عودة لموضوع «موت الناقد الأدبي»

معظم القراءات انساقت وراء الدفق الدرامي للعنوان

ماثيو أرنولد
ماثيو أرنولد
TT

عودة لموضوع «موت الناقد الأدبي»

ماثيو أرنولد
ماثيو أرنولد

سبق لي أن نشرتُ في ثقافيّة «الشرق الأوسط» موضوعاً عنوانُهُ: «هل مات الناقدُ الأدبيُّ؟». كان الموضوع محطّة انتباه لكثيرين من المشتغلين بالأدب أو النقد الأدبي أو من ذوي الذائقة الأدبيّة والثقافيّة حتى لو كانوا من غير عنوان اختصاصي في نطاق الأدب أو الثقافة. يبدو لي أنّ معظم القراءات انساقت وراء الدفق الدرامي للعنوان بما تحملهُ مفردة «الموت» من شحنة دراميّة ثقيلة الوطأة على النفس، خاصّة عندما تطولُ الناقد الأدبيّ في ثقافتنا العربية؛ إذ كثيراً ما تحصّن الناقد الأدبي في مثابة عالية شديدة التحصين في هذه الثقافة. كانت تجربة مثيرة لي عندما قرأتُ العديد من المداخلات المتباينة بشأن الموضوع في مواقع عديدة، ولستُ أرى في هذه الرؤى المتباينة سوى علامة حراك ثقافي صحّي.

رايموند ويليامز

أرى من المفيد الاعترافَ بأنّ موضوعي السابق انطوى على شيء من الذائقة الانطباعيّة، وإن كنتُ عزّزتُهُ بتفاصيل مشخّصة عن موت الناقد الأدبي. يبدو أنّ الآراء المخالفة لم تسعَ للتفلّت من أفلاك المدارات الانطباعية الخالصة؛ فكأنّ عبارة «موت الناقد الأدبي» تسبّبت لها في جرحٍ نازف سَعَتْ طويلاً لمُداراته والهروب من مواجهة مترتّباته القاسية. هذه المقاربة لن تنجح إلا في إبعادنا عن الفضاء الثقافيّ العالمي المحتدم بمتغيّراته السريعة. من المفيد الإشارةُ أيضاً إلى أنّ بعض الآراء اعتمدت مقاربات مؤسّسة على كتل إنشائيّة غارقة في الفخاخ الانطباعيّة التي تساءلَتْ - في بعض ما تساءلت عنه - بنبرة استنكاريّة صارخة: كيف نُمِيتُ الناقد الأدبي؟ ولو مات هذا الناقد، أفلن يكون هذا إيذاناً بشيوع الرثاثة الأدبيّة وتجويزاً لشرعنتها؟ هؤلاء يفكّرون بمنطق الناقد - الرقيب، ثمّ إنّهم يحيلون الموضوع إلى رغبات كيفيّة لو شاءت لأماتت الناقد الأدبي، ولو شاءت لأبقته يتنفّسُ الحياة. أظنّ أنّ الموضوع أبعدُ شأناً من هذه التفاصيل المبسّطة.

سأعمدُ في هذا الموضوع إلى الابتعاد عن الشخصنات الانطباعيّة في مقابل التركيز الصارم على بعضٍ من المسببّات الحقيقية التي قادت إلى موت الناقد الأدبي.

***

ليس موتُ الناقد الأدبي حادثةً عَرَضيّة، ولا نتيجةً مباشرة لانحطاط الذائقة، أو لتراجع القراءة، أو لكسل الأجيال الجديدة، أو لتنامي أنماط ما يُحسَبُ رثاثةً ثقافيّة شائعة كما يذهب الخطابُ الثقافي السائد والذي لا يكفُّ عن الشكوى والحنين لعصور أدبيّة سابقة، كذلك ليس هذا الموت واحداً من الأمنيات الرغبويّة في قتل الناقد الأدبي والوقوف بسكينة في مراسم دفنه إلى جانب من سبقوه ممّن قتلتهم سياساتُ ما بعد الحداثة. نحن لا نقف أمام أزمة أفراد أو غياب مواهب، بل أمام انهيار وظيفة معرفية كاملة كانت مشروطةً بسياق تاريخي وثقافي محدّد لم يَعُدْ قائماً. هذه هي كلّ الحكاية باختصار قاسٍ. الناقدُ الأدبي - بالمعنى الذي استقرّ عميقاً في الوعي الثقافي خلال القرن العشرين - لم يكُ ضحيّة اغتيالٍ غادر، ولم يُقْصَ قسرياً عن المشهد الثقافي العالمي. ما حصل معه هو تنامي وتعاضد مؤثّرات محدّدة جعلته يفقدُ البيئة التي كانت تمنحُهُ المعنى والشرعية والسلطة.

السؤال الجوهري اليوم ليس: أين اختفى النقّاد الأدبيّون؟ بل: أيُّ عالمٍ كان يحتاج إلى ناقد أدبي؟ ولماذا لم يَعُدْ عالمُنا كذلك؟

أولاً تتوجّبُ مساءلةُ المعياريّة الثقافيّة. الأنساق الثقافيّة المعياريّة طالتها تحوّلاتٌ جوهريّة؛ فقد نشأ النقد الأدبي داخل نظام ثقافي يؤمِنُ بإمكانية إنتاج معايير عامة نسبيّاً: معايير للجمال، وأخرى للقيمة، وثالثة للتفوّق والاستمرارية. لم تكن هذه المعايير خاليةً من التحيّز أو الآيديولوجيا؛ لكنّها كانت صالحة للاستخدام. كان من الممكن الاحتكامُ إليها، ومناقشتُها، وتطويرُها. الناقد، في سياق هذا الإطار، لم يكن قارئاً بارعاً فحسب بل سلطة تقويمية تضطلع بمهمّة الفرز: ما الذي يُضافُ إلى المتن الثقافي، وما الذي يبقى في الهامش، وما الذي يتوجّبُ أن يُنسى. كان النقد يفترضُ وجود مركز ثقافي، وذائقة عامّة، وتاريخ أدبيٍّ يمكنُ قراءتهُ بوصفه مساراً ذا معنى. أمّا اليوم فقد تفكّكت هذه الافتراضات. التعدّدية المتطرّفة، وتكاثرُ الهويات، وتفتّتُ الذائقة، وانهيارُ المركزيات، جعلت فكرة (المسطرة النقديّة الواحدة) غير قابلة للتطبيق. حين تنتفي المسطرة النقديّة، لأيّ أسباب، يفقدُ الناقد أداته الجوهرية مهما بلغت قدراتُهُ المعرفية.

وظيفة الأدب هي الأخرى شهدت تغيّراً جوهريّاً. في الأزمنة التي ازدهر فيها النقد الأدبيُّ كان الأدب يُنظرُ إليه بوصفه قيمة متعالية: فعلاً يرتقي بالذائقة، ويهذّبُ الحسّ الأخلاقي، ويمنح معنى لتجربة الوجود. النقد، تبعاً لذلك، لم يكن نشاطاً تفسيرياً مُحايداً بل وظيفة ثقافية تكميليّة ذات بعد أخلاقي وجمالي وفلسفي. اليوم، تغيّر تعريفُ الأدب ذاته. لم يَعُدْ يحتلّ مركز النظام الرمزي بل صار ممارسة سردية بين ممارسات عديدة: السينما، والمسلسلات، والألعاب الرقمية، والمنصّات الاجتماعية، وأشكال السرد القصير والخاطف. الأدب لم يَعُدْ (الصانع الأعلى للمعنى) بل أصبح خياراً واحداً من خيارات متعددة. هنا تحضرُ المقايسة المنطقيّة المؤكّدة: حين يفقد الأدب - كخالق للمعنى - مركزيته يفقد النقد سلطته تلقائياً. لا يمكن للناقد أن يكون حارساً لقيمة لم يعُدْ يُعتَرَفُ بها بوصفها قيمة عليا أو جامعة.

بعد ذلك تحضرُ أمامنا حقيقةٌ شاخصة عنوانُها (تحطيم السرديات الكبرى Grand Narratives وانهيار القياس النقدي). كان النقد الأدبي الكلاسيكي يعملُ داخل سرديةٍ تاريخية واضحة: عصور، مدارس، تيارات، ذرى وانكسارات. هذا الإطار وفّر للناقد إمكانية المُقارنة والحُكْم والتقويم. مع صعود ما بعد الحداثة، لم يحصل تفكيكٌ لنسيج النص وحده بل فُكّك الإطار الذي يسمح بالحكم عليه. السرديات الكبرى تراجعت، وحلّت محلّها سردياتٌ صغرى، فردية، محلّية، غير قابلة للتوحيد أو القياس المتبادل. ما يُعدّ تجربةً مركزيةً لشخص قد يكون هامشياً أو عديم الأهمية لآخر. في هذا السياق، يتحوّل النقد إلى رأي شخصاني، والرأيُ الشخصانيُّ في عصر المنصّات لا يمتلك أي امتياز معرفي. الجميع يقرأ، يعلّق، يحكم، ومن ثم تذوب وتتلاشى سلطة الامتياز النقدي.

سببٌ آخر يختصُّ بأفول السطوة النقدية الأدبيّة التي شاعت في القرن العشرين. في ذلك القرن لم يكن الناقد الأدبي مجرّد باحث أكاديمي، بل كان في كثير من الحالات اسماً ذا سطوة ثقافية عامة. كانت هناك أسماءُ نقّادٍ أدبيين تُقرأ بوصفها مراجع موثوقاً بها، وتُستدعى أحكامُها في النقاشات الكبرى حول الأدب والحداثة. أسماء مثل ماثيو أرنولد، ونورثروب فراي، وكلينيث بروكس، وويليام إمبسون، ورينيه ويليك، وإف. آر. ليفز، وهارولد بلوم، ورايموند ويليامز... مثّلت نموذج الناقد الذي يتجاوز التخصّص الضيّق. لم تكن هذه السطوةُ نابعة من الإعلام فحسب، بل من شروط ثقافية محدّدة: فضاء ثقافي أقل ازدحاماً، ومؤسسات نشرٍ ذات نفوذ، وإيمان عام بشرعية السلطة النقدية. في القرن الحادي والعشرين تفكّكت هذه الشروط. الثقافة اليوم أفقية، مُشَكّكة، وعدائية تجاه المرجعيات، ولم يَعُدْ ممكناً أن يتشكّل اسمٌ نقدي مركزي بالمعنى القديم وسط هذه الدوّامة الثقافية سريعة التغيّر.

أرى من المفيد الاعترافَ بأنّ موضوعي السابق انطوى على شيء من الذائقة الانطباعيّة

لا يمكنُ أيضاً التغافلُ عن حقيقة ذوبان النقد في النظرية الثقافية ثم في الثقافة (الدراسات الثقافيّة). لم يَمُت النقدُ الأدبيُّ فجأة، بل ذاب تدريجياً في حقول أوسع. انتقل من تحليل النصوص إلى مساءلة الخطابات، ثم إلى تفكيك البنى الثقافية والاجتماعية. صار الأدب مادّة اختباريّة مفتوحة لموضوعات إشكاليّة منها: الهوية، والجندر، والسلطة، والذاكرة، والسوق، والتقنيّة... هذا التحوّل أفقد النقد حدوده الصارمة، ومع هذا التحوّل النوعيّ فقد النقد قدرته على إنتاج سلطة اعتباريّة متماسكة لأنّ أدواته القديمة لم تعُدْ تسعفه بوسائل الإنقاذ. ربّما المثال النموذجي في هذا الشأن هو تيري إيغلتون. هلّا تلاحظون شكل كتاباته - عناوين وموضوعات - في بداياته، ثمّ كيف تحوّلت إلى مساءلات مستفيضة لموضوعات ثقافيّة أبعد كثيراً من نطاق اهتماماته الأولى؟

لا يمكنُ بالطبع إغفالُ أنّ الأدب العالمي لا يعيشُ في جزيرة منعزلة. نحنُ نعيشُ في عصر النيوليبرالية التي تحكمها القوانينُ القاسية؛ حيث تُقاس القيمةُ بما تُحقّقه المصنّعاتُ، مادّية كانت أم رمزيّة، من تداول وربح وانتشار. الأدب بموجب هذه القوانين يُقيَّمُ بالأرقام لا بالأحكام الانطباعية الشخصانيّة المسبّقة. في هذه المعادلة يصبح الناقد عبئاً. رأيُهُ قد يُربِكُ السوق، أو يبطئ حراكها الاقتصادي؛ لذلك جرى تهميش الناقد الأدبي لا بالمنع، بل - ببساطة - بإعلان عدم الحاجة إليه.

ثمّ علينا أيضاً أن ننتبه للخوارزميات ومنطق المنصّات. إذا كانت السوقُ قد همّشت الناقد الأدبي فإنّ الخوارزميات أجهزت على ما تبقّى من وظيفته. في عالم المنصّات الرقمية، لم يَعُد القرار بيد قارئ أو ناقد أو مؤسسة ثقافية، بل قيد أنظمة حسابية غير مرئية تُقرّر ما يُعرض، وما يُخفى، وما يُروَّجُ له. لم يمت الناقد الأدبي فقط؛ لأنّ أحداً لم يَعُدْ يصغي إليه، بل لأنّ الخوارزميات احتلّت موقع الحَكَم دون أن تحتاج إلى لغة أو حُجّة أو تبرير.

*****

لستُ سعيدةً بموت الناقد الأدبيّ، ولن أتيه فرحاً لو تأجّل موته بضع سنوات أو حتّى لو شهدنا مراسم خلوده الأبديّ. أنا أسائلُ ظاهرةً سائدة علينا التحسّبُ لنتائجها بصرف النظر لو حسبناها سلبيّة أم إيجابيّة. موتُ الناقد الأدبي لا يعني نهاية التفكير في الأدب، بل يعني نهاية نموذج معرفي محدّد: نموذج السلطة، والمعيار الواحد، والمرجعية المركزية. ما يبقى هو أشكال هجينة من وارثيه المحتملين: قارئ - كاتب، أو باحث عابر للحقول، أو مثقف يعمل من داخل الهشاشة الثقافية، ولا يكتفي بالتعالي الساذج على فروضها وقوانينها. العزلةُ والانغلاق على القناعات الشخصية لن يغيّرا تضاريس المشهد النقدي الأدبي العالمي. موت الناقد الأدبي، في جوهره، ليس مأساة ثقافية بقدر ما هو علامة على انتقال السلطة من العقل التأويلي الكلاسيكي إلى أنساق جديدة. الأفضلُ لنا بشأن هذه التحوّلات ألا نجعلها موضع إدانة أخلاقيّة قاسية؛ بل أن نحاول فهمها حتى إن خلّفَتْ فينا شعوراً عميقاً بالفَقْد.


مقالات ذات صلة

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

ثقافة وفنون إلياس خوري

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون 3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

كيف تتحوّل تفاصيل الحياة اليومية، في أصغر تجلّياتها وأكثرها هشاشة، إلى مادةٍ خالدةٍ للذاكرة وللأدب؟

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

صدر أخيراً في القاهرة، عن دار «أم الدنيا» للدراسات والنشر، كتاب «احتفاليات المومياء المتوحشة لعفيفي مطر: مقاربة إدراكية أنطولوجية» للأكاديمية مروة الشريف

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روزي جدي

روزي جدي: أرفض استغلال الأدب لحسابات سياسية

رغم حداثة تجربته كأحد كتاب التسعينات من أدباء تشاد الذين يكتبون باللغة العربية، فإن روزي جدي استطاع أن يلفت الأنظار بسبب نصوصه الروائية التي تستحضر صفحات مجهولة

رشا أحمد (القاهرة)

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري
TT

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة، فإن الجيل الذي سمّي بجيل السبعينات في لبنان هو أحد أكثر الأجيال تميزاً في الدور، وثراءً في التجربة، وتمزقاً بين الخيارات.

على أن الطالع الدراماتيكي لأبناء ذلك الجيل، قد شاء لهم وهم في أوج التفتح أن يشهدوا بأمّ أعينهم هزيمة يونيو (حزيران) عام 1967، وقصف مطار بيروت بعدها بعام واحد، ومظاهرات أبريل (نيسان) الصاخبة بعدها بعامين، وأن يواكبوا في الآن ذاته صعود المقاومة الفلسطينية وحركة اليسار الجديد، بما جعلهم يقفون على التخوم الفاصلة بين لبنانين متبايني الهوية والدور، قبل أن يقضي الاثنان معاً على مذبح التناحر الأهلي.

عقل العويط

وحيث كان من الطبيعي أن تحتضن الجامعة اللبنانية في تلك الفترة الكثرة الكاثرة من أبناء الفقراء والبورجوازية الصغيرة، وفق التصنيف الماركسي التقليدي، وأن تتحول بالتالي إلى بؤرة للتغيير وحركات الاحتجاج على ما اعتُبر آنذاك فساد السلطة وخنوعها ومواقفها السياسية المتخاذلة، فإن كلية التربية بالذات كانت «درة» التاج الجامعي، وواسطة عقده الأثمن.

ولا يعني ذلك أن كل المنتسبين إلى الكلية، كانت لديهم الأهداف ذاتها والطموح إياه، حيث إن بعض الملتحقين بها لم يروا فيها سوى المحطة التي لا بد من اجتيازها، للالتحاق بسلك التعليم الثانوي، الذي يوفر لهم الحد المقبول من الاستقرار والأمن المعيشي. إلا أن البعض الآخر راهنوا من خلالها على ما يتعدى الجانب الدراسي التقليدي، مؤثرين تحويلها إلى واحة متنوعة للتحصيل المعرفي، وإلى مساحة لتلاقح الأفكار، وإلى حاضنة مثلى لمغامرة التجديد وتيارات الحداثة الوافدة.

علوية صبح

على أن الدور الذي أنيط بالكلية، لم يأت من الفراغ المحض ولم يكن وليد الصدفة المجردة، بل تضافرت على تحقيقه عوامل عدة، بينها الامتحانات الجدية والنزيهة، التي كان على الطلاب المتبارين خوضها، لكي يحظوا بفرصة الالتحاق بالكلية. وبينها أن المقبولين من الطلاب كانوا قادمين من كافة مدن البلاد وقراها، ومن مناطقها الزراعية وأطرافها النائية، بما حوّل الكلية إلى وطن مصغر، تتفاعل بين ظهرانيه صفوة منتقاة من الطلبة المتفوقين، وأصحاب المواهب الفتية، والمخيلات الباحثة عن التفتح.

كما أن المنحة المالية التي كان يتقاضاها الطلبة المنتسبون للكلية، قد لعبت دوراً غير قليل في جعلها تتبوأ دورها الريادي بين كليات الجامعة الأخرى. ليس فقط لأنها تمنح هؤلاء مكافأة مادية لا توفرها أي مؤسسة أكاديمية مماثلة، بل لأن إعفاء الطلاب من مشقة البحث عن وظيفة أو مهنة توفر لهم سبل العيش، هو ما أتاح لهم التفرغ الكلي للدراسة، بقدر ما أتاح للكلية أن تتحول إلى ورشة دائمة للتفاعل الثقافي والفكري بين مكوناتها المختلفة.

حسن داود

لم تعد الكلية بهذا المعنى مجرد مؤسسة رسمية لتدريب الطلاب وتهيئتهم لمهنة التعليم، وهي التي حملت عند تأسيسها عام 1951 اسم «دار المعلمين العليا»، بل تمكنت بعد ذلك بسنوات من أن تتجاوز دورها الأساسي، لتتحول إلى منارة ثقافية حقيقية، وإلى مشروع فريد للتغيير وصناعة المستقبل. اللافت بهذا الخصوص أن ما حدث في بيروت الستينات والسبعينات، قد حدث ما يشبهه تماماً في بغداد الأربعينات، إذ كانت دار مماثلة لإعداد المعلمين، تضم بين جنباتها كلاً من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة، وتهيئ لهم الفرصة النموذجية والنادرة لإطلاق مشروع الحداثة الرائد، الذي لم يشهد الشعر العربي مثيلاً له عبر تاريخه.

ومع أن الفضل في ما أصبحت عليه الكلية، بنسختها اللبنانية، كان عائداً من بعض وجوهه إلى النخبة المنتقاة من أساتذتها، بينهم أدونيس وخليل حاوي وخالدة سعيد وأنطون غطاس كرم وأنيس فريحة والمطران جورج خضر ويمنى العيد وعلي شلق وريمون جبارة وميشال عاصي وغيرهم، فإنه كان عائداً من وجوه أخرى لنضالات الحركة الطلابية اللبنانية، كما للصفوة المختارة من الطلاب، الذين كان كلٌّ منهم يرسم للكلية دوراً يتجاوز دورها الأكاديمي، ويجعل منها صورة مصغرة عن الوطن الآخر، الذي كان يطمح لبنائه على مقاس أحلامه. ولن يعود من المستغرب تبعاً لذلك، أن يعمد العديد من الطلاب الناشطين والقياديين إلى الامتناع عن المشاركة في امتحانات نهاية العام، بهدف تمديد سنوات الدراسة لأقصى مدة ممكنة.

بول شاؤول

على أن سحر كلية التربية الفريد لم يكن متأتياً من قاعاتها الدراسية فحسب، بل كان منبثقاً بشكل خاص من ردهة الكافتيريا الواسعة، والواقعة أسفل المبنى الغربي، التي شهدت طاولاتها ومقاعدها أعمق النقاشات الفكرية والسياسية، وشهدت زواياها النائية ولادة الكثير من القصائد والنصوص النثرية، فيما شكلت من ناحية أخرى مسرحاً مناسباً لنشوء الصداقات وقصص الحب. اللافت في تلك الحقبة أن النجاح أو الفشل في نسج العلاقات العاطفية بين الطلاب والطالبات لم تكن معاييره متصلة بمنسوب الوسامة أو الثروة أو توفر السيارة والشقة السكنية، بل كان الطالب الأكثر صلة بالقراءة، والأكثراكتنازاً بالمعرفة، هو الأقدر من سواه على الفوز بقلوب الفتيات.

أما المهرجان الشعري السنوي الذي كان ينظمه ويشرف عليه بول شاوول، وآثر إعطاءه شكل المباراة بين الشعراء الشبان، فقد تحول من خلال مستوى المشاركين فيه، ولجنته التحكيمية المؤلفة من كبار الشعراء والنقاد اللبنانيين، إلى مناسبة دورية استثنائية، ينتظر انعقادها الكثيرون، ويقطع الفائز بجائزتها الخطوة الأولى على طريق الكتابة الشائك.

كلية التربية التي أُفرغت من الجدوى وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل 50 عاماً لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه

وإلى الشعراء والروائيين والمسرحيين والرسامين، كان ثمة نخبة واعدة موازية من القادة الطلابيين والمفكرين السياسيين والمناضلين من أجل التغيير. وإذا لم يكن بالمستطاع تسمية كل أولئك الذين تضافرت جهودهم لتضييق المسافة بين واقع وطنهم المتردي، وصورته المقابلة في نصوصهم ومخيلاتهم، والذين ما زال بعضهم يتصدر المشهدين الثقافي والسياسي في لبنان حتى يومنا هذا، يمكنني أن أسمي من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، عصام خليفة وأنور الفطايري وأنطوان سيف وبول شاوول ونصير الأسعد وإلياس عطالله وغسان شربل وجورج سمعان وإلياس خوري ورشيد الضعيف ومحمد العبدالله وعقل العويط وهاشم الأيوبي وحمزة عبود وعلوية صبح وهدى بركات وجودت فخر الدين وحسن داود وشربل داغر.

ولن تفوتني الإشارة في هذا الصدد إلى أن دور الكلية الثقافي لم يقتصر على الأنشطة الخاصة بأساتذتها وطلابها وحدهم، بل هي تعدت ذلك الدور لتجعل من قاعاتها المختلفة مساحة للثقافة والتنوير، يقف على منصاتها عشرات المبدعين اللبنانيين والعرب. وإذا كان البعض قد رأوا في وقفتهم تلك جواز مرورهم باتجاه التكريس، كما اعترف شاعر المحكية أسعد جوان، فقد استضافت الكلية سعيد عقل ومحمد الفيتوري وموريس عواد، إضافة إلى محمود درويش، الذي لم يتوان عن القول في الأمسية التي دعي لإقامتها، بأنه يشعر بالرهبة والخوف، لأنه يقف على المنبر الأكثر اتصالاً بمغامرة التجديد، معتبراً أن الأمسية تلك هي الامتحان الشعري الأصعب الذي يخوضه في حياته.

على أن ذلك الحلم الوردي لم يدم طويلاً، ليس فقط لأن الحرب الأهلية وما تلاها من كوارث قد أطاحت بجزء كبير منه، بل لأن السلطات المتعاقبة لم تستطع ابتلاع تلك الجرعة الفائضة من الحرية، وذلك المناخ غير المسبوق من الاندماج الوطني، فعملت على إجهاض التجربة من أساسها، لتقتصر مهمتها على تهيئة القادمين من الكليات الأخرى، للانخراط في مهنة التعليم، ولسنة واحدة لا أكثر، وليتوزع ما تبقى من المبنيين اللذين تشغلهما الكلية على مؤسسات جامعية أخرى. ومع ذلك فقد يبدو الأمر من بعض وجوهه، كما لو أن كلية التربية، التي أُفرغت من الجدوى، وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل خمسين عاماً، لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه، وعن الكيان الواعد الذي تعامل معه القائمون على مقدراته كغنيمة حرب، ولم يترددوا بعد ذلك في تحويله إلى حطام.


3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
TT

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة المدنية، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بدأ استكشاف هذا الموقع في نهاية القرن التاسع عشر، وجرت أعمال المسح فيه خلال ثلاثينات القرن الماضي، وتبيّن أنه بُني في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على عدد كبير من التماثيل المتنوّعة، منها 3 قطع يمثل كلّ منها رجلاً مدرعاً. ويوحي هذا الزي المشترك بأن هذه الأنصاب تجسّد قامات متنوّعة من العسكر، أي من «مجتمع الجيش» كما جاء في تعريف «لسان العرب».

لم يصل أيٌّ من هذه التماثيل الثلاثة بشكل كامل للأسف، غير أن ما تبقّى منها يسمح بتحديد تكوينها الأول، واللافت أنها تمثّل اختلافاً كبيراً في بنيتها كما في أسلوبها الفني. تحضر إحدى هذه القطع على شكل قامة منتصبة فقدت رأسها. وتقابلها قامة أخرى فقدت كذلك رأسها، وبقيت منها كتلتان مهشّمتان. تمثّل القطعة الثالثة نموذجاً مغايراً، وهي على شكل تمثال نصفي يضمّ الرأس والصدر. تحاكي هذه المجسّمات من حيث الحجم المقياس الطبيعي للإنسان، ويتبنّى كلٌّ منها طرازاً فنياً خاصاً يتجلّى في الشكل الخارجي كما في الصياغة المتبعة في النقش والنحت. تتميّز القطعة الأولى بقامتها المنتصبة، وتتبنّى الطراز الكلاسيكي الروماني بشكل لا لبس فيه، ويتجلّى هذا الطراز في البنية التشريحية الخاصة بها، كما في زيّها التقليدي.

تمثّل هذه القامة رجلاً يقف بثبات، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، شاهراً بيده سيفاً سقط القسم الأعلى منه وضاع. تتدلّى الذراع اليسرى وتبدو ملتصقة بالصدر، وتمسك اليد بترس دائري زُيّن بشبكة من النقوش الزخرفية، تتكوّن من سلسلة دوائر ملتفة حول ذاتها، أكبرها شريط مزيّن بالزخارف اللولبية، يليه شريطان نحيلان مجرّدان. وتحضر في الوسط كتلة ناتئة على شكل قبّة، تعلوها سلسلة من الخطوط العمودية المرصوصة على شكل أسنان المشط. يرتدي هذا العسكري اللباس الروماني التقليدي، ومقوّماته سترة مدرّعة تنسدل وتحجب أعلى الساقين، مع حزام معقود حول الخصر. تزيّن هذه السترة 4 سلاسل من المساحات البيضاوية المرصوصة، تحاكي ما يُعرف بـ«لبوس الحديد» في «لسان العرب»، وتعلو هذه اللبوس منصات الكتف التقليدية المزيّنة بمساحات مماثلة، تنعقد على شكل سوارين عريضين حول أعلى الذراعين. يبدو هذا التمثال رومانياً من حيث الأسلوب، ويعكس نموذجاً شاع في تدمر كما في البتراء خلال القرون التي سبقت ظهور الإسلام.

اتخذ هذا النمط طابعاً محلياً نتيجة لهذا الانتشار، ويحفل الميراث الأدبي بالشواهد التي تؤكّد ذلك، منها قول أبو الأخزر الحماني: «مقلصاً بالدرع ذي التغضن/ يمشي العرضنى في الحديد المتقن». وقول عمرو بن معديكرب الزبيدي: «إن تلقَ عمراً فقد لاقيت مدرعاً/ وليس من همه إبل ولا شاء».

تأتي القطعة الثانية على شكل كتلتين منفصلتين لم يتمّ جمعهما كما يبدو. تمثّل إحدى هاتين الكتلتين الصدر، وتمثّل الأخرى الساقين، وفيهما يبدو اللباس على شكل عباءة تمتدّ حتى حدود الركبتين، كاشفة عن سروال فضفاض. يتبنّى هذا اللباس الطراز الساساني، ويعلوه شريط مضفور بسلسلة من الدوائر ينسدل حول العنق، وحزام مماثل ينعقد حول الخصر. تزين السروال شبكة متجانسة من المربّعات الملتوية تُعرف باسم «المُعين»، وتزيّن العباءة سلسلة تحاكي التعزيزات القشرية، ممّا يجعل منها قميصاً مدرّعاً، أي «قميص من حديد يلبس وقاية من السلاح»، كما يقول «لسان العرب».

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو كما أشرنا على شكل تمثال نصفي، يجسّد كما يبدو جندياً مدرّعاً يعتمر خوذة عريضة تعلوها قبة مزيّنة بشبكة من الخطوط العمودية. فقد هذا الجندي ذراعه اليمنى، وبدت ذراعه اليسرى مرفوعة في اتجاه صدره، غير أن يده تساقطت وبات من الصعب تحديد حركتها الأصلية. الوجه دائري ومكتنز، مع شاربين مقوّسين ولحية قصيرة تلتف حول ذقنه. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان، والعينان شاخصتان، وهما لوزيتان، ويتوسّط كلاً منهما بؤبؤ دائري عريض، يعلوه ثقب دائري غائر. الأنف قصير وناتئ، والثغر صغير، مع شق أفقي بسيط يفصل بين شفتيه. يماثل هذا الوجه في تكوينه الوجوه العديدة التي خرجت من قصر هشام في خربة المفجر، ويعكس نسقاً محلياً طبع النتاج الفني الأموي الخاص بميدان النحت.

تؤلّف هذه القطع المنحوتة مجموعة صغيرة تعكس صورة مختزلة لـ«مجتمع الجيش» في العالم الأموي، وتقابلها صورتان تفصيليتان من جداريات قصير عمرة في الأردن، تظهر في كلّ منها صورة عسكري يعتمر كذلك خوذة عريضة مقبّبة. يتكرّر هذا النموذج في لوح مستطيل منجز بتقنية الجص الجيري المنحوت، مصدره موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية في البادية السورية. تعلو هذا اللوح صورة فارس يظهر معتمراً خوذة مشابهة، ملتحفاً لباساً مدرّعاً، تعلوه شبكة من التعزيزات القشرية.

من ناحية أخرى، تشكّل هذه المجموعة الصغيرة رافداً من مجموعة كبيرة من الصور المنحوتة خرجت من موقع خربة المفجر في البادية الفلسطينية، وتقابل هذه المجموعة أخرى مشابهة خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. تشكل هذه الصور المنحوتة دليلاً حياً على استمرارية هذا الفن في بلاد الشام في ظل الحكم الأموي، بعد تراجعه في العهد البيزنطي، كما تؤكّد تبنّي السلطة الحاكمة لهذا التقليد في ميدان العمارة المدنية تحديداً.


بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

بروست
بروست
TT

بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

بروست
بروست

كيف تتحوّل تفاصيل الحياة اليومية، في أصغر تجلّياتها وأكثرها هشاشة، إلى مادةٍ خالدةٍ للذاكرة وللأدب؟ هو السؤال الذي يجيب عليه كتابٌ جديدٌ بعنوان «مائة رسالة غير منشورة» صادر عن دار «أونوري شامبيون»، وهو يضمّ مائة وثيقةٍ غير منشورة، أغلبها مسوّدات، إلى جانب رسائلَ تلقّاها الكاتب الفرنسي مارسيل بروست من محيطه القريب، وكلّها تنتمي إلى مجموعةٍ نادرة جمعها الكاتب بنفسه وحافظ عليها في أوراقه الخاصة، تم العثور عليها بعد وفاته. وقد دخلت هذه المراسلات إلى المكتبة الوطنية الفرنسية، لتُكمل ما يُوصف بـ«مجموعة الرسائل الفريدة التي جمعها بروست بنفسه».

تغطّي هذه الرسائل فترةً تمتدّ من 1886 إلى 1922، أي من صبا بروست حتى رحيله. وتتنوّع طبيعتها تنوّعاً مذهلاً: من البرقيات القصيرة الموجّهة إلى الخدم، إلى الرسائل الطويلة المكرَّسة لأسئلةٍ لغوية وأدبية عميقة. وتكشف هذه الوثائق، في طيّاتها، عن جوانب متعدّدة من حياة الكاتب، كمصاعبه المالية وصحّته المتعثّرة، إلى جانب حياته العاطفية وانشغاله الدائم بالكتابة. وتبرز من هذه المراسلات شخصيةُ والدة بروست، السيدة جان ويل - بروست، وهي المُخاطَبة الرئيسية والمُحاوِرة الفكرية الأولى له. كان يتبادل معها رسائل شبه يومية رغم أنهما كانا يعيشان في البيت نفسه لكن لم يكونا يستيقظان في الساعات ذاتها، فكان يفتتح رسائله إليها بعبارة «أمّي الصغيرة العزيزة»، كتب في إحداها: «هل تحفظين لي هذه الورقة الصغيرة لأنني أسجّل فيها في لحظةٍ بعض الأفكار... على عجلٍ... ألفُ قبلةٍ حنون. مارسيل». وهذا الطلب بالذات يكشف كيف كان بروست يعدّ حياته اليومية كمادة أدبية قيد التشكّل. وكان يشكو لأمه صعوبة النوم، إذ كتب لها قائلاً: «الحادية عشرة والربع، ولم أبدأ بعدُ حتى بالتفكير في النوم؛ ربما كان السبب القهوة أو الدواء، لكني لم أتعرض لأزمة ربو اليوم. ألفُ قبلةٍ حنون. مارسيل».

لكنّ المفاجآت الحقيقية تكمن في الأصوات الهامشية التي تستعيد حضورها. فهناك صوت «أوجيني المسكينة»، وهي على الأرجح أوجيني ليميل، إحدى خادمات بيت بروست، ولا يعرف منها سوى هذه الكلمات الوحيدة الباقية في كلّ ما وصلنا من أرشيف بروست، إذ تُشكّل رسالتها إليه الأثرَ الخطّيَّ الوحيد المنسوب إليها. وهناك صوت سيليست ألباريت، مدبّرة البيت الوفيّة التي رافقت بروست حتى عتبة الموت. ففي رسالةٍ كتبتها سيليست إلى أخيه روبرت بروست في نوفمبر (تشرين الثاني) 1922، أي قبل أيامٍ قليلة من وفاة الكاتب، تقول: «سيّدي الأستاذ، لقد أمضى سيّدي مارسيل ليلةً فظيعةً، وكذلك النهار... سُعالاتٌ كثيرة تخنقه بشدّة. وهو أكثرُ من أيّ وقتٍ مضى مصمّمٌ على ألّا يُعالَج، وألّا تُوقَد النارُ في غرفته المتجمّدة. إنّي يائسةٌ من أن يستطيع أحدٌ ما أن يُمارس عليه شيئاً من التأثير». وتضيف الخادمة الوفية أنّ الكاتب كان يطلب منها منع الزيارات حتى يتفرّغ للكتابة، وكان يشرب كوباً من نقيع أعواد الكرز قبل أخذِ دواءٍ مهدِّئٍ للسُّعال.

تكشف الرسائل عن جوانب متعدّدة من حياة الكاتب كمصاعبه المالية وصحّته المتعثّرة إلى جانب حياته العاطفية وانشغاله الدائم بالكتابة

إلى جانب الحياة الشخصية، تقدّم هذه المراسلات إضاءاتٍ على تاريخ تشكّل العمل الروائي للكاتب. فنكتشف أنّ بروست عرض الجزء الأول من روايته «البحث عن الزمن المفقود» على أكثر من ناشرٍ قبل أن يستقرّ به المطاف عند «غاليمار». كما نعثر، في رسالةٍ مذهلة موجّهة إلى باحثٍ لغوي، على تحقيقٍ مطوّل في الأسماء الجغرافية المُختلَقة لمدينة كومبراي التي تخيّلها مارسيل بروست في روايته «من جانب منزل سوان»، وتُصاحب هذه الرسالة وحدها سبعُ صفحاتٍ من الملاحظات، وكأنّها سَبرٌ لغويٌّ منهجيّ يدلّ على أنّ بروست لم يخترع أسماءه اعتباطاً، بل كان ينقّب في المعاجم الطوبوغرافية وفي أصول الكلمات اللاتينية والنورماندية حتى يمنح «كومبراي» المتخيَّلة نسباً لغوياً متيناً يجعلها تبدو وكأنها بلدةٌ اقتُطعت من خريطة فرنسا الحقيقية.

ومن أطرف ما يُكشف عنه في هذه المراسلات تفاصيلُ الحياة العاطفية لمارسيل بروست. فنجد قصيدةً نثرية موجّهة إلى صديقه الحميم رينالدو هان، وهو ملحّنٌ وعازفُ بيانو جمعته ببروست قصةُ حبٍّ دامت سنتين، وهي من أهمّ علاقات الكاتب الفرنسي، ورسالةُ قطيعةٍ موجّهة إلى ألفريد أغوستينيلي، مساعده الخاص والحبيب الذي فقدَه في حادثة تحطّم طائرة، الذي يُقال إنه ألهم بروست شخصية «ألبرتين» في «البحث عن الزمن المفقود». كما نقرأ رسالةً لاذعةً إلى شابٍّ قابله بروست في بلدة كابور عام 1909 ثم أخلف موعداً معه، فردّ عليه بروست بسلسلةٍ من التوبيخات، إذ يكتب له: «لقد أوشكت أن تصادف فرصة شهيرة للصداقة»، ثم يصفه بأنه «ماءٌ عاديٌّ... لا يَثبت أبداً، سريع الانصباب كما هو سريع الانسكاب». ويرى نقّاد أنّ مقاطعَ من هذه الرسالة غذّت لاحقاً توبيخ «سوان» المرير لـ«أوديت» في الرواية.

وتُطالعنا أيضاً في هذه المجموعة أصواتٌ نادرة من مراسلي بروست، كالكاتب والرسّام لوسيان دوديه، ابن الروائي ألفونس دوديه، الذي كان بروست معجباً به، وكان السبب في إنهاء علاقته العاطفية برينالدو هان، الذي ظلّ بالرغم من ذلك صديقاً لبروست.

ويقدّم الباحث الأميركي فيليب كولب، الذي أصدر 21 مجلداً ضمّت أكثر من خمسة آلاف وثلاثمائة رسالة معروفة لبروست، استعارةً بليغةً تصلح مفتاحاً لفهم قيمة هذه المراسلات، إذ يكتب أنّ رسائل بروست، إذا قُورنت بروايته، تشبهها «في حدود ما يشبه ظهرُ القماشة وجهَها: تتميّز فيها كلّ الخيوط وكلّ الألوان، لكن ما ينقصها هو وضوحُ الرسم وإتقانه، أي الفنّ بعينه»، ويضيف: «في رسائل بروست نجد كثيراً ممّا وضعه في عمله، لكننا نراه في ضوءٍ أقلّ شاعريةً وأكثر صدقاً».

أمّا الناقد تييري مولنييه، فقد رأى في رسائل بروست «نداءً للهواء»، وهو التعبير الذي استخدمه في تقديمه لكتاب «رسائل مارسيل بروست إلى أنطوان بيبيسكو». ويرى مولنييه أنّ الكتابة عند بروست كانت ضرورةً يفرضها المريضُ المهدَّد بالاختناق. فحتى في أقصر الرسائل وأكثرها تفاهةً، يتجلّى قلقٌ خفيّ، واستعجالٌ، ونفادُ صبرٍ، وشكوى. وهنا يكمن التحليل الأعمق: فبروست لم يكن مجرّد «سيّد الزمن المُستعاد»، بل كان أيضاً رجلاً يصارع يومياً الألمَ، والانتظارَ، لذا كانت مراسلاته وسيلتَه الوحيدة للاتصال بالعالم الخارجي من غرفته المغلقة، وللتحكّم في المكان، ولفتح أبواب الخيال على مصراعيها. ولعلّ أعمق ما تُلمح إليه هذه المراسلات هو أنّ الفصل بين «الحياة» و«الأدب» كان وهماً عند بروست. فالرسائل التي يكتبها إلى أمّه ليشكو لها الأرق، أو إلى خادمته ليطلب كوباً من نقيع أعواد الكرز، ليست هامشاً للعمل، بل هي مادّتُه الخام. إنها ظهرُ القماشة الذي يحمل في خيوطه المتشابكة وعدَ الوجه القادم. وكأنّ الزمن، في لحظته الأخيرة، لا يُستعاد إلا بالكتابة، ولو كانت بضع كلمات.