قادة الفكر يسبقون قادة السياسة وليس العكس

لولا هيغل لما كان بسمارك

هيغل
هيغل
TT

قادة الفكر يسبقون قادة السياسة وليس العكس

هيغل
هيغل

أولاً ينبغي العلم أن ألمانيا في عهد هيغل كانت ذات أغلبية بروتستانتية كبيرة بنسبة 70 في المائة والباقي كاثوليك تابعون للفاتيكان وبابا روما الذي يكرهه البروتستانتيون. وثانياً إن هيغل ذاته كان لوثرياً بروتستانتياً في عمق أعماقه. ولكنه لم يكن طائفياً. مستحيل. لا يمكن لفيلسوف كبير دشن الحداثة الفكرية والسياسية والأنوارية في أوروبا أن يكون طائفياً. ولا ننسى أن ألمانيا هي بلد مارتن لوثر الذي دشّن الإصلاح الديني وحرّر الإنسان المسيحي من سطوة رجال الدين وفسادهم واستغلالهم. ومعلوم أن بابوات روما وكرادلتها كانوا قد أصبحوا مليونيرات على حساب الشعب البسيط الخائف من نار جهنم والمستعد لدفع كل فلوسه من أجل نيل صكوك الغفران ودخول الجنة. وقد أقنعوه بأنه كلما دفع أكثر كان حظه في الجنة أكبر. على هذا النحو تمت المتاجرات الكبرى بالدين. وضد كل هذا الفساد المستشري انفجر لوثر بثورته العارمة وزلزل عرش البابوية. ولهذا السبب كان هيغل معجباً به إلى أقصى الحدود.

كانت الطائفية في زمن هيغل لا تزال مشتعلة وكان الشعب الألماني منقسماً مذهبياً إلى كاثوليكيين وبروتستانتيين. وكانت هناك حزازات هائلة بين الطرفين. وكان الكاثوليك يمثلون التيار الرجعي في ألمانيا على عكس البروتستانت الذين يمثلون التيار الليبرالي التقدمي داخل المسيحية. كان الكاثوليك الألمان خاضعين لكلام بابوات روما الذين كانوا رجعيين طيلة القرن التاسع عشر بل وحتى منتصف العشرين. بعدئذٍ جددت الكاثوليكية ذاتها وتصالحت مع الحداثة والعصر ولم تعد تكفيرية على طريقة القرون الوسطى. ولكن في زمن هيغل كانت لا تزال رجعية جداً... ومعلوم أن البابا بيوس التاسع أدان عام 1864 أي بعد وفاة هيغل بثلاثين سنة ونيف «أخطاء العالم الحديث» وكفرها في فتوى مشهورة. لقد أدان حرية التفكير والتعبير، وحرية الاعتقاد والضمير، وأدان العقلانية والليبرالية ومجمل أفكار الحداثة. وقال إنها مخالفة لتراثنا وديننا وعقيدتنا. وأدان فلسفة حقوق الإنسان لأنها تساوي بين البشر هكذا لا على التعيين. لكأن غير المسيحي يمكن أن يساوي المسيحي أو غير الكاثوليكي يمكن أن يساوي الكاثوليكي، أو لكأن الكافر يمكن أن يساوي المؤمن. كل هذه الأشياء كفرها وزندقها بابا روما تماماً كما تفعل جماعات الإسلام السياسي السائدة عندنا حالياً. فهي أيضاً عدوة لدودة لفلسفة حقوق الإنسان ولم تشم رائحة الحداثة التنويرية بعد.

بالطبع فإن بسمارك الذي وحّد ألمانيا عام 1870 أي بعد وفاة هيغل بأربعين سنة فقط اضطر إلى قصم ظهر الرجعية الكاثوليكية التي كانت تقف حجر عثرة في وجه هذا التوحيد الكبير. في ذلك الوقت كان الليبراليون التقدميون المضادون للطائفية معظمهم من البروتستانت. وكان معظم الأصوليين الرجعيين يتشربون كلام بابا روما تشرباً من الكاثوليك البابويين المضادين للحداثة والمكفرين للبروتستانتيين وبالتالي لهيغل ذاته... ضمن هذه الأجواء المشحونة ينبغي أن نموضع موقف هيغل من المسألة الطائفية لكي نفهمه على حقيقته. وينبغي العلم أن بسمارك الذي وحّد ألمانيا على قاعدة المساواة في المواطنة اللاطائفية بين جميع الألمان نفذ حرفياً برنامج هيغل وكانط وفيخته وشيلنغ وبقية فلاسفة الأنوار الكبار. وهنا نلتقي مباشرة ذلك التمفصل الرائع الكائن بين الفكر والسياسة. لا سياسة عظيمة من دون فكر عظيم يسبقها ويحتضنها ويفتح لها الطريق. بهذا المعنى فالفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. هيغل هو الأساس بعدئذٍ يجيء بسمارك. الأولوية للمثقف الكبير لا للسياسي حتى لو كان ضخماً في حجم بسمارك.

