 بنود.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الولايات المتحدة اقترحت، عندما التقى المفاوضون الأميركيون والإيرانيون الأسبوع الماضي في إسلام آباد، تعليق جميع الأنشطة النووية الإيرانية 20 عاماً، في حين اقترحت إيران تعليقاً بين ثلاثة وخمسة أعوام وهو ما يرفضه ترمب.

وقال قاليباف إن المفاوضات الفعلية لم تبدأ إلا في آخر 48 ساعة قبل وقف إطلاق النار، بعدما طلبت واشنطن التهدئة. وأوضح أن طهران اشترطت أن يعلن ترمب بنفسه في تغريدة أن طلب وقف إطلاق النار جاء من الجانب الأميركي، حتى يكون واضحاً أن التهدئة لم تُفرض على إيران. وأضاف أن بلاده قبلت وقف إطلاق النار على هذا الأساس، لكن مع بقاء مسائل أساسية غير محسومة.

وفيما يتعلق بمضمون التفاوض، قال قاليباف إن الخلافات لا تزال قائمة حول الملف النووي ودور إيران في مضيق هرمز، وإن بعض المواضيع وصلت إلى «استخلاص نهائي»، بينما بقيت قضايا أخرى من دون حسم.

وأضاف أن الوفدين وصلا إلى «فهم أكثر واقعية» لمواقف بعضهما، لكن ذلك لم يبدد انعدام الثقة الإيراني تجاه واشنطن. وشدد على أن أي اتفاق ينبغي أن يقوم على مبدأ «خطوة مقابل خطوة» و«تعهد مقابل تعهد»، لا على تنفيذ إيراني أحادي في مقابل التزامات غير مضمونة من الطرف الآخر.

وروى قاليباف أيضاً تفاصيل حديثه مع نائب الرئيس الأميركي، قائلاً إنه أبلغه أن طهران جاءت إلى المفاوضات «بحسن نية، لكن في ذروة انعدام الثقة». وأضاف أنه قال له صراحة: «لا نثق بكم إطلاقاً، وأول ما عليكم فعله هو بناء الثقة». كما أشار إلى أنه ذكّر الوفد الأميركي بما قاله ترمب عن بقاء المفاوضين الإيرانيين أحياء من أجل التفاوض، معتبراً أن ذلك يعكس طبيعة السلوك الأميركي خلال الحرب.

وعلى المستوى الميداني، ربط قاليباف قبول وقف إطلاق النار بكون إيران «حققت تفوقاً» منع الطرف الآخر من فرض شروطه. لكنه أقر في الوقت نفسه بأن ميزان القوة العسكرية يميل لصالح الولايات المتحدة، معتبراً أن ما حققته طهران يعود إلى أسلوب القتال غير المتكافئ والتخطيط العملياتي، لا إلى امتلاك قوة عسكرية أكبر من واشنطن.

سجال داخلي

وجاءت رواية قاليباف بعد بيان للأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني شرح مسار مفاوضات إسلام آباد، وقال إن الرسائل الأميركية لوقف إطلاق النار بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، وإن طهران قبلت التفاوض في اليوم الأربعين ضمن إطار من 10 بنود، بعد محادثات امتدت 21 ساعة، من دون التوصل إلى نتيجة نهائية. وأضاف البيان أن مقترحات أميركية جديدة وصلت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد الدراسة.

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

كما أوضح البيان أن فتح مضيق هرمز كان مؤقتاً ومشروطاً لعبور السفن التجارية فقط، وأن استمرار ما وصفه بالحصار الأميركي سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح محدود أو مشروط للمضيق. وشدد على أن إيران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بشكل كامل وتحقيق «سلام مستدام».

واكتسبت تصريحات قاليباف أهمية إضافية لأنها جاءت بعد جدل داخلي أثارته تغريدة وزير الخارجية عباس عراقجي بشأن فتح مضيق هرمز، وما تبعها من انتقادات من وسائل إعلام مقربة من «الحرس الثوري»، رأت أن الرسالة كانت ناقصة وأحدثت التباساً واسعاً حول شروط العبور وآلياته. وفي هذا السياق، بدا ظهور قاليباف محاولة لتقديم رواية أكثر تفصيلاً عن التفاوض والهدنة والمضيق، وربطها بقرار صادر عن مؤسسات عليا لا بموقف فردي من وزارة الخارجية وحدها.

الحصار البحري

من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن ما وصفه بـ«الحصار» الأميركي على الموانئ أو السواحل الإيرانية لا يشكل فقط انتهاكاً لوقف إطلاق النار الذي جرى بوساطة باكستانية، بل يعد أيضاً إجراءً «غير قانوني وإجرامياً».

وأضاف، في منشور على منصة «إكس»، أن هذا الإجراء ينتهك المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة، ويشكل «عملاً عدوانياً» بموجب قرار الجمعية العامة رقم 3314 لعام 1974. وتابع أن فرض «عقاب جماعي» على السكان الإيرانيين يرقى، حسب تعبيره، إلى «جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية».

وفي موازاة ذلك، قال مجيد موسوي، قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري»، إن إيران تسرّع خلال فترة الهدنة تحديث وإعادة تزويد منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة بوتيرة تفوق ما كانت عليه قبل الحرب.

وكان أحد أهداف الحرب الأميركية الإسرائيلية على ⁠إيران، والتي اندلعت في ‌28 ‌فبراير، ​هو ‌القضاء على قدرات ‌إيران الصاروخية.

بحّارة ومشاة البحرية على متن سفينة الإنزال «يو إس إس راشمور» ينفذون عمليات حصار في بحر العرب أمس (سنتكوم)

وأضاف، في تعليق مرفق بمقطع مصور من منشأة صاروخية تحت الأرض، أن «العدو، خلافاً لإيران، لم يتمكن خلال وقف إطلاق النار من إعادة بناء مخزونه من الذخائر»، معتبراً أن هذه المرحلة من الحرب «خسرها أيضاً»، وأنه «خسر المضيق ولبنان والمنطقة».

في وقت سابق من هذا الشهر، قال الجنرال دان كين من سلاح الجو إن القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) «دمرت ما يقرب من 80 في المائة من أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، حيث ضربت أكثر من 1500 هدف للدفاع الجوي، وأكثر من 450 منشأة لتخزين الصواريخ الباليستية، و800 منشأة لتخزين الطائرات دون طيار الهجومية ذات الاتجاه الواحد».

أما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فقال إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يمكنه حرمان إيران من حقها في برنامج نووي، متسائلاً: «ما نوع السلطة التي يمتلكها ليحرم أمة من حقوقها القانونية؟». كما انتقد إسرائيل والولايات المتحدة، قائلاً إن تل أبيب تعلن عن نيتها اغتيال أشخاص، ثم تتهم واشنطن إيران بالإرهاب.

وأضاف أن إيران «ليست طالبة حرب، بل تدافع عن نفسها»، داعياً منابر المساجد وخطباء الجمعة إلى تجنب الخطابات المثيرة للانقسام، والعمل على مواجهة الشائعات وتعزيز الاستقرار النفسي للمجتمع.

بدوره، قال مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي إن «زمن فرض الأمن من خارج المنطقة انتهى»، معتبراً أن أمن مضيقي هرمز وملقا بات مضموناً عبر قدرات إيران وشركائها، فيما أصبح أمن باب المندب، حسب تعبيره، «في يد الإخوة في أنصار الله». وحذر من أن «أي شيطنة ستقابل برد متسلسل»، منتقداً مواقف بريطانية وفرنسية بشأن أمن الملاحة.

وفي الاتجاه نفسه، قال عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، أبو الفضل زهره‌وند، إن التفاوض والحصول على تعويضات «لا يكتسبان معنى إلا بعد إنهاء الوجود الأميركي في المنطقة».