لماذا أقدّم كل هذه الديباجة؟ لكي أوضح مدى خطورة المشكلة الطائفية أو بالأحرى المذهبية في كل المجتمعات والأديان. عندما تنظر إلى أوروبا الحالية المستنيرة المتطورة لا تجد أي أثر للحساسيات المذهبية أو الطائفية فيها. لقد تبخّرت كلياً بفضل جهود هيغل وبقية فلاسفة الأنوار. وهذا أول شيء يدهش العربي أو المسلم القادم من الشرق الذي يعج بالأصوليات والطائفيات والمذهبيات... لم يعد يوجد كاثوليكي واحد يحقد على البروتستانتي لأنه بروتستانتي، أو العكس. إنهما مواطنان متساويان في المواطنة الألمانية ويتعايشان بكل سلام ووئام في ذات الشارع أو ذات الحي أو ذات البناية. لم تعد توجد أحياء بروتستانتية مفصولة عن الأحياء الكاثوليكية. ولم يعد يوجد مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية أو ثالثة... كل هذا انتهى منذ زمن طويل. ولكنه لم ينتهِ قبل انتصار المفهوم التنويري للدين المسيحي على المفهوم الظلامي التكفيري القديم. وعلى الرغم من أن التنوير كان قد حصل في زمن هيغل على مستوى النخبة فإن العصبيات المذهبية كانت لا تزال مشتعلة على مستوى عامة الشعب وجاهزة للاستنفار والاشتعال في أي لحظة.

وعلى الرغم من أن هيغل كان أكبر فيلسوف في عصره وربما في كل العصور فإنه ما كان يطيق سماع اسم الكاثوليك والمذهب الكاثوليكي. ويروي المفكر الفرنسي فيكتور كوزان أنه كان يتجول معه مرة في شوارع كولونيا حتى وصلا فجأة إلى الكاتدرائية الشهيرة التي هي من أجمل الكنائس في العالم. وأتذكر أنها سحرتني شخصياً بجمالها وبهرتني عندما رأيتها لأول مرة أثناء زيارتي الأولى لألمانيا عام 1990. فماذا قال هيغل وهو يمعن النظر في هذا البنيان الباذخ الشامخ؟ يقول فيكتور كوزان إنه سمعه يشتم البابا والكاثوليكيين بل يكاد يبصق على الأرض في وسط كاتدرائيتهم المقدسة ذاتها. وقد تعجب منه في هذا الموقف المتشنج وما كان يتوقع أن يصدر عن فيلسوف كبير في حجمه. كان هيغل يفقد أعصابه عندما تثار أمامه المشكلة الطائفية أو المذهبية. كان يحمل على الكاثوليكيين البابويين حملة شديدة ويعتبرهم سبب تخلف ألمانيا وتعصبها وتعلقها بتدين القرون الوسطى. وهذا يعني أن ألمانيا عام 1826 ليست ألمانيا عام 2026! نعم التاريخ يتقدم إلى الأمام أيها السادة. نعم هناك تطور وتجدد في التاريخ لحسن الحظ.

نعم، لقد كانت الحساسية المذهبية أو الطائفية لا تزال قوية في زمن هيغل. بل وحتى فيما بعده بسنوات طويلة ظلت حية منتعشة. فبسمارك، موحد ألمانيا، كان أيضاً يصطدم برجعية الكاثوليكيين البابويين مثل هيغل كما ذكرنا آنفاً. لماذا كان هيغل يكره المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني؟ ليس فقط لأنه بروتستانتي. هيغل ليس ابن شارع! هناك سبب وجيه لذلك. وهو أن المذهب الكاثوليكي كان يعتبر نفسه الحقيقة المطلقة للمسيحية بل وللدين كله والبقية فراطات أو زندقات أو هرطقات أو أقليات لا يعتد بها. وكان يعتبر نفسه بسبب كثرته العددية (أكثر من مليار شخص) الفرقة الناجية الوحيدة في المسيحية. كان يعتقد أن الكثرة العددية تعني أتوماتيكياً امتلاك الصحة الدينية والحقيقة الإلهية المطلقة. وكان يعتقد أنه لن يدخل الجنة بروتستانتي واحد ولن يحظى بمرضاة الله. الجنة محجوزة فقط للكاثوليك. وكان المذهب الكاثوليكي البابوي في أغلبيته يمثل قلعة الرجعية الفكرية والسياسية. عندما تقرأ تصريحات بابوات روما آنذاك، عندما تطلع على فتاواهم التكفيرية لروح الأزمنة الحديثة وجوهرها، تكاد تتخيل أن أقطاب الإسلام السياسي السائد حالياً هم الذين دبجوها وكتبوها... وهذا يعني أنه يوجد مفهومان للدين: المفهوم الطائفي الغياهبي الظلامي، والمفهوم الأنواري اللاطائفي المتصالح مع الحداثة والعصر. وهذا الأخير هو الذي أنقذ أوروبا من براثن الطائفية وجحيم الحروب المذهبية. وهو الذي أتاح نهضتها وإقلاعها الحضاري وتفوقها على جميع شعوب الأرض. كما يعني أنه يوجد مفهومان للإيمان. فهناك المفهوم التكفيري الطائفي القديم الذي يقتل ويذبح على الهوية ويدمر الوحدة الوطنية. وهناك المفهوم الأنواري الجديد الذي يحيي وينعش ويبني الحضارات ويجمع كل المكونات الاجتماعية حوله. ولكن المشكلة هي أن المفهوم الطائفي التكفيري القديم راسخ في العقلية الجماعية رسوخ الجبال. ولا يمكن اقتلاعه بين عشية وضحاها. هنا يكمن الاستعصاء الكبير.

لا سياسة عظيمة من دون فكر عظيم يسبقها ويحتضنها ويفتح لها الطريق



الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